/ صفحة 205 /

للإسلام منهج أخلاقي

لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور محمود فياض

أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية أصول الدين بالأزهر

حرص الإسلام على أن يكون فعل الخير والتزام الفضائل، وترك الشر وهجر الرذائل. خالصاً لوجه الله، لا لمنفعة خاصة، عاجلة أو آجلة، تعود على الشخص من الفعل أو الترك، تلمح ذلك في قوله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) ومعنى هذا أن من خرج مهاجراً إلى غرض خاص فإن أجره يقع على نفسه، ويفسر هذا بوضوح قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) وحسابه على نفسه لا على الله، وهذا واضح في أن الإسلام يلزم بالخير لذات الخير، ويأمر بالفضائل لأنها فضائل، وأن المؤمن الصادق يفعل الخير حباً في الخير وليس هذا فحسب، بل إن توجيه الإسلام الانسان الى فعل الخير والتزام الفضائل لذاتيهما يقوم على الإلزام، لا على التخيير، فهو يلزمك بالصدق لأن الصدق يجب أن يلتزم، ويلزمك باجتناب الكذب، لأن الكذب يجب أن يجتنب، كما يلزمك بالفضائل كلها، واجتناب الرذائل كلها، لأن الفضائل يجب التزامها، والرذائل يجب اجتنابها، ومن ابتغى غير ذلك فقد ظلم نفسه.

/ صفحة 206 /

ولقد ضلت الإنسانية قرونا طويلة، ولم تهتد إلى مفهوم الخير والشر، ثم خطا الإسلام بها خطوة واسعة، فهو في الوقت الذي يأمرك فيه بفعل الخير وترك الشر، يحدد لك مفهوم الخير والشر تحديداً واضح المعالم، لا تضل بعده ولا تشقى، فهو يعلن أن كل ما يحقق مصلحة للفرد أو الجماعة، أو يدفع ضرراً عن الفرد أو الجماعة، فهو خير يجب أن يفعله المؤمن ابتغاء وجه الله، كذلك كل ما يعطل مصلحة أو يلحق ضرراً بالفرد أو الجماعة، فهو شر يجب أن يترك لوجه الله، والمؤمن في فعله أو تركه يقصد بالعمل وجه الله، لأن الله هو المشرع ومن حقه أن تطاع أوامره، ومن واجب المؤمن أن يمتثل أمر الله من غير تردد أو تشكك، ومن هذا نرى أن الإسلام هو أول داع إلى الخير لذات الخير، والي الفضائل لأنها فضائل، وأن دعوته الخلقية تقوم على إعداد روحي خاص، يطهر النفس ويزكيها، ويجعلها محلا لتقبل الأمر يفعل الخير والتزام الفضائل، ابتغاء وجه الله، والتقرب إلى الله، ونشدان الكمال، وهذه الدعوة المثالية إلى الخلق الكريم، لم تعرف البشرية لها صفة ولا منهجا واضحا قبل الإسلام، مما يجعلنا نقرر في غير تردد: أن الإسلام هو أستاذ جميع المذاهب الأخلاقية (الواجبية) لا سيما المذاهب الحديثة التي ظهرت بعده، والتي فتنت بعض (المستغربين) من المسلمين، لأن الإسلام، باتفاق العلماء في الشرق والغرب ـ وجه الحياة الإنسانية كلها عند المسلمين وغير المسلمين واثر اثاراً واضحة معترفاً بها في جميع العلوم والآداب التي أنتجت نهضة أوربا، غير أن الإسلام يمتاز على هذه الآراء الفردية بتحديد معنى الخير والشر، تحديداً واضحاً ليس فيه لبس ولا غموض، بينما تجد هذه المذاهب غير متفقة على ما هو خير أو شر، ولم يحدد مذهبٌ مفهوم كلمتي الخير والشر تحديداً سليما واضحاً يقبله العقلاء.

ولقد كانت عناية الإسلام عظيمة بتربية الخلق الفاضل في الفرد والجماعة، وقد عبر عن هذه العناية أبلغ تعبير محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وكان من خير ما امتدح الله به رسوله

/ صفحة 207 /

الكريم قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) لأنه تربية الله الذي اصطفاه، وأدبه فاحسن تأديبه، وإنك لتجد في كل آية من القرآن دعوة، إلى أصل من أصول الخلق الحسن، وتجد كل مبدأ إسلامي يرشدك إلى نمط مكارم الأخلاق ولقد كان جواب العربي لمن يسأله عن دعوة محمد هو انه يدعو إلى الخير كله! وإنك لتجد القرآن رائعاً جد الروعة، عند ما يعلن أن مهمة محمد عليه الصلاة والسلام، مهمة أخلاقية أولا، وهي تزكية النفوس وتطهيرها من أدران الفساد وأوزار الوثنية، اقرأ: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة). (لقد من الله المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصلّ عليهم. إن صلاتك سكن لهم). وتبلغ هذه الروعة أقصى غاياتها، عندما يُرجع القرآن الكريم نجاح محمد عليه الصلاة والسلام في دعوته إلى مسألة أخلاقية (فبما رحمة من الله لنت لهم. ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر، وافهم ما شئت بعد ذلك مهمة القرآن الكريم من قوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)!.

وكما يمتاز الإسلام في العقيدة ونمط العبادة، يمتاز أيضاً في تشريعاته للمعاملات الإنسانية كلها عن جميع التشريعات القديمة والحديثة بمميزات أظهرها وأجلاها، ما اتفق عليه المنصفون الذين قارنوا الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني، من أن التشريع الإسلامي يمتاز بعنصر أخلاقي، له صفة الإلزام في كلياته وجزئياته، من شأنه أن يحمل المكلف على الامتثال والتنفيذ للأوامر والنواهي، من غير تردد في الفعل أو الترك، لأنه يقوم بما يقوم به، على أنه دين لازم يتعبده الله به، ومن واجب المؤمن أن يستجيب لله الذي يأمر بكل جميل، ولا يأمر بالفحشاء، لا على أنه قانون بشرى يخضع للجدل في سبيل اظهار وجه الخير والمصلحة فيه.

/ صفحة 208 /

ولهذا العنصر الأخلاقي كانت الشريعة الإسلامية ـ عند فقهاء المقارنة ـ مستقلة، غير مستمدة من التشريع الروماني.

وإذن، فتكاد تجد مهمة الإسلام، ومهمة رسوله عليه الصلاة والسلام، مهمة أخلاقية! فما الأخلاق إذا لم تكن هي تهذيب النفوس وتزكيتها وتطهيرها؟ ثم ما هو الدين، إذا لم يكن تنظيما للسلوك العام للإنسان مع خالقه، ومع بني أبيه؟ وما الدين إذا لم يكن هو حسن الخلق؟

للإسلام منهج أخلاقي ممتاز، تتمثله في كل آية من القرآن الكريم، وكل حديث للنبي الكريم، في كل أمر أو نهي، وفي كل مبدأ من المبادئ. فإذا لم يكن للإسلام منهج أخلاقي، في دعوته إلى الخير والجمال، والتزام الفضائل بغية الكمال، فكيف وأين يكون هذا النمهج المستقيم؟؟

ما هذه المذاهب الأخلاقية التي تقرن أو تقارن بالإسلام؟ هل يراد أن تكون (خلقية الإسلام) الجميلة الواضحة، مثل ما تدعو إليه المذاهب الأخلاقية؟ وهي آراء أفراد غير معصومين من الخطأ، وهم مظنة الهوى، ولم يسلم واحد منهم من التجريح؟ ثم هي بعد ذلك آراء مجروحة، وكثيراً ما اتخذها اللاحقون أداة سخرية بالسابقين؟ وهل يرد إخواننا (المستغربون) أن يكون للإسلام مذهب في الأخلاق كمذهب زينون الرواقي، أو كمذهب أبيقور، أو مذهب (كانت)، أو سبنسر؟ وهل يريدون أن يخضعوا منهج القرآن الأخلاقي للجدل والتجريح على الطريقة التي يتناولون بها مذاهب هؤلاء الأخلاقيين؟!

ما بالنا نسمع اليوم أناساً ينسبون الإسلام إلى مذاهب أفراد في السياسة أو الاجتماع أو الأخلاق! فهل سر هذا هو الجهل بالإسلام، أو الكيد للإسلام؟

نسمع مثلا (الاشتراكية الإسلامية)، (الديمقرطية الإسلامية)، وليس للإسلام مذهب أخلاق، فما هذا؟ إن الإسلام لا يعرف الاشتراكية، ولا يعرف الديمقراطية، ولا المذهبية، وإنما الإسلام دين وشرع. له خصائصه، ومناهجه التي يتميز بها في الحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق، للإسلام كيان خاص، و(شخصية معنوية) خاصة، وهو سابق غير مسبوق في كل ما قرره في مسائل الحكم وسياسة الشعوب، ونظام الاجتماع البشري، فكيف يستساغ عند بعض (المُتمسلمين) أن يغمطوا الإسلام بنسبته إلى أفكار ظهرت بعده وتلمذت عليه؟ وكيف ينسب السابق إلى اللاحق، والعكس هو الصحيح؟.

إن من حق الإسلام أن يُحكم في هذه الأفكار، وأن تنزل هي عليه، إن وجدنا إلى ذلك سبيلا، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما).