/ صفحة 162 /

أنِزلَ القرآن على سَبعَة أحرُفٍ

للأستاذ عبد الستار أحمد فراج

المحرر بمجمع فؤاد الأول للغة العربية

كان من سماحة الإسلام أن أباح للعرب قراءة القرآن بلهجاتهم التي اعتادوها، وترك الألسن على سجيتها من إمالة وتفخيم وما شابه ذلك من طريقه أداء اللفظ بنغمة تخضع لعادة الإنسان اللغوية حيث لا يمكن الانسلاخ عنه بسهولة فالقبيلة التي اعتادت الأماله يكون من العسير عليها أن تنطق بالفتح، والقبيلة التي تسهل الهمزة، يكون من الشاق علها تكلف التحقيق.

فليس من الممكن التضييق على القبائل العربية بجعلها تجري على نهج واحد، وتسلك طريقاً بعينها مخالفة بذلك عادتها اللغوية، أو لهجتها، ودين الله يسر لا عسر، وهذه الإباحة أرشد إليها الحديث المرفوع (اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها) وفُهمت من أن الرسول قرأ فأمال)يحيى(فلما سئل في ذلك، قال: هذه لغة الأخوال بني سعد.

أما حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف، فلم يكن مقصوداً به اللهجات التي هي عادة لغوية تتحكم في عضلات النطق، وكل توجيه لهذا الحديث على أنه يراد به لهجات القبائل، إنما هو توجيه خاطئ، أو هروب خاطئ من معناه الحقيقي الذي تظاهره جميع الروايات الصحيحة لهذا الحديث. معلوم لكل إنسان أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة، ولا في مكان واحد بل نزل منجها منجما في ثلاثة وعشرين عاما بمكة والمدينة وما حولهما، وكانت الآيات ينزل بها جبريل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيتلقاها المؤمنون من فم الرسول، ويكتبها

/ صفحة 163 /

من عُرفوا بأنهم كتاب الوحي، كما يمليها عليهم الرسول الكريم. ولم أجد ـ على كثرة ما قرأت ـ مَن ذكر العام الذي قيل فيه حديث (1))أنزل القرآن على سبعة أحرف(ولو على وجه التقريب، فرأيت أن أراجع طرقه ورواته، من الصحابة ومن ذكروا فيه وظروفه، فتبين لي ما يأتي:

1 ـ ليس هناك شك في أن الحديث كان بعد الهجرة لأن فيه من الصحابة الذين رووه، أو وقعت معهم الحادثة: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأم ايوب وغيرهم، وهؤلاء أنصار من أهل المدينة.

2ـ إن هذا الحديث كان بعد العام الثامن من الهجرة للأسباب الآتية:

(ا) من رواته أبو هريرة، وقد أسلم سنة سبع من الهجرة.

(ب) من رواته ابن عباس، وهو قد ولد قبل الهجرة بثلاثة أعوام، ولا يشترك في الرواية، ولا يهتم بها، إلا بعد أن يتجاوز العاشرة من عمره على الأقل، وهو لم يتجاوزها، إلا بعد سنة سبع من الهجرة.

(جـ) ممن ذكروا في طرق الحديث: زيد بن ثابت، على أنه أقرأ غيره، وزيد بن ثابت كانت سنة حين قدم الرسول المدينة، أحد عشر عاما، ولا يكون زيد مقرئاً لغيره، إلا بعد أن يتجاوز حد الحلم. وعلي أقل تقدير تكون سنة ليؤخذ عنه القرآن في عهد الرسول سبعة عشر، أو ثمانية عشر عاما.

(د) من رواته عمرو بن العاص، وقد أسلم سنة ثمان من الهجرة.

(هـ) من رواته من الصحابة، وأبو بكرة نفيع بن الحارث، وقد أسلم في حصار الطائف، وقد كان ذلك في أواخر شوال، وأوائل ذي القعدة، من العام الثامن الهجري.

(و) وأقوى دليل واثبته، أن بعض النزاع في القراءة كان يبن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم، وقد أسلم هشام يوم فتح مكة، وكان فتحها في العام الثامن الهجري

تراجع تراجم الصحابة في الإصابة وأسد الغابة، ويراجع الحديث وشروحه ورواياته في النشر وفتح الباري وتفسير الطبري والإنقان.

/ صفحة 164 /

في أواخر رمضان، ولم يرجع الرسول إلى المدينة إلا في ذي الحجة، فعلى أقل تقدير يكون الحديث في أوائل العام التاسع الهجري.

(ز) يضاف إلى إن الحكمة التي قصدها الإسلام في الحديث كان وقتها المناسب حينما كثر المسلمون كثرة تجعل من العسير الاشراف عليهم جميعاً ولم يكثروا الا بعد فتح مكة واذن لقد هاجر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، واتسعت دائرة الإسلام وكثر الأتباع، وقد مضى عليهم ثلاثة عشر عاما في مكة، وثمانية أعوام في المدينة يَقرَءون بعادتهم اللغوية، فلم يصل إلينا أن بعضهم أنكر على بعض في القراءة، أو شك بعضهم في تلاوة الآخر.

نعم لقد مضى على الإسلام والقرآن في مكة ثلاثة عشر عاما، نزلت فيها بضع وثمانون سورة، ثم ثمانية أعوام في المدينة نزل فيها كثير من السور، فما حدث خلاف بينهم مع إسلام كثير ممن لهم لهجات مختلفة من إمالة وتسهيل وغير ذلك، وما أتانا خبر عن تنازعهم الذي أدى إلى أن يلبب عمر هشام بن حكيم بردائه وهما قرشيان لهجتهما واحدة، ويذهب به إلى الرسول ليستقرئه، والي أن يدخل الشك في قلب عمر فيقول الرسول ثلاثا: أبعد شيطانا، وأن يدخل قلب أبي بن كعب من التكذيب، ولا إذ كان في الجاهلية فيضرب الرسول صدره فيتصبب عرقا...

* * *

العرب أمة أمية أغلبهم لم يقرأ كتاباً قط، ومنهم ـ كما في الحديث ـ الشيخ الفاني، ومنهم الغلام، ومنهم العجوز الكبير، وهؤلاء تعجز ذاكرتهم عن الحفظ الوثيق وبخاصة أن القرآن قد كثرت سوره وتعددت آياته، والرغبة الدينية في النفوس قوية إذ كانوا يحرصون على تلاوة القرآن، فلا تنزل آية إلا بادروا إلى استماعها وتلقيها، ولكن ما يكاد يمر عليهم زمن حتى يشتبهوا أن يكون هذا اللفظ أو مرادفه هو المنزل، وأكثرهم لم يكتبوه لأميتهم، فيرجعوا إلى الرسول، وإلى من كتبوه يستعيدون ما تلقوه، ويتكرر ذلك، والرسول يشهد ما هم فيه من معاناة، وما يبذلونه من جهد، ويعلم ـ كما قال لهم ـ أن القرآن أشد انفلاتاً من الإبل

/ صفحة 165 /

في عقلها، ورأى أفراد الأمة بعد فتح مكة قد كثروا. فمن يرعاهم إذا اختلفت ألفاظهم، ومن يردهم إذا نقصوا أو زادوا؟ والرسول كما قال الله فيه: (بالمؤمنين رءوف رحيم) يسعى إلى التخفيف عن الأمة، ولا يريد أن يشق عليها، فقد سأل الله من قبل أن يخفف عنهم الصلوات الخمسين حتى صارت خمس صلوات في اليوم والليلة، كما يعلم أن الله بشئون عباده عليم خبير، وفي أحكامه حكيم بصير، فقد جعل الله سبحانه وتعالى في أول أمر المسلمين كل فرد منهم في الجهاد بعشرة أشخاص (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين. وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا) الأنفال / 65.

ثم لما كثروا وهو عالم بضعفهم خفف عنهم فجعل في القتال كل رجل يعادل اثنين (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله) الأنفال / 66.

لهذا لجأ الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى الله يسأله التخفيف عن امته والرحمة بها)إني بعثت إلى أمة أميين منهم الغلام والخادم والشيخ الفاني والعجوز الكبير()فأتاه جبريل فقال إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف واحد، فقال الرسول: أسأل الله معافاته ومغفرته سل الله لهم التخفيف فإنهم لا يطيقون ذلك، فانطلق جبريل ثم رجع فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: اسأل الله معافاته ومغفرته انهم لا يطيقون ذلك سل الله لهم التخفيف فانطلق ثم رجع فقال إن الله يأمرك إن تقرئ امتك القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منها بحرف فهو كما قرأ ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة.

لقد جاءت رحمة الله وصدر الإذن بأن يُقرأ القرآن بحروف مختلفة ـ والسبعة دليل الكثرة ـ يعلمه جبريل (عليه السلام) الحروف، وهي الألفاظ وأداء الجملة ـ كما تؤيد ذلك اللغة ـ على شريطة ألا يتغير المعنى، ولا يختلف السياق، فبدأ الرسول يلقن الصحابة ما أنزل الله عليه، هذا يلقنه الآية بألفاظ، وذلك يلقنه الآية

/ صفحة 166 /

بالألفاظ مع اختلاف في بعضها، وإن كان المعنى واحداً،لقنه كلَّ ذلك جبريل بإذن من الله العزيز الحكيم (فأيما واحد أصاب من ذلك حرفا فهو كما قرأ).

فغذا المسلمون وقد حفظوا ما لقنهم، فدخل عمر بن الخطاب المسجد فسمع هشان بن حكيم وهو قرشي مثله يقرأ سورة الفرقان بخلاف ما لقنه الرسول، فكاد يساوره في الصلاة، فتصبر حتى سلم، فلما سلم لببه بردائه، وقال له: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، قال: أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: كذبت فوالله إن رسول الله لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلق يقوده إلى الرسول، فقال: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال الرسول: أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعه عمر يقرؤها، فقال الرسول: هكذا أنزلت، ثم قال الرسول: اقرأ يا عمر فقرأ القراءة التي أقرأه الرسول، فقال الرسول: هكذا أنزلت، فوقع في صدر عمر شيء، فعرف النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك في وجهه فضرب صدره وقال: ابعد شيطانا ابعد شيطانا ابعد شيطانا، ثم قال يا عمر إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منها، إن القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذابا أو عذابا رحمة.

وإذا في صلاة أخرى كان أبي بن كعب في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرها عليه ثم دخل رجل آخر فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه، وقال كل منهما: إن الرسول أقرأه كذلك، فدخلوا جميعاً على الرسول، فقال أبي: يا رسول الله، إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه فأمرهما فقرآ فحسن شأنهما، فوقع في نفس أبي من التكذيب ولا إذ كان في الجاهلية فلما رأى الرسول ما غشيه ضرب في صدره ففاص عرقا كأنما ينظر إلى الله فرقا، ثم قال له الرسول يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف فرددت عليه أن هون على أمتي.. الخ الحديث.

وظل الأمر كذلك، وعرف كثير منهم السبب في الاختلاف والحكمة الإلهية،

/ صفحة 167 /

ولكن ما زال بعض الصحابة يذهبون إليه يشكون، فهذا رجل جاء إليه، فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة أقرأنيها زيد بن ثابت، وأقرنيها أبي بن كعب ـ وزيد وأبي أنصاريان خزرجيان من بني النجار ـ فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيهم آخذ؟ فسكت الرسول وعليّ إلى جنبه، فقال علي: ليقرأ كل إنسان كما علم، كلٌّ حسن جميل. ثم ما زال بعض الناس يختلف ويشكو فهذان رجلان قد اختلفا في القراءة، فقال هذا: أقرأني النبي. وقال هذا: أقرأني النبي، فأتى النبي فأخبر بذلك فتغير وجهه، ثم قال: اقرءوا كما علمتم، وقال: إنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم على أنبيائهم، فقام كل رجل وهو لا يقرأ على قراءة صاحبه(.

لقد وضح الرسول مرة وأعاد الإيضاح مرة أخرى، وما يزال الشك والشكوى فسكت ليجيب غيره بما أجاب به من قبل، ثم ما يزال الشك والشكوى مع ما علم وفهم، فغضب من اختلافهم عليه بعد أن قال: اقرءوا كما علمتم، والرسول يغضب إذا رخص في شيء، ثم يرى من يريد التشديد والعسر، فق سبق أن كان في غزوة وكان المسلمون صائمين، فشق عليهم الصيام، وبلغ الرسول ذلك، فأفطر وأمر بالإفطار، فامتثل الأكثرون وأبى أن يفطر بعض المسلمين، فغضب وقال (هلك المتنطعون) وقال:)هلك المتنطعون(وقد يعترض إنسان قائلا: لم لا تكون الحوادث السابقة في أزمان متباعدة، وأن بعضها مثلا كان عقب الهجرة؟ وأعتقد أن الجواب على هذا في غاية السهولة، فإن أمراً يحدث شكا في القلوب ويكاد يهز العقائد الراسخة ويكون في القرآن الكريم الذي يحرص جميع المسلمين على معرفة منزله، وما جاء به، وما يدور حوله، ثم لا يسمع أقرب الناس إلى الرسول وألصقهم به بالمشكلة التي حدثت، والنزاع الذي نشب، يكون من العجب بمكان. وكيف لا يدري عمر بما حدث مع أبىّ إن كان ذلك قد وقع في زمن سابق متباعد؟ وكيف لا يدري عبد الله بن مسعود بما حدث، والبلدة وهي المدينة تضم الجميع؟ وليست من الاتساع بحيث تخفي أحداثها عن ساكنيها، وليسوا من ذوى التنافر والفرقة بحيث لا تتصل أمورهم، ولا تتعارف حوادثهم، وهم في كل صلاة حول الرسول

/ صفحة 168 /

وفي كل لحظة يتصلون به، والأخبار الإلهية، والأحكام الهامة، يحرصون على معرفتها، فما بالك إذا كانت في القرآن، وإباحة قراءته بأحرف كثيرة.

لقد كانت الحوادث متقاربة متتابعة، وأيضاً مفاجئة للجميع، وقد وضحها الرسول، وبينها في حزم وجلاء في أقرب فرصة وأسرع وقت، فاستيقنتها أنفسهم وزال عجبهم، وكفوا بعد ذلك عن اختلافهم وظل كل منهم يقرأ كما علم.

هذا في الواقع هو ربط الأحاديث والتوفيق بينها، وتلك مقتضيات ظروفها وملابساتها تؤيدها الروايات المختلفة والطرق المتعددة، وليس فيها من التعنت أو الفهم الخاطئ شيء، وقد أشار إلى كثير منها جلة العلماء السابقين من أعلام الإسلام، وإن كانوا لم يوضحوها كمال التوضيح. فليست المسألة مسألة إمالة وتفخيم وترقيق، إذ يناقض (1) فهم ذلك لفظ الحديث لأبي بكرة كقولك هلم وتعال واقبل(وقول أنس بن مالك خادم رسول الله حينما قرأ)وأصوب قليلا(فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة إنما هي أقوم، فقال: أقوم وأصوب وأهدى واحد وقول ابن شهاب، ولعله الزهري: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحداً لا يختلف في حلال ولا حرام، وقول الطبري: فقد أوضح نص هذا الخبر أن اختلاف الأحرف السبعة إنما هو اختلاف ألفاظ، كقولك، هلم وتعال باتفاق المعاني، لا باختلاف معان موجبة اختلاف أحكام وقول عبد الله بن مسعود: (فإنما هو كقول أحدكم هلم وتعال).

وهذا كله يبين لنا السر في بعض الاختلاف اللفظي في قراءة بعض القراء بالنسبة إلى غيرهم، لأن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها يرجع إلى أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف التي أمر بنسخها عثمان كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة، فلما أمر عثمان بحرق ما عدا تلك المصاحف، وأن يسيروا على رسم واحد ثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعاً من الصحابة بشرط موافقة الرسم العثماني ولو احتمالا، وتركوا ما يخالف الخط امتثالا لأمر

/ صفحة 169 /

عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثم تشأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين برسم وخط واحد.

ولقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن من الضياع والتغيير، فوفق إلى ما يأتي:

أولا: أن جبريل كان يدارس الرسول القرآن كل عام مرة، ودارسه في العام الذي قبض فيه مرتين، فكان هذا تعهداً للنصوص.

ثانياً: أن كتاب الوحي كانوا يكتبون نص ما ينطقه الرسول ولا يعتمدون على الحفظ فحسب.

ثالثاً: أن أبا بكر حينما وافق على جمع القرآن كان زيد بن ثابت يجلس أمام المسجد وهو يحفظ كتاب الله، ولكنه يلتقي من الصحابة ما كتبوه على أن يشهد شاهدان أن فلاناً هذا سمع هذه الآية من فم الرسول، وأن هذا المكتوب هو نفس ما سمعه، وأنه كتب بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجمع كل هذا الذي شهد عليه لا غير، وحفظ هذا المصحف إلى خلافة عثمان، فكثر اختلاف الناس في القراءات، وكادوا يقتتلون فجمع الناس على مصحف واحد نسخوه من المصحف الذي حفظ، وكان عند حفصة، وكان الناسخون هم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث المخزومي، وقد تركوا ما خالف المصحف الموجود من زيادة ونقص وإبدال كلمة بأخرى مما كان مأذونا فيه توسعة عليهم، ولم يثبت ثبوتا مستفيضا أنه من القرآن، ثم أمر عثمان ووافقه المسلمون حرصا على وحدة الأمة وجمعا لكلمتها وخشية أن يدخل في القرآن ما ليس منه، فأحرقت جميع المصاحف الأخرى التي لا تتفق مع الصحف الإمام، وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار كمن اقتصر مما خير فيه على خصلة واحدة، لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرخصة والتوسعة والتسهيل، وإذن فقد أصبحت هذه المصاحف التي أجمع عليها المسلمون هي التي يعول على رسمها في القراءة، وأضيف إليها شرط

/ صفحة 170 /

صحة سندها، وأن توافق العربية ولو بوجه من الوجوه، واعتبر ما عدا ذلك شاذا فما خالف اللغة العربية باطل، وما خالف الرسم العثماني مع صحة سنده شاذ تعبداً حيث خالف إجماع الأمة، وما لم يصح سنده شاذ بل باطل حيث لا دليل على قرآنيته، والواقع أن ما خالف الرسم العثماني قد هجره العلماء السابقون فانقطع سنده فأصبح مشكوكا في كونه من السبعة الأحرف فابتعد بذلك عن أن يكون قرآنا تصح به الصلاة والعبادات. وشرط التعبد بالقرآن أن يكون متصل السند صحيح الرواية، مقطوعا بقرآنيته.

أما الآراء التي تقول إن السبعة الأحرف هي حلال وحرام وترغيب وترهيب أو أنها محكم ومتشابه وقصص وأمثال. أو إنها أمر ونهي.. الخ. فكلها آراء بالغة الضعف لا تستند على أوهى دليل، ولعل في هذا تبيانا وتوضيحا سليما مقبولا من كل وجه، والله أعلم بكتابه وهو بكل شيء عليم.

فإذا جمعت أي قراءة صحة السند، ووافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا فهي واجبة القبول، سواء أ كانت من القراء السبعة المشهورين، أم العشرة، أم غيرهم من الأئمة المقبولين، ولهذا كان الحكم على إطلاقه بأن ما وراء العشرة شاذ لا تصح به الصلاة حكما خاطئا، لأن ما قرءوه لا يعتبر شاذا إلا فيما خالفوا فيه الرسم العثماني، أما ما وافقوه ولم يخرج عن العربية فهو صحيح تجوز به الصلاة والعبادات، لأنهم في الواقع أئمة مقبولون تلقى عنهم كثير من القراء وبخاصة السبعة، فالأعمش يعتبر شيخا لحمزة شيخ الكسائي، والحسن من شيوخ أبي عمرو، وكذلك ابن محيصين وقراءة أبي عمرو وصلت إلينا عن طريق اليزيدي، فلو لم يكونوا ثقات لما تلقى عنهم أحد، غاية ما في الأمر أنهم تلقوا بعض ما خالف الرسم العثماني واعتمدوه، وهذا كان مأذوناً فيه أولا كما مر، إلا أن المسلمين حافظوا على الرسم العثماني واعتبروه هو الأساس الذي يسيرون عليه ورفضوا التعبد بما عداه.

والذين انتهى إليهم من الصحابة سند القراء الأربعة عشر، هم: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن عباس، والحسين بن علي، وعبد الله بن عياش المخزومي،

/ صفحة 171 /

وعبد الله بن السائب المخزومي وهم قرشيون. وعبد الله بن مسعود من هذيل، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء وهم من الأنصار. وأبو موسى الأشعري من الأشعريين، هي قبيلة يمنية، وأبو هريرة من الأزد، ثم أصبحت مكة والمدينة والبصرة والكوفة ودمشق، مقراً لشيوخ القراءات في صدر الإسلام.

فبمكة عبد الله بن كثير، أحد القراء السبعة، ومحمد بن محيصين، من القراء الأربعة عشر. وبالمدينة نافع أحد القراء السبعة، وأبو جعفر من القراء العشرة، وبالكوفة عاصم بن أبي النجود وحمزة والكسائي، وهم من القراء السبعة وخلف من العشرة وسليمان الأعمش من الأربعة عشر. وبالبصرة أبو عمرو بن العلاء من السبعة ويعقوب من العشرة والحسن البصري والزيدي من الأربعة عشر. وبدمشق عبد الله بن عامر من السبعة.

وقد اشتهر غير هؤلاء جماعة بالأمصار الخمسة السابقة كحميد بن قبس بمكة وشيبة بن نصاح بالمدينة ويحيى بن وثاب بالكوفة وعبد الله بن أبي اسحق الحضرمي بالبصرة وعطية بن قيس الكلابي بالشام. إلا رواية قراءاتهم كاملة لم تدون كما دونت قراءات الأربعة عشر، ولا يعرف عنهم إلا ما تناثر في كتب التفسير والتراجم، وما كان لهم من أستاذية على بعض الفراء المشهورين حيث اختاروا من قراءاتهم لأنفسهم ما وافق شروط الاختيار.

وأول من تتبع وجوه (1) القراءات وتقصى الأنواع الشاذة فيها وبحث عن أسانيدها من صحيح ومصنوع هو هرون بن موسى القارئ المتوفى سنة 170هـ إلا أنه يؤلف باستقصائه كتابا. ثم جاء أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224هـ فكان أول من استقصاها في كتاب، ويقال إنه أحصى منها خمسا وعشرين قراءة مع السبع المشهورة.

أما أول من اختار السبعة المشهورين في عهدنا هذا، فهو أبو بكر بن مجاهد، وذلك في أواخر القرن الثالث الهجري ومفتتح الرابع. ولم يكن الكسائي معدودا

(1) النشر.

/ صفحة 172 /

من السبعة قبل عهد المأمون، وقد كان من الأئمة قبل ابن مجاهد من أخرج حمزة والكسائي من السبعة، وأدخل بدلا منهما أبا جعفر ويعقوب، فلما جاء الإمام الشاطبي اختار من اختارهم ابن مجاهد، وألف بهم منظومته حرز الأماني المسماة الشاطبية فاقتصر عليهم المتأخرون تبعاً له اختصاراً واختيارا.

وقديماً كانت ثقافة القراء واسعة، فلم ينصب أحد نفسه للإقراء بعد استنباط النحو ما لم يكن عالما بالعربية وأوجه الخلاف فيها، كما انهم لم يعدوا المرء عالما بالعريبة ما لم يكن ملما بالكثير من القراءات. وفي بدء الإسلام لم تكن هناك حاجة إلى علم القارئ بالنحو الذي لم تستوف أصوله بعد، وإن كان له مع ذلك إلمام واسع بمأثور العرب، في حين أن اللسان العربي صحيح، والسليقة لم تفسدها العجمة.

فإذا سرنا مع الزمن، وجدنا كل قارئ إماما في العربية، بجانب إمامته في القراءات.

فهذا أبو عمرو بن العلاء، كان حجة في كلام العرب ولغاتها وغريها. وهذا الكسائي، جمع إلى إمامته في القراءة إمامة الكوفيين في النحو، والإمام الشاطبي صاحب المنظومة المشهورة في القراءات، كان أعلم الناس بالعربية وعلومها، ومنظومته التي تبلغ ألفاً ومائة وثلاثة وسبعين بيتا، التي مطلعها.

بدأت ببسم الله في النظم أولا تبارك رحمانا رحيما وموثلا

أكبر دليل على قدرته العلمية والأدبية، وبراعته الفائقة لما شملته من جمال والنظم وحسن السبك ودقة الرموز وقد ظلت على الرغم مما عورضت به وألف على غرارها هي التي يحفظها من يريد تعلم القراءات السبع.

أما ابن مالك صاحب الألفية التي صارت مرجع كل عالم في النحو فقد كان حجة في القراءات، وإماما قدم الشام من الأندلس، وصار شيخ الإقراء بالمدرسة العادلية بدمشق، وألف قصيدة دالية في القراءات السبع، كما ألف منظومة لامية في القراءات على غرار قصيدة الإمام الشاطبي.