/ صفحة 158 /
رجل الدّين ومصدر الأحكام الشرعية
لحضره صاحب الفضيلة
الأستاذ الشيخ محمد جواد مغنيه
المستشار بالمحكمة الشرعية الجعفرية العليا ببيروت
يمكن التعبير عن رجل الدين ووظيفته بأنه (مأمور تبليغ) مجتهداً كان أو مقلداً فالمجتهد ينقل عن الكتاب والسنة، والمقلد ينقل عمن يقلده.
وليس لرجل الدين أية سلطة تشريعية منهما بلغت مقدرته العقلية، ومنزلته العلمية والدينية، بل ليس لأصحاب رسول الله صلى عليه وآله مجتمعين، ولا للتابعين وعلماء المسلمين كافة أن يضعوا أحكاما وقوانين دينية من عند أنفسهم، بل إن تعاليم الرسول ما هي إلا وحي يوحى، وتبليغ عن الله سبحانه، وليس للرسول فيها سوى شرف الرسالة الإلهية، وفضل الأمانة في تبليغها، وعظمة الجهاد في سبيل بثها وإحيائها (ما على الرسول إلا البلاغ).
إذن على رجل الدين أن يبني أحكامه وأقيسته وتحقيقاته في كل أمر من أمور الشرع على أساس الكتاب والسنة، فإن تجاوزهما إلى اجتهاد لا يستند ابتداء ولا ينتهي بوسيلة مشروعة إلى أحد هذين الأصلين فقد تجاوز حده، واتخذ لنفسه سلطة الاستقلال في التشريع التي لم يخولها الدين للأنبياء والأوصياء، وهذه بديهة ليست محلا للنظر والبحث في أي مذهب من المذاهب الإسلامية، ومرجعها إلى
/ صفحة 159 /
قول الله تعالى: (إن الحكم إلا لله بقص الحق وهو خير الفاصلين). (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) فلم يأمر الله سبحانه ـ عند التنازع والالتباس ـ بالرجوع إلى المحسنات والتعليلات التي لا تمت إلى الكتاب والسنة بصلة قريبة أو بعيدة، وقد اتفقت كلمة المذاهب على أن كل محدثة يدعة، وكل بدعة ضلالة،
أما الشيء الذي لا نص عليه بالذات فيستخرج حكمه من عمومات الكتاب والسنة (ما فرطنا في الكتاب من شيء).(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) فقول الله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) يدل بعمومه على حلية كل قديم وجديد لم يقم الدليل على حرمته، وأظهر منه في الدلالة حديث: (رفع عن أمتي ما لا يعلمون) كما دل قوله سبحانه: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وحديث (لا ضرر ولا ضرار) على أن الأحكام الثابتة لعناوينها لا تشمل مورد الحرج والضرر، فوجوب جلد الزاني الثابت بآية (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، لا يتجه على من يؤدي جلده إلى هلاكه، وصوم شهر رمضان لا يطلب من المريض.
إن الآيات والأحاديث الدالة على أحكام عامة لا يحصيها العد والبيان، ومعها لا نحتاج إلى تصريح خاص في حادثة تعرض لنا من جديد، بل نثبت بها أحكاماً لموضوعات لم يرد فيها نص بالخصوص، وننفي احكاماً عن بعض افراد المفاهيم التي ثبت حكمها بالدليل القطعي، ننفي الحكم الثابت في مرحلة التشريع والإنشاء لمصلحة أهم وأقوى وغاية أنفع وأسمى، هذا الميدان الفسيح يغني عن كل تعليل لا شاهد عليه من التنزيل.
ولو تتبعنا أقوال الفقهاء ولاحظنا الأدلة التي يعتمدونها لاستخراج الحكم، لرأينا كثيراً منهم يخرج أحيانا عن هذه الجادة القويمة من حيث يقصد السير عليها
/ صفحة 160 /
والتعبد بسلوكها، فمنهم من شدد في اتباعها، وبالغ في التضييق إلى حد استلزم إهمال الدليل ومخالفته مع قيامه ووضوحه.
نقل عن مؤمن أنه دعى إلى حضور ختان، فلم يجب، وقال: لم يكن يدعي له على عهد رسول الله
(صلى الله عليه وسلم).وتجد هذا النوع من التشديد عند المتقدمين ـ في الغالب ـ ومنهم من أفرط واندفع مع خياله يعلل ويحلل، يبني المقدمات، ويستخرج نتائج يزعم أنها شرعية وهي بعيدة عن نصوص الشرع وروحه بعد السماء عن الأرض، ويكثر هذا النوع في الكتب المؤلفة في العصور الأخيرة للشيعة والسنة.
فالقدامى يكادون يقفون عند النص الخاص، حتى كأن لم يكن في الكتاب والسنة، عمومات وقواعد كلية، ومن المتأخرين من يتجاوز حد المطلقات والعمومات، ويطلق العنان لخياله وفلسفته.
والطريقة المثلي أن يخرج أولئك من أفقهم الضيق المحدود، وينظروا نظرة أبعد وأكمل، وأن يقف هؤلاء عند المصدر الوحيد للدين، عند القرآن وأحاديث الرسول، فإن الوقوف عند هذين الأصلين يركز الفقه على أسس علمية صحيحة ثابتة، ويقضي على الخلاف والارتباك السائدين بين فقهاء المسلمين وأئمة المذاهب.
لقد علق بالدين من جراء العادات والتقاليد والحضارات المختلفة المتباينة أشياء حسبها كثير من الناس جزءاً منه وركنأ من أركانه، وكانت السبب الأكبر في انقسام المسلمين، وتعدد مذاهبهم، وتناحرهم، وما يه من الدين في كثير أو قليل.
لقد رأينا رجالا ينعتهم الناس بلقب الفلاسفة والعلماء والأدباء، يعللون ويفسرون أعمالهم بمنطق العلم والعقل، مع أن الكثير منهم يستمد تفكيره من نفسه وظروفه، فمن الجائر ـ والحالة هذه ـ أن يستنبط الفقيه أحكاما بهذا الدافع، وهو يحسب أن رائده منطق العلم والدين.
/ صفحة 161 /
إن الإسلام قد حذر من الظالم لنفسه ولغيره، وممن كثرت أوهامه ولم يثبت على رأي، فألغى شك كثير الشك في الصلاة والطهارة، ولم يعول على شهادته إذا شهد بنجاسة شيء في يده أو يد غيره.
إن الغرض من هذه الاشارة أن يتنبه المصلحون من رجالات الإسلام إلى تنقية الدين من الشوائب وتحريف المبطلين، وأن يقيسوا الأحكام الشرعية بقياس الكتاب والسنة فقط، لا بما جاء في كتاب قديم، أو بما قاله عالم كبير، ولا يؤيدوا أحكام الشرع إلا بقول كفء عرف بالعلم والاعتدال في الذوق، والسلامة في التفكير، ونبذ العصبيات، ولم يتغلب على عقله ودينه شيء من السياسة والوراثة.
بهذه الوسيلة، وهي الرجوع إلى دستور الإسلام الخالد نستطيع أن نقرب بين المذاهب الإسلامية في أصولها وفروعها، وإذا كان من خلاف فينحصر في مفاد بعض الآيات ودلالتها، وفي ثقة الراوي، وضبطه.
لقد رأينا الشيعة يعولون على نقل من خالف مذهبهم إذا كان أمينا صادقا، كما رأينا السنة يعتمدون على رواة الشيعة الثقات في كثير من الموارد.
ومتى كانت أصول الاستنباط، ومؤهلات الاجتهاد، وشرائط النقل معلومة متفقاً عليها لدى الجميع، قل الخلاف والتنازع، وحصل القرب والوئام في أكثر المسائل التي أوجبت التفرقة، وأبعدت شقة الخلاف بين المسلمين، ولم يبق بين المذاهب سوى فوارق عادية، وأمور جزئية كتفسير لفظ، أو تقييد مطلق، أو تخصيص عام، أو نسخ آية، أو النظر في مدى ثقة راوِ، أو نحو ذلك، ومثل هذا لا يؤسس مذاهب مستقلة، ولا يكوّن طوائف عدّة.