/ صفحة 227 /
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة التحرير
كانت «ايران» في الأشهر الأخيرة هى الدولة البارزة في الشرق و الغرب، بما وقع فيها من أحداث، و بما اعتزمته في وجه أكبر دولة استعمارية من تقرير «تأميم» البترول في بلادها، و انهاء عقد الشركة التى كانت تقوم على استخراجه و تصريفه، و وقفت الدنيا كلها ترقب «ايران » بين مشفق عليها و مشفق على العالم من حوادثها، و بات المسلمون في رَوع و فزع يخافون على الشقيقة الكريمة التى أوقعتها الحوادث بين نارين من الكتلتين عن يمين و شمال، و يدعون ربهم أن ينقذها من كيد الكائدين، و طمع الطامعين، و أن يخرجها من هذه الفتنة مُخرجا حسناَ يصون به عزتها و كرامتها و مصالحها، و أن يدرأ عنها عوادى السوء، و يجنبها مواقع الزلل، و يحميها في جهادها ونضالها من شر أعدائها و من شر نفسها.
و نحن نكتب هذه الكلمات ـ في آخر الأسبوع الثانى من شهر رمضان المباركـ و الأزمة ما زالت قائمة لايدرى أحد متى تنفرج، و لا كيف تنفرج، و مهما يكن من شىء فقد دلت هذه الأزمة على حيوية في الشعب الايرانى، و شدة في شكيمته، و نبهت أهل الاستعمار و أصحاب المطامع الى أن للشعوب صَحوات، و ان طالت بها الغَفَوات، و أن من الخير لهم أن يتخذوا مع هذا الشرق سبيلا غير مادرجوا عليه من السبل، فقد تغير الزمان، و تبدلت الأجيال غير الأجيال، و أصبح الذى كان يُرى بالأمس سياسة و كيسا، يُعدُّ اليوم حماقة و أَفَنا، و لن تسطيع قوة في الأرض أن توقف عجلة التقدم و الله هو مُسيّرها، و ليُغلبَن مُغالِب الغلاب.
* * *
إن «تأميم» المرافق و منابع بالثروات حق طبيعى للأمم، لأنه انتفاع الموهوب بما وهب له، و الله تعالى قد وزع هباته على الناس، فلم يحصرها في شعب، و لم يخص بها أرضا دون أرض، فلهذه الأمة أرضها الخصيبة، و للأخرى مناجمها الحديدية أو الذهبية، و للثالثة بترولها أو فحمها أو ما شاء الله من خير، فاذا حاولت أمة أن تحوز لنفسها كل خيرات الأرض أو جلها فهى أمة أثرة خارجة على الطبيعة متمردة على أمر الله، و اذا فرطت أمة فيما و هبها الله فأقطعته غيرها أو نزلت عن منافعه فقد رفضت هبة ربها و بطرت نعمته، و لن يكون في العالم سعادة و هناءة حتى يكون فيه توازن و تعاون، و لن يكون التوازن و التعاون الا اذا احترم التوزيع الالهى، ووجهت القوى الى تبادل منافعه، لا الى اغتصابه أو انتزاعه، و ليست جريمة المغتصب في هذا بأكبر من جريمة المفرط، و من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.
* * *
هناك أنواع أخرى من «التأميم» يجدر بالعالم الاسلامى أن ينشدها و يفيد منها، فليست هبات الله قاصرة على الثروات المادية التى أودعها الأرض، و لكن له هبات وراء ذلك، ولعل بعضها أسمى و أغلى من الثروات الطبيعية، فنحن مثلا معاشر المسلمين قد أوتينا القرآن و الشريعة الاسلامية، و فيهما كنوز لو أثرناها لكان لنا في العالم مقام محمود، و لأدينا الأمانة الغالية التى عهد الله الينا بها من هداية العالم الى الصراط المستقيم، و لكننا نترك هذه الثروة التى خصنا الله بما كما تُترك الكنوز في بطن الأرض يأتى عليها الاهمال أو النسيان، و نفتح آفاقنا لأفكار غيرنا و تشريع غيرنا، فيكون لأصحابها السيادة علينا و التحكم فينا، و ما من شعب من شعوب الأمة الاسلامة في وقتنا الحاضر الا و هو يحكم بشريعة غير شريعة القرآن، و نحن أمة القرآن!.
ان التفريط في هذه الشريعة تفريط في مورد من موارد عظمتنا و عزتنا، و ان التسليم فيه للذين غزوا عقولنا و نظمنا لايقل خطراَ عن التسليم في آبار البترول للذين غزوا ثرواتنا، فلنحرص على تأميم تشريعنا كما نحرص على تأميم بترولنا.
ثم ما أحوجنا كذلك أن «نؤمم» رجالنا و أبناءنا، فقد خرَّجت عصور الضعف و الانحلال جيلا منا يؤمن بالغرب و يكفر بالشرق، وجر ذلك كثيراً منهم الى أن يصبأ عن الولاء لوطنه، أويشرك في حب أمته، فهم فينا خدام لأعدائنا من حيث يشعرون أو لايشعرون، و هم آفتنا وجر ثومة الكثير من أدوائنا، فعلينا أن «نؤممهم» و نطبعهم بطابعنا، و نعلمهم أن «التوحيد» فريضة في حب الوطن و الولاء للأمة، كما هو فريضة في الايمان بالله، و لايكون ذلك الا اذا صغناأبناءنا منذ الصغر على ثقافتنا و أفكارنا و أصول ملتنا، و حببنا اليهم مفاخرنا، عرضنا لهم الاسلام عرضا جذابا في صورته النقية الوضاءة التى أنزله الله عليها، و حميناهم شر الخرافات و الأوهام و الأضاليل التى أدخلت على الدين و ليست من الدين، و أفهمناهم أنهم أبناء أمة عزيزة كريمة ليست حدودها هى تلك الحدود الضيقة التى فرضها الاستعمار و الظلم، و انما هى حيث يوجد مؤمن في أية بقعة من بقاع الأرض يدعوربه و يؤمن برسوله و كتابه، فالاسلام ليس دين جنسية أو عصبية أو اقليمية، و انما هو دين عقيدة و مُثل و مبادىء يوجد حيث توجد، و يجمع عليها القلوب و الأرواح، و ان تباعدت الديار و الأشباح!.
اننا ان فعلنا ذلك «أممنا» رجالنا و أبناءنا أى «أممنا» أنفسنا، و قدكان هذا هو حال
المؤمنين الأولين، فقد علموا أن المؤمن الحق هو من كان الله و رسوله أحب اليه مما سواهما، و أنه لايكمل ايمان أحدهم حتى يكون هواه تبعاَ لماجاء به محمد صلى الله عليه و سلم، و أن المؤمن لايحب الا في الله و لا يبغض الا في الله، و أن دستور هم المتبعَ في ذلك هو ما قرره كتاب الله: «لاتجدقوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان و أيدهم بروح منه، و يدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم و رضوا عنه أولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون» .
اذا كان من خصائص «التأميم» نفى الدخيل، و الاعتزاز بالأصيل، فان (جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية) تأحذ بمبدأ «التأميم» و تسير على روحه، فهى تعلم أن الاسلام أمة واحدة، ربها واحد، و نبيها واحد، و كتابها واحد، و أن المسلم لايخالف المسلم في عقيدة أصلية من عقائد الايمان و ان اختلفا في فروع من العلميات أو العمليات، أن هذا الخلاف في الفروع بعد الاتفاق في الأصول أمر طبيعى لاسبيل الى رفعه، فلم يقل أحد ان أفراد الأسرة الواحدة يجب أن يكونوا متحدين في كل شأن من شئونهم، و لكن يكفى أن يتفقوا على الأسس التى لايكونون أسرة واحدة الا بها، و لهم بعد ذلك أن يختلفوا ماشاء لهم الاختلاف دون أن يتصدعوا أو يتهدم كيانهم.
تعرف ذلك جماعة التقريب، و تعرف أن عوامل غريبة عن أهل الاسلام حاولت في الماضى و ما زالت تحاول أن تصور لهم الخلاف فيما وراء الأصول التى بما يكون الايمان خلافا أساسياَ يمنع تعاون السنى و الشيعى، و يحول دون تآخيهما الذى فرضه الله، و هذه العوامل الغريبة تعمل في ذلك لمصلحتها،و لاتقصد من وراء سعيها الا أن تفرق فتسود.
فجماعة التقريب تريد أن تبعد هذه العوامل الغريبة عن المسلمين، و أن تبصرهم بسوء قصدها و سوة مغبتها، و أن تخلصهم لأنفسهم، و تعيدهم الى سماحة دينهم و تمكنهم من الرجوع بأنفسهم الى مصادرهم الأولى التى لاتثمر الا الصفاء و الأخوة و التعاون و المحبة، فهى تنفى عنهم الدخيل، وتقف في وجهه كما يقف الحارس الأمين في وجه لص مخاتل مخادع يلبس لباس الأصدقاء و هو أعدى الأعداء.
فاذا نجحت هذه الجماعة ; و انها لناجحة باذن الله.
عادت الأمة أمة، و عاد اليها أمرها، و أحياها الله بعدموتها.
و الله يحيى و يميت و هو كل شى ء قدير .