/ صفحة 200 /

الأصول الدينيّة

للفنّين الإسلامي والفارسي

لحضرة الأستاذ أحمد محمد عيسى

أمين مكتبة جامعة فؤاد الأول

The Reliqious Backqround of Islamic and Persian Art; by C Grand pierre 1938.

عترت على هذا البحث في المكتبة الهندية في لندن أثناء زيارتي لها في صيف سنة 1949، وقد أعجبني في البحث صراحة المؤلف في كلامه عن الإسلام، والروح المنصف الذي تناول به موضوع الفتوح الإسلامية والفن الإسلامي في البلاد التي خضعت للإسلام، ولهذا أردت أن أنقله إلى اللغة العربية، وأن أتقدم به إلى قرائها الأفاضل على صفحات (رسالة الإسلام) راجياً أن يكون فيه بعض الجديد بالنسبة إليهم.

موضوع هذا المقال بحاجة إلى الكلام في صراحة لمحاولة تصحيح الأقوال الخاطئة التي تأصلت بين الغربيين عن الإسلام وعن المسلمين الأولين، وهي الأقوال التي تولدت نتيجة الغرور والتعصب، وسوف أكون صريحاً هنا رغبة في الوصول إلى ما يساعد على إنارة أفكارنا عن الأحوال المعقدة، التي أحاطت الفن الإسلامي في مرحلة التكوين.

وفي اعتقادي أن الصراحة أمر جد هام، سواء أ كانت في محل القبول

/ صفحة 201 /

أم الرفض، وليكن واضحاً أن ما أبتغيه هو السعي لتقديم غذاء فكري يساعد على أن نكون أكثر استمتاعا بالفن الإسلامي من ذي قبل.

لا شك أن احتواء جانب واحد من متحف من المتاحف على آثار فنية لبلاد الهند والعراق يبرر استخدام تعبير (فن الشرق الأدنى) غير أن المسيحيين التزموا لفترة طويلة، استخدام تعبير (الفن المحمدي) وهو تعبير رفضه المسلمون رفضاً باتاً، لأنهم يؤمنون أن محمداً ليس مبتدعاً لمذهب جديد، وإنما هو نبي الله ورسوله، الذي أنزل عليه القرآن هدى للناس ورحمة.

أما عبارة (الفن العربي) فخطأ كذلك، ما دام لم يكن للعرب فن خاص بهم، على أنه يبدو أن تعبير (فن بلاد العرب) أقرب للصواب مادمنا نتحدث عن تأثير أصحاب القومية العربية، لا عن أولئك الذين استأجرهم العرب لمعاونتهم على خلق (فن إسلامي).

أما الفرنسيون فقد ألفوا استخدام تعبير (الفن الإسلامي) وهو استعمال صحيح، وإن حمل في طياته معنى الدين بنسبته إلى الإسلام، ولهذا التعبير الأخير: (الفن الإسلامي) دلالة جغرافية تمتد من الهند الشرقية الهولندية شرقا إلى الإطلنطي غرباً، ومن موزمبيق بأفريقيا جنوباً إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط شمالا، وفي اعتقادي أنه تعبير جامع شامل يحمل مبررات استخدامه.

وشاع خطأ بين بعض السالفين من العلماء أن بلاد العرب رقعة صغيرة عديمة الأهمية، والواقع أن مساحتها تبلغ مليون ميل مربع، أي ما يعادل مساحة البحر الأبيض المتوسط، أو ثلث مساحة الولايات المتحدة، أما مساحة البلاد العربية كلها، بما في ذلك العراق وسوريا وشرق الأردن وفلسطين، فتعادل مساحة الهند أو نصف مساحة الولايات المتحدة تقريباً، ومع ذلك لم يتجاوز تعداد سكان هذه المنطقة الشاسعة عشرين مليون نسمة في أي عصر من العصور.

وعاش العرب ـ قبل أن يوحد الإسلام بينهم ـ قبائل متفرقة في طرائق حياتهم وتعدد معتقداتهم، ليس لهم فن خاص يمتازون به، ولا نصيب لهم من فني العمارة والنحت، غير أنهم أشبعوا ميولهم الفنية بحبهم للألوان، وبما أحاطوا به أنفسهم

/ صفحة 202 /

من وافر الزهر ويانعه مما ينبت في كل مكان من بلادهم، ومما نشاهده حتى الآن حول الأكواخ المتهدمة في الدروب الضيقة والدمن الدارسة.

ووجد هؤلاء العرب الرحل في انبساط الصحراء، ما أرضى حبهم للجَمال، مثلهم في هذا مثل البحارة، الذين يطلقون تأملاتهم مع أمواج البحر الفسيح، ويقفون بأفكارهم أمام عجائبه المختلفة المتشابهة.

وبغض النظر عن الوسائل الفنية الأخرى عبّر العرب عن إحساسهم بالجمال قرونا قبل العهد المسيحي، وذلك فيما أبدعوه من قصص خيالي رائع، وفيما نظموه من ألوان الشعر والغناء، وفيما التزموه من دقة صارمة في تعبيراتهم وأساليبهم الكتابية والخطابية، ويرى المعنيون بدراسة اللغة العربية أن قوانين الشعر القديم سهلة بسيطة، وهم لهذا يضعونها في مرتبة فنية رفيعة لما لها من الدقة والتنوع والروعة والحاذبية.

ومن الادعاءات التي يذهب إليها الكثيرون ممن درسوا موضوع الفتوح الإسلامية أن الفن الإسلامي ظهر وانتشر في حركة غير مفهومة، كما يزعم هؤلاء أن العرب لم يكونوا ـ إبان فتوحاتهم الأولى ـ سوى برابرة قساة، أرغموا الناس على اعتناق الإسلام بحد السيف، وحكموا حكما مطلقا مستبداً مستندا إلى أنواع القوة والحيلة.

والمعروف أن الحروب عامة كانت حتى الصف الأول من القرن السابع الميلادي ـ أي حين بدأت الفتوح الإسلامية ـ تقترن بقسوة لا تلين، وتخريب لا يرحم، غير أن العرب اختلفوا عن غيرهم من الفاتحين، فلم يخربوا كما خرب غيرهم، ولم يقيموا المذابح للناس، ولم يشردوا المغلوبين إلى جهات نائية ـ خشية ثورة أو انقلاب ـ بل أبقوا الحال على ما هي عليه، وفضلوا أولئك الذين لبوا نداء الإسلام طائعين على سواهم من أهل البلاد المفتوحة.

ولم يشغل العرب أنفسهم بشيء ـ خلال مدة الفتوح الأولى ـ سوى الحرب والصلاة، ولهذا قل لديهم الوقت الذي يتأملون فيه ألواناً زاهية لحضارة أغريقية

/ صفحة 203 /

ثابتة الأصول، تتجلى ممن حولهم في فني العمارة والنحت؛ هذا فضلا عن أنه أعوزت الفن الإسلامي الدوافع التي خلقت فناً مسيحياً قبيل عصر النهضة مثلا، فإذا كان للإسلام أثر قوي في الجهود الفنية وقتذاك، فإن هذا الأثر لم تؤيده نصوص مدونة فيما هو لدنيا من مصادر تاريخية ترجع إلى بداية العصور الوسطى.

على إن العرب ـ رغم قصورهم الثقافي حينذاك ـ خلقوا في جميع أنحاء إمبراطوريتهم، شعوراً دينياً عميقا، وحماسة دافقة، ورغبة قوية في الأمن والسلام، وهذا هو ما حرمته المسيحية، وهو نفسه من ألزم اللزوميات لنهضة الفنون وازدهارها.

ومن المفتريات، ادعاء بعض المؤرخين، أن جهل العرب وافتقارهم لأنواع الفنون والفنانين، دفعهم إلى تخريب ما صادفهم من آثار جميلة أثناء فتوحاتهم. ويبدو أن هؤلاء المؤرخين يجهلون أن ما خرب من الآثار الأخَمِينية مما أبدع في عهد كورش ودارا واجزر كسيس، وما تلف من الآثار الفنية الرائعة، مما تخلف عن العصر الساساني، إنما حدث على يد جنكيزخان وتيمور ومن خلف خلفهما، وليس على يد العرب كما يدعي البعض.

وفي سنة 641 ميلادية، وقبل أن يمضي على وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) تسع سنين، غزا العرب بلاد فارس ووضعوا أيديهم على أصول الحضارة الساسانية وفنونها، وغدت هذه الحضارة مصدراً هاماً من مصادر الفن الإسلامي؛ فلو أن تلك الحضارة أصيبت منهم بسوء لاتجه الفن الإسلامي وجهة غير التي يتجه إليها حتى العصر الحاضر.

أدهش العرب ما وجدوا في البلاد الفارسية من ألوان الحياة الرغيدة، والنعمة في العيش، ومن أنواع الفنون والطعوم، على أنهم أدركوا حاجتهم للتقاليد والثقافة إدراكهم لحاجات إمبراطوريتهم العظمية، فلم يحاولوا فرض وسائلهم البدائية على الشعوب المغلوبة، بل أقاموا أنفسهم رعاة للفنون والآداب أينما ذهبوا، وعلموا ـ منذ استقرارهم بفتوحهم ـ على تغذية الفن والأدب بما يتفق وحاجات الإسلام.

ومن الغريب أنه برغم حب العرب للجَمال، لم يظهر من بينهم كثير أو قليل من أهل الفنون. والواقع أن الفن الإسلامي يدين بوجوده إلى أناس من مختلف

/ صفحة 204 /

الشعوب، استخدمهم العرب، فأسبغوا على ذلك الفن كل ما لديهم من مواهب وإحساس بالجمال، ويظهر أثر هذا واضحاً في فني المعمار والزخرفة، اللذين سادا جزءا كبيراً من العالم المعروف وقتذاك، على حين حالت قيود العقائد المتوارثة التي فرضها رجال الكنيسة دون تقدم فني التصوير والزخرفة في أوروبا.

ولا شك أننا واجدون أسرار ذلك المزيج الثقافي والفني الذي خلقه العرب، وعاشوا في جوه إذا عرفنا ما يأتي:ـ

1 ـ إن قوة الإسلام وسهولة اكتساحه لبلاد تمتد من الهند ونهر جيحون شرقا إلى المحيط الأطلنطي غربا، هي إحدى عجائب التاريخ. والأعجب أن العرب استطاعوا بقليل من الرائدين، الاحتفاظ بالبلاد المفتوحة دون أن تحدث إقامتهم بهذه البلاد شغبا أو ثورة ـ وهذا باستثناء المصريين الذين ثاررا على الحكم العربي مثلما ثاروا قبلا ضد الكنيسة البيزنظية، وضد حكامهم البيزنطيين.

2 ـ أن للقوة وفنون الحرب قيمتهما في الفتح والغزو، ولكنهما كانتا دون ما تيسر للإسلام من سلطان قوي على نفوس المغلوبين.

3 ـ أنه برغم ماحدث أحيانا من حروب بين العرب أنفسهم، قد شعرت الأمم المغلوبة ـ وهي المتباينة في أخلاقها وأجناسها ـ أنها أكثر قوة واتحاداً في ظل الإسلام عنها قبلا.

4 ـ أن الفن الإسلامي ازدهر من تلقاء نفسه، وتقبلته الشعوب المغلوبة راضية، هذا فضلا عن أن نضوجه يرجع إلى بداية القرن الثامن الميلادي، وهو نضوج مبكر فيما نعتقد.

والحقيقة أن الفن الإسلامي، أضحى ثمرة طيبة لتطور ثقافي رائع بين العرب الذين كان إخلاصهم وتقواهم مختلفاً عما اتصف به الأوروبيون في أوائل العصور الوسطى من جهل وتعصب. هذا فضلا عن تحرره من خرافات الوثنية والمسيحية وخلوه من الانقسامات المريرة التي عمت أحوال الكنيسة وقتذاك.

[للمقال بقية]