حاجه القانون الى الدين
لحضرة الاستاذ الدكتور محمد البهى
أستاذ الفلسفه بكليه اللغة العربية
وضع القانون ظاهرة من ظواهر نزعة الاستقلال لدى الانسان، واعتداده بنفسه، و رغبته في عدم الاصغاء الى مصادر التوجيه السابقة، فالانسان البدائى كان يحتكم الى العادات المتوارثة في بيئته في حسم النزاع و الخصومات التى تقع في جماعته، و الانسان المتدين في القديم كان يلجأ الى الكهنة يطلب منها الرأى و الفصل فيمها يعرض له من مشاكل، و الاديان السماوية بعد ذلك تكفلت بابداء النصيحة للانسان سواء أكان للفرد في أموره الخاصة أم في علاقته بغيره من معاشرية، و أصبحت نصيحتها له شرعة يلتزم الاخذ بها و الاطمئنان اليها، و نصائح هذه الاديان كانت في بداية أمرها جملة من المادىء العامة تقرها الفطرة الانسانية ألسليمة، ثم تطور عنها فيما بعد كثير من التفريعات و التفصيلات المختلفة و تتصل كثرتها اتصالا وثيقاً بأحداث الجماعة و الاخذ في علاجها في دائرة تلك المبادى العامة، و مع أن هذه التفريعات من اجتهاد الإنسان نفسه و عمله الفكرى الخاص لها من قداسة الدين ما لذلك الاصل الذى ترد اليه.
و لكن الانسان لم يشأ أن يستمر في توجيهه في السلوك الفردى أو السلوك الجماعى مرتبطا ارتباطا كليا باملاء خارج عنه، صادر من مصدر معين لعقيدة خاصة أو من وحى وظيفة معينة; لم يشأ أن يسلم تماما بما ينصح به الدين، و بما يحكيه رجال الدين باسمه، بل رغب في أن يكون له رأيه فيما يروى له، و أن يحتكم الى عقله العام فيها تحكيه المراجع الدينية و رجال الدين فتفلسف و نقد و كون له معرفة خاصة تتميز عن الدين بأنها تحمل طابع الانسان و نتيجة لقوته الفكرية، و رضى أن تكون معرفته هذه مصدر هدايته و سيره في الحياة، كما تكون أساسا لتقنينه و تشريعه الوضعى في جماعته، و أخذت هذه المعرفة اسم «الفلسفه» في تاريخ الانسان.
و سارت الفلسفة مع الدين في اتجاه واحد و لغاية واحدة، فكلاهما قصد الى ارشاد الانسان فرداً و جماعة، و الى وضع حدود لتسوية ما يجد بين الافراد من منازعات، و الفرق بينهما كان في الخطوات التى يقطعها كل منهما في سيرة نحو الغاية الواحدة، بطأ و سرعة. ففى الوقت الذى كان التدين يسود جماعة من جماعات الانسان كانت خطوات الدين فيه أسرع، و بالعكس اذا سيطرت الفلسفة على عقلية نفر من الخاصة قيض لها أن تحكم الجماعة و تنفرد بالتوجيه فيها.
و على كل حال كان مرد أمور الجماعة كلها في القديم الى الديانات الشعبية و كهنتها،ثم الى الاديان السماوية فيما بعد و استمر الوضع على ذلك الى عصر النهضة في أوربا و الى أواخر القرن التاسع عشر في الشرق.
و منذ عصر النهضة الاوربية قويت نزعة الانسان الاستقلالية، و جدّت الفلسفة ـ تبعاً لذلك ـ في السير نحو هدفها، و هو اقناع الاسنان بالاعتماد على الانسان، لا على قوة خارجة عنه، في وضع مبادى السلوك و تحديد الحياة و تحديد قيمتها و تحديد غايتها. و نمت بذلك البحوث الاخلاقية و الاجتماعية التى أثرت جميعها في وضع القانون و تنظيمه، و أصبح بجانب النهضة العلمية الطبيعية نهضة أخرى تشريعية انسانية، و هكذا استقل الانسان بالتدريج بالسيطرة على حياة الانسان عن طريق القانون.
و القانون لا ينظر اليه باعتبار أنه جملة من المواد تنظم علائق الافراد بعضها مع بعض في الجماعة، بل ينظر اليه من حيث غايته و غاية القانون اسعاد الجماعة الانسانية بالحرص على تحقيق مصالحها العامة.
و في دائرة هذه الغاية اختلفت قوانين الجماعات في الامم والشعوب، لكنها اعتمدت جميعها على مراعاة البيئة و العوامل الاجتماعية، و المفارقات الجغرافية، و الخصائص الثقافية، و التقاليد، لما في ذلك كله من دخل في تحقيق الغاية التى يقصد اليها القانون، و لكل أمة من الامم الحديثة اليوم قانونها الخاص و فلسفتها الاخلاقية الخاصة، و هما يهدفان معاً الى تحقيق المصالح القومية أكثر من تحقيق المصالح الانسانية البحتة.
و قانون أية أمة من الامم الحديثة لا يراعى الجوانب السابقة فحسب لتحقيق مصالح الامة، بل يراعيها أيضا لضمان رضاء الافراد رضاء نفسياً، و ضمان طاعتهم للقانون نفسه.
للقانون أن ينظم حياة الجماعة الاقتصادية و حياة الاسرة و حياة الفرد فيها، و يخضع الأفراد على سبيل الالزام لنظامه، لكنه لا يطلب ـ كقانون ـ من الفرد أن يتبرع لفقير أو يعمل خيراً لانسان أو أن يكون ذا فضائل بأن يكون مثلا شجاعا أو ذاقناعة أو ايثاريا و هذه معان تدخل أيضا في تحقيق السعادة في الجماعة و مع ذلك لا يستطيع القانون أن يكفلها.
القانون يعنى بظاهر العلاقات بين الافراد، لكنه لا يستطيع النفاذ الى نفسية الفرد و توجيه نشاطه و ميوله الى الخير حتى يكون صنع الخير من عاداته، لان ذلك ليس من وظيفته.
والقانون يطاع من الفرد ولكنها طاعة معلقة بقدر ما يراعى بيئته الجغرافية و خصائصه الوارثية و الثقافية، اذ لو انحرف المقنن عن رعاية بعض هذه النواحى في تقنينه لا تبدو للفرد مزية في القانون من أجلها يمنحه طاعته، ولو أرغم على طاعته فذاك لقوة المشرف عليه فحسب و خشية من صرامة منفذه.
فالقانون من حيث هو قانون لا يعالج نفسية الفرد و لا يهتم بتوجيهه، والقانون من حيث هو قانون أيضا لا يضمن طاعة الفرد له طاعة مصحوبة أو منبعثة عن رضا نفسى منه.
فهو اذن في حاجة الى موجه آخر لنفسية الفرد نحو لمثل العليا، و نحو غاية سامية فوق المصالح المتبادلة بين الافراد هو في حاجة الى ما يقوى علاقة الفرد بغيره تقوية ناشئة عن شعور نفسى داخل فيه، هو في حاجة الى ما يصقل الفرد و يهذبه و يكون عنده «الضمير العام» أو ما يسمى بالضمير الانسانى، هو في حاجة الى عامل آخر غيره، يحد من فردية الفرد و يخفف من أنانيته.
و لهذا لا يدعى المقننون في الاممم الحديثة الاكتفاء بالقانون في توجيه الدولة أو الامة كجماعة مكونة من أفراد، بل طلبوا عونا أجنبياً عنه، طلبوا عون «التهذيب» ثم رأوا في الدين أكمل نوع منه، رأوا فيه ما ينمى طبيعة الخير في الفرد أوينشئها فيه و رأو فينه ما يكون عنده الفضائل الفردية و الجماعية، و ما يرسم له طريق الحد من أنانيته، ثم رأوا أخيراً فيه أنجع وسيلة لتعليم الطاعة للقانون و الخضوع للنظام العام عن طمأنينة و رضا.
ففى انكلترا يكون الدين أهم العناصر في تقاليدهم، و تربيتهم قائمة على المحافظة على هذه التقاليد و الاستمرار في مراعاتها في السلوك الفردى و الجماعى.
و في ألمانيا يلعب التهذيب الدينى دوراً رئيسياً في مرحلة التعليم العام الى سن الرابعة عشرة، حتى النازية كانت لا تغفل عنصر الدين كمصدر مهم في تعويد الناشئة الطاعة للدولة.
القانون بطبيعته ليس له اكتفاء ذاتى في التوجيه، و هو بحاجة الى عامل آخر لضمان سلامة التوجيه و نجاح القانون نفسه في مهمته. و هذا العامل الآخر لم يره القانون الا في الدين.
و ليس نجاح القانون اذن في كثرة دور المحاكم، و كثرة رجال القضاء، و كثرة احداث التشريعات الجديدة المختلفة، بل نجاحه أولا في مراعاة خصائص الجماعة، و ثانياً في الاستعانة بالتهذيب، اذ كلما كان معبراً عن خصائصها كان أقرب الى نفسية الافراد و كلما كان أقرب الى نفسية الافراد كلما قلت مخالفتهم له، و على قدر استعانة الدولة بالدين (كمصدر لنهذيب الفرد ـ بجانب القانون تكون طاعة الشعب للدولة و للقانون.