النفسية المحمدية

تَحت ضوء العلم و الفلسفة

حصّه العام الحيوانى من هذه النفسيّه العالية

لحضرة صاحب العزة الكاتب الكبير

الأستاذ محمد فريد و جدى بك

مدير مجلة الأزهر

ان الروح المحمدية التى اصطفاها الحق سبحانه لنشر دينه العام في العالم بلغت من السمو الى الحد الذى استأهلت فيه أن يكل اليها خالق الوجود تربية الأمة التى سيعهد اليها أن تتولى هذه المهمة الخطيرة.

و قد رأيت مما ذكرنا في فصولنا السابقة كيف قامت هذه الروح بمهمتها في وسط جاهلية جهلاء، و لم تدع مظنة من مظان الانحراف الخلقى، أو غريزة من غرائز الوحشية الأولى، الا انتزعتها و أحلت محلها عاملا اصلاحيا يؤديها الى مثلها الأعلى ; كما لم تبق ناحية من النواحى التى يصل اليها السلطان الآدمى الا نالت حصتها من العدل و الرعاية، حتى العالم الحيوانى في ظل هذه الروح العلوية، مصداقا لقوله تعالى:«و ما أرسلناك الا رحمة للعالمين».

كان النوع الانسانى قبل العهد الاسلامى لا يقيم للعالم الحيوانى وزناً، حتى ان الفلسفة اليو نانية التى سيطرت على العقول قرونا طويلة، تعتبر الحيوانات كائنات مجردة من الحقوق، لا يقام الحياتها وزن، و ليس لها أقل حق على الانسان و كيف يقام لها وزن، و قدقرر أعلام الفلسفة و على رأسهم افلاطون و أرسطو، أنها كائنات مجردة من الروح، مثلها كمثل الجمادات، فلما جاء الاسلام قرر أن لها أرواحا، و أنها تحشر يوم القيامة، و يحاسب من أساء اليها، و يجازى على ما صنعه بها، جزاء و فاقا، ألم يتمل النبى صلى الله عليه و سلم:«دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هى أطعمتها و لا تركتها تأكل من خشاش الأرض».

كان هذا أول صوت ارتفع في الأرض يصرح بأن للحيوانات أرواحا تحشر، و أن من أساء اليها يعذب بدخول جهنم.

من الذى قال قبل الاسلام ان للعصفور حقاً يطالب به يوم القيامة فيؤدى اليه، و يعذب مهتضمه عذابا نكرا؟ قال النبى صلى الله عليه و سلم: «من قتل عصفوراً بغير حق سأله الله عنه يوم القيامة» .

و من الذى قال قبل الاسلام ان اسداء البر الى حيوان قد يكون سبباً في الحظوة برحمة الله؟ قال النبى صلى الله عليه و سلم:«ان الله يرحم عبده المؤمن برحمته العصفور».

و من الذى قال قبل الاسلام ان الله جل شأنه يلعن من يتجارى على التمثيل بعصفور؟ قال النبى صلى الله عليه و سلم:«لعن الله من مثل بالعفور».

فاذا علمت ان لعنة الله للعبد هى اكبر عقوبة يمكن ان يجرها انسان على نفسه بسوء عمله، ادركت كنه التشديد الوارد في الاسلام في وجوب مراعاة حقوق الحيوان .

و من الذى اوصى قبل الاسلام مقتنى المطايا بالرحمة بها، و الاحسان اليها،و مراعاة راحتها، و القيام بو اجباتها؟ قال النبى صلى الله عليه و سلم:«اركبوا هذه الدواب سالمة، واتدعوها سالمة، و لاتتخذوها كراسى لأحاديثكم في الطرق و الأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، و اكثر ذكراً لله منه.

نعم من الذى قال مثل هذا أو قريبا منه؟ أليس من أعلى مراتب التنويه بالعالم الحيوانى قوله صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث «فرب مركوبة خير من راكبها، و أكتر ذكراً لله منه»؟

و قد ثبت في القرنين في الأخيرين للباحثين في العالم الحيوانى أن للحيوانات

مداركو عقولا محدودة، و أنها تقبل التعلم الى حد ما، و قد وصل المشتغلون بتربيتها و تقدير قواها الا دراكية، الى العلم بأن أكثر الحيوانات ادراكا القردة من طبقة الشامبانزية و الأورانج أو تانج، و الفيلة و الكلاب و الهررة، و أنها تقبل التعليم الى حد ما، فوصلوا الى تعليم هذين الصنفين الأخيرين طريقة التفاهم بواسطة الكتابة، لابأيديهما و لكن بوسيلة أخرى، و هى بأن يتلو صاحبهما الحررف الهجائية، فيضرب الحيوان الأرض عند ذكر مخاطبه الحروف التى يتألف منها جواب سؤاله. فرأوا أنهما يجيبانه على ما يسألان عنه بلهجة طفلية في درجة عقلية الانسان في سنتة الرابعة من حياته، و ما وصل المشتغلون بهذه التجارب الى هذه النتيجة الا بعد عناء كبير و صبر طويل.

و من يشاهد ما وصل اليه القردة و الهررة و الكلاب و الفيلة و الخيول و غيرها من فهم ما يطلبه مدربوها منها من القيام بالحركات و الألعاب، لايشك في أنها تفهم ما تؤى به وتؤديه على الوجه الذى تلقته منهم و هذه التأدية منها تدل على أنها متمتعة بفهم و ادراك الى حد ما، و هو ما كان ينكر عليها الى عهد قريب.

اما بعد فالذى قدمناه من فصولنا تحت عنوآن (النفسية المحمديه) يسمح لنا ان نتساءل: هل بلغ رجل في هذا العالم من و فور العقل، و بعد النظر، و سموالفطرة وسعة المدارك، و حسن التقدير، و جلالة المبادى ء، و التجرد من الأهواء، و اكتمال الانسانية، ما بلغه (محمد بن عبدالله) رسول رب العالمين الى الا مم كافة؟

اذا جحد جاحد هذه الصفات فان ما قام به صلى الله عليه و سلم من الدعوة الى الدين الحق، و ما سنه من شرائع للداخلين فيه، و ما اذاعه بأحاديثه من حكمته و تعاليمه، لأدلة محسوسة لاتقبل النقض على صحة ما نذهب اليه.

انه ما من فيلسوف أو مشترع ممن عنى العالم بنشر آرائهم و مذاهبهم الا تؤخذ عليه سقطات، و تسجل عليه انحرافات، سوى خاتم المرسلين محمد بن عبدالله صلوات الله و سلامه عليه، فان كل ما قاله اصول لامعدى عنها لأمم تريد أن تعيش كريمة، و قواعد لابد منها لا رواح تتعطش ان تنال البر و تقيمه، لاتصادف فيها عوجا ولا أمتا، ولا تجد فيها النفوس الكريمة ما يصدها عن ان تتخذه لبلوغ غاياتها سمتا، بل و لايعثر فيها النقاد على مثل ما يعثرون به في كثير من المذاهب الفلسفية من الشطط المؤدى الى الحيرة، أو الغلو الباعث على العجز.

هذه النفس التى أعدها الحق أمينة على وحيه، وامدها من فضله بما اهّلها لأن تكون واسطة بينه و بين خلقه، جديرة بما أسند اليها من هداية عباده، و خليقة بأن

يختصها بمنزلة من الكرامة لم تنلها غيرها و هى الماثلة في قوله تعالى :

«ان الله و ملائكته يصلون على النبى يأيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما».