الاقتصاد الاسلامى
مقا مه بين الاقتصادين الرأسمالى و الشيوعى الاشتراكى
للكاتب الفاضل الأستاذ محمود اللبابيدى ـ حلب
مقدمه:
يمتاز الاسلام بين الأديان الكبرى، بأنه ليس نظاماً دينيا فحسب، و انما هو نظام للحياة الفعالة، تام الحلقات، أى أنه نظام سياسى كامل، و نظام اجتماعى سليم، ثم هو نظام اقتصادى فريد.ولما كان للدين في الاسلام مفهوم غير مفهومه في الديانات الأخرى، و كان تاريخ بعض هذه الديانات قد اقترن بنزعة خصمية لتقدم العلم، انتهت بفواجع مؤلمة، نزلت بنوابغ العلماء ، و أخرت سير العلم ; فقد أسىء فهم ا لدين في الاسلام من طريق التداعى .
ولم يقتصر سوء الفهم هذا على الأجانب، بل شمل كثيراً من أبناء الاسلام الذين لم يدرسوه دراسة علمية، الأمر الذى استلزم أن يقعوا في أخطاء، ما كان لهم أن يقعوا فيها ،لو لا سوء الفهم هذا.
وأول هذه الاخظاء سوء التقدير لعلاقة الاسلام بالدولة، ثم سوء التقدير لعلاقته بالعلوم الكونية. ولذا رأينا أن بعضهم راح ينادى بفصل الدين عن السياسة مأخوذا بما فعلته أمم كانت تدين للكنيسة بالطاعة، كما راح بعضهم يلوح بضرورة تبنى الاقتصاد الشيوعى، بعد أن بدت مقاتل الاقتصاد الرأسمالى الغربى ; لأنه يظن خطأ أن السياسة في الاسلام، والاقتصاد الاسلامى، كلاهما ذو رائحة دينية من النوع الذى خاصم العلم و العلماء .
وكلمتى الى هؤلاء، في توضيح ما عنيته بمفهوم الدين في الاسلام في هذه المقدمة، أن أقول لهم: اذا كانت الكنيسة في يوم من الأيام قد استندت في توسيع سلطانها الى بعض عبارات الكتاب المقدس، حتى صارت تتدخل باسم الدين في الصغيرة و الكبيرة، فقد حرر الاسلام أتباعه من مثل هذه السلطة و من أى سلطة أخرى مهما علا شأنها، حتى ان الله سبحانه خاطب رسوله الكريم فى كتابه العزيز محددا وظيفته بقوله «انما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر» و بذا حرم وجود هيئات كهيئات الاكليروس .
و لهذا لم يعد من الممكن أن يرى في تاريخ الاسلام قصة كقصة الخصام بين الدين و العلم، ولا قضية كقضية الفصل بين الدين و الدولة، ولا مذاهب تتضافر على القول بضرورة استبعاد الدين عين حرم العلم .
ثم ان الدين في الاسلام ليس له مصلحة في أن يقف في وجه العلم، بعد أن امتنع
أن يكون له رجال كهنوت و هيئات اكليروس، يحلون و يعقدون كما يشتهون على نحو ما يجرى الى اليوم(1).
من أجل هذا، كان سوء السمعة الذى اكتسبته يعض الأديان، لما صاحب تاريخها من قتل الناس صبراً في غرف التعذيب، و تقديم نوابغ العلماء طعمة للنيران في ساحات المدن الكبرى باسم الدين، يجب أن لاينسحب على الاسلام بوجه من الوجوه .
على أن مفهوم الدين فى الاسلام، على ماأعتقده كمسلم (2)، ليس ـ في جوهرهـ سوى تحقيق «تقوى الله» و ما تقوى الله في واقع الأمر، سوى توفير العنصر الأخلاقى فى شئون الحياة .
فاذا كانت السياسة في الاسلام، يجب أن توضع في اطار الدين، فالمقصود من ذلك، أن تخضع لمبدأ أخلاقى، ينفى عنها الظلم و العدوان، سواء في داخل البلاد أو في خارجها. و اذا كان الاقتصاد يجب أن يظل في اطار الدين أيضا، فلأن الغرض من ذلك هو ترسيخ اقتصاديات البلاد و المعاملات الاقتصادية على قاعدة أخلاقية، هى عدم افساحه المجال لمظلمة، بحيث يسود نظام التكافؤ في المغرم و المغنم بين جميع المتعاملين، سواء أكانوا عمالا أم رأسماليين.
فالدين في الاسلام اذن، عبارة عن العنصر الأخلاق و تحقيق وجود في كل مرفق من مرافق الحياة، وليس شيئاً آخر. و هو ما عبر عنه فى الكلمة المأثورة: «الدين المعاملة» أى المعاملة الحسنة الخالية من الظلم بأنواعه، و هو ما حققه العرب في فترة من فترات تاريخهم السياسى لما حضعوا لاسلام، استلزمت أن يشهد لهم مؤرخ او روبى عظيم، فيقول «ان العرب أول من علم الناس كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين» .
من أجل هذا، لم يعد يستقيم النظر الى الدين في الاسلام، من خلال الكوة التى ينظر منها الى غيره من الأديان، ولا أن ننفيه من شئون الحياة، الا اذا أردنا أننفى
ـــــــــــــــــــــ
1-في 2 أيار سنة 1949 أصدر البابا منشورا يحرم فيه زواج الكاثوليكية من الأرثوذو كسى و البروتستنتى و... الخ (الأب بولس كوسا. دليل الزواج المسيحى ص 32)
2-أى في الشئون السياسة و الاقتصادية.
العنصر الأخلاقى عنها .
ولما كانت مشاكل الاقتصاد الرأسمال الغربى، ناجمة في أحد وجوهها الرئيسية، من استبعاد العنصر الأخلاقى عن المعاملات الاقتصادية، فسيجد القارىء أن الاقتصاد الاسلامى و قد قام على توفير العنصر الأخلاقى، هو الاقتصاد الفريد الذى يقف موقفا فريداً بين تطرف الاقتصادين: الرأسمالى والشيوعى الاشتراكى و يحل مشاكلهما، اذ يجمع بين فضائل هذين الاقتصادين من غير أن ينجر الى عيوبهما.
بعد هذه المقدمة الخاطفة التى كان لابد منها، ندخل في موضوعا الأساسى في النطاق الآتى:
1ـ الاقتصاد الرأسمالى، ماله و ما عليه.
2 ـ الاقتصاد الشيوعى، ما له و ما عليه.
3 ـ الاقتصاد الاشتراكى، ماله و ما عليه.
4 ـ الاقتصاد الاسلامى .
«اولا» ـ الاقتصاد الراسمالى
يقوم الاقتصاد الرأسمالى على أساس حرية الفرد، في أن يعمل المرء ما يروقه من الأعمال التجارية والصناعية و ما يتبعها من معاملات، وأن ينتج الأصناف التى يختارها و الكمية التى في وسعه انتاجها، و أن يتعامل مع غيره بكل ما يستطيع من حرية، و بعبارة أخرى: ان الاقتصاد الرأسمالى يرتكز على سياسة الباب المفتوح laissez faire في الداخل و الخارج، و لهذا أطلقوا عليه أيضا اسم الاقتصاد الحر، والاقتصاد الفردى، لأنه يعنى بمصلحة الفرد و لا يتعرف على مصلحة المجتمع. وقد وجد علماء الرأسمالية أنه لكى تكون الحياة الاقتصادية سوية طبيعية لا بد أن تكون مستندة الى أسس ثلاثة:
1 ـ المصلحة الشيخصية، كهدف.
2 ـ المزاحمة، كوسيلة.
3 ـ الحرية، كشرط.
نادوا بالمصلحة الشخصية، لأن واقع الانسان، أنه لا يعمل اذا لم يكن له مصلحة شخصية، و هى تأمين أرباح تغطى نفقاته و نفقات عائلته، و تضمن له و فرا لأيام العطالة والمرض والشيخوخة، و وفرا آخر لتجديد ما خلق من وسائل عمله.
و نادوا بالمزاحمة كوسيلة، لأن الانسان مسير في أكثر أعماله بخلقه أكثر مما هو مسير بذكائه و عقله .فهو أبداً خاضع للقوانين النفسية التى يسيطر عليها عالم العواطف، اذ هو في حاجة على الدوام لمهماز من« المنافسة» يسوقه نحو العمل والجد والتفوق. وليس من وسيلة لذلك، الا اطلاق الانسان في جو من المزاحمة و المنافسة الحرة.
و نادوا بالحرية كشرط، لأن فقدآنها او الحد منها يتعارض مع المصلحة الشخصية و يفقدها قوة المنافسة و قيمتها.
هذه هى أسس الاقتصاد الرأسمالى، و موجز خاطف عن حجج القائلين به و نحن اذا استعرضنا تاريخ الحركة الاقتصادية في أوروبا، رأينا أنه لما داردولاب العمل في جو الرأسمالية الحر، و جد الناس أنفسهم طبقات: ملاك أشراف، و ربويون، و صناع و أجراء يعملون و ينتجون، وآخرون يعملون ولا ينتجون كالكهنوت و حواشى الملوك... الخ. وكانت الحياة تبدو طبيعية نوعا ما، لأنه لا أزمات اقتصادية، و لا مصانع مغلقة، و لا عمال مضربين.
فلما توصل الذكاء البشرى لايجاد الآلة البخارية، حلت هذه الآلة مكان الصانع ففاض الانتاج و كثر المتعطلون، وراح ارباب الثروات والمصانع، يعالجون الانتاج الفائض تارة بوقف الانتاج، وباغلاق المصانع و صرف العمال، و تارة أخرى بتدمير الانتاج،ليظلوا محتفظين بالأسعار العالية.
وتنشأالأزمات الاقتصادية، و يدب الذعر في قلوب العمال أولا، لحرصهم على القوت، و تتجهم وجوه أرباب المصانع فزعا من ثورة العمال و تضعضع ثرواتهم الضخمة، و ترتبك الدولة خوف افلات زمام الامور من أيديها، ثم تنفرج الأزمة، فتتكشف عن مفاسد النظام القائم و عن ضحايا لا بد منها.
و يدور الفلك دورته، و اذا الأزمات تتكرر من جديد، و ينظر العالم و اذا الثروات الضخمة تتكدس بين أفراد قلائل، و اذا العالم قبضة هؤلاء النفر، يوجهون الحكومات الوجهة التى تزيد في ثرواتهم و تحفظها في أيديهم، و لو أدى ذلك الى شقاء سواد الشعب و هلاكه جوعا، و اذا الدول الرأسمالية، تسير في ركاب الثروة، و اذا رجال الحكم يقرون السلام أو يعلنون الحرب نزولا على أوامر رأس المال، واذا السلب المنظم والنهب المقنع تحت أسماء مختلفة من أعمال المصارف و البنوك و الشركات الاستثمارية، يصبح دستورا مقدسا، وحقاً مشروعا لاجدال فيه.
ويرى الناس البؤس والفاقة و المسغبة، منيخة بكلا كلها على ملايين من البشر المتعطلين، و يرى الناس الطفولة المشردة، والشيخوخة المتسكعة، و النساء الهائمات على وجوههن، و في الناس قلوب تتحرك، و عقول تصطرع، و في يد بعضهم أقلام يراها الظلم و أشرعها العدم، فغمسها أصحابها بدموع الملايين من أولئك الأطفال المشردين، و غذوها بآهات المحاويج، فولدت الشيوعية، و هبت ثورات العمال كاسحة ماحقة، فتحطمت الآلات وخرجت المصانع، و بدأ العالم الجائع المقهور فى عواطفه، المحروم من كسائه وغذائه و معرفته يتتجع كالفراش حول الشعلة الحمراء الى أن أصبحت هذه الفكرة الملتهبة حقيقة دولية في أكبر ممالك الأرض اتساعا و أعنى بها روسيا السوفياتية التى أضحت رمز الاقتصاد الشيوعى.
«ثانيا» ـ الاقتصاد الشيوعى
في هذا الجو الرأسمالى المحموم، المتعثر بالمشاكل الكثيرة، و تحت اللهب الأحمر، و الدخان المتصاعد، و بين الجياع المشردين الذين حطموا الآلات و خربوا المصانع، و في رأى بعض ذوى الأقلام المنكوبة، ولد الاقتصاد الشيوعى و غايته أن يحل محل الاقتصاد الرأسمالى الهرم، ليضمن العيش لكافة الناس بالتساوى أما وسيلته فالعنف و الثوة،و أما حججه فكما يأتى:
1 ـ لما كان الركن الأول للاقتصاد الرأسمالى هو المصلحة الشخصية، فانه يئول الى تكديس الثروة بيد الأقليه، وحرمان الأكثرية من تدارك الحاجات الضرورية، و بالتالى تضحية مصلحة الأكثرية في سبيل رفاهيته أقلية ضئيلة، و خلق تفاوت عظيم بين الناس يجعلهم طبقات يحارب بعضهم بعضا، حرب الطبقات والاستثمار.
2 - واذا كان الركن الثانى لاقتصاد الرأسمالى هو المزاحمة الحرة، فان من أكبر عيوب المزاحمة، أنها تؤدى الى تبذير القوى الانتاجية، و من ثم الى تعطيل رءس الاموال و صرفها عبثا، و لا ادل على ذلك، كما يقولون، من رؤيتنا كيف يحمل الدمار و الخراب و الافلاس الاقتصادى بين المتزاحمين من اصحاب الانتاج الموحد.
و لتدارك هذا الخراب قبل حلوله، نجد أن المنتجين يخفون الى تكوين اتحادات بينهم، سواء أكانت من نوع، «الكارتل» أم من نوع «التروست». و لتقريب ذلك الى فهم القارى فهم القارىء، نذكره بما يقع عادة في سورية و لبنان بين أصحاب معامل الجليد «الثلج» في أيام الصيف، او بين أصحاب المطاحن، من اغلاق كافة معامل الجليد وتشغيل معمل واحد بصورة دورية في كل أسبوع، ليظل سعر قالب الثلج واحداً طول فصل الحر، فيثرى منه أصحاب المعامل.
و في كلتا الحالتين، نجد أن المزاحمة في الاقتصاد الرأسمالى، قاعدة مجرمة سواء في حق الرأسماليين أو في حق المستهلكين، لأنها في حق الأولين، سبيل الى الخراب الاقتصادى، اذا لم يقع اتحاد بينهم، لأنهم يعمدون الى المضاربة فيفلسون. وهى في حق التالين مؤامرة مكشوفة، وسلب في حمى القانون، ناهيك عن أن شروط المزاحمة الحرة في النظام الرأسمالى ـ و هى تسليح الناس بسلاح متكافيء ـ مفقودة تماما.
3 - و أما العيب الثالث في الاقتصاد الرأسمالى كما يراه الاقتصاد الشيوعى، فهو الحرية الاقتصادية المطلقة التى لا تعنى سوى الفوضى، فالاقتصاد الرأسمالى فوضوى الى حد بعيد. لأنه يترك الفرد حراً في انتاج ما يشاء كيفما يشاء، أى نوعا و كماً، دون أن يحسب حسابا لما ينتجه الاخرون أمثاله، فيؤدى ذلك الى فائض في انتاج نوع من السلع، و الى الندرة في نوع آخر، و ينشأ عن عدم التوازن و الانسجام هذه الفوضى التى يعقبها من غير شك، الأزمات الاقتصادية المخيفة، حتى اذا انفرجت أزمة جاءت أخرى، و هكذا لعدم وجود ضابط أو منهاج للاقتصاد الرأسمالى، و لان هذه الحرية في حقيقتها لا تستهدف سوى مصلحة الفرد الشخصية و تسقط من حسابها المصلحة العامة.
هذه هى عيون الاقتصاد الرأسمالى عند القاتلين بالاقتصاد الشيوعى، فعلى أى المبادى يقوم الاقتصاد الشيوعى،
يقوم الاقتصاد الشيوعى على المادىء التالية:
أولا: محو الملكية الفردية محواً تاما، سواء للاراضى أو للمسقفات أو لرأس المال، و تمليك كل ذلك للمجموع و تسليمه للدولة لتديره باسم المجموع و لخير المجموع و هو التأميم Nationalisation المطلق.
ثانياً: توزيع السلع الاستهلاكية على الأفراد كل على حسب حاجته.
ثالثاً: المنهاج الاقتصادى.
و العلماء القائلون بالاقتصاد ألشيوعى، يوضحون هذه المبادىء، فيقولون: ان الغرض من محو الملكية الفردية، هو ارالة التفاوت بين الناس، و القضاء على النظام الطبقى قضاء مبرما، ثم تفادى المشاكل التى يعانيها المجتمع بسبب الجشع الذى يتملك الافراد نتيجه الاثرة و الطمع، اللذين يؤديان الى الخصومة فالاجرام، يسبب رفاهية فريق قليل على حساب بؤس فريق كبير، ثم ان محو الملكية يؤدى الى انعدام الأضرار الناجمة عن المزاحمة الحرة غير المتكافئة، و في طليعتها التبذير في القوى الانتاجية التى يمكن اضافتها لتأمين الرغبات البشرية بصورة أفضل، و تحقيق التساوى بين الناس تحقيقاً تاماً.
و في معرض شرح المبدأ الثانى، يقولون: ان توزيع السلع الاستهلاكية على حسب الحاجة أمر لابد منه، لأن للانسان حاجات طبيعية لا محيص من توفيرها لكل الناس كالما كل و الملبس و المسكن و الدواء و الثقافة، و لا يمكن حرمان أحد من هذه الحاجات لأنها حقه الطبيعى.
و في صدد الكلام على المبدأ الثالث، يقولون: ان ضبط الانتاج و توجيهة طبق حاجة المجموع من مفاخر الاقتصاد الشيوعى، لأنه الدعامة الاولى في تأمين سلامة المجتمع الشيوعى، اذ بدونه، لا معنى لوجود مجتمع شيوعى، ذلك لاننا اذا لم نضبط الانتاج طبقا لمنهج واضح، تظهر في هذا المجتمع نفس الاعراض و لازمات و المشاكل التى يعانيها المجتمع الرأسمالى الاتى و صفناها قبل قليل.
ثالثاً ـ الاقتصاد الاشتراكى
و من الجدير بالملاحظة و نحن في هذا المقام، أن ننبه القارىء الى أن المؤمنين بالاقتصاد الشيوعى، و على رأسهم أقطاب الشيوعية القابضون على زمام الحكم في «الاتحاد السوفياتى» اليوم، قد و جدوا بالتجربة العملية سنوات: أن الاقتصاد الشيوعى لا يمكن تطبيقه من غير أن يمر الناس في فترة النتقال تسهل لهم العبور الى هذا اقتصاد، و لهذا عمدوا الى تطبيق الاشتراكية الماركسية التى قال بها كارل ماركس Karl Marx صاحب الكتاب الشهير «رأس المال» و هذه الاشتراكية عبارة عن مزيج معدل من الرأسمالية و الشيوعية.
و على هذا فلا عجب اذا وجد المتتبع أن القائمين على تسيير الاقتصاد في روسيا اليوم لا يفتأون يرسمون المناهج و يهدمونها ليرسموا غيرها ثم ليكون نصيبها الهدم أيضاً الى أن يهتدوا الى خير منها، مما يؤكد وجود الفساد في هذه الاشتراكية أيضاً كما سيجىء.
فمبدأ محو الملكية الفردية، قد عدل عنه الى حل وسط، و هو الاحتفاظ بالصناعات الثقيلة و التجارة الخارجية و المصارف و التجارة الداخلية الكبيرة و المشاريع العامة بابقائها تحت الانحصار الحكومى، و اطلاق الصناعة الصغيرة و التجارة الوسطى و الصغيرة و تركها للسعى الشخصى.
كذلك، على عن مبدأ توزيع السلع الاستهلاكية حسب حاجة الافراد المفرغ في النص الاتى: «من كل حسب قدرته و لكل حسب حاجته» فأصبح المبدأ المعمول به كما نص عليه الدستور السوفياتى الصادر سنة 1936 «من كل حسب قدرته، و لكل حسب مايؤديه من عمل، و من لا عمل، ليس له الحق في أن يأكل.»
أما السبب في هذين التعديلين الخطيرين، فلانهم وجدوا أن الافراد لما اطمأنوا الى تأمين معاشهم بدأ وايتهربون من العمل، وأخلدوا الى الكسل، لزوال الحوافز و الدوافع الشخصية، حتى صار كل الافراد يختلقون شتى المعاذير، و يتوسلون بكل الوسائل ليعملوا في الاعمال غير المجهدة، و يهربون من الاعمال المجهدة، مما اضطر زعماء الشيوعية لاجراء تعديلات خطيرة في مبادىء الشيوعية، فأوجدوا فوارق الاجور بعد أن لاح لهم أن هذه الفوارق يجب أن تزول، و قد عللوا هذه التعديلات أنها وقعت نظراً لان الناس ما زالوا على عوائد النظام الرأسمالى، فلا بد لهم من فترة تنسيهم هذه العوائد.
ثم كان مصير المبدأ الثالث للاقتصاد الشيوعى مصير المبدأين السابقين، اذ أنه على الرغم من أن المنهاج الاقتصادى هو عمدة الاقتصاد الشيوعى، فقد اضطر السوفيات الى اهماله تماماً طول فترة الحرب العالمية الثانية، لان المنهاج عمل مرهق بكل ما في هذه الكلمة من معنى، و هو ما لا تحتمله امكانيات المولعين به، فضلا عن ملاحظة السوفيات تدهور الحياة الاقتصادية في بلادهم بسببه.
و هكذا يجد القارى أنه لم يبق شىء من مبادىء الاقتصاد الشيوعى في حين التطبيق، كذلك فاننا نجد أن نظام الاقتصاد الاشتراكى الذى لجأوا اليه كتدبير وسط، أو كمعبر يعبرون عليه الى الاقتصاد الشيوعى، لم يسعفهم و هم في كل فترة يدخلون عليه تعديلا جديدا.
و من الامثلة على ذلك الغاؤهم المزارع الحكومية المعروفة باسم «السوفر كوز» و هى التى أنفقوا عليها نفقات باهظة تقدر بالملايين، و لذلك لظهور فشلها تماما، كما عدلوا المناهج التى تسير عليها المؤسسات الزراعية التعاونيه المعروفة تحت اسم: «الخولكوز» و هى التى قيل أنها تبشر بالنجاح.
أضف الى هذا، أن الاقتصاد الاشتراكى و ان كان أكثر واقعية من الاقتصاد الشيوعى، و أقرب الى نفوس الناس من حيث احتفاظه لهم بالملكية الصغيرة و الوسطى في الصناعة و الجارة، الا أنه لم يلغ المعاملات المصرفية التى تشبه المناشير التى تأكل أموال الناس في الدخول و الخروج، كما لم يلغ القروض الربوية التى هى في الواقع أثل بلاء الاقتصاد الرأسمالى و السوس الهدام في بناءه، و لان العمل في ورشات الدولة ليس خيراً من العمل في ورشات الشركات، بل هو أكثر سوء من وجوه عديدة.
رابعاً الاقتصاد الاسلامى
مما يلفت النظر، أن عامة المثقفين من أبناء العرب يجهلون أسس الاقتصاد الاسلامى جهلا تاماً كما يجهل خاصتهم قيمه هذا الاقتصاد و قدرته على حل معضلات المجتمع الحديث.
والسبب في ذلك يعوذ في رأيى الى أن اساتذه الاقتصاد في جامعات الشرق العربى يتجاهلون وجود الاقتصاد الاسلامى، و لا يعيرون دوره الخطير الذى لبعه في هذه البلاد طول أربعة عشر قرنا أى اهتمام.
و مع أن تقاليد العلم التى ترعاها الجامعات عادة، تقضى بأن يبحث واقع البلاد الاقتصادى المنحدر من أعماق التاريخ كأساس للمادة العلمية، ثم يقفى عليه ببحث الاقتصاد الطارىء مشفوعا بالمعارضة و المقارنة، إلا أن هؤلاء الاساتذه يمضون في عرض الاقتصاد الغربى و مشاكله لوحده، الامر الذى جعل أغلب طلاب الجامعات العربية و الفئة المثقفة المتخرجة من هذه الجامعات و جامعات الشرق الادنى ـ مع الأسف ـ يعتقدون بأن علة عزوف الاساتذه عن التعرض للاقتصاد الاسلامى، هو تفاهة دوره الذى لعبه في الماضى و عجزه عن مجاراة الاقتصاد الحديث في الحاضر و قد يكون فعلا هذا رأى بعض الاساتذة، فلا يمنع أن نخالفهم فيه، و نجلو وجه الاقتصاد الاسلامى كما و عيناه.
ان الاقتصاد الاسلامى، اقتصاد رأسمالى قبل كل شىء. أى أنه يقوم على الاركان الاقتصادية الثلاثة المعروفة: المصلحة الشخصية كهدف، و المزاحمه كوسيلة والحرية كشرط، ولكن لا على أسس لارأسمالية الاوروبية الامر يكية التى لا تتعرف مطلقاً على العامل الأخلاقى و تنكره، بل على أساس الاعتراف بهذا العامل اعتراف تاما فالفرق اذاً بين الاقتصادين جوهر و أساسى الى حد بعيد، اذ أن أحدهما يثبت العامل الأخلاقى، بينما الثانى ينفيه، و شتان بين النفى و الاثبات.
و يتجلى الفارق، فارقا عظيماً، بين نظام رأسمالى يأخذ بعين الاعتبار العامل الاخلاقى كعنصر أساسى، و بين نظام رأسمالى ينفى هذا العامل و لا يتعرف عليه، أن النظام الاولى «الاسلامى» يعترف بمصلحة المجتمع كضابط عام، فيحد من حرية الفرد في تصرفه الاقتصادى، حداً يظهر أثره في صالح المجتمع بيناً مقصودا، بينما نرى النظام الاخر «الاوروبى الامر يكى»فردياً عالى أبعد الحدود، فاذا صح أن انتفع المجتمع في ظله، فيكون انتفاعه عفويا و ليس مقصود كالاول، و شتان بين الاقتصاد العفوى و الاقتصاد الموجه!
ان مصلحة المجتمع في الاقتصاد الاسلامى، لتبدو عيانا في مظهرين عامين:
المظهر الاول: كون الاقتصاد الاسلامى، يحارب تكديس الثروة و جمعها في يدفئة قليلة، و يجنح الى جعلها رأسما ليات متوسطة و صغيرة، لانه يحث على انفاقها في سبيل المصلحة العامة حيث يقول دستوره «والذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم» و لان نظامه الارثى يفتت الثروة تفتيتا لا مثيل له في أى قانون آخر، اذا يوزع أنصبته توزيعاً واسعا فهو لا يفعل كالقانون الانكليزى حيث يحصر النروة في الكبر من الاولاد، و يحرم ما عداه; كما لا يفعل فعل القوانين الاخرى التى تجهيز الوصية لكائن من كان بجميع المال، سواء أكان وارثا أم غير وارث، و يتركه لمن يناله بالصدفة(1).
انما يتصرف تصرف حكيم، فيعطى للقرابات أنصبة متفاوتة، و للابعدين، و لا يسمح لصاحب الثروة أن يتصرف فيها كما يشاء الا في ثلث ثروته، و يعد هذا الثلث كثيراً. و قد نص على الغاية من ذلك الدستور القرآنى، فقال في سورة الحشر، «كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم» محافظة منه على التوازن الاقتصادى في المجتمع، و لأنه مقرر لديه، أن حصر الثروة في يد فرد: وارث أو موصى له ـ يؤدى حتما الى اقامة دولة من العسف و الطغيان «ان الانسان ليطغى، أن رآه استغنى».
اذن فالاقتصاد الاسلامى، مؤسس على رعاية المصلحة العامة، و قائم على محاربة طغيان رأس المال الكبير من غير غلو و لا تطرف.
على أنه لم ينح نحو الاقتصاد الشيوعى فيمحو الملكية محواً تاما، و لا فعل كما فعل الاقتصاد الاشتراكى من محو الملكية الكبيرة و الابقاء على الصغيرة و تسليم الاولى للدولة ليديرها طبقة من الموظفين، فيكون قد نقلها من يد قوية الى يد اقوى، بل عمد الى طريقة خير من هذه الطرائق: عمد الى وسيلة تمنع تجمع المال الوفير، و جعله يتسرب الى المجتمع شيئا فشيئا، لأنه قد لا حظ مسبقاً، أن رأس المال الكبير سواء أكان في يد أفراد من الشعب، أم في يد موظفى الدولة، هو سلاح خطر يمكن أساءة استعماله من كلا الفريقين، بل قد لا حظ أنه في يد فريق الموظفين أشد خطراً
ـــــــــــــــــــــ
1- أوصت المليونيرة صاحبة شركة ما كينات سنجر للخياطة، بنصف ثروتها التى تقدر بثلاثة ملايين من الجنيهات، لمن يعثر على وصتيها، فعثر عليها عامل على شاطىء البحر قرب سان فرنسيسكو في زجاجة طافية.! والنصف الثانى لمحاميها، و حرمت ورثتها.
على المجتمع لان في يدهم القوة السياسية أيضاً، و لهذا جنح الى تفتيته بقدر يستفيد منه المجتمع من غير أن يكون خطراً في يد الفرد.
و هكذا نجد أن الاقتصاد الاسلامى قد اتخذ موقفاً فريداً، فآلت اجراءاته الى ايجاد «نظام الملكيات الوسطى و الصغيرة» ليقى أفراد المجتمع طغيان رأس المال الكبير و ليجنبهم عسف دولة الاغنياء، وليأمن أيضاً انقلاب دولة الموظفين أشد عسفاً و طفيانا لاجتماع القوة السياسية في أيديهم أيضاً.
و المظهر الثانى: (لاستهداف الاقتصاد الاسلامى مصلحة المجتمع بصورة مقصودة) تحريمه الربا، فقد شن حربا لاهوادة فيها على كافة المعاملات و القروض الربوية، و في ذلك يقول الدستور الاقتصادى في الاسلام: «يأيها الذين آمنوا اتقوا الله و ذروا ما بقى من الربا أن كنتم مؤمنين، فأن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله، و ان تبتم فلكم رؤس أموالكم، لا تظلمون و لا تظلمون».
والغرض الذى رمى اليه الاقتصاد الاسلامى من تحريم الربا هو اخضاع المعاملات الاقتصاديه بكافة وجوها، الى قاعدة ثابتة عادلة، و قد أفرغها في هذا النص الموجز الواضح: «الغنم بالغرم، أما أن يتمتع رأس المال بربح ثابت كما هو جار في النظم الاقتصادية الاخرى، فهذا لا يجوز أصلا لتحقق معنى الظلم فيه والاقتصاد الاسلامى يريد أن يبعد هذا الظلم عن كافة المتعاملين على السواء تحقيقاً لمعنى قوله «لا تظلمون و لا تُظلمون».
و معنى آخر يتضمنه تحريم الربا، هو كون العمل في عرف الاقتصاد الاسلامى متقوماً برأس المال، و قد يكونان متساويين، وألاصل كما بنيا أنه لا يحق لرأس المال أن ينفرد بالتمتع بأى امتياز أصلا تجاه العمل، لان العمل في نظره رأس مال معادل، و في حالة انضمام رأس المال الى العمل يعتبر ان طرفي عقد، و يتمتعان بامتيازات متساوية في النتيجة، سواء أكانت هذه النتيجة خسارة أم ربحاً، و نستطيع أن نبين لك واضحاً ان الخسارة اذا لحقت رأس المال نفسه، لم يكن لصاحب رأس المال أن يقسم هذه الخسارة بينه و بين العامل بمواهبه و قواه البدنية، لان هذه الخسارة قد لحقت العامل نفسه بما صرف من جهد و ما بذل من قوة، و لان العمل متقوم برأس المال (انظر المادتين 1347 و 1428 من مجلة الاحكام العدلية التى كانت تقوم مقام القانون المدنى).
و بذلك يكون الاقتصاد الاسلامى قد حل المشكلة الكبرى القائمة بين الاقتصادين الشيوعى و الرأسمالى، و هى مشكلة فضل القيمة Plus Value.(1)
على أن رأس المال في الاقتصاد الرأسمالى الغربي يتمتع دوماً بحصة الاسد، و لا يرضى أن يتساوى مع العمل بحال من الاحوال، اذ يحتم أن ينال فائدة ثابتة مع أصل رأس المال وهذا الامتياز لرأس المال (الربا) هو في الواقع علة بلاء العالم و ما يشكو من اضطراب و مشاكل لا تنتهى و حروب لا تنقضى.
و لهذا لا تجد في تاريخ الاقتصاد الاسلامى أى تصادم أو أى ثورة فرمنها رأس المال، و للسبب نفسه لا تجد أيضا في البلاد التى حكمها هذا الاقتصاد، أثرا للملكيات الكبيرة أو لرءوس االامول الضخمة، الا عند ما ينحرف الذين بيدهم السلطان عن دستور هذا الاقتصاد، و تجد هذا التصادم و الثورة و اضحين في أوروبا اذ يفرضهما رأس المال هناك فرضا.
ان هذين المظهرين: مظهر تفتيت الثروة و احالتها الى ملكيات متوسطة و صغيرة، و مظهر تحريم الربا، يبعدان الاقتصاد الاسلامى عن الاصطباغ بالصبغة الفردية المفرقة التى هى طابع الاقتصاد الرأسمالى الغربى.
فالاقتصاد الاسلامى من هذه الجهة، اقتصار رأس مالى فردى من نوع خاص له حسنات النظام الرأسمالى افردي ولكن ليست له عيوبه، لانه قائم على معيار أخلاقى يجعل فرديته مقيدة بالمصلحة العامة بصورة مقصودة و واضحة، لا عفوية و لا غامضة.
نأتي الان على بحث (المزاحمة) التى هى وسيلة الاقتصاد الاسلامي كما هى وسيلة الاقتصاد الغربي لنقول ان هذه الوسيلة مختلفة في هذين النظامين الرأسماليين كاختلافهما في مفهوم الفردية الاقتصادية.
لقدها جم دعاة الاقتصاد الشيوعي و الاشتراكي مبدأ المزاحمة هذا بقولهم:
ـــــــــــــــــــــ
1- و فضل القيمة هو الذى يعتبره الاقتصاد الشيوعى السرقة الكبرى، التى يسرقها أصحاب رؤس الاموال في المصانع من عمالهم لأنها الفرق الحاصل بين تكاليف القطعة المصنوعة بما فيها أجور العمال، و بين قيمتها في السوق، تلك القيمة التى يربحها أصحاب المصانع، مع أن للعمال الذين أنتجوها حق المقاسمة فيها.
آنهامزاحمة بين مجتمع ليس أفراده متكافئين بأسلحتهم، ولكي تكون مزاحمة حرة، يجب تسليح الناس جميعاً بسلاح واحد ثم تركهم يتنافسون في معركة الحياة ذلك أن الناس ليسوا متساوين في الظروف و لا في الكفاءات الطبيعية، و لا في القوة الاقتصادية، و لا في انحصار الملك و الارث، اذ منهم من حبته الطبيعة بالذكاء أو بالقوة الجسدية، أو بالثروة الموروثة، و منهم من حرمته من كل ذلك.
و نحن من جانبنا، يجب قبل البحث في تكافؤ الاسلحة، أن نسقط من حسابنا القوى الجسدية، و المواهب المكرية، اذ ليس في استطاعتنا أن نصحح أسلوب الطبيعة، أو قانون الوراثة، كما أنه ليس من المعقول أن نقلل من قوة ذوي البنية المتينة، أو أن نحد من مواهب ذوي المواهب، لكى نساير محدودي الذكاء و ضعفاء البنية، بدعوى التساوي في الأسلحة!
ولكننا نستطيع أن نسوي بينهم، من حيث القوة الاقتصادية، و هذا ما فعله الاقتصاد الاسلامي، و لم يفطن اليه الاقتصاد الغربي و الاقتصاد الاشتراكى.
ان الاقتصاد الاسلامي لكي يضمن المزاحمة الحرة للأفراد في معركة الحياة بأسلحة متكافئة، فرض جملة قواعد أهمها:
أولاً: أنه حرم الربالكي لا يثري أحد من غير عمل أو على حساب غيره.
ثانياً: أنه حرم ألعاب الميسر بأنواعه، لكي لا يثري أحد بطريقة الحظ.
ثالثاً: أنه حرم الوصية للوارث، حتى لا يظفر بنصيبين، نصيبه من الارث و نصيبه من الوصية، فلا يظفر بسلاح افضل.
رابعاً: أنه فرض الوصية لغير الوارثين، ليحصل غير الوارث على مال يعده للمزاحمة.
خامساً: أنه حرم أن تتجاوز الوصية ثلث المال، لكي لا يصير المال كله بالوصية الى الموصى له، فيحرم الورثة، و تختل شروط المزاحمة.
سادساً: أنه جعل أنصبة الارث متعددة، ليشيع المال في أيد متعددة، فنقل الفروق بين المتزاحمين الى أقصى درجة، دون الخروج على القواعد النفسية.
سابعاً: أنه فرض الزكاة لثمانية أصناف من الناس عدّدهم في سورة التوبة، و هم أضعف الخلق، لكي لا يرحم أحداً من سلاح يزاحم به في مضمار الحياة و جعل مقدارها 5/2% مما يملكه الفرد سنويا من الاموال القابلة النماء، سواء بنفسها أو بالقوة.
و بعبارة أخرى، أنه لم يترك في الساحات الاقتصادية صنفا واحداً من الناس
كالوارثين للثروات مثلا أو الموصى لهم يديريون المعركة الاقتصادية و حدهم! بل أشرك معهم كل أصناف الفقراء و المساكين و أبناء السبيل ممن عددتهم السورة المشار اليها، حتى شمل فاقدي الحرية من الرقيق، و لم ينس المثقلين بالديون فأنه مع تأجبله لديونهم الى وقت الميسرة «و ان كان ذو عسرة، فنظرة الى ميسرة» أفسح لهم المجال ليستأنفوا نشاطهم الاقتصادي من جديد، بأن ادخر نصيبيهم المفروض من ميزانية الزكاة يحفظ لهم في خزينة الدولة و هوالثمن ـ كغيرهم من الاصناف الذين أشرنا اليهم ـ من حاصل ما جمع، و هو رأسمال جديد يبدءون أو يربحوا المعركة التى خسروها قبلا، لان حلبة المزاحمة و المنافسة مفتوحة أمامهم بشروط معتدلة مدى الحياة. و هكذا نجد أن الاقتصاد الاسلامي، لم يترك وسلية من الوسائل الا أخذبها، ليجعل أسلحة المتزاحمين في معركة الحياة متكافئة بصورة عملية.
من الجدير بالملاحظة، أن الاقتصاد الاسلامي، بتمهيده للمزاحمة المتكافئة على الوجه الذى بسطناه يحتم ظهور طبقة و افرة العدد من صغار الرأسماليين كلما مات رأسمالي كبير مسلم، و كلما ولد عام جديد، حيث يبدأ صندوق الزكاة بالتوزيع على المستحقين، مع العلم أنه اذا لم يظهر مستحق لصنف من الاصناف الثمانية المعدودين عاد نصيبه الى الأصناف الأخرى، فيكون نصيب المستحق سبعاً أو سدسا... الخ.
بعد هذا، نأتي على ذكر القاعدة الثالثة في الاقتصاد الرأسمالي و هى (الحرية) ان الحريه الاقصتادية شرط أساسى لازدها و الاقتصاد الرأسمالى من غير شك. غير أن مفهوم هذه الحرية يختلف بين الاقصتاد الاسلامي، و بين الاقتصاد الغربي اختلافاً بيناً، فبينما هي حرية مطلقة الى أبعد حدود الاصلاق في هذا الاخير، لقيامها على سياسة الباب المفتوح Laissez faire اذا هي في الاقتصاد الاسلامي مقيدة بقيدين خطيرين: المبدأ الاخلاقي، و المصلحة الاجتماعية.
و تظهر هذه الفوارق واضحة بين هذين الاقتصادين من أن الحرية الاقتصادية قد تطورت في الاقتصاد الغربي تطورا طويلاً، حتى اهتدى اصحابه الى صوره من صور الاخيرة في شكل الاقتصاد الموجه أو المسير Econamic Dirigee من غير استقرار عليه، في حين ولد الاقتصاد الاسلامي محاطاً بالحدود والقيود، و لهذا لم يسمع في أرجاء الممالك الشاسعة التي خضعت لقواعد هذا الاقتصاد أن جرى اتلاف المنتجات و المحاصيل للاحتفاظ بالاسعار العالية، و لو وقع شىء من ذلك لتكفل نظام التقرير الجزائي بقمعه، فضلاً عن أن هذا النظام كان يحارب الاحتكار، و
يعاقب المحتكرين المتحكمين في الاسواق.
و لقد ثبت ثبوتاً قاطعاً أن خلفاء الاسلام و مؤسسة الحسبة كانوا يسهرون على مراقبة الاسواق، و قد كان الخليفة عمربن الخطاب ينزل الى أسواق مدينة الرسول و يراقب كل ما يجري فيها، و قد أغلق في بعض جولاته عدداً من الحوانيت، لأنه اكتشف أن أصحابها يجهلون المعاملات الاقتصادية النظيفة، و قد أنذر أصحاب هذه الحوانيت أن حوانيتهم ستظل مغلقة حتى يتعلموا أصول التعامل الاقتصادى كما رسمه الاسلام و من يفتح اليوم أي كتاب في (الحسبة) يجد باباً خاصاً يبحث عن (المعاملات المنكرة) أى المعاملات الاقتصادية التى يشجبها الاسلام و يعاقب عليها و هى كثيرة.
النتيجه:
يتضح من هذه الدراسة الخاطفة و الاستعراض الموجز جداً الذى قدمناه لتعيين موقع الاقتصاد الاسلامي من الاقتصادين: الرأسمالي و الشيوعي أو الاشتراكى:
أولاً: أن الاقتصاد الاسلامي اقتصاد رأسمالي فردي من نوع خاص.
ثانياً: أن الاقتصاد الاسلامي لاموقع له بين هذه النظم الاقتصادية، لانه فريد في بابه و نسيج وحده، لانه وفق بين مبدأين يبدوان متناقضين: تقدم العالم وازدهاره; والحيلولة دون اقامة دولة للاغنياء أو لرأس المال، و ذلك لارتكازه على أسس مختلفة مع الاسس التى قامت عليها تلك النظم.
ثالثاً: أن الاقتصاد الاسلامي فيه من الرأسمالية الفردية خير مالديها دون شروها، و فيه من الأشتراكية أحسن مالديها دون عيوبها، أما الاقصتاد الشيوعى فبعيد عنه تماماً، لأنه اقتصاد خيالي اذ لم يعترف بأهمية الغرائز البشرية، و هذا واقعى، لاته قرر مبدأ مسايرة الغزائز و الميول النفسية مع تقييده لها.
والسبب في ذلك، أن الاقتصاد الاسلامي قد شيدت أسسه على قواعد القانون الطبيعى، والعدل الاجتماعى في الحدود العملية، اذ أنه قد بنى من أساسة على مبدأ صحيح و سليم، هو مبدأ مسايرة الغرائز و الميول النفسية، فأباحة حق التملك مع تقييد هذا الحق بمبدأين عظيمين معدلين: توفير العنصر الاخلاقى، واستهداف المصلحة العامة للحيلولة دون قيام دولة للأغنياء أو لرأس المال.
و بعبارة أخرى، ان الاقتصاد الاسلامي، قد اعترف بهيمنة الغرائز البشرية على الانسان، كما اعترف بسلطان الميول النفسية الاساسية عليه، فلم يشأ أن يصطدم بهذه القوى ـ كما فعل الاقتصاد الشيوعي و تحطم على صخورها، فاضطر أن ينشىء
له مرحلة انتقالية ـ و انما سايرها، لان الاصطدام بهذه القوى، فضلاً عن أنه عقيم و وخيم العواقب، يعوق تقدم العالم.
والاقتصاد الاسلامى، بوضعه مبدأ مسايرة الغرائز البشرية و الميول الفسية، لم يترك هذا المبدأ طليقاً مطلقاً، بل أنشأ له مبدأ القيد و المراقبة، هذا المبدأ الذي لم يفطن اليه الاقتصاد الرأسمالى الغربى الا في الأيام القريبة جداً، عند ما اصطدم بالاقتصاد الشيوعى، و مع ذلك فانه لم تؤدبه هذه الفطنة ـ التى أكره عليها ـ الى اكتشاف أساس صالح يقيم عليه هذا القيد والمراقبة، كالذى وفق اليه الاقتصاد الاسلامى.
فعيب الاقصتاد الرأسمالى الغربى بعد أن أخضع للتوجيه و المراقبة، أنه أبقى رأس المال سيداً و العمل رقيقاً، و لم يعترف بامتيازات لهما متساوية، فبقيت مشكلة رأس المال و العمل (فضل القيمة Plus Value) من غير حل و هى المشكله الكبرى القائمة الى اليوم.
و عيب الاقتصاد الشيوعى، تجاهله غرائز الانسان الاصلية و ميوله النفسية كحبه التملك و الاقتناء و حب المنافسة و التفوق، و تجاهله الفوارق الطبيعية بين الافراد من حيث المواهب الفكرية و القوى الحيوية وا لجسدية، أما تفكير أصحابه بأنهم سيقضون على هذه الفوارق بتهذيب الناس و اعطائهم الفرص المتكافئة، و عندئذ يتخلى الناس عن غرائزهم و ميولهم هذه الى غرائز و ميول جديدة، فلعمرى، ان لم يكن هذا حلما و خيالا فانه أذخل في باب الوهم و الخيال.
ان بواعث النفس لترقية شئون الحياة، تابعة لقانون ندرة السلع المفضلة التى يجرى و راءها الفرد بقصد حيازتها، فاذا اضمحل هذا القانون بحكم حصول كل الناس بشكل متساو على كل كا يشتهون، الذكى كالغبى، و الخامل كالمجد، لم يعد هناك معنى للحياة الا على أساس حيوانى، و الانسان يربأ بنفسه أن يرتد حيواناً بعد أن قطع مرحلة لا بأس بها في سلم الحضارة.
و عيب الاقتصاد الاشتراكى، أنه يعوق تقدم العالم، اذ يمنع التعاون الاقتصادى بين الافراد لبناء المشاريع الكبرى و يسلمها للدولة، ان تسليم المشاريع الكبرى للدولة ليس بحل صحيح لعدم ارتكانه على قاعدة صحيحة، اذ الافراد أقدر من الدولة كما قلنا على ادارة هذا المشاريع، لأن أعمال الدولة متسمة على الدوام بميسم البطء والجمود و سوء الادارة، فضلا عن أن الاقتصاد الاشتراكى لا يلغى المعاملات و القروض الربوية، و ان كايخفض نسبتها.
و يأتى الاقتصاد الاسلامى فنجد أنه براه من هذه العيوب جميعها، لانه هدى الى اكتشاف الاسس الصالحة، فبنى عليها قواعده و أرساها.
فقد وضع نصب عينيه التوازن بين مبدأين رئيسيين: الاول: تقدم العالم و ازدهاره، و الثانى: الحيلولة دون اقامة دولة للاغنياء كى لا يستبد رأس المال و لا يطغى. فكيف يجمع بين هذين النقيضين و يحفظ توازن العالم؟ و بعارة أخرى.
ان توازن هذين المبدأين هو مشكلة العالم الحديث القائمة اليوم، و الباقية بلا حل، و قد واجهت لاقتصاد الاسلامى من قبل فحلها، فكيف حلها؟
ان الحل يسير جداً، مثلها المشكلة معقدة جدا، اذ كلما رجع الانسان الى القانون الطبيعى و الى العدالة الاجتماعية، ظفر بهذا الحل، و هو أمر موضوع في متناول بصيرة الانسان.
فالقانون الطبيعى يوحى بأن معالجة الواقع حير من العمل على تغيير هذا الواقع، لانه أقصرالطرق، و أقل نفقة، و أكثر جدوى. ولهذا وضع الاقتصاد الاسلامى مبدأ مسايرة الغرائز و الميول النفسية، فقرر مبدأ: الحرية الاقتصادية، ولكى لا يساء استعمال هذه الحرية، لان الاساءة مطبوعة في خصائص الغرائز والميول، وضع مبدأ القيد و المراقبة. و حتى يكون أساس هذا القيد و هذه المراقبة صالحين لكل زمان و مكان، ردهما الى مبدأ أخلاقى يجعل نفى الظلم ملاك أمره، فقرر مبدأ «مصلحة المجموع مقدمة على مصلحة افرد» فقال في المادة 58 من مجلة الأحكام «التصرف على الرعية منوط بالمصلحة» أى مصلحة الجماعات، فلا يمنع عند الحاجة أن يخضع الاقتصاد الى برنامج احصائ ى و غير ذلك من التدابير الواقية. و تطبيقاً لهذا المبدأ وضع أيضا سلسلة من المبادىء التبعية، فقرر تحريم احتكار ما كان ضروريا لحياة الجماعات، كما قرر تحريم الربا تحريماً باتا، و منع كافة المعاملات الربوية و عاقب عليها، ليمنع طغيان رأس المال و استبداده بالعاطلين عن رءوس الأموال.
كما وضع مبدأ توازن العمل مع رأس المال، بأن جعل العمل يقوم مقام رأس المال، بل جعله رأس مال، حتى قرر في شركات المضاربة أنه اذا خسرت الشركة، توخذ الخسارة من الريح أولا، ثم من رأس المال، فاذا استغرقت الخسارة رأس المال فلا يلحق بالمضارب شىء، لان العمل لما كان رأس مال مقابل، فقد فات بالخسارة أيضا (أنظر المادتين 1345 و 1428 من المجلة القائمة محل القانون المدنى) و بذلك فتح باب التعاون الاقتصادى بين العمل و رأس المال على أساس عادل، يكفل تقدم العالم و ازدهاره، من غير ازراء بالعمل، و لا استعلاء من جانب رأس المال، بل
على أساس التعاون على الانتاج بحقوق و امتيازات متساوية، و بذلك ضمن استقرار العمل و تفادى الازمات الاقتصادية و قضى على مشكلة فضل القيمة Plus Value.
و على هذا الاساس يمكن أن تنقلب بنوك التسليف من بنوك تسليف بفائدة ثابتة على رأس المال، الى بنوك تسليف متعاونة لها اشراف و توجيه، تتقاسم في النتيجة الارباح و الخسائر تبعا لقاعدة:«لا تظلمون و لا تظلمون» التى انبثقت عنها القاعدة العامة الشهيرة «الغنم بالغرم».
ثم انه على هذا الأساس من التعاون الاقتصادى السليم، لا يقر الاقتصاد الإسلامى مبدأ «التأميم المطلق» الذى هو في الواقع احتكار و انحصار من جانب الدولة Manpole الا ما كان بالغا حد الضرورة القصوى لحياة الجماعة، و ان كان يقر التأميم الجزئى، اذ أن للتأميم المطلق سوءات كثيرة، فقد سبق لنا أن و صفنا الدولة بأنها أعجز من الأفراد في ادارة هذه الانحصارات، لان أعمالها على الدوام مطبوعة بطابع البطء والجمود و سوء الادارة مجتمعة، و هذا يتنافي مع مصلحة المجتمع تماما.
هكذا حل الاقتصاد الاسلامى، مسألة تقدم العالم و ازدهاره بشكل عملى قائم على أساس علمى صحيح، دون أن يضحى بالعمال، فلتنظر كيف حل مشكلة طغيان رأس المال الفردى.
لقد حلها باصدار سلسلة من القوانين ترمى كلها الى تفتيت الثروة و الحيلولة دون قيام دولة لرأس المال الفردى، و هى قوانين تلائم قانون الحياة، و تمشى مع الغرائز و الميول النفسية جنباً الى جنب. منها قانون الإرث الذى توسع في تعداد مستحقيه، و فاوت بين أنصبتهم، و ليس من قانون ارثى آخر توسع هذا التوسع، و منها قانون الوصية اذا «لاوصية لوارث» و «لا وصية الا من ثلث المال و الثلث كثير» و منها قانون الزكاة الذى توسع فيه ايضاً فشمل ثمانية أصناف من المستحقين، منهم الفقراء، و منهم المساكين، و منهم الارقاء ليشتروا حريتهم، و منهم أبناء السبيل، و منهم الذين ركبتهم ديون(1). الخ فاكتسح بذلك الثروة المتجمعة و فرقها على أصحاب الحاجة،
ـــــــــــــــــــــ
1- لقد كان صندوق الزكاة، يوفي عن المدينين الذين لزمتهم ديون من طرق المعاملات المشروعة و عجزوا عن الوفاء بها من (سهم الغارمين) حتى لا تضيع الثقة بين المتداينين، و يبقى التعاون بين الافراد قائما.
و قد روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: أن رجلا سأله من الصدقة فأجابة بقوله: «ان الله لم يرض في الصدقة بقسم نبى و لاغيره، ولكن جزأها ثمانية أجزاء فان كنت من تلك الأجزاء أعطيتك».
لينزولوا الى الحياة الاقتصادية من جديد برأسمال جديد، حتى آذا تجمع رأس المال عند هؤلاء وزاد و نما و بلغ ما بلغ و خيف من طغيانه، جاء قانون الحياة. جاء الاجل، و كل آتيه أجله، فعاد رأس المال متفرقا.
و لهذا فانه كلما مات رأسمالى مسلم، و كلما ولد عام جديد ظهرت في المجتمع طبقة وافرة العدد من صغار الرأسماليين أو من متوسطهم و هكذدا دواليك.
على هذين الوجهين، حل الاقتصاد الاسلامى مشكلة العالم القائمة اليوم، التى تقف أمامها الانظمة الاقتصادية المختلفة مكتوفة اليدين، حلا مبنياً على أسس علمية صحيحة، تكفل تطور المجتمع وازدهاره، من غير ظلم للطبقات الكادحة، كما تكفل تفادى قيام أزمات اقتصادية و ثوارث عمالية، ذلك لان له مزية التأليف العجيب، بين تجميع الثروة و بين تفتيتها في آن واحد، من غيرظلم لأحد.