تقسير القرآن الكريم

لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ محمود شلتوت

سُورة النِّساء

هذه هى السورة الرابعة من سور القرآن الكريم، و كثيراً ما يطلق عليها اسم «سورة النساء الكبرى» تمييزاَ لها عن سورة أخرى عرضت لبعض شئونهن و هى «سورة الطلاق» التى كثيراً ما يطلق عليها اسم «سورة النساء الصغرى».

و لم تكن هاتان السورتان فقط هما كل ما عرض فيه القرآن لشأن النساء; بل عرض لهن في أكثر من عشر سور، و ان لم تسم بهذا الاسم: عرض لهن في سورة البقرة في ربعين عظيمين هما:«يسألونك عن الخمر و الميسر» «و الو الدات يرضعن أن لادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة» بيّن في أولهما حكم تزوج المسلم للمشركة التى لاتؤمن بكتاب و لا برسول، و حكم تزوج المسلمة بالمشرك:«و لاتنكحوا المشركات حتى يؤمن، و لأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، و لا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، و لعبد مؤمن خير من مشرك و لو أعجبكم، أولئك يدعون الى النارو الله يدعو الى الجنة و المغفرة باذنه و يبين آياتة للناس لعلهم يتذكرون».

وأبطل بعض العادات الضارة التى كان يعتادها أهل الجاهلية مع النساء، «و يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض و لاتقربو هن حتى يطهر فاذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ان الله يحب التوابين و يحب المتطهرين، نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئنم و قدموا لأنفسكم و اتقوا الله و اعلموا أنكم ملاقوه و بشر المؤمنين».

وأبطل بعض المعاملات التى كان يؤذى النساءَ بها أهلُ الجاهلية، كمابين الطلاق الذى يملك الرجل فيه رجعة الزوجة، و الطلاق الذى لايملك فيه الرجعة، و بين أن للمرأة الحق في افتداء نفسها بما تملك من مال اذا أساه الرجل عشرتها و امتنع عن طلاقها، و بيّن مساواتها للرجل فيما لها و فيما عليها من الحقوق الزوجية، و أمر بأمساكها بمعروف أو تسريحها باحسان، و حذر من عضل النساء و منعهن من أن يتزوجن بمن يرون طمعاَ في ما لهن و ضراراًلهن.

و بيّن في الربع الثانى أن المرأة شريكة الرجل في شأن الولد و ارضاعه، أنه لايصح للرجل أن يبت في هذا الشأن برأى الا «عن تراض منهما و تشاور».

و بيّن في هذا السياق الخطبة و أدبها، كما بين حق المطلقات في المتعة و هى ما

يبذله الرجل للمرأة بعد طلاقها مما تتعزى به و يخفف عنها وقع الفراق و جعله حقاَ على المتقين، و بيّن عدّة المتوفي عنبا زوجها و حث الأزواج على الايصاء لهن بعد الوفاه بالبقاة في منازلهن دون اخراج لهن منها. نرى ذلك كله في الآيات من 226 ـ 242 .

و عرض لهن في سورة المائدة، و بيّن حل تزوّج المحصنات الكتابيات منهن و سوّى في حقوق الزوجية بينهن و بين المحصنات المؤمنات، و نرى ذلك في الاية الخامسة من هذه السورة.

و عرض لهن في سورة النور، و بين ما يردعهن عن ارتكاب ما يزرى بالكرامة و يخل بالشرف و المكانة، كما بيّن حكم من تعدى عليهن بالقذف زوجا كان أو غير زوج، و شرع الأدب الواجب على الرجال حين يردن الدخول عليهن في البيوت، و ذلك حفظآ لهن من أن تقع عليهن الأنظار و هن في حالة التبذل و القيام بالمصالح المنزلية، كما خص هؤلاء الذين نضبت وجوههم من ماء الحياء بشديد من التحذير مما اعتادوا في اكراه الفتيات على البغاء تكسباً بعرضهن. نرى ذلك كله في الآية الثانية حتى الآية الرابعة و الثلاثين. ثم في الآية الثامنة و الخمسين حتى الآية الحادية و الستين.

و عرض لهن في سورة الأحزاب و عالج كثيراً من المشاكل المنزلية و ما يجب عليهن من آداب و قد اتخذت السورة زوجات الرسول مثالا حيا فيما ينبغى أن تتخذه الزوجة الصالحة أساساً لحياتها المنزلية الفاضلة. و نرى ذلك في الآية الثلاثين من هذه السورة حتى الآية التاسعة و الخمسين.

و عرض لهن في سورة المجادلة، فاستمع الى رأى المرأة و فرره مبدأ يسير عليه التشريع العام الخالد، و بذلك كانت آيات الظهار التى بدئت بها السورة المذكورة اثراً من آثار الفكر النسائى، و صفحة الهية خالدة تلمح فيها على ممر الدهور صورة احترام الاسلام للمرأة، و أن الاسلام ليس ـ كما يظن أعدواؤه ـ يراها مخلوقاً يقاد بفكر الرجل ورأيه، و انما هى مخلوق له ابداء رأيه، و للرأى قيمته ووزنه.

يقول أوس بن الصامت لزوجه خولة بنت ثعلبة: «أنت على ٌ كظهر أمى» و كان المعروف في الجاهلية أن الرجل اذا قال هذه الكمة لزوجته حرمت عليه. تم دعاها أوس الى نفسه فأبت و قالت: و الذى نفس خولة بيده لاتصل الى ّ و قد قلت ما قلت حتى يحكم الله و رسوله، ثم جاءت الى رسول الله صلى الله عليه و سلم و قالت:. يا رسول الله ان أوساً تزوجنى و أنا شابة مرغوب في ّ فلما خلاسنى، و نثرت بطنى

جعلنى كأمه، و تركنى الى غير أحد، فان كنت تجدلى رخصة يا رسول الله فحدثنى بها. فقال عليه الصلاة و السلام: ما أمرت في شأنك بشى ء حتى الآن، و ما أراك الا قد حرمت عليه،فأخذت تجادل رسول الله مراراً و تقول في الرد عليه: انه ما ذكر طلاقا، فكيف أحرم عليه؟ ان لى منه صبية صغارا ان ضمهم اليه ضاعوا، و ان ضمهتهم الى ّ جاعوا، و جعلت ترفع رأسها الى السماء و تقول: اللّهم انى أشكو اليك، و ما برحت على هذه الحال حتى نزلت الآيات الأربع الأوائل من هذه السورة.

و عرض لهن في سورة المتحنة، و بيّن حكم النساء يهاجرن مؤمنات من بلاد الأعداء الى بلاد الاسلام و حكم زوجيتهن لأزواجهن السابقين، و زواجهن بالمؤمنين و بيّن حقهن في المبايعة على السمع و الطاعة، و على القيام مجدود الشريعة و أحكامها و أنهن في ذلك كالر جال، و قد روى المفسرون قصد هذه المبايعة التى شغلت مركز المفاوضة فيها عن النساء هند بنت عتبة زوج أبى سفيان، و هى قصة طريفة، يبدو فيها ظاهرة عظيمة من حرية الرأى في النقاش و الحوار، و نرى ذلك في الآيات من العاشرة حتى الثانية عشرة من هذه السورة.

و عرض لهن في سورة التحريم في شأن جرى بين زوجات الرسول، و يجرى بين كل الزوجات في كل زمان و مكان، و تقررت في هذه السورة مسئولية المرأة عن نفسها مسئولية مستقلة عن مسئولية الرجل، و أنه لايؤثر عليها و هى صالحة فساد الرجل و طغيانه. ولا ينفعها و هى طالحة صلاح الرجل و تقواه، و نرى ذلك في الآيات الخمس الأوائل من هذه السورة، و الآيات الثلاث التى ختمت بهن.

* * *

و أخيراً عرض القرآن الكريم للنساء في سور تيهن الكبرى و الصغرى: النساء و الطلاق. و كم تنبض قلوب النساء فرحا لتكريم الله لهن و عنايته بهنّ حينما يسمعن أو يعلمن أن القرآن عرض لهن في هذه السور كلها، و أن من بين هذه السور سورتين سميتا باسمهن، و عالجتا كثيراً من شئونهن في أطوار حياتهن كلها، من عهد الطفولة الى عهد الزوجية و الأمومة، و أن احدى هاتين السور تين تبدأ بخطاب الناس جميعاً و تردهم بذكورهم و اناثهم الى أصل واحد، تنتظمهم جميعاً رحم واحدة، و أن الأخرى، و هى الصغرى تبدأ بخطاب الرسول بوصف النبوة فيما تعرض له من أحكام. و في هذا و ذاك حث شديد، و استنهاض قوى على مراعاة ما يفرض لعد الخطاب في شأن النساء من أحكام و ارشادات، و لا ريب أن منزلة النساء من العاطفة و المركز الاجتماعى في الأسرة جديرة أن تستثار في أمرهن و شيجة الرحم التى

تجمع بين الناس ذكوراً و أناثا، و التى يقوم الرجال بحقوقها و الهيمنة عليها«و اتقوا الله الذى تساءلون به و الأرحام» و عاطفة الرحمة التى يحملها و صف النبوة «النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم».

و هذا الوضع كما يبعث في قلوب النساء الفرح بتكريم الله لهن، جدير بأن يلفت هؤلاء الذين يرمون الاسلام بأنه يحط من قدر النساء ليتعرفوا هذه المكانة التى وضع الاسلام النساء فيها فيكفوا عن زعمهم ان الاسلام لم يمنح المرأة من العناية و الاهتمام ما منحتها المدنية الحديثة، و الواقع أن الاسلام منح النساء كل خير، و صانهن عن كل شر، و لم يأب عليهن سوى ما دفعتهن اليه هذه المدنية الكاذبة من «حرية» جعلت المرأة الغريبة اذا ماخلت الى ضميرها الانسانى تبكى دما على الكرامة المفقودة، و العرض المبتذل، و السعادة الضائعة. و سيعلم النساء متى ثُبن الى رشدهن أن لامنقذ لهن، و لا حافظ لكرامتهن سوى هذه التعاليم الالهية التى يحاول ذوو الغرض و المخادعون أن يصوروها في أعينهن بصورة الأغلال. التى تطوق الأعناق و تحول بينهن و بين ما لهن من حق في الحياة ; و نرجو أن يجد النساء فيما تضمنته هذه السورة من أحكام ترفع قدرهن و تُعلى شأنهن الحجة القوية في الايمان بأن هؤلاءلم يقصدوا بتشويه و ضعهن في الاسلام الا الكيد لهن، و الحيلولة بينهن و بين التمتع النفسى و الاجتماعى بهذه المكانة التى و رسمها لهن القرآن الكريم.

* * *

و نعود فنتحدث عن سورة النساء، أول ما يلفت نظرنا بعد ما تقدم أن سورة النساء هذه احدى سور تين في القرآن الكريم بدأهما الله بنداء واحد و أمر واحد، بدأهما بنداـ الناس جميعاً، و أمرهم بتقوى ربهم الذى هو مصدر الفضل و الانعام عليهم بنعمة الخلق و الايجاد، و بنعمة التهيئة لوسائل الحياة الفاضلة و الانتفاع بها «و بنعمة الجزاء على الأعمال خيرها و شرها»:« يأيها الناس اتقوا ربكم» بهذا بدئت سورة النساء، و به بدئت سورة الحج، و تشير سورة النساء في سياق الأمر بتقوى الرب الى أولى النعم و أهمها و هى نعمة الخلق و نعمة الرحم التى انتظمت الناس جميعاً و التى نشأت عن خلقهم من نفس واحدة «يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيراً و نساء و اتقوا الله تساءلون به و الأرحام ان الله كان عليكم رقيبا» و بهذا كان الناس في نظر القرآن على اختلاف أجناسهم و لغاتهم و تباين أقطارهم أسرة واحدة، للواحد منها حق الأسرة و

عليه و اجبها فلا تظالم، و لاطغيان، و لاطبقات، و لااستغلال، و لكن محبة، و تآلف، و عدل، ومساواة. و هذا أصل قرره القرآن في غير ما آية، و دعا به الانسانية الى التصافي، و التعاون، و التواصى بالحق، و التواصى بالصبر.

و جدير بأهل الحضارة الحديثة، و الثقافة البشرية أن يخلعوا أنفسهم مما كبلوها به من أغلال الجحود و النكران و التعصب، برهة من الزمن يتفهموا فيها تلك الحقيقة الواقعية التى يقررها الوحى الالهى، فيثوبوا الى رشدهم، و يريحوا أنفسهم من عناء التكتل الجنسى، أو الاقليمى، أو الدينى، استعداد لهذه المجازر البشرية التى يسقون فيها الأرض بدماء أرحامهم و اخوانهم في الانسانية التى كرمها الله و فضلها على كثير من خلقه.

هذا و تشير السورة الأخرى و هى سورة الحج بعد نداء الناس جميعا، و أمرهم بالتقوى، الى هول يوم القيامة، يوم البعث و الجزاء على الأعمال، استنهاضاً للهمم نحو عمل الخير و مكافحة الشر، و تجعل ذلك تمهيداً لاقامة الحجة على أن الساعة آتية لاريب فيها، و أن الله يبعث من في القبور، كما تجعل سورة النساء المبدأ الذى قررته تمهيدا يوحى الى الناس بادىء ذى بدء بالتزام الأحكام التى شرعها الله بعد لينظموا بها أحوالهم، و يقيموا عليها شئونهم و حياتهم. «يأيها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شى ء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، و تضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى و ما هم بسكارى و لكن عذاب الله شديد».

و هكذا تجىء السورة الرابعة من نصف القرآن الأول مذكرة بجانب المبدأ و تشرع ما تقتضيه السعادة في الحياة الأولى. و تجيىء السورة الرابعة من نصفه الثانى مذكرة بجانب المعاد، و ما أعد فيه لمن أحسن في الأولى و لمن أساه، و بهذا و ذاك يتم للناس تمثل سبيل الحياتين و يعرفون سبيل السعادة في الدارين.

يجدر بنا بعد هذا أن نجمل ما عرضت له سورة النساء من أحكام وارشاد في نواحى الجماعة فنقول :

ان احتفاظ الأمم بكيانها يرتبط بأمرين عظيمين: الاستقرار الداخلى، و الاستقرار الخارجى.

فالاستقرار الداخلى :أساسه صلاح الأسرة، و صلاح المال في ظل تشريع قوى عادل، مبنى على مراعاة مقتضيات الطبيعة الانسانية، مجرد من تحكيم الأهواء و الشهوات، و ذلك انما يكون اذا كان صادراً عن حكيم خبير بنزعات النفوس و اتجاهاتها، تمتلىء النفس بعظمته وقوته، و غيرته على تشريعه و محارمه.

و الاستقرار الخارجى: أساسه الحتفاظ الأمة بشخصيتها، و الاستعداد المقاومة الشر الذى يطرأ عليها، و العدو الذى يطمع فيها.

و سورة النساء تكفلت بوضع أسس الأحكام التى تصلح بها هذه النواحى، و نستطيع أن نرد ما عرضت له السورة الى الموضوعات الآتية:

الأسرة، المال، أساس الجماعة الاسلامية، مصادر التشريع، الوان التمرد على التشريع، أسس الاستقرار الخارجى، مكافحة الآراء و الشبه الضارة، تتويج هذا كله بالدعوة الى الايمان بمحمد صلى الله عليه و سلم و ما جاء به هداية و نور.

ففى نظام الأسرة أعلنت السورة أولا أن المرأة أحد العنصرين اللذين تكاثر منهما الانسان، و جعلت ذلك نعمة توجب على الناس تقوى الله و مراقبته «يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيراً و نساءً و اتقوالله الذى تساءلون به و الأرحام ان الله كان عليكم رقيباً».

و قررت مساواة النساء بالرجال فيها هو من خصائص الانسانية، فشرعت الكسب للنساء كالر جال، وأرشدت كلا منهما الى تحرى الفضل و الخير من الأموال بالعمل دون التمنى و التشهى، و أنه ليس للرجل أن يسلب المرأة العمل الذى خلقت له، كما أنه ليس للمرأة أن تطمع فيما وراء مؤهلاتها الطبيعية، و في ذلك يقول الله تعالى: «و لاتتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا و للنساء نصيب مما الكتسبن و اسألوا الله من فضله ان الله كان بكل شىء عليما، و لكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان و الأقربون و الذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ان الله كان على كل شىء شهيدا» الآيتين 32، 33

و قررت أن للنساء ثواب أعمالهن الصالحة، و أن مسئوليتهن عن أعمالهن مسئولية مستقلة عن مسئولية الرجل، فهى انسان مكلف مسئول، و الرجل انسان مكلف مسئول «و من يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة و لايظلمون نقيرا» الآية 124

و على هذا الأساس رفع الاسلام شأن المرأة عن أن تكون متاعا يورث و جعل لها حرية في ذاتها و أموالها «يأيها الذين آمنوا لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها و لاتعضلو هن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن الا أن يأتين بفاحشة مبينة، و عاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيراً كثيراً، و ان أردتم استبدال زوج مكان زوج و آتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا و اثما مبينا، و كيف تأخذونه و قد أفضى بعضكم الى بعض و أخذن منكم ميثاقا

غليظا» الآيتين 19، 20

و في حقوقهن المالية يقول:«و آتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شىء منه نفساً فكلوه هنيئا مريئا» الآية الرابعة.

و شرعت نظاما للزواج فيه تكريم للمرأة و الأسرة فحظرت التزوج بأصناف من النساء حفظا لروابط لاينبغى أن تعرّض بالزواج الى الفساد:

حظرت زواج الأبناه من زوجات الآباء، و زواج الآباء من زوجات الأبناء و حظرت زواج الأمهات، و البنات، و الأخوات، و العمات، و الخالات، و بنات الأخ، و بنات الأخت، و الأمهات من الرضاع، و الأخوات من الرضاعة، و أمهات النساء و الربائب بشرطه المذكور في الآية، و حظرت الجمع بين الأختين، و زواج المتزوجات و المعتدات، و اقرأ في ذلك كله قوله تعالى:«و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف، انه كان فاحشة و مقتا و ساء سبيلا حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم و أخواتكم و عماتكم و خالاتكم و بنات الأخ و بنات الأخت و أمهاتكم اللاتى أرضعنكم و أخواتكم من الرضاعة و أمهات نسائكم و ربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم و حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم و أن تجمعوا بين الأختين الا ما قد سلف ان الله كان غفوراً رحيما. و الحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم و أحل لكم ماوراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة و لاجناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ان الله كان عليما حكيما».

و أشارت الى تخير الزوجات من العناصر الطيبة و هى الحرائر المؤمنات، و منعت العدول الى غير هن الا عند العجز عنهن مع خوف العنت، و ذلك شأن له قيمته في أساس الأسرة، في انجاب الولد، و اختيار البيئة الصالحة لتربيته، و ضمان التوافق و السعادة في الحياة الزوجية، واقرأ في ذلك قوله تعالى :

«و من لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمماملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات» الآية 25

و من هنا أخذ الفقهاء أن الشريفة مقدمة في الزواج على غير الشريفة، و أن حسنة السمعة مقدمة على سيئتها، و في هذا ايحاء قوى النساء بأن يعملن جهدهن على تحسين سمعتهن. و تحليهن بالأخلاق الفاضلة التى ترغب فيهن الأزواج، و يلتقى هذا مع قوله تعالى في سورة النور:«الزانى لاينكح الا زانية أو مشركة، و الزانية

لاينكحها الا زان أو مشركو حرم ذلك على المؤمنين».

و لقد كان لما اتخذته الفتاة لنفسها أو مكنها منه ولى أمرها من حرية واسعة في هذه الأيام نصيب كبير فيما نرى من أزمة الزواج، و اعراض الشباب عنه، لما يعلمون عن الفتاة من أخلاق جعلت الزواج في نظر هم بابا من أبواب الشقاء.

فعلى الفتاة، و على ولى أمرها أن يتدبرا الأمر، فان عليهما وحدهما تقع تبعة هذه المشكلة، و عليهما وحدهما أن يعملا على حلها ان ارادا الخير و السعادة.

و أفرغت السورة على عقد الزواج صبعة كريمة أخرجته عن أن يكون عقد تمليك كعقد البيع و الاجارة، أو نوعا من الاسترقاق و الأسر كما كانت قبل الاسلام عند العرب و غيرهم. أفرغت عليه صبغة «الميثاق الغليظ».

و لهذا التعبير قيمته في الايحاء؟ بموجبات الحفظ و الرحمة و المودة ; و بذلك كان الزواج عهداً شريفا، و ميثاقاً غليظا ترتبط به القلوب، و تختلط به المصالح و يندمج كل من الطرفين في صاحبه، فيتحد شعور هما، و تلتقى رغباتهما، وآمالهما، كان علاقة دونها علاقة الصداقة و القرابة، و علاقة الأبوة و البنوء «هنّ لباس لكم و أنتم لباس لهن»«و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها و جعل بينكم مودة و رحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون » يتفكرون فيدركون أن سعادة الحياة الزوجية انما تبنى على هذه العناصر الثلاثه: السكن و الموادة و الرحمة. وجدير بمن يتخذون الزواج و سيلة للاغناء بمال الزوجة أو مال الزوج أو جاه كل منهما أن يتدبروا ما تؤول اليه حال كثير ممن ينهجون المنهج المادى في ايجاد تلك الرابطة الروحية القلبية، فكم من بيوت خرت على عروشها، و كم من أبناء شردوا، و كم من أزواج تعرضوا للذلة و المهانة حينما تقلص عن أفق حياتهم الزوجية هذا المال الذى كانوا يقصدون، و هذا الجاه الذى كانوا عليه يعتمدون.

و لما أخرج القرآن عقد الزواج عن أن يكون عقد تمليك طرفاه مبيع و ثمن أفرغ على المال الذى يبذله الرجل للزوجة صبغة «الصدُقات» و وصفه بأنه نحلة، و النحلة ما يمنح عن طيب نفس دون أن يكون عوضاً عن شى ء و لاريب أن الصلة بين الزوجين أعلى و أشرف من أن يجعل عوضها دراهم معدودة، فليس المهر في نظر الاسلام ثمنا،و لا عوضا عن شىء يملكه الرجل في الرأة كما يظن كثير من الناس، و انما هو آية من آيات المحبة و التقدير، و لذلك كان واجبا على الرجل، و ان اتفق الزوجان على الاّ مهر للزوجة «و آتوا النساء صدقاتهن نحلة».

و اذا تنبهنا الى أن كلمة ميثاق لم ترد في القرآن الكريم الا تعبيراً عما بين الله و

عباده من موجبات التوحيد، والتزام الأحكام، و عما بين الدولة و الدولة من الشئون العامة الخطيرة، علمنا مقدار المكانة التى سما القرآن بعقد الزواج اليها، و اذا تنبهنا مرة أخرى الى أن وصف الميثاق «بالغليظ» لم يرد في موضع من مواضعه الا في عقد الزواج تضاعف لدينا سمو هذه المكانة التى رفع القرآن اليها هذه الرابطة السامية عن كل ما أطلق عليه كلمة «ميثاق».

و بينت السورة الدرجة التى جعلها الله للرجال على النساء بعد أن سوى بينهما في الحقوق و الواجبات، و أنها لاتعدو درجة الاشراف و الرعاية بحكم القدرة الطبيعية التى يمتاز بها الرجل على المرأة، و بحكم الكد و العمل في تحصيل المال الذى ينفقه في سبيل القيام بحقوق الزوجة و الأسرة. و ليست هذه الدرجة درجة الاستعباد و التسخير كما يصورها المخادعون المغرضون. و اقرأ في ذلك أولا قوله تعالى في سورة البقرة:«و لهن من مثل الذى عليهن بالمعروف و للرجال عليهن درجة» ثم اقرأ في سورتنا قوله تعالى:«الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم».

و اَرشدت السورة بعد هذا الى أن النساء أمام هذه الرياسة منهن صالحات، و أن من شأن الصالحات القنوت و هو السكون و الطاعة لله فيما أمر به، و منه القيام بحقوق الزوجية و الرياسة المنزلية و الخضوع لرياسة الرجل فيما جعلت له فيه الرياسة و الاحتفاظ بالاسرار الزوجية و المنزلية، التى لاينبغى أن يطلع عليه أحد غير الزوجين، و أن هذا الصف من الزوجات ليس للزوج عليهن شى ء من سلطان التأديب.

رسالة الاسلام

أما غير الصالحات ـ و هن ّ اللاتى يحاولن الخروج على حقوق الزوجية و يحاولن الترفع و النشوز عن مركز الرياسة، بل على ما تقتضية فطر هن فيعرضن بذلك الحياة الزوجية للتدهور و الانحلال ـ فقد وضعت السورة لردعهن و اصلاحهن وردهن الى مكانتهن الطبيعية و المنزلية: طريقين و اضحين، و كلت أحد هما الى الرجل بحكم الاشراف و الرياسة و هو أن يعالجها بأنواع من العلاج، هى الوعظ، و الهجر، و الضرب ; لكل صنف من النساء ما يليق به ويكفى في ردعه.

فالتى يكفيها الوعظ بالقول لايستعمل معها الهجر و لا الضرب، و التى يصلحها الهجر لايتهاون في جانبها بالوقوف عند حد القول و الوعظ، و لايسرف فيصل به الأمر الى حد الضرب، بل يهجر و كفى.

و هناك صنف من النساء معروف في بعض البيئات لاتؤثر فيه الموعظة و لا يكترث بالهجر فضلا عن أن يصلحه الهجر، فأبيح للرجل نوع من التأديب المادى و هو الذى عبر عنه القرآن بالضرب و جعله آخر الوسائل الاصلاحية اشارة الى أنه لايلجاً اليه الا عند الضرورة كدواء أخير. و قد أساء المتحضرون من أبناء المسلمين فهم هذا النوع من العلاج و وصفوه بأنه نوع من الطغيان الذى لايتفق و كرامة الزوجة، و هم في الواقع انما يتملقون بذلك عواطف المرأة، و يتظاهرون أمامها بالحرص على مصلحتها و كرامتها ،و حسبنا أن نسأل المرأة العاقلة: أى الأمرين أحفظ لحياة الزوجة، و أبقى على الأسرة؟ أأن تؤخذ الزوجة الشاذة بشى ء من العقوبة يردها الى صوابها، أم تترك لتسترسل في نشوزها فتهدم بيتها و سعادتها و تشرد أطفالها؟ أن التأديب المادى لأرباب الشذوذ أمر تدعو ألية الفطر،و قد و كلته الطبيعة الى الآباء فى الأسر، كما وكلته الى الحكام في الأمم، ولولا هذا لما بقيت أسرة، و لاصلحت أمة، و ليس من كرامة الأسرة أن يهرع الرجل الى طلب محاكمة زوجه كلما انحرفت أو خالفت أو حاولت أن تنحرف و تخالف. فهذا هو التشريع الحكيم الذى وضعه الخبير بطيات النفوس، الرحيم بخلقه، المحيط بالطبائع

أما الطريق الثانى فهو التحكيم، وجاءت آيته بعد آية الطريق الأول للاشارة الى أنه انما يكون في حال عجز الرجل عن العلاج بالطريق التى شرعت له و عند تطور الحالة من النشوز الى الشقاء، و في حالة ما اذا كان النشوز واقعاً من الزوج نفسه، و قد خاطب الله بهذا العلاج الأخير جماعة المسلمين تحقيقا لما يجب أن يكون بينهم من التكافل و التضامن على حفظ الأسر و البيوت، و على الحكام أن يقوموا بمثل هذا الواجب نيابة عن جماعة المسلمين كما هو الشأن في الأحكام التى تتعلق بالأفراد، ولايمكن أن يقوم بها الأفراد، كالحكم بالقصاص، والحدود، و كل ما توجبه المصلحة لجماعة المسلمين.

وقد طلبت الأيات الواردة في التحكيم، أن يكون الحكمان في هذا الشأن من أهل الزوجين و ذلك نظراً الى أن الشأن في الأهل أن يكونوا أدرى اللناس بأحوال الزوجين و أحرصهم على سعادتهما، و أقدرهم على التأثير في نفوسهما، و أحفظهم لما قد يجدون بينهما من أسرار، و اقرأ في ذلك كله قوله تعالى :

«الرجل قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، و اللاتى تخافون نشوز هن فعظوهن و اهجروهن في المضاجع و اضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا

ان الله كان عليا كبيرا، و ان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما ان الله كان عليما خبيراً» الأيتين 34، 35. و اقرأ فيه أيضا قوله في السورة:

«و ان امرأه خافت من بعلها نشوزاً أو اعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً، و الصلح خير، و أحضرت الأنفس الشح، و ان تحسنوا و تتقوا فان الله كان بما تعلمون خبيرا....الآية 128»

أما بعد:

فهذه جملة الأسس الاصلاحية في جانب الأسرة، التى تناولتها أو أشارت اليها سورة النساء، والى اللقاء في العدد المقبل ان شاءالله ؟