الامام يحيى بن الحسين:(1)

التقريب بين المذاهب الاسلامية

و دراسة علم التوحيد

لحضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد المتعال الصعيدى

الأستاذ بكلية اللغة العربية

اذا أردنا أن نعرف حقيقة حكم الاسلام في خلاف الفرق في الأصول، وجب أن نعرف: هل هناك ما يقتضى وجود هذا الخلاف؟ لأنه اذا كان هناك ما يقتضى وجود الخلاف في الأصول، وجب أن يقبل الخلاف بين الفرق فيها، كما يقبل في الفروع، فلا يكون هناك فرق بين ما يقبل الخلاف من اصول الدين و فروعه، بل يجب أن ينظر

ـــــــــــــــــــــ

1-في ص 194 من العدد الثانى من (رسالة الاسلام) ذكر نسب الامام يحيى بن الحسين، و سقط منه سهواً بعض الأسماء، وصوابه كالآتى: يحيى بن الحسين بن القاسم بن ابراهيم ابن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن على بن أبى طالب.

 

الى الخلاف في البابين نظرة واحدة، لأن قبول الخلاف في أحدهما دون الآخر، يكون تحكما غير مقبول.

وقد ذكر ابن رشد في كتاب ـ فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال ـ أن معرفة الله تعالى هى السعادة التى دعت اليها الحكمة و الشريعة، و قد أمر بها كل مسلم من الطريق الذى تقضيه طبيعته من التصديق، لأن طباع الناس في التصديق متفاضلة، فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالدليل الجدلى، ومنهم من يصدق بالدليل الخطابى، لأنه ليس في طبع كل واحد منهم أكثر من ذلك، ثم ذكر أنه لما اختصت شريعتنا بدعوة الناس من هذه الطرق الثلاث، عم التصديق بها كل انسان، الا من يجحدها عنادا بلسانه، أو من لم تتقرر عنده طرق الدعوة فيها الى الله لاغفاله ذلك من نفسه، وخص النبى صلى الله عليه و سلم بالبعث الى الأحمر و الأسود، لتضمن شريعته طرق الدعوة الى الله تعالى، كما جاء في قوله تعالى، «ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظد الحسنة و جادلهم بالتى هى أحسن» فالحكمة اشارة الى البرهان، و الموعظة اشارة الى الدليل الخطابى، والجدال بالتى هى أحسن اشارة الى الدليل الجدلى.

و قد اقتضى هذا أن تختلف نصوص القرآن الى محكم و متشابه، كما اقتضاه نزول القرآن في أعلى درجات البلاغة، لتدخل بلاغته في اعجازه، كما يدخل غيرها من وجوه الاعجاز، و لا بد في البلاغة من استعمال أساليب المجاز و الاستعارة و الكناية، و ما الى هذا من أساليبها، و هذه الأساليب كثيراً ما تقتضى وجود قسم المتشابه في نصوص القرآن.

و هذا المتشابه من نصوص القرآن هو الذى اقتضى وجود الخلاف بين المسلمين في الأصول، كما يشير الى هذا قوله تعالى: «هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاءالفتنة وابتغاء تأويله، و ما يعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به، كل من عند ربنا و ما يذكر الا أولو الألباب» و قد اختلف العلماء في تأويل المتشابه، ففريق يمنعه لأنه يقف على قوله «الا الله» فيكون مما استأثر الله بعلم تأويله، و على الراسخين في العلم أن يؤمنوا به من غير تأويل، وربما يشهد لهذا قوله «فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله» و فريق لا يمنع التأويل لأنه يقف على قوله «والراسخون في العلم، فيكون الراسخون في العلم ممن يعلم تأويل المتشابه، و يجوز لهم أن يذهبوا الى تأويله اذا لم يكن

قصدهم به ابتغاء الفتنة، وارادة تفريق كلمة المسلمين، وايقاع العداوة و الخصام بينهم، و انما يكون قصدهم الوصول الى الحقيقة، والاجتهاد في معرفة المقصود من المتشابه. و جمهور المسلمين الآن يذهب الى جواز تأويل المتشابه، و يرى أنه اذا تعارض دليل النقل، ودليل العقل، وجب تأويل دليل النقل بما يوافق دليل العقل، والتأويل اجتهاد في النص، فيجب أن يباح لمن يبلغ رتبة الاجتهاد من العلماء و أن ينظر الى المجتهد فيه كما ينظر الى المجتهد في الفروع، و أن يقبل الخلاف فيه كما يقبل الخلاف فيها، لأن اباحة الاجتهاد في شىء تقتضى اباحة الخلاف فيه، اذ لا يباح الاجتهاد الا فيما لا يقين فيه بدليل نقلى أو عقلى، وعند فقد اليقين يأتى الخلاف و يتشعب الرأى، و لا يليق بسماحة الدين أن يضيق في مثل هذا الخلاف، لأنه لا يعلم فيه الحق بيقين، فيكون من التحكم الالزام فيه برأى من الآراء، بل يكون لكل مجتهد رأيه فيه، فان كان مصيباً في الواقع فهو مأجور، و ان كان مخطئاً في الواقع فهو معذور، و لا يحرم من أجر على اجتهاده، و تكون ميزة المصيب عليه أنه يؤجر أجرين: أجر على اجتهاده أجر على صوابه.

وقد بلغ من تسامح القائلين بالتأويل و هم جمهور المسلمين أن ذهبوا الى أنه لاكفر مع التأويل و لو خرق الاجماع، و قد أشار ابن رشد الى هذا في كتابه السابق، فذكر أنه اذاكان في الشرع أشياء أجمع المسلمون على حملها على ظاهرها و أشياء أجمعوا على تأويلها، و أشياء اختلفوا فيها، فهل يجوز أن يؤدى البرهان الى تأويل ما أجمعوا على ظاهره أو ظاهر ما أجعوا على تأويله، ثم أجاب عن هذا بأنه لايصح ذلك اذا ثبت الاجماع بطريق يقينى، و اذا كان ظنيا فقد يصح، و لهذا قال الغزالى و امام الحرمين: انه لايقطع بكفر من خرق الاجماع بالتأويل في أمثال هذه الأشياه.

ثم ذكر أنه مما يدل على أن الاجماع لايثبت في النظريات بطريق يقينى كما يثبت في العمليات ـ الفروع ـ أنه لايمكن ثبوته في مسألة ما في عصر ما الا اذا كان ذلك العصر محصوراً عندنا، و كان علماؤه معلومين عندنا بأعيانهم و عددهم و نقل الينا في المسألة مذهب كل واحد منهم بالتواتر، و صح عندنا اتفاقهم على أنه ليس في الشرع ظاهر و باطن، و أن العلم بكل مسألة لا يصح أن يكتم عن أحد،و أن الناس طريقهم و احد في علم الشريعة، و قد نقل عن كثير من الصدر الأول خلاف ذلك، كما نقل عن على رضى الله عنه أنه قال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله و رسوله؟فكيف يتصور مع هذا اجماع في مسألة نظرية، و نحن نعلم أنه لايخلو عصر من

علماء يرون أن في الشرع أشياء لايصح أن يعلم حقيقتها إلاّ أهل التأويل، و هم العلماء الراسخون في العلم، و هذا بخلاف العمليات ـ الفروع ـ لأن الناس كلهم يرون افشاءها لجميع الناس على السواء فيكفى في ثبوت الاجماع فيها أن تنتشر المسألة فلا ينقل الينا فيها خلاف.

وقد ذكر ابن تيمية أن عدم الفرق في الاجتهاد بين الأصول و الفروع هم قول السلف كأبى حنيفة و الشافعى و الثورى و الظاهرى و غيرهم ـ منهاج السنة النبوية ج 3 ص 20 ـ و قد ذهب اليه بعدهم عبيدالله بن الحسن العنبرى، و حجتهم في هذا أن النبى صلى الله عليه و سلم قال: «اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجرآن ، و ان أخطأ فله أجر واحد» و أى حاكم أحق بهذا من الذى يحكم على الوجود بأنه كذا أو ليس كذا، و ما الى هذا من المسائل العويصة في الأصول، و هؤلاء الحكام هم العلماء الذين خصهم الله تعالى بالتأويل، و الخطأ المصفوح عنه هو الخطا الذى يقع منهم، و الخطا الذى يقع من غير هم اثم محض، لأنه ليس من أهل التأويل مثلهم. و هذا الى أن التصديق بالشى ء من جهة الدليل القائم بالنفس اضطرارى لا اختيارى، و اذا كان من شرط التكليف الاختيار فالمصدق بالخطا لشبهة عرضت له معذور اذاكان من أهل العلم.

و بهذا يكون الخطأ على قسمين: خطأ يعذر فيه من هو من أهل النظر فيما أخطأ فيه، كما يعذر الطبيب الماهر اذا أخطأ في صناعة الطب، و خطأ لا يعذر فيه أحد من الناس، فاذا وقع في مبادى ء الشريعة فهو كفر، و اذا وقع فيما بعد المبادىء فهو بدعة، و هذا الخطأ هو الذى يكون في الأمور التى تؤدى جميع أصناف الأدلة الى معرفتها فتكون معرفتها ممكنة لجميع الناس، كالاقرار بالله تعالى و النبوات و السعادة و الشقاء الأخرويين، فالجاحد لها كافر معاند بلسانه دون قلبه، أو بغفلته عن معرفة دليلها، لأنه اذا كان من أهل البرهان فقد جعل له سبيل الى التصديق بها بالبرهان، و ان كان من أهل الموعظة فقد جعل له سبيل الى التصديق بها بالموعظة، و ان كان من أهل الجدل فقد جعل له سبيل الى التصديق بها بالجدل.

و اذا كان هذا شأن الخلاف في مسائل الأصول، و اذا كانت فرقها ناجية أصابت أو أخطأت، فانه بجب أن يكون الجدال بين هذه الفرق بالتى هى أحسن فلا يتعدى الاقناع بالدليل الى اثارة الفرقة و الخصام، و محاولة التفريق بين المسلمين ليضعف أمرهم، و يتمكن أعداؤهم منهم، لأن من يقصد الى هذا لايكون مسلما بل كافراً، و من يفعله من غير قصد يكون آثما لأنه يضر المسلمين بفعله، و لا يصح أن يعذر فيما

يضر به غيره.

و كذلك لايصح أن يتعدى الجدال بين الفرق حد الاقناع بالدليل الى الطعن في الدين، و الحكم على المخالف بفسق أو اثم، لأنه لافسق و لا اثم في ذلك الخلاف، بل يكون الآثم و الفاسق فيه هو من يحكم على المخالف بالاثم و الفسق.

و قد سن القرآن الكريم سنة دعوة المخالفين في الدين من المشركين و غيرهم بالحكمة و الموعظة الحسنة، فأمرنا أن نجادلهم بالتى هى أحسن، فقال تعالى: «ادع الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتى هى أحسن».

و قال تعالى: «و لاتجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتى هى أحسن». و لاشك أن الموافقين لنا في الاسلام أولى بهذه المعاملة الكريمة عند الخلاف في أمر من أمور الدين، فيجب أن يدعو بعضنا بعضا بالحكمة و الموعظة الحسنة، و يجب أن يجادل بعضنا بعضا بالتى هى أحسن حتى لايفرق بيننا الخلاف في الرأى، و لايثير بيننا شيئا من العداوة و الخصومة، و من ميزة الاسلام أنه لم يجعل الخلاف بين الناس في الدين، سببا من أسباب العداوة بينهم، فلو يرض للمسلمين أن يعادوا غير هم لمجرد الخلاف في الدين، و لهذا قال الله تعالى: «لا ينها كم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين» و لاشك أن فرق المسلمين أولى بالموادة فيما بينهم، لأن الخلاف فيما بينهم لايبلغ ما يبلغه الخلاف بينهم و بين غيرهم.

و يجب أن يكون هذا أيضاً شأن الفرق الناجية من المسلمين مع الفرقه غير الناجية، و هى فرقة الزنادقة، و الهاء في زنادقة عوض من الياء في زنديق، و الزنديق فارسى معرب، كان أصله عندهم ـ زنده كردـ وزنده: الحياة، و كرد: العمل، أى يقول بدوام الدهر، و يقال له في العربية: ملحد، و دهرى يفتح الدال، فاذا أرادوا معنى السن قالوا دُهرى بضمها، و قال القاموس: الزنديق بالكسر من الثنوية، أو القائل بالنور و الظلمة، أو من لايؤمن بالآخرة و بالربوبية،أو من يبطن الكفر و يظهر الاسلام، و هذا المعنى الأخير هو الذى يناسب عندى الحديث السابق:«تفترق أمتى على بضع و سبعين فرقة، كلها في الجنة الا الزنادقة» لأن الزنادقة بالمعنى الأخير يمكن أن يعدوا من فرق المسلمين بحسب ظاهرهم، بخلاف المعانى التى قبل المعنى الأخير، و الزنديق بهذا المعنى يرادف كلمة منافق، و قد ظهر المنافقون في عهد النبى صلى الله عليه و سلم، فكان يقبل منهم ظاهر هم و يجرى عليهم أحكام المسلمين، و لا يكلف نفسه التفتيش عن عقائدهم، بل كان يقول: «أمرت أن آخذ بالظاهر، و الله يتولى

السرائر» و قد روى عدى بن الخيار أن رجلا سارّ رسول الله عليه و سلم، فلم ندر ماساره حتى جهر رسول الله صلى الله عليه و سلم: فاذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أليس يشهد أن لا اله الا الله؟ قال بلى، و لا شهادة له، قال: أليس يصلى؟ قال: بلى، ولا صلاة له، فقال النبى صلى الله عليه و سلم: أولئك الذين نهانى الله عنهم.

و لا ينافي هذا ما ورد في سورة التوبة من التشدد في أمر أولئك المنافقين، لأن هذا كان في شأن فريق منهم كان يكيد للاسلام و المسلمين، و يقوم بالنجسس عليهم لأعدائهم، و لا يكتفى بما يبطنه من الكفر، فيخون وطنه كما يخون دينه، و خيانة الدين بابطان الكفر يمكن الاغضاء عنها في الدنيا، و لا يمكن الاغضاء عن خيانة الوطن بذلك الشكل، لأن خيانته لدينه بابطان الكفر يعود ضررها على نفسه، و خيانته لو طنه يعود ضررها على غيره، فلا يصح أن يغضى عنها كما بغضى عن الأولى؟