/ صفحه 376/
الربا في نظر القانون الاسلامي
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل
الدكتور محمد عبدالله دراز
عضو جماعة كبار العلماء
* * *
اشترك الازهر الشريف في مؤتمر القانون الاسلامي المنعقد بباريس في شهر يوليو سنة 1951، وكان مندوبة في هذا المؤتمر حضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الدكتور محمد عبدالله دراز عضو جماعة كبار العلماء، وقد ألقى فضيلته هذا البحث القيم بالفرنسية.
ويسرنا أن ننشر تعريبه بقلم فضيلته أيضاً لينتفع به قراء رسالة الاسلام وسائر المعنيين بالدراسات الاسلامية.
ـ 1 ـ
مقدمة تاريخية
قبل أن أعرض على أنظاركم وجهة نظر الاسلام في الربا، ايذن لي يا جناب الرئيس و يا حضرات السادة والسيدات، أن أقول كلمة موجزة عن وضع المسألة في طائفة من التشريعات السابقة، مدنية كانت أم دينية..
مصر في عهد الفراعنة:
يلوح أن قدماء المصريين لم يكونوا يحظرون الربا حظراً صارماً، بل وضعوا له نظما وقواعد تحد من أضراره، ونحن، و ان لم يصل الينا نبأ هذه القواعد في جملتها، فقد نعلم بعض الشيء عنها.
/ صفحه 377/
هذا ((ديودور)) المؤرخ الاغريقي يحدثنا مثلا عن القانون الذي وضعه الملك ((يوخوريوس)) من ملوك الاسرة الرابعة والعشرين، والذي يقضى بأن الربا مهما تطاولت عليه الآجال لا يجوز أن يصل الى مقدار رأس المال.
أثينا و روما:
أما في الدولتين الاغريقية والرومانية فان الربا ـ قبل ظهور الاصلاحات التي وضعها ((صولون))
المشرع الاغريقي، و قبل الاصلاحات التي وضعها مؤلفو (الالواح الاثنى عشر) في روما ـ كان شائعا بدون قيود و لا حدود، و كان العرف(1) الجاري في كلتا المملكتين أن المدين اذا لم يوف دينه أصبح هو نفسه ملكا للدائن. فجاء تشريع (صولون) قاضيا على هذه العادة الشنيعة، حيث قرر أن تكون مسئولية المدين في ماله وذمته، لا في شخصه ورقبته. كما أنه حدد النهاية القصوى التي يمكن أن تبلغها فوائد الدين (يقال انه حددها بنسبة 12 % من رأس المال). و كذلك صنع واضعو الألواح الاثنى عشر في روما، وبقيت هذه النسبة محفوظة في التشريع الروماني حتى جاء (جستينيان) فجعلها تدور بين 12 % للتجار وأمثالهم و 4 % للنبلاء.هذه التشريعات كلها لم تظهر الا في أعقاب اضطرابات و حروب داخلية مستمرة بين الأغنياء والفقراء في تلك الشعوب، فكانت هذه الاصلاحات علاجا وقتيا لتلك المشاكل الاجتماعية الخطيرة التي ولدتها هذه الوضعية الربوية.
هكذا مهما نصعد بنظرنا في تاريخ التشريعات المدنية القديمة. نجد أن مبدأ التعامل بالربا كان سائغا فيها، و أنه كانت توضع له في بعض الأحيان نظم تحميه اذا لم يجاوز حداً معلوما.
(1) وكذلك جرى العرف في كلتا الدولتين بأن الفائدة السنوية يؤديها المدين على أقساط شهرية. قارن هذا بعادة العرب في الجاهلية أيضاً، كما سيأتيك نبؤه قريبا.
/ صفحه 378/
اسبارطة:
غير أن مدينة اسبارطة تبدو لنا في صورة استثناء من هذه القاعدة العامة، اذ لا يعرف في تاريخها أنها تعاملت بالربا أو أنها نظمته. و قد يرجع السر في ذلك الى أنها ـ من جهة ـ لم تكن ذات طابع تجاري واضح، حتى انها لم يكن لها نظام نقدي، بل كانت عمدتها الرئيسية في التعامل هي المبادلة والتقايض، ومن جهة أخرى فان قانونها لم يكن يخول للغرباء الذين يحملون نقود بلادهم أن يدخروا الذهب والفضة، ومن عرف عنه أنه يكتنز شيئاً منها كان جزاؤه الاعدام.
اليهودية والنصرانية:
فاذا ما انتقلنا الآن من المنظمات المدنية الى التشريعات الدينية، فاننا نشهد ظاهرة جديدة في تاريخ التشريع في هذا الشأن، فبعد أن كنا نرى التعامل بالربا في الشرائع غير الدينية أمراً سائغاً في حدود واسعة أو ضيقة، نرى التشريعات السماوية تتجه به نحو الحظر والتحريم الكلي.
هكذا نقرأ في كتاب العهد القديم:
((اذا أقرضت مالا لأحد من أبناء شعبي … فلا تقف منه موقف الدائن: لا تطلب منه ربحاً لمالك)) (الآية 25 من الفصل 22 من سفر الخروج) وفي موضع آخر: ((اذا افتقر أخوك فاحمله … لا تطلب منه ربحاً ولا منفعة)) (الآية 35 من الفصل 25 من سفر اللاويين).وكذلك نقرأ في كتاب العهد الجديد:
((اذا أقرضتم لمن تنتظرون منهم المكافأة فأي فضل يعرف لكم؟ … ولكن … افعلوا الخيرات وأقرضوا غير منتظرين عائدتها. واذا يكون ثوابكم جزيلا)) (الآيتان 34 و 35 من الفصل 6 من انجيل لوقا) ولقد أجمع رجال الكنيسة ورؤساؤها، كما اتفقت مجامعها على أن هذا التعليم الصادر من السيد المسيح (عليه السلام) يعد تحريما قاطعاً للتعامل بالربا.حتى ان الآباء اليسوعيين الذين يتهمون غالبا بالميل الى الترخص والتسامح في مطالب الحياة وردت عنهم في شأن الربا عبارات صارمة، منها قول سكوبار:
((ان/ صفحه 379/
من يقول ان الربا ليس معصية يعد ملحداً خارجا عن الدين)) وقول الأب بونى: ((ان المرابين يفقدون شرفهم في الحياة الدنيا، وليسوا أهلا للتكفين بعد موتهم))(1).
أوربا المسيحية:
هذه النظرة الدينية أقرها القانون المدني الأوربي في سنة 789 (مرسوم ايكس لا شابيل) وبقيت هي المذهب الوحيد في أوربا طوال القرون الوسطى، ولكنها بدأت تفقد مناعتها شيئا فشيئا منذ عصر النهضة، على أثر الاعتراضات المتكررة التي وجهت اليها بين القرنين السادس عشر والثامن عشر من (كالفان) الى (مونتيسكيو) وكان لهذا الضعف مظهران: مظهر عملي، ومظهر تشريعي. فأما المظهر العملي فهو أن بعض الملوك والرؤساء الدينيين أنفسهم أخذوا يجترئون على انتهاك هذا التحريم علنا. من ذلك أن (لويس الرابع عشر) اقترض بالربا ليسدد ثمن دانكرك في سنة 1662 وأن البابا (پي التاسع) تعامل بالربا في سنة 1860. و أما المظهر التشريعي فهو أنه منذ آخر القرن السادس عشر (1593) وضع استثناء لهذا الحظر في أموال القاصرين(2) فصار يباح تثميرها بالربا باذن من القاضي.
أما الضربة القاضية التي وجهت الى هذه النظرة الدينية فقد حملتها اليها الثورة الفرنسية حيث احتضنت المذهب المعارض وجعلته مبدأ رسمياً منذ قررت الجمعية العمومية في الأمر الصادر بتاريخ 12 أكتوبر سنة 1789 أنه يجوز لكل أحد أن يتعامل بالربا في حدود خاصة يعينها القانون.
بلاد العرب قبل الاسلام:
لم يكن قد بقى لعرب الجزيرة في الجاهلية من التراث الديني الذي تركه جدهم، أبو الانبياء، ابراهيم
(عليه السلام)، الا آثار قليلة لا تخلو من التحريف. ولذلكـــــــــــ
(1) انظر پانكال في مراسلاته الاقليمية، الخطاب الثامن Pascai Les Provinciales
(2) قارن هذا بالرخصة التي أخذت بها المحاكم في عهد الدولة العثمانية، اعتماداً على الفتوى الواردة في كتب الحنفية.
/ صفحه 380/
لم يفتئوا يتبعون أهواءهم ونزعاتهم المادية في أكثر عباداتهم ومعاملاتهم. و كان من ذلك تعاملهم بالربا بدون قيد من عرف ولا تشريع. ولعل مرد هذا (أولا) الى نزعة الاستكثار وحب الكسب التي تنمو عادة في البيئات التي تزدهر فيها التجارة كما كان هو الحال في مكة (وثانيا) الى علاقتهم المستمرة باليهود، الذين هم جيرانهم وأبناء عمومتهم.
ولعلكم تعجبون أن تكون مجاورتهم لشعب ذي شريعة سماوية تحرم الربا سببا في تشجيعهم على التعامل به، ولكن الذي يزيل هذا العجب أن نعرف أن هذه الديانة نفسها ـ حسبما ورد في كتب أهلها ـ تبيح الربا كما تحرمه. نعم لقد سقنا آنفا شواهد التحريم من نصوص للتوراة، ولكننا وا أسفاه نجد فيها نصاً آخر يقيد هذا التحريم ويجعله خاصاً بالشعب العبراني. بحيث يسوغ لليهودي أن يأخذ الربا من غير اليهودي
))(1) (الاية 20 من الفصل 23 من سفر التثنية). و لما لم يكن في هذا النص تحديد قانوني لقدر الربا المأذون فيه كان ذلك فتحا لباب الاستغلال المالي على مصراعيه بحيث يدخله أشد أنواع الربا فداحة وافراطا.هكذا كان هذا النص المنسوب للقانون الموسوي سببا فيما نرى ـ أو جزءاً كبيراً من السبب ـ لا في بقاء التعامل بالربا في العالم الى اليوم فحسب، بل في تهوين أمره على كثير من النفوس واتخاذهم اياه أمراً مشروعاً في بعض الأحوال.
ومهما يكن من أمر فقد اعتاد العرب في عصور الوثنية أن يقترضوا بالربا من اليهود وأن يتقارضوا به فيما بينهم، دون أن يجدوا فيه حرجا ولا غضاضة.
وقد عرفت لهم في ذلك أنواع مختلفة من العقود الربوية. وأكثرها انتشاراً فيما بينهم كانت تبدأ المحاسبة فيه ـ على ما يظهر ـ من السنة الثانية، بمعنى أن الدائن لا يطلب من مدينه شيئا وراء رأس المال اذا وفاه دينه في أجله المعلوم. فان
ـــــــــــ
(1) معروف رد القرآن (في الأيتين 75 و 76 من السورة الثالث) على هذه الدعوى التي لا تدع لقانون الفضيلة الا مجالا محدودا للتطبيق، مع أن مبادى الأخلاق يجب أن تكون عالمية لا حدود لها من جنس ولا لون ولا عقيدة ولا اقليم.
/ صفحه 381/
لم يستطع أداءه في ذلك الاجل اتفقا على تأجيله سنة ثانية في مقابل زيادة يختلف مقدارها على حسب التراضى بينهم، ونضرب مثلا: مدينا كان عليه أن يسلم للدائن في أجل كذا حيوانا سنة ثلاث سنوات فاذا لم يدفعه اليه في ذلك الموعد أجله الى السنة القابلة، لكن الحيوان يجب أن يكون سنه اذ ذاك أربع سنوات، ولقد كانت تصل الزيادة في بعض الأحيان الى قدر رأس المال في آخر السنة الثانية فتصبح المائة مائتين، فان لم يؤد تضاعف رأس المال والفائدة معا فيصيران أربعمائة في آخر السنة الثالثة وهكذا.
وضرب آخر من هذه العقود أن يدفع الدائن لمدينة قدراً من المال لسنة، على أن يأخذ منه فائدة معينة كل شهر، فاذا جاء آخر السنة ولم يرد رأس المال اتفقا على فوائد أخرى للتأخير.
البلاد الاسلامية في العصر الحاضر:
لقد جاهد الاسلام والمسيحية قرونا متطاولة لا لمنع قانونية الربا فحسب، بل لمنع التعامل به اطلاقا.
بيد أننا رأينا آنفا كيف انتهى الأمر بالثورة الفرنسية في آخر القرن الثامن عشر أن قضت على هذه المقاومة في أوربا، وأقرت النظام الذي بقى فيها منبوذاً طوال ألف عام كاملة.
وكان طبيعياً أن تؤدى العلاقات المستمرة بين أجزاء العالم القديم الى انتشار هذه الفكرة المادية رويداً رويداً وانتقالها الى خارج أوربا. وهكذا لم ينتصف القرن التاسع عشر الا وقد سرت عدواها الى البلاد الاسلامية، فبدأ بعض المسلمين يتعاملون بالربا لا اقراضا، بل اقتراضا، ثم اتسع الامر وشاع عمليا، مع بقائه محظوراً قانونياً، ثم دخل الاذن به في دائرة التشريع تحت ضغط السلطات الأوربية المحتلة للأقطار الاسلامية، وبقيت الشعوب الاسلامية نفسها مدة طويلة متمردة على فكرة تأسيس مصارف وطنية تكون مهمتها التصرف في جميع المعاملات المالية التي منها القرض بفائدة.
/ صفحه 382/
ونذكر فيما يتعلق بمصر على الخصوص أن هذه المقاومة الشعبية بدأت تضمحل في أول هذا القرن العشرين، بسبب حادث تاريخي خاص أثار فيها أزمة مالية وأزمة نفسية في وقت واحد. نعم لقد حدث اذ ذاك أن امتنعت المصارف الأجنبية المؤسسة في مصر عن مد يدها بالقرض الى الشعب المصري، فأصبح الشعب وقد وجد نفسه أمام محظورين لا مخرج له منهما: اما أن يلجأ الى المرابين الين ليس في قلوبهم رحمة يقترض منهم بأفدح الربا وأخطره، وأما أن ينشىء شركة مالية برؤوس أموال وطنية خالصة، يقترض منها المحتاجون بشروط غير مجحفة.
ومالت بعض النفوس الى اختيار الشق الثاني غير أنه وقفت أمامها اعتبارات دينية قوية. اذ كيف تقوم في بلد اسلامي مؤسسة مالية مخالفة لقواعد القرآن؟
هنا لك فتح باب المناقشة في الصحف وفي الأندية المختلفة، وألقيت سلسلة من المحاضرات(1) عرضت فيها مختلف الاراء في الموضوع من حيث تحقيق المبدأ الاسلامي، فالتقت آراء أكثر المحاضرين على رفض المشروع من الوجهة الدينية.
غير أن فريقاً (منهم الكاتب المشهور المرحوم حفنى ناصف، والزعيم السياسي الوطني المرحوم عبد العزيز جاويش) أيدوا الفكرة معتمدين على نص قرآني في دعوى أن الربا المحظور في الاسلام بالنص والاجماع انما هو الربا الذي يصل الى مثل رأس المال أو يزيد عليه، وأن كل ربح ينقص عن مقدار رأس المال فهو محل بحث واختلاف في نظرهمز
ـ 2 ـ
حقيقة حكم الربا في الاسلام
أخذاً من المصادر الأولى للتشريع
هكذا نصل من طريق هذه النظرة التاريخية الى صميم الموضوع القانوني.
ما حقيقة الأمر في نظر الشريعة الاسلامية؟ هل الاسلام يبيح الربا اليسير؟
ـــــــــــ
(1) كان ذلك في شهر ربيع الاول سنة 1326 هـ (سنة 1913 م).
/ صفحه 383/
سأسرد على مسامعكم، أيها السادة والسيدات، نصوص الشريعة الاسلامية من متابعها الأولى، تاركاً لكم أن تستخصلوا منها الجواب بأنفسكم.
(أ) القرآن:
ولقد يكون من المفيد في صدر هذا البحث أن نذكر أنفسنا بطبيعة المنهج التعليمي في القرآن، حينما يكون بصدد محاربة بعض الرذائل التي تأصلت في العرف العام، والتي توارثها الأجيال خلفا عن سلف، في أحقاب متطاولة.
ذلك أن القرآن في معالجته لهذه الأمراض المزمنة لا يأخذها بالعنف والمفاجأة، بل يتلطف في السير بها الى الصلاح على مراحل متريثة
((متصاعدة، حتى يصل بها الى الغاية.كلنا نعرف ما كان منه في شأن الخمر. وأنه لم يبطله بجرة قلم، بل لم يحرمه تحريما كليا الا في المرحلة الرابعة من الوحي. أما المرحلة الأولى (التي نزلت في مكة) فانها رسمت الوجهة التي سيسير فيها التشريع. وأما المراحل الثلاث (التي نزلت بالمدينة) فكانت أشبه بسلم: أولى درجاته بيان مجرد لآثار الخمر، وأن اثمه أكبر من نفعه، والدرجة الثانية تحريم جزئي له، والثالثة تحريمه التحريم الكلي القاطع.
فهل يطيب لكم أن تدرسوا معي المنهج التدريجي الذي سلكه القرآن في مسألة الربا؟
انه لمن جليل الفائدة أن نتابع هذا السير لنرى انطباقه التام على مسلكه في شأن الخمر، لا في عدد مراحله فحسب، بل حتى في أماكن نزول الوحي، وفي الطابع الذي تتسم به كل مرحلة منها.
نعم، فقد تناول القرآن حديث الربا في أربعة مواضع أيضاً، وكان أول موضع منها وحياً مكياً والثلاثة الباقية مدنية، وكان كل واحد من هذه التشريعات الأربعة متشابهاً تمام المشابهة لمقابله في حديث الخمر.
/ صفحه 384/
ففي الآية المكية يقول الله جلت حكمته: ((وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتهم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون))
(سورة 30 ـ آية 39) هذه كما ترون موعظة سلبية: ان الربا لا ثواب له عند الله. نعم، ولكنه لم يقل ان الله ادخر لآكله عقابا. وهذا بالضبط نظير صنيعه في آية الخمر المكية (16 / 67) حيث أومأ برفق الى أن ما يتخذ سكرا ليس من الرزق الحسن، دون أن يقول انه رجس واجب الاجتناب، ومع ذلك فان هذا التفريق في الأسلوب كان كافيا وحده في ايقاظ النفوس الحية. وتنبيهها الى الجهة التي سيقع عليها اختيار المشرع الحكيم.أما الموضع الثاني فكان درسا وعبرة قصها علينا القرآن من سيرة اليهود الذين حرم عليهم الربا فأكلوه وعاقبهم الله بمعصيتهم، وواضح أن هذه العبرة لا تقع موقعها الا اذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الان تحريم بالتلويح والتعريص لا بالنص الصريح. ومهما يكن من أمر فان هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف تقرب وانتظار لنهى يوجه اليهم قصداً في هذا الشأن، نظير ما وقع بعد المرحلة الثانية في الخمر (2 / 219) حيث استشرقت النفوس اذ ذاك الى وروى نهى صريح فيه، وقد جاء هذا النهي بالفعل في المرحلة الثالثة ولكنه لم يكن الا نهيا جزئيا: في أوقات الصلوات (4 / 43).
وكذلك لم يجيء النهي الصريح عن الربا الا في المرتبة الثالثة، وكذلك لم يكن الا نهيا جزئيا، عن الربا الفاحش: الربا الذي يتزايد حتى يصير
((أضعافا مضاعفة))(1) (3 / 130).وأخيراً وردت الحلقة الرابعة التي ختم بها التشريع في الربا (بل ختم بها التشريع القرآني كله على ما صح عن ابن عباس) وفيها النهي الحاسم عن كل ما يزيد عن رأس مال الدين حيث يقول الله تعالى:
((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذرواـــــــــــ
(1) هذا هو النص الذي اعتمد عليه اصحاب نظيرة الرخصة في الربا اليسير، وسنرى تفسيره قريبا.
/ صفحه 385/
ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين. فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله.
وان تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة. وأن تصدقوا خير لكم ان كنتم تعلمون. و اتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون
)). (2 / 278 ـ 281)هذه أيها السادة والسيدات نصوص التشريع القرآني في الربا مرتبة على حسب تسلسلها التاريخي.
وانكم لترون الآن أن الفئة التي تزعم أن الاسلام يفرق بين الربا الفاحش وغيره (وهي فئة من المتعلمين الذين ليس لهم رسوخ قدم في علوم القرآن) لم تكتف بأنها خالفت اجماع علماء المسلمين في كل العصور، ولا بأنها عكست الوضع المنطقي المعقول حيث جعلت التشريع الاسلامي بعد أن تقدم الى نهاية الطريق في اتمام مكارم الاخلاق يرجع على أعقابه ويتدلى الى وضع غير كريم، بل انها قلبت الوضع التاريخي، اذ اعتبرت النص الثالث مرحلة نهائية، بينما هو لم يكن الا خطوة انتقالية في التشريع: لم يختلف في ذلك محدث ولا مفسر ولا فقيه.
على أننا لو فرضنا المحال ووقفنا معهم عند هذا النص الثالث فهل نجد فيه ربحا لقضيتهم في التفرقة بين الربا الذي يقل عن رأس المال، والربا الذي يزيد عليه أو يساوية؟
كلا، فانه قبل كل شيء لا دليل في الآية على أن كلمة الأضعاف شرط لابد منه في التحريم، اذ من الجائز أن يكون ذلك عناية بذم نوع من الربا الفاحش الذي بلغ مبلغا فاضحاً في الشذوذ عن المعاملات الانسانية، من غير قصد الى تسويغ الأحوال المسكوت عنها التي تقل عنه في هذا الشذوذ. ومن جهة أخرى فان قواعد العربية تجعل كلمة
((أضعافا)) في الآية وصفا للربا لا لرأس المال كما قد يفهم من تفسير هؤلاء الباحثين. ولو كان الأمر كما زعموا لكان القرآن لا يحرم من/ صفحه 386/
الربا الا ما بلغ 600 % (1) من رأس المال. بينما لو طبقنا القاعدة العربية على وجهها لتغير المعنى تغيراً تاما، بحيث لو افترضنا ربحا قدره واحد في الألف أو المليون لصار بذلك عملا محظورا غير مشروع بمقتضى النص الذي يتمسكون به.
أما القول بأن العرب قبل الاسلام لم يكونوا يعرفون الا الربا الفاحش الذي يساوى رأس المال أو يزيد عليه فانه لا يصح الا اذا أغمضنا أعيننا عما لا يحصى من الشواهد التي نقلها أقدم المفسرين وأجدرهم بالنقة. ولقد كان الشعب العبراني ـ الذي يعيش والشعب العربي في صلة دائمة منذ القدم ـ يفهم من كلمة الربا كل زيادة على رأس المال. قلت أو كثرت. وهذا هو المعنى الحقيقي والاشتقاقي للكلمة، أما تخصيصها بالربا الفاحش فهو اصطلاح أو ربى حادث، يعرف ذلك كل مطلع على تاريخ التشريع.
وبعد فاننا لا نستطيع أن نطيل الوقوف عند هذا النص الانتقالي، لأن الذي يعني رجل القانون في تطبيق الشرائع انما هو دورها الأخير. وقد بينا أن الدور الأخير في موضوعنا انما تمثله الآيات التي تلوناها آنفاً من سورة البقرة. كما رأينا أن الشريعة القرآنية تتجه كلها منذ البداية الى استنكار كل تعويض يطلب من المقترض. أفلا يكون من التناقض أن هذه الشريعة التي تضع الاحسان الى الفقير في أبرز موضع من قانونها والتي تحث على انظار المعسر، أو على ترك الدين له، تعود فتأخذ منه بالشمال ما منعته باليمين، اذ تأذن للغنى بأن يطالبه ببعض الزيادة على الدين؟
ـــــــــــ
(1) ذلك لأن الربا الذي يكون أضعاف رأس المال (بصيغة الجمع) لابد أن يصل الى ثلاثة أمثال رأس المال، فاذا ضوعفت هذه الاضعاف الثلاثة كان ستة أمثاله، وذلك ما لم نره في معاملة أجشع المرابين، ولم نسمع به في تشريع سابق ولا لاحق، فيكون القرآن على رأيهم متخلفا عن جميع القوانين في هذا الشأن.
/ صفحه 387/
(ب) السنة:
الى جانب هذه النصوص القرآنية. نجد في بيان السنة النبوية ما هو أكثر تفصيلا وأشد صرامة، فان الرسول صلوات الله عليه لم يكتف بتحريم الربا على آكله كما ورد في القرآن الكريم، ولم يكتف بجعل المعطى والآخذ والكاتب والشاهد سواء في اللعن والاجرام، بل انه احاط هذه الجريمة بنطاق من الذرائع والملابسات جعلها حمى محرما تحريم الوسائل الممهدة الى الحرمة الأصلية.
والطريف في أمر هذه الاضافة أنه جعل التحريم فيها على مراتب متفاوتة في تدرج حكيم ينتقل من الحظر الكلي الى الاباحة التامة رويداً رويداً ماراً بكل المراتب المتوسطة بينهما.
هذه القاعدة الجديدة ليس موضوعها القروض، ولا الديون المتقررة، بل عقود البيع أو بالأحرى المقايضات، فبعض هذه المقايضات حظر الرسول الحكيم أن تكون مؤجلة، ولو بدون ربح، وأن يؤخذ فيها ربح(1) ولو كانت يداً بيد. وبعضها منع التأجيل فيها دون التفاضل، وبعضها لم يمنع فيها واحداً منهما.
واليكم نص التشريع المذكور في شأن المقايضات.
يقول
(صلى الله عليه وسلّم) فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة))(2) والقمح بالقمح، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، يداً بيد، سواء بسواء، فاذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم اذا كان يداً بيد)).ـــــــــــ
(1) هذا المحظور (الذي يسميه جمهور الفقهاء ربا الفضل، ويسميه ابن القيم الربا الخفي) كان موضع اختلاف بين الصحابة وكان جمهورهم على القول بحمرته. أما بعض الباحثين العصريين الذين ظنوا أن هذا الاختلاف كان في شأن الربا القليل فقد انتقل نظرهم والتبس عليهم الأمر التباساً يؤسف له.
(2) وفي رواية أخرى: ((الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار الخ)) ويلوح أن هذه الرواية هي التي اعتمد عليها معاوية في فتواه، أنظر الحاشية الآتية قريبا.
/ صفحه 388/
وقف أهل الظاهر بهذا الحظر عند الانواع الواردة في الحديث. وذهبت سائر المدارس الفقهية الى اعتبار هذه الانواع أمثلة من قاعدة عامة تنطبق على سائر المواد التي تقوم عليها الحياة والتي مردها ـ في الرأي الراجح عند الفقهاء ـ الى نوعين: الاثمان والمطعومات.
ومهما يكن من أمر في شأن هذا الاختلاف الفرعي، فان هذه القاعدة تقضى بتقسيم الاشياء التي يراد تبادلها الى ثلاثة أضرب:
((الضرب الاول)) أن يكون البدلان من نوع واحد، كالذهب بالذهب، فها هنا يخضع التبادل لشرطين اثنين: التساوي في الكم، والفورية في التبادل، أعنى عدم تأجيل شيء من البدلين. ((الضرب الثاني)) أن يكونا من نوعين مختلفين من جنس واحد، كالذهب بالفضة وكالقمح بالشعير، فهنا يشترط شرط واحد، وهو الفورية، فلا يضر اختلاف الكم. ((الضرب الثالث)) أن يكونا من جنسين مختلفين كالفضة والطعام، فلا يشترط في هذا شيء من القيدين المذكورين. بل يكون التقابيض فيهما حراً.هكذا كلما كان البدلان من طبيعتين مختلفتين تمام الاختلاف، بحيث لا توجد شبهة القصد الى القرض بفائدة، فان الشريعة لا تضع أمام حرية التبادل حداً من الحدود، اللهم الا المبدأ العام في المعاملة، وهو تحرى الصدق والأمانة. فاذا ما أخذت طبيعة البدلين تتقارب، بدون أن تتحد، نرى عند المشرع شيئاً من الحذر المعقول، المبنى على احتمال أن يكون المتعاملان يقصدان الى معاملة ربوية، ولذلك نجده مع ترخيصه لهما بتفاوت البدلين في الكم يحظر عليهما تأجيل أحد العوضين، سدا للطريق أمام فكرة الفرض المحرم تحت ستار البيع. أما اذا اتحدت طبيعة البدلين (مع التفاوت في الأوصاف والقيم طبعاً، والا لما كان هناك معنى للتبادل) فانه من السهل أن نفهم الحكمة التي من أجلها منع تأجيل البدل، وذلك أن من شأن هذا التأجيل أن يحمل في طيه فكرة محظورة، وأن يكون القصد هو القرض باسم البيع.
ولكن الذي يصعب فهمه هنا هو الزام المتبادلين في حال الدفع على الفور
/ صفحه 389/
بأن تتساوى الكميتان المتبادلتان بينهما. فهل معنى ذلك أن الشريعة تتجاهل الى هذا الحد فروق الكيفيات التي في كل من العوضين؟
ان الجواب على هذا السؤال نجد مفتاحه في الحديث الذي رواه مسلم في جامعه الصحيح. يروى لنا هذا الامام أن رجلا جاء الى رسول الله
(صلى الله عليه وسلّم) بشيء من التمر. فقال له النبي: ((ما هذا من تمرنا)) فقال الرجل: يا رسول الله بعنا تمرنا: صاعين بصاع. فقال (صلى الله عليه وسلّم): ((ذلك الربا. ردوه، ثم بيعوا تمرنا. ثم اشتروا لنا من هذا)).هاهنا نلمح الهدف الذي ترمى اليه القاعدة، ونطمئن الى أنه ليس من شأنها أن تفرض على المتبادلين ـ اعتباطا أو تعنتا ـ تساوى الكمية بين صنفين مختلفين من نوع واحد، بل أنها على العكس من ذلك فتحت لهما باب الاختيار بين أمرين يمتنع معهما كل قهر والزام، حيث خيرتهما بين أن يتغاضيا عن الفروق الطفيفة التي بين الصنفين، أو أن يلجأ في تقدير تلك الفروق الى حكم القيمة النقدية.
ونحن اذا تأملنا في هذا الوضع نجهده ينطوى على حكمة عميقة ويقوم على مبدأ سليم من مبادىء التشريعين المدني والاقتصادي. ذلك أنه حيث يكون هناك كميتان متساويتان من نوع واحد ولكن احداهمها تمتاز بجودة أوصافها، لا يكون هناك مجال للتردد: أي المتبايعين أوفر حظا؟ فالذي يقبل الصنف الأقل جودة يقبله بملء حرية عن سماحة نفس وكرم طبع، وهو عالم بما يفعل. وليس الأمر كذلك في الحال التي تكون فيها الجودة من ناحية يقابلها وفرة في الكم من الناحية الأخرى، اذ نرى هاهنا تقابلا بين أمرين ليس بين طبيعتيهما مقياس مشترك ثابت صالح لتقويم كل منهما بالنسبة الى هذا الحد المشترك، ثم بالنسبة الى الطرف القابل والواقع أنه في هذا النوع من التابدل يلجأ كل من المتعاملين في نفسه الى فكرة غامضة، وهي ارادة التضحية بما هو أدنى في سبيل ما هو خير منه. وهكذا يصبح قبولهما الظاهري للصفقة قبولا زائفا، وقد ينكشف عن خيبة أمل، ولا مخرج من هذا اللبس الا بالرجوع الى القيمة الثمينة لكل بضاعة على حدة، ثم الى
/ صفحه 390/
المقارنة بينهما على ضوء هذا المقياس الثابت. وهذا (الرجوع الى المقياس الثابت) هو المعنى الذي قصد التشريع الاسلامي ابرازه حتى يكون كل من طرفي العقد على بينة في معاملته المالية، وحتى يجتنبا التدليس ويتطهرا من السحت المأخوذ بالحيلة والمكر.
فاذا صح ما ذهبنا اليه في تفهم مقاصد الشريعة من هذا الحكم لم يبق هناك حرج قط ـ كما أوضحه ابن القيم(1) في أعلام الموقعين ج 2 ص 273 ـ في أن تباع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبا، أو المصوغات الفضية بأكثر من وزنها فضة، لك لأن قيمة الصنعة قد قدرت هنا بمعيارها الواضح المحدد، الذي لا يدع مجالا لتزييف تراضى المتبايعين.
على أن هذه الرخصة في المبادلة بين الصياغة والنقد لا ينبغي أن تسرى على التبادل بين نقدين من نوع واحد مع اختلافهما في الأوصاف، بل الاعتماد في النقدين على تساوى العوضين وزنا (بدون اعتبار لجمال الضرب أو جدته أو عدد قطعه أو غير ذلك) هو الحل العادل، أو هو أعدل الحلول، اذ لو اعتبرت هذه الصفات ونحوها في النقود مبررة لزيادة قيمتها في المبادلة، اذا لأصبحت النقود نفسها بضاعة، وصارت معرضاً للمضاربة وتقلب الأسواق، وعادت محتاجة الى معيار آخر لتقدير قيمتها، بدل أن تكون هي المعيار لغيرها.
ولكي نلخص فكرتنا عن القواعد التي وضعها التشريع النبوي في باب التبادل والتقايض، نقول: ان هذه القواعد تهدف الى غرض مزدوج:
فهي من احدى الجهتين تريد أن تحمى النقود والأطعمة، وهما أهم حاجات
ـــــــــــ
(1) سلفه في هذه الفتوى معاوية بن أبي سفيان، ويخالفه فيها عمر بن الخطاب و ابنه عبدالله وأبو الدرداء، راجع الموطأ في كتاب البيوع، باب بيع الذهب والفضة، ويرى ابن القيم أن هذا الاختلاف انما هو في الصياغة المحرمة كصياغة الآنية، وعلى هذا تكون الصياغة المباحة محل اتفاق على جواز الفضل فيها نقداً.
/ صفحه 391/
الجماعة وأعظم مقومات حياتها، وذلك بمنع وسائل احتكارهما أو اخفائهما من الأسواق، أو تعريضهما للتقلبات الثمينة المفاجئة.
وهي من الجهة الأخرى تحرص على حماية الفقراء والأغرار من طرق الغبن والاستغلال التي يتبعها بعض التجار الجشعين.
وواضح أن تسمية الربح المجتلب من طريق هذا التبادل الذي تنقصه الصراحة والأمانة باسم
((الربا)) اثما هي تسمية مجازية قصد منها الى ابراز ما فيه من مخالفة لقانون الأخلاق، ومجافاة لقواعد الرحمة الانسانية. وذلك بتشبيهه بالربا الحقيقي الذي هو مثل في السحت وأكل المال بالباطل.ـ 4 ـ
وجاهة التشريع القرآني
من النواحي الثلاث: الأخلاقية، والاجتماعية، والاقتصادية
* * *
ونعود الآن الى موضوعنا الأصلي، وهو الربا الحقيقي، لنعالج فيه الجواب عن سؤالين مهمين:
أحدهمها: ما هي الأسباب المعقولة لهذا التحريم الصارم للمعاملة الربوية؟
الثاني: هل الحياة الاقتصادية في حالتها الحاضرة تعد ظرفا استثنائيا يترخص فيه بمخالفة هذا القانون؟
أما مسألة معقولية النهي أو عدم معقوليته، فانها قد أثيرت في عهد النبوة على لسان العرب أنفسهم فقد استنكروا هذه التفرقة بين البيع والربا قائلين: اذا أنتم منعتم ربح القرض، فامنعوا كذلك كل ربح يجتلب من طريق البيع، اذ هما سواء.
وكان رد القرآن على ذلك بتلك الكلمة الحاسمة، التي لا تقبل مراء ولا جدالا: كلا، ليس البيع مثل الربا، فقد
((أحل الله البيع وحرم الربا)) (2 / 275) على أنه لا يمكن أن يفهم من هذا الأسلوب أن أمر التشريع هنا يصدر عن ارادة جبروتية تقضى أحكامها تحكماً وتعنتا، فقد علمنا القرآن في غير موضع أن الأوامر/ صفحه 392/
الالهية أنزه شيء عن هذا الحرج والعنت: ((قل انما حرم ربى الفواحش)) (7 / 33) ((قل أحل لكم الطيبات)) (5 / 4) ((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، و لكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون))
(5 / 6).يجب اذن أن تكون لهذا النهي دعائم قوية وأسباب معقولة تجعله في محزه من الصواب والحكمة. فما تلك الدعائم؟
1 ـ الدعامة الأخلاقية:
أول ما يكشفه الباحث من أسرار التشريع في هذا الباب هو بواعثه الأدبية الخلقية.
ان الضمير الانساني ليدرك بنوع من الحدس المباشر مدى الفرق بين الربح من طريق المعاملة (البيع) والربح من طريق المجاملة (القرض). انه ليدرك ذلك ويحسه حتى في الوقت الذي لا يستطيع فيه التعبير عن هذا الفرق. فان لم ندركه في آن ما فانما هي غشاوة الهوى وحب الأثرة، أو الغفلة وعدم التدبر، هي التي تخفيه عن أعيننا، على أن الأمر يبلغ من الوضوح حداً تحسه كل الضمائر والوجدانات في عملية
((الاعارة)) (للأشياء التي ترد بأنفسها الى معيرها). أليس كل واحد منا يستنكف حقيقة من أن يطالب بتعويض مالي عن ماعون يعيره لمن يحتاج اليه، أو عن مساعدة أديبة كائنة ما كانت يقدمها لغيره، عملا بقواعد حسن الجوار وأدب الاجتماع؟ فلماذا يختلف النظر في الأمر حينما تكون المعاونة على وجه ((القرض)) (للأشياء التي يمكن أن ترد بمثلها)؟ مع أن الشأن في الحالين واحد، وهو أنهما يختلفان عن البيع اختلافا جوهريا، ذلك أن الأمر البيع يتعلق بمالين مختلفين لكل منهما قيمته التي قد تزيد أو تنقص عن قيمة الآخر اما بسبب اختلاف الرغبات، واما بحسب قانون العرض والطلب، بينما المقصود في القرض كما في الاعارة هو استرداد الشيء نفسه، اما بعينه أو بشيء مماثل له تماما من جنسه فليس ها هنا أدنى قصد للمبادلة بين مالين، ولذلك ليس للمقرض أن يرفض قبول شيئه نفسه اذا أعاده له المقترض عند الأجل بحالته التي تسلمه عليها.سيقول قائل: سلمنا بوجود هذا الفرق الجوهري بين الوضعين، ولكن أليس كل صنيع جميل له حق، في المكافأة؟
/ صفحه 393/
نقول: بلى! ولكن لا ينبغي أن يلتبس علينا الأمر بين سلطان ((الحق)) وسلطان ((الواجب))
ان سلطان الواجب أعلى: وان له لحقا في معارضة حقوقنا الطبيعية وفي تحديد مداها. وأي شيء أدخل في باب الحقوق الطبيعية من حقنا في المحافظة على حياتنا؟ ومع ذلك فان الواجب قد يفرض علينا أن نتنازل عن هذا الحق وأن نضحى بأنفسنا تضحية تامة في سبيل قضية نبيلة: أدبية أو وطنية أو دينية أو غيرها.سيمضى السائل في اعتراضه قائلا: ان هذه كلها اعتبارات أخلاقية، وقضيتنا قضية حق وقانون.
أما أنا فأجيب بأن كل مشرع له الحق كل الحق في أن يجعل من القانون الأخلاقي قانونا مدنيا، بل قانونا جنائيا ان شاء. وهذا بالضبط هو ما صنعه القرآن حين أعلن حربا حقيقية على آكلي الربا.
2 ـ الدعامة الاجتماعية:
و لو أننا نظرنا الى القضية من ناحيتها الاجتماعية لظهرت لنا حكمة هذا التشريع وسداده في أجلى مظاهرهما.
لا أقول فقط ان حياة المجتمع تصبح حياة لا تطاق لو أن كل فرد تمسك بحقه في أدق حدوده، ولم يجعل على نفسه سلطانا لفكرة البر والتعاون والتضامن والتراحم، بل أقول ان مجرد تقرير ربح مضمون لرب المال، بدون أن يكون في مقابل ذلك ضمان ربح للمقترض ـ أقول ان هذا الوضع وحده فيه ما فيه من محاباة للمال، وايثار له على العمل، وان الضرر الذي ينجم عن ذلك ليس من نوع الاضرار الادبية أو الاغلاط النظرية فحسب. (وأعنى بها قلب موازين الأشياء بوضع القيم الانسانية موضعا نازلا وتفضيل القيم المادية عليها)، بل انه يمس بناء الجماعة مسا عنيفا عميقا، ذلك أننا بهذه الوسيلة نزيد في توسيع المسافة وتعميق الهوة بين طبقات الشعب بتحويل مجرى الثروة وتوجيهها الى جهة واحدة معينة، بدلا من أن نشجع المساواة في الفرص بين الجميع، وأن نقارب بين مستوى الأمة حتى يكون أميل الى التجانس وأقرب الى الوحدة.
/ صفحه 394/
ان اللمحة البارزة في التشريع القرآني، وكذلك في كل تشريع اجتماعي جدير بهذا الاسم، هي الحيلولة دون هذه المحاباة لرأس الماس على حساب الجمهور الكادح والسعي لتحقيق نوع من التجانس والمساواة بين أفراد الامة.
انها لكلمات قصيرة ولكنها ذات مدى بعيد، تلك التي يرسم فيها القرآن دستور هذه السياسة، حيث يقول:
((… كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)).3 ـ الدعامة الاقتصادية:
وأخيراً هلم بنا لننظر الى القضية من وجهة العدالة الاقتصادية البحتة.
يقول لنا أنصار مشروعية الربا ـ و لهم بعض الحق فيما يقولون ـ: ان الربح الذي يحصل عليه المقترض من عمله في المال الذي اقترضه انما ينشأ وليداً من التزاوج بين العمل ورأس المال، فكيف تخولون للعمل حقا في الربح ولا تخولون للمال حقه فيه، مع أنه زوجه وشريكه في هذا النتاج؟
ها هو ذا ـ فيما أرى ـ جواب هذه الشبهة:
أما أن الربح ليس ثمرة عنصر واحد بل ثمرة عنصرين متزاوجين فذلك حق لا شبهة فيه، وليس لنا أن نتلكأ في قبوله. غير أن المعارضين قد فاتهم شيء جوهري، وهو أنه بمجرد عقد القرض أصبح العمل وراس المال في يد شخص واحد، ولم يبق للمقرض علاقة ما بذلك المال، بل صار المقترض هو الذي يتولى تدبيره تحت مسئوليته التامة، لربحه أو لخسره. حتى ان المال اذا هلك أو تلف فانما يهلك أو يتلف على ملكه. فاذا أصررنا على اشراك المقرض في الربح الناشىء وجب علينا في الوقت نفسه أن نشركه في الخسارة النازلة، اذ كل حق يقابله واجب أو كما تقول الحكمة النبوية:
((الخراج بالضمان)). أما أن نجعل الميزان يتحرك من جانب واحد فذلك معاندة للطبيعة … و متى قبلنا اشتراك رب المال في الربح والخسر معا انتقلت المسألة من موضوع القرض الى صورة معاملة أخرى، وهي الشركة التضامنية الحقيقية بين رأس المال والعمل. و هذه الشركة لم يغفلها القانون الاسلامي. بل أساغها ونظمها تحت عنوان ((المضاربة)) أو ((القراض)). غير أنه لكي يقبل رب المال الخضوع لهذا النوع من التعامل يجب أن يكون لديه من الشجاعة الأدبية ما يواجه به/ صفحه 395/
المستقبل في كل احتمالاته. وهذه فضيلة لا يمكها المرابون، لأنهم يريدون ربحاً بغير مخاطرة، وذلك هو ما يسمى تحريف قواعد الحياة ومحاولة تبديل نظمها.
هكذا اذا سرنا وفقاً للأصول والمبادىء الاقتصادية في أدق حدودها كانت لنا الخيرة بين نظامين اثنين لا ثالث لهما: فاما نظام يتضامن فيه رب المال والعامل في الربح والخسر، واما نظام لا يشترك فيه معه في ربح ولا خسر. ولا ثالث لهما الا أن يكون تلفيقاً من الجور والمحاباة.
هذه ـ فيما أرى ـ هي الأسس الأدبية و الاجتماعية والاقتصادية التي قامت عليها وجهة نظر الاسلام في قضية الربا.
وأما المسألة الثانية وهي حكم الربا في وقتنا هذا فانها ليست قضية
((مبدأ)) وانما هي قضية ((تطبيق)) واني أخشى أن أطيل فيها فأعتدى على موضوع زميلي وصديقي الدكتور الدواليبي رئيس مجلس النواب السوري، وهي فوق ذلك ليست فيما أرى من الشئون التي يقضى فيها فرد أو بضعة أفراد، بل ينبغي أن يتداعى لها طوائف من الخبراء في القانون والسياسة والاقتصاد من كل جانب، وأن يدرسوها دراسة دقيقة مستفيضة من جميع نواحيها الحاضرة والمستقبلة.وكل ما أريد أن أقوله الآن يتلخص في جملتين صغيرتين، أرجو أن يتخذا أساساً للبحث في التفاصيل.
الأولى: هي أن الاسلام قد وضع الى جانب كل قانون، بل فوق كل قانون قانوناً أعلى يقوم على الضرورة التي تبيح كل محظور
((و قد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم اليه)) (6 / 191).الثانية: هي أنه لأجل أن يكون تطبيق قانون الضرورة على مسألة ما تطبيقا مشروعا لا يكفى أن يكون المرء عالما بقواعد الشريعة، بل يجب أن يكون له من الورع والتقوى، ما يحجزه عن التوسع أو عن التسرع في تطبيق الرخصة على غير موضعها، كما يجب أن يبدأ باستناد كل الحلول الممكنة المشروعة في الاسلام، فانه ان فعل ذلك عسى ألا يجد حاجة للترخص ولا للاستثناء، كما هي سنة الله في أهل العزائم من المؤمنين. ومن يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب
)) (65 / 2 ـ 3).