/ صفحه 403/

منهاج عملي للتقريب:

الى اخواننا المسلمين

لحضرة صاحب الفضيلة العلامة الجليل

الشيخ محمد صالح الحائري المازندراني

من كبار علماء ((سمنان)) بايران

* * *

كنت أسرح النظر فيما لدى من أعداد مجلة (رسالة الاسلام) التي تصدر عن ((دار التقريب بين المذاهب الاسلامية)) و الحق ـ و الحق أقول ـ ان جملة ما فيها لهو منتقى الجمان، من مشتهى العلم و الادب، و ملتقى اللؤلؤ و المرجان، من منتهى الفضل بلسان العرب.

و لقد راقني في العدد الأول من السنة الثالثة بيان حضرة صاحب الفضيلة العلامة الكبير شيخ الاسلام الشيخ عبد المجيد سليم في تقريب مذاهب هذه الأمة الواحدة، و تأليف علومها و ثقافاتها، و اقامة صرح الايمان بينها ليكون المسلمون جميعاً صفاً كأنهم بنيان مرصوص يتعارفون ما عند كل قوم من العلم مستمعين القول من كل جماعة متبعين أحسنه، فأحببت:

أولا أن أذكر فضيلة شيخ الاسلام، فيسمعه جميع المسلمين، بما عسى أن أكون بعد ما ذرفت على اثنين و سبعين عاما صالحاً للتذكير به في هذا العصر الخطير، و هو أن الله عز اسمه انما حملك هذا الجاه العريض الطويل، و عرض عليك هذه الأمانة التي تنوء بكل قوي جليل بما علم من انشراح صدرك و سلامته فسومك بسيماء الايمان و توجك بتاج كرامته.

/ صفحه 404/

وكأني أسمع هتاف السلف الصالح بك قائلا: فاصع بما تؤمر و أعرض عن الجاهلين و استقم كما أمرت و أيقظ الغافلين و يقول لك ان رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلّم) يسألك بأمر الله سبحانه أجر رسالته المحصور في دائرة المودة في القربى، و ليست هي اليوم الا البر بهم أهل البيت و بشيعتهم في جميع شئونهم العلمية و العملية على حذو بر سائر المسلمين بأنفسهم في ذلك حتى يكونا كفوين كريمين في بلادهم يتكافآن تكافؤ المتضايفين قوة و فعلا، فلا ينظر أحدهما الى صاحبه في تعاليم مذهبه نظر التارك القالي الزاهد المعرض المعترض، بل تتلاحظ قلوبهما بالمودة والرغبة الكاملة في متاعهما فلا يبخسان منه شيئا كأمتعة بيت واحد ملك صديقان مفتاحه، فيأكلان منها هنيئا، و ذلك أن العناية بمتاع أهل البيت المحفوظ عند أتباعهم هي أجر الرسالة زيادة على العناية بمتاع أهل البيت المحفوظ عند أتباعهم هي أجر الرسالة زيادة على العناية بأمتعة سائر بيوت الأمة التي هي وظيفة اسلامية مشتركة بين جميع المذاهب غير العناية الخاصة التي تمثل أجر الرسالة، كل ذلك من غير تحول مذهب الى مذهب، فان الله تعالى قد و كل بكل شرعة و منهاج قوما، و هذا هو الذي ينبغي أن يطمح اليه نظر التقريب الذي نرجو تمثيله في جميع أقطار الاسلام يتواصون فيه بالثقة و المكرمة و الحرمة و المرحمة بلا منافرة و لا مكاشرة ولا مشاجرة، و الا فمتاع كل قوم رائج في سوقهم، و انما المطلوب رواج متاع كل من الجانين في سوق صاحبه كأنه متاع نفسه النفيس في سوقه المختص به.

و ثانياً أن أزيد لفضيلتك على هذه الذكرى ذكرى لتكون لجميع المسلمين ولك و لقومك ذكراً، و هي أن أعزز ما بينته للمسلمين من الأمرين ـ في هدايتهم الى الوحدة التي بنى عليها الاسلام، و بها رضي الله سبحانه لهم الاسلام دينا، و بها أتمم عليهم النعمة ـ بثالث هو النمرقة الوسطى، وسواء كلمة أخرى يشفع بها سواء الكلمة الأولى التي بها يكون المسلم مسلما، ليكون للتقريب صورة عملية حقيقية و لو تدريجاً من غير أن يتنزل السني عن تسننه، و لا الشيعي عن تشيعه.

/ صفحه 405/

أصول الاسلام و بيان قيم من النبي (صلى الله عليه و آله وسلّم):

أما سواء الكلمة الأولى، فهي الايمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله المختومين بسيدهم و أفضلهم محمد صلى الله عليه و آله و سلم و باليوم الآخر، و من أطيب ما يؤثر عن نبينا صلوات الله عليه فيها: ما جرى بينه و بين شيخ بني عامر من الحديث الطويل المعدود في أفراد محمد بن يعلى، قال الشيخ العامري بعد ما بين له الرسول ما سأله عنه من حقيقة أمره و بدو نشأته أشهد بالله الذي لا اله غيره، أن أمرك حق، فأنبثني عن أشياء أسألك عنها، كلمه بلغة عامر، قال: يابن عبد المطلب، فما يزيد في العلم؟ قال التعلم، قال: فما الذي يزيد في الشر؟ قال التمادى، قال: هل ينفع البر بعد الفجور؟ قال نعم: التوبة تغسل الحوبة، و الحسنات يذهبن السيئات، و اذا ذكر العبد ربه في الرخاء، أجابه عند البلاء، قال: يابن عبد المطلب و كيف ذاك، قال: لأن الله عزوجل يقول: ((و عزتي و جلالي لا أجمع أبداً لعبدي أمنين و لا اجمع عليه أبداً خوفين: ان هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع عبادي لميقات يوم معلوم فيدوم له خوفه، و ان هو خافني في الدنيا أمنني يوم أجمع عبادي في حظيرة القدس فيدوم له أمنه و لا أمحقه فيمن أمحق)) قال: يابن عبد المطلب، فالى ما تدعو؟ قال: أدعو الى عبادة الله عزوجل وحده لا شريك له، و أن تخلع الأنداد، و تكفر باللات و العزى، و تقر بما جاء به الله عزوجل من كتاب أو رسول و تصلى الصلوات الخمس بحقائقهن، و تؤدى زكاة مالك يطهرك الله عزوجل و يطهر لك مالك، و تصوم شهراً من السنة و تحج للبيت اذا وجدت اليه سبيلا و تغتسل من الجنابة، و تؤمن بالموت و بالبعث و بالجنة و النار، قال: يابن عبد المطلب فاذا فعلت ذلك فما لي؟ قال: جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها، و ذلك جزاء من تزكى، قال: يابن عبد المطلب، فهل مع هذا شيء في الدنيا؟ فانه يعجبني الوطأة في العيش، قال: نعم، النصر و التمكين في البلاد، فأجاب وأناب. انتهى.

/ صفحه 406/

و أما سواء الكلمة الاخرى، و النمرقة الوسطى، و هي الأمر الثالث المعزز للأمرين، فهي اعادة المسلمين الى عقائد السلف الصالح، و الصدر الأول، و الى فقههم و شريعتهم، أما في العقائد فبالغاء المقالات المحدثة، الا ما وافق منها محكمات الكتاب التي كان عليها وحدها ـ دون المتشابهات، و ما يلحق بها ـ بناء الصحابة والسلف و أهل البيت و سادات التابعين، فلم يكن في عقائدهم جبر و لا تفويض و لا خلق الأعمال من المعاصي و الطاعات، و لا عزل العقل السليم القاطع عن الحكومة، و لا تجسيم و لا تشبيه و لا تركيب في ذاته أو صفاته، أو بين ذاته و صفاته سبحانه، و لا أن يجعل له من عباده جزءا، و يجعل هو جزءاً من شيء، و لا كلما ينافي وحدته الصرفة، واحديته المحضة، أو ينافى تجرده أو تنزيهه أو تفرده بالقدم، أو افراده بالعبادة الى غير ذلك، مما لم يكن في معارف الخلفاء الراشدين و الصحابة الكرام الذين أوتوا الكتاب و الحكمة، و أهل بيت الرسالة، و لم يكن فيهم من يتبع ما تشابه من الكتاب و السنة، و لم يكونوا يقفون ما ليس لهم به علم، بل كانوا يقفون عند الشبهات، و يحصرون العلم في دائرة المحكمات الى كفتهم مؤنة الجدال والتعمقات السفسطية بنور علم الكتاب الذي شاء الله سبحانه أن يقذفه في قلوبهم، مضافا الى ما سمعوه أو فهموه من عقائد رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلّم).

و ما على المسلم بعد هذه الكلمة القيمة، سواء أكان سنياً أم شيعيا من مقالات معتزلي أو أعشري أو حشوي أو كرامي، أو جامد على كل لفظ و لو غير معقول يمجه سمع العلم والعالم السليم، أو على كل مشكوك مريب، أو على ظاهر لم يجمع عليه علماء الامة فضلا عن أن يؤثر فيه أو يملك دينه، أو يسحر ذهنه، أو يسخر فكره، و يستخدم علمه و عمله أهواء الملوك و أعراض الرؤساء و عشاق الجاه و الجبار السلاطين و آراء القضاة: كاجبار الدولة الصلاحية عامة السملمين في ممالكهم على عقائد حدثت في البصرة في القرن الرابع على لسان عالمها أبى الحسن الأشعري كائنة ما كانت و فيها الغث و السمين، و الباطل و الحق، و الا قتل أو كفر،

/ صفحه 407/

أو احراق علي بن يوسف بن تاشفين، بحكم جماعة، كتب الغزالي حتى احياء العلوم باسم تحريم المنطق و الحكمة واهواء أخر، و قتل أتباعه و قارئيها، و غير ذلك من الحوادث التي سجلها التاريخ.

و أما في الفقه، فقد أجمع المسلمون على وجوب العمل بالكتاب و السنة، فلابد لهم من الطرق الموصلة الى السنة الواقعية، والى تفاصيل أحكام الكتاب و شئون التنزيل، و الذي بأيدي الجامعة الاسلامية منها دليلان يوصلانهم اليها، و يؤتيانهم رشدهم و حجتهم: أحدهما طرق الصحابة، و الآخر طرق أهل البيت، و هما الحافظان لفقه السلف الصالح الذي لا ريب فيه، و لمعظم العقائد السائدة على نفوس الصدر الأول، تلك النفوس الصافية الخائفة مقام ربها، و الناهية لها عن الهوى، المقتبسة أنوار الرسالة.

وجوب الرجوع الى الجوامع الأربعة عشر في الاجتهاد:

فيجب على المجتهدين الجمع بين طرق الصحابة المدون معظمها في الصحاح الستة لأهل السنة، و بين طرق أهل البيت المدون أكثرها في الجوامع الثمانية للامامية(1) مع النقد والتحقيق في معرفة رجال السند و الاستنباط الدقيق في الدلالة و استفراغ الوسع فيهما، و في أقسام العلاج بين المتعارضين، و تبصرة الفكر، و تمرين القوة بالاحاطة على فتاوى أصحاب المذاهب الخمسة.

و بذلك يكمل الاجتهاد المبنى على الفحص البالغ في النقليات، و على تشخيص

ـــــــــــ

(1) أما الشيعة فقد كان فقههم من أول يوم الى الآن على نسق واحد، لأن مرجعهم فيه آل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و أما سائر المسلمين فقد تشتتوا أشتاتا لا تكاد تنضبط، فرجع أهل كل بلد الى صحابي بلدهم أو سنة تلدهم، و كانوا في دولة الرشيدين يقلدون القاضي أبا يوسف و يحيى بن أكثم و أمثالهما، و لم يكن في دولة الأيوبية كثير ذكر لغير الشافعي و مالك، و كانوا يقلدون قبل الرشدين أمثال الزهري و الثوري و معمر بن راشد و من قبلهم يقلدون فقهاء الأمصار كابن جريج المكي و الأوزاعي الشامي ساكن بيروت، و أمثالهما، و الكلام طويل، و اليوم يوم الجمع لا يوم التفريق، ان شاء الله تعالى.

/ صفحه 408/

ماذان به الأولون السابقون المقربون في العقليات و الفطريات، و لا يجوز الاكتفاء بأحد الطريقين عن الآخر، حتى أن المتقدمين كانوا يكتبون عن كل محدث بل كانوا يرحلون الى شقة نازحة لطلب حديث واحد كيلا يشذ عنهم شيء من علم الرسول صلوات الله و سلامه عليه، فاذا فعلوا ذلك وسلكوا السبيلين و تلقوا علم الله تعالى من كلتي يديه المبسوطتين زالت الوحشة عما بين المعشرين، و حصل التقريب و التعارف بين القبيلتين أصولا و فروعا، كل ذلك من غير أن يتشبع سني أو يتسنن شيعي.

طريق التصالح بين السنة و الشيعة في الامامة و الخلافة:

فان ملاك التسنن الخالص عن الزوائد التعصبية انما هو صحة الخلافة الملية لا انكار الامامة السماوية المنصوصة، و لا الاعراض عن علوم أهل بيت الرسالة و رواياتهم و فتاواهم، كما أن ملاك التشيع الكامل اعتقاد الامامة المنصوصة لعلي و الائمة الأحد عشر من ولده و افتراض طاعتهم في العلوم الدينية لا ابطال خلافة من قام بمصالح الأمة مع العدل و الزهد و الأمانة على بيت المال لامكان رضا الامام المنصوص بها، و لو لصلاح الوقت و خشية الفتنة، و قد كان الأمر في الصدر الأول على هذا المنوال، فلم يكونوا يشترطون في صحة الخلافة الجمهورية انكار الامامة المنصوصة الخاصة الالهية لأهلها، و لا في الامامة بهذا المعنى المتقوم بالنص والعصمة والمعجز انكار صحة الخلافة للقائم بها دون الامام برضا الأمة أو برضا الامام، سيما اذا عهد النبي صلوات الله عليه و سلامه عليه أن لا يقوم الامام المنصوص بها، و لا ينهض لها حتى يبايعوه و يأتوه طائعين، فان مبحث الامامة ومبحث الخلافة مبحثان مستقلان لا يجب التناكر و التكاذب بينهما، وانما القى البأس و الخلاف بينهما بعد ذلك، فما روعى طريق التسالم بينهما فكانت عاقبته أمر المفرقين بينهما في الأمة خسرا.

لكن مع ذلك ظهر في كل عصر جماعة من السنة و الشيعة حفظوا السلم و الوحدة بين المنصبين من غير أن يكذب أحدهما الآخر لعدم الاصكاك والاحتكاك بينهما

/ صفحه 409/

ذاتاً الا بالعرض و الغرض، والا فجواز الجمع بينهما في شخصيت و عدم امتناعه بديهي كما أن وجوبه مع رضا الامام و تسليمه الخلافة لغيره ظاهر سيما في مثل هذا العصر الذي يحرم فيه القاء الخصومة بين المنزلتين، و نقض الوحدة بين أمة لا امامهم حاضر و لا أحد الخلفاء من الصحابة حي.

هذا مجمل الفكرة في بيان الأمر الثالث المعزز للأمرين الذي هو النمرقة الوسطى، و سواء الكلمة العملية الأخرى بعد سواء الكلمة العلمية الأولى، و تمام هذا الأمر و كماله و ضياؤه ومصباحه نصيب كرسي لتدريس فقه أهل البيت في مصر، و آخر لتدريس عقائدهم الكلامية، فانهما مرآتان تامتان مطابقتان لعقائد الخلفاء الراشدين و الصحابة المنتجبين و فقههم و سيرتهم و هداهم و بيناتهم و عدلهم و زهدهم و أمانتهم و عباداتهم و مراوحتهم بين جباههمه و ركبهم و رسوخهم في العلم و غوصهم في أنوار الرسالة فمن أراد أن ينظر اليهم فلينظر في هاتين المرآتين، و ليوقد هذين المصباحين، و ليقم هذين العمودين، و ليشيد أركانهما بعلوم سائر الأعلام الأفذاذ المخلصين من أئمة المذاهب الاربعة و خلص أتباعهم.

فيأيها المسلمون لئن كفاكم مجمل القول المذكور فنعما هي، و ان شئتم بعض البسط فأعيروني أسماعكم، أشرح لكم أولا الأمرين اللذين بنى العلامة الأكبر شيخ الاسلام عليهما الوحدة الاسلامية و هدف التقريب، و ثانياً أبسط لكم الأمر الثالث الذي عززتهما به، و نرى احتياج ظهور التقريب الحقيقي العملي، و توحيد الثقافة، و وحدة سنخ الفكر اليه.

أما الأمران، فأولهما: أن المسلم اذا عرف ـ كما عرفت المسلمون الأولون ـ أنه لا اعتزاز له الا بدين الاسلام الذي هو كلمة سواء بين المسلمين لا تختلف و لا تتخلف عن أي قوم منهم و أي مذهب، و علم أنه لن يصلح في آخرته و أولاه الا به رسخ في نفسه حب دينه، و حب كل مسلم بما أنه أسلم لدينه شيعياً كان أو سنياً لاشتراك الجميع في الأساس الأصلي، و عدم تأثير تنوع الأفكار العلمية في ضعفه فضلا عنه في هدمه، و على هذا فلا يجتمع بغضهم و معاداتهم، و ترك الاعتزاز بهم و بما عندهم

/ صفحه 410/

من العلم مع حب الاسلام و الاعتزاز به، كيف و المطلوب من المسلم يؤثر حب الله و رسوله، و الجهاد في سبيله على كل محبوب من متاع الحياة الدنيا! و لا أقل من أن يوطن نفسه عليه و يروضها، و يمرنها به.

الثاني: التعاون و التعارف في كل شأن، و في العلوم و الآثار، مع نسيان كل حقد وضغينة، و مع ترك الجدال و سوء القول، فلا يكترث المسلم و لا يبالى باختلاف المشرب، و يتلقاه كأن لم يكن، أو يفرضه كأنه لم يزل مشربا لنفسه، و بعد ذلك كاختلاف الناس في المطاعم و المشارب و اللغات و نحوها، فقد خلقوا أطواراً و كل ميسر لما خلق له، و كل يعمل على شاكلته، و قد ورد: لو علم الناس كيف خلقوا لم يلم أحد أحداً، و ليس في ذلك ضرر و لا ضرار بين أمة واحدة، فقد جمعهم دين واحد، ثم فرقتهم الدنيا لا الدين، فذاقوا وبال أمرهم، و فقدوا بالتفرق كل مجد و سلطان، و كل حرية، و كل قوة، و كل صحة، و كل أمان. و اليوم يوم أن يجمعهم الدين كأول يوم، فقد رفرف عليهم النصر و هو يهتف فيهم بموافاة وقت الاتحاد و الائتلاف اليهم، وفاحت في أقطارهم نفحة الظفر التي بشرهم بها نبيهم صلوات الله و سلامه عليه بقوله: ان لله في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، فاذا تعاونوا و ائتلفوا متحابين في كل ما يصلحهم و يعيد مجدهم، و في علومهم و ثقافاتهم و آثارهم زالت الوحشة عما بينهم، و ارتفع توهم الاختصاص و الاستقلال المثير للبغضاء و الضعف و التخاذل و الجهر بالسوء والتنابز و الاستهزاء و التجهيل، فضلا عن التكفير و التضليل و كي كل جبهة موحدة لله تعالى بالشرك.

و هذا الوجه أخص من الأول لابتنائه على التعارف بين جميع الشعوب و القبائل في جميع العلوم الاسلامية التي فيها علوم الصحابة و علوم أهل بيت الرسالة و سادات التابعين، ثم شأنهم و الاختيار من غير أن يتسنن شيعي أو يتشيع سني، فان الاحاطة بالعلوم و الثقافات من أشرف الغايات، و فيها ثقيف للأفكار، و تشحيذ للأذهان، و تسهيل لمعرفة الحق لمن أحب، فلا ينبغي أن تغتر قبيلة بعلمها، ففوق كل ذي علم عليم، و عند كل قبيلة مسلمة علم تراه مصيبا لصريح الحق، و ربما يحصل

/ صفحه 411/

بذلك التوفيق بين كل شعبين، فانظروا أيها المسلمون الى الامام مالك المدني، كيف راعى علوم كل قوم من الأمة وصوب الرجوع اليها، و لم يحصر الامة في دائرة علمه.

ألم تسمعوا أن الرشيدين هرون، و المأمون، كل في عهده طلب منه أن يأذن في تعليق كتابه الموطأ بالكعبة، و أن يحمل الناس جميعاً على ما فيه فأبى و قال: ان عند كل قوم علما، و كل عند نفسه مصيب، و استشاره هرون أيضاً في تغيير منبر النبي صلوات الله عليه بمنبر مرصع بالدر و الجوهر فأبى ابقاء على أثر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، و ايم الله ان علوم أهل بيت الرسالة وعلوم سائر الصحابة من أعظم آثار الرسول التي يجب ابقاؤها و حفظها، فان كلا منها منبر عام عليه امام ناصح، و زناد قادح، و نجم لائح، فلا يجوز أن يعرض عنها المسلمون، و يأخذوا بعضا و يتركوا بعضاً، و كلها مما آتاهم الرسول (( و ما آتاكم الرسول فخذوه، و ما نهاكم عنه فانتهوا)).

و هذان الوجهان ما لم ينضم اليهما الأمر الثالث المبنى على اعادة المسلمين الى هدى السلف في العقائد و الفقه بالطرق الهادية اليها من طرق الصحابة و طرق أهل البيت، و على تدريس الفقه الجعفري و سائر العلوم آل محمد العترة الطاهرة في ممالك السنة فقهاً و أصولا و كلاما و تفسيرا، لم تكن للتقريب و الوحدة المطلوبة صورة عملية تزيل الوحشة و النفور و تؤنس الأبصار و الأسماع بأحكام كل قوم و أعمالهم و نسكهم و منهاجهم و ربما تجمعهم على شاكلة واحدة وثقافة متحدة ينتابها و يرتادها السني في تسننه و الشيعي في تشيعه، و قد كان في مدرس الامام جعفر بن محمد، من أئمة السنة جم غفير يروون عنه و يتتلمذون عليه و يعملون بفتاواه، و هم على تسننهم الى أن قضوا نحبهم غفر الله لهم و لنا جميعاً، و لولا اجراء هذا الامر الثالث كان الأمران المذكوران أشبه بالتعليم الأخلاقي و النصح العام منهما بدستور عملي مقدس يعمل به لو تدريجاً في الملأ و المجامع من غير خوف و تقية و هزء و أذية، و يقرأ و يدرس في المدارس بلا اضمار غل، و لا سوء طوية، و قد كان قدماء الشيعة

/ صفحه 412/

و متأخروهم الى عهد الشهيدين يدرسون المذاهب الخمسة لطلاب القبيلين، و كتبهم مشحونة بأقوالها و أدلتها و رواياتها، لكن كان ذلك من جانب واحد، و أما من الجانب الآخر فلا، حتى انتهى ذلك الى القنوط، فجردوا من القرن العاشر كتبهم من غير طرقهم و طريقتهم، و مع ذلك لم يتركوا العلم و المطالعة و الحفظ لعلوم الجمهور، بل و تدريسها لأهل السنة، كما كان السيد مهدي بحر العلوم يدرس المذاهب الأربعة في الحجاز، اذ مكث هناك سنة و أكثر، وكذا غيره، حتى قالوا: لو كان الأمر كما تقوله الشيعة في شأن المهدي المنتظر فهو هذا المهدي.

و بالجملة فلابد في هذا العصر من اجراء هذا الأمر الثالث كي لا يطيش سهم التقريب عن اصابة الهدف المطلوب، سيما بين عوام القبيلين الذين جبلوا على ما يخصهم من مسائل الكلام و الأحكام و الشعائر والمراسم، فان هذه الخصائص هي التي أوهمت بعض الأعلام استحالة التقريب غفلة عن وقوعه ـ فيما مضى ـ بين كثير من علماء السنة و الشيعة الذين لم يملك قواهم تفريقات الأهواء، و لم يطوق رقابهم أغلال التعصبات و الآراء، من غير أن ينقلب السني منهم شيعياً، و الشيعي سنيا، و كيف يوصم التقريب بوصمة الامتناع، و لا أقل من تأثيره في تقليل الخلاف و اختيار التي هي أهذى و أقوم، أو في الرضا باستماع القولين والتسالم والتصافى على نشر العلمين و احترام الثقافتين في التعاليم العامة و المؤتمرات الخاصة، أو في خرق الأوهام و الخرافات و المفتريات و شواذ الآراء.

و أوهمت أعلاما آخرين، أن هدف التقريب رفع العداء فقط، و ابقاء الخلافات على ما كانت، بزعم أن الخلاف طبيعي، فلا يزالون مختالفين، و لذلك خلقهم الله كما في الآية الكريمة غفلة عن أن ذلك انما هو بين الأمم لا بين أمة واحدة، على أن الآية تذم المختلفين ابتداءاً و استمرارا، و لذا استثنى الله منهم من رحمه و هم الذين لا يختلفون و لو رغماً على جبلتهم الكارهة لما أنزل الله، و طباعهم المتأبية عن قبول الحق، كالذين أسلموا من اليهود و النصارى و المجوس و غيرهم فالآية تذم الاختلاف على أي حال، سواء كان بين الأمم ببقائهم على الدين المنسوخ،

/ صفحه 413/

أو بين أمة واحدة باحداث الأباطيل المفرقة لها شيعاً، و الممزقة لوحدتها و قوله سبحانه: و لذلك خلقهم، اشارة الى ما سبق له عز اسمه من العلم فيهم بسوء اختيارهم مع تمام الحجة عليهم و ليس معناه أن الله خلقهم ليختلفوا، فان لام الغاية تارة تكون لتعليل فعل الخالق بفعل آخر من أفعاله كقوله سبحانه: ((و أنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حباً و نباتا)) ((هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الى النور)) و مثله كثير، و أخرى لتعليل فعله بفعل المخلوق، كقوله: ((و ما خلقت الجن و الانس الا ليعبدون)) ((لتسلكوا منها سبلا فجاجا)) ((انا ارسلناك شاهدا و مبشراً و نذيرا لتؤمنوا بالله)) ((هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا)) و مثله كثير، و من هذا القبيل تعليل فعله عز اسمه بسيئآت عباده الاختيارية لسابق علمه فيهم بأنهم لا يهتدون بسوء اختيارهم بلا جبر و لا تفويض كقوله ((انما نملي لهم ليزدادوا اثما)) و قوله ((و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس و الجن يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا و لو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون، و لتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون))، والصغو والصغى الميل الى الباطل و الاثم، فتصغى أفئدتهم الى ايحاء زخرف القول، فيرضونه لخبث نفوسهم و اتباعهم الهوى بسوء اختيارهم، و قوله ((وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاركين)).

أحسن وجوه تصالح السنة و الشيعة و الزيدية:

و أوهمت أعلاماً آخرين أن الشيعة و السنة متقابلتان تقابل طرفي الخط في الامامة و الخلافة، غافلين عن الفرق بين الامامة المنصوصة التي يعتقدها الامامية و الخلافة الميلة التي يعتقدها أهل السنة، و لا منافاة بينهما و لا تنازع بل هما متسالمان متصالحان من أول الأمر الى غايته الا أن يفسد المفسدون بين المتسالمين، و قد فعلوا و خسروا، و اليوم لا داعى للأمة أن يجددوا فعلها، حتى لا يبقى منهم على وجه الأرض حر و لا ماجد و ذلك لأن الامامة عند الامامية متقومة

/ صفحه 414/

بالعصمة والنص والمعجز، وهذه المنزلة السماوية لم يدعها أحد من الخلفاء الراشدين ولا ادعاها لهم أحد من أتباعهم، و لم يقع بحث منهم في ذلك، و لا انكار لها، و لا احتاجوا في أمرهم ابتداء و استدامة الى انكارها، و لا هي منزلة تستحيل عقلا حتى تنكر لأجل استحالتها و حتى يجب التأويل في أدلتها، و لا التسالم بين المنزلتين، و التراضى عليهما أمرغير معقول و لا معهود في بيوت الأنبياء و المرسلين حتى يجادل فيهما و يخاصم عليهما و يثبت أحدهما و ينفى الآخر كالضدين اللذين لا يمكن اجتماعهما، و ليس من شرط الامامة عند الامامية تلبس الامام المنصوص المعصوم فعلا بالخلافة، نعم يجب عند الامامية أن يكون صالحاً و أهلا لها، بل لا خلاف في ذلك عند الكل، ثم استحقاقه لها و أولويته بها، فهو عند الامامية بل و عند جميع العقلاء معنى لا يجب فيه عقلا و عادة و شرعا أن يكون قيام غيره بها ـ مع العدل و الزهد و الأمانة و حسن التدبير سيما مع طاعة الأمة له ـ غصبا و عدوانا لامكان رضا الامام فيها بغيره و لو لعدم اجتماع الأسباب له، و خشية الفتنة في قيامه و المفروض وقوع جميع ذلك و لو في ظاهر الحال.

و خلافة الخلفاء الرشادين انما هي منزلة مقدسة أخرى غير الامامة الخاصة و رياسة عامة ملية مع الصفات المزبورة التي لم يختلف فيها اثنان و لو في الجملة، ولم ينكرها و لا أبطلها الامام المنصوص المعصوم طيلة خمسة و عشرين عاما حتى أتته الخلافة منقادة اليه تجرر أذيالها فجاءته الأمة طائعين من غير طلب، و هو مع ذلك كاره لها، راض بأن يولوا عليهم غيره، فظهر أن معنى الامامة المصطلحة عند الامامية غير مضاد و لا معارض لمعنى الخلافة، فأي حاجة في تثبيت الخلاقة الى انكار منزلة الامامة التي نودى بها على رؤوس الاشهاد، و أي جناية اجتماعية أعظم من أن يكون الأمر بين الامام المنصوص و الخليفة العادل المرضى على التراض و التسالم و المصلحة و الناس مع هذا يجادلون فيهما، و يفرقون الملة باسمها على خلاف رضا الامام و الخليفة، و الذين تولوا كبر هذه الجناية الكبرى هم الألى أنكروا الامامة و النص، و عادوا القائلين بها حتى اضطروهم الى وصف

/ صفحه 415/

الخلافة بما لا ينبغي، و قد أجمع أهل البيت و المخلصون من أتباعهم على ابطال كلا القولين: انكار الامامة المنصوصة و الطعن في الخلافة و وصفها بما لا ينبغي.

و لئن وقع في هذه القضية يومئذ شيء من تبادل الآراء و الأقوال و المعاتبات ففي غير أساس هاتين المنزلتين كما لا يخفي على من أنعم النظر في تاريخ الاسلام و أخذ بالقول الفصل، و سكت عن فضول الهزل.

و قد ألم بالاشارة الى هذه المسالمة فضيلة الاستاذ العالمة عالم الشيعة الامامية بالقاهرة الشيخ محمد تقي القمي، أمين السر العام المؤبد لدار التقريب في جولته المباركة بين الآراء حول التقريب حيث قال: بيد أنهم ـ أي السلف الصالح و الزعماء بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ـ حصروا الخلاف في دائرته المعقولة، و لم يجعلوا له أثراً يضر بالوحدة الاسلامية ولا أعطوا به فرصة لأعداء الاسلام، كان خلافا في الرأي لا تشاجراً، اتهى.

أقول بل اني لا أرضى أن يسمى ذلك خلافا، فضلا عن المشاجرة اذ لم يكن يومئذ انكار لمنزلة الامام ولا للنص عليه و لا لأهليته للخلافة، ولا لشيء من ملكاته الفاضلة، ولا لشيء من سوابقه و لا لعدل الصديق و زهده و صلاحيته للزعامة، و انما كان عتابا على المبادرة اليها قبل الحضور و المشورة بل اعترف الامام أن المسبب للبدار اليها سعد بن عبادة في الانصار الخزرجيين والأوسيين و كان في العباب أيضاً تذكرة لنصوص المنزلة لئلا تنسى أو تمحى بعد ذلك، و هذا لا يسمى خلافا في الرأي، اذ لم تكن المقاولات يومئذ نظير مقاولات الكيسانية و الجارودية و الفطحية وأشباهها مع الامامية الاثنى عشرية مثلا، حتى تكون بحثاً في الامامة بمعناها الخاص أو في صحة الخلافة بمعناها العام، فان الامامية لم يشترطوا في الامام المنصوص المعصوم وجوب قيامه بخلافة الملك وان كان هو عندهم أولى بها لتوقفها على أسباب ظاهرية، وأبى الله أن يجرى الامور الا بأسبابها، و لا يجمعها كملاً الا لمهدي الامة المنتظر، ولا ينفع التأسف للامام علي عدم اجتماع الأسباب له فضلا عن المخاصمة عليه، و لو كان ذلك خلافا أساسياً لأقيم في جزيرة العرب على ذلك نظير الحروب الصليبية و النهب و الغارة

/ صفحه 416/

و القتل الذريع، و لم يقع شيء من ذلك بحسن تدبير علي (عليه السلام)، و الخلفاء رضي الله عنهم.

و أما الاحتجاجات حول الامامة و الخلافة، فانما كانت لحفظ منزلة روحانية الرسالة في العترة الصفوة كي لا يكون أول سلسلتها مشوباً بالرغبة في الملك و الحكومة فيرتاب المبطلون بعد ذلك في تلك المنزلة السماوية، فيتوهموا أن ذلك سياسة ملكية لا منزلة دينية سماوية مستحفظة على علوم الكتاب والسنة و علوم الانبياء و على قوة المبارزة لجميع علماء الملل و اجابة اقتراحاتهم المعجزة، و دفع كل متنب أو مشعبذ أو ساحر أو مغالط، و على حفظ صحف الأنبياء، و حل كل مشكلة دينية و غير ذلك، و اين هذا من المعارضة لخلافة القوامين بالقسط المحافظين على الوحدة الاسلامية و اعلاء كلمة الاسلام، فالامام المنصوص لا يجب قيامه بالخلافة في شئون الملك، فانها أمار آخر لا يشترط في الامامة الخاصة المذكورة، فربما يستنيب غيره لها، و ربما لا يجوز له القيام بها لعدم الأسباب و خشية الفتن أو لسبق العهد بتركه حتى يأتوه طائعين، و بمباشرة تجهيز النبي صلوات الله و سلامه عليه و بجمع القرآ، قبل كل عمل، أو لحصول الغرض الأصلي بقيام من يوثق بعدله بها فيسلم له الأمر و الامرة من غير نقص في منزلته الالهية، فان خلافة الملك قد تتخلف عن الرسول المبعوث على كافة الناس مع استحقاقه و صلوحه لها.

ألا ترى أن محمداً صلى الله عليه و آله لم يكن ملكاً مطاعاً في مشارق الأرض و مغاربها، حتى كان يصالح بعض الأمم و يترك آخرين الى حين، و قد نزل: ((و ما أكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين)) و انما قدر الله سبحانه الفتوحات بعده، بل المسلمون مجمعون على أن رسالته على كافة الخلق كانت من يوم بعث لا من يوم قوى أمره و استفحل شأنه، فلو لم يتفق له ما قدره الله سبحانه له من القوة و النصرة فقتل أو مات قبل الهجرة أو بعد الدعوة العامة بمكة، و لم ينزل من القرآن عليه الا المكيات، لم تنقص منزلته من الرسالة العامة بحيث ينتظر بها أن تكمل بعد ذلك بالفتح، و كثرة أهل الدين، فكذا الامام لا ينقص شيء من منزلته

/ صفحه 417/

أن لم تستخلفه الأمة رأساً أو أخروا البيعة له، كما أن الخلافة لا يجب أن تكون ممنوعة سيما اذا سلم الامام الأمر لغيهر و اقتدى به و أخلص الود و النصيحة له سراً و جهاراً.

فلينظر المسلمون الى رضا علي (عليه السلام) و سلمه حتى بعد مقتل الفاروق رضي الله عنه، فقد روى سلام بن أبي مطيع عن أيوب السنختباني عن جعفر ابن محمد عن أبيه قال: لما طعن عمر رضي الله عنه بعث الى حلقة من أهل بدر كانوا يجلسون بين القبر و المنبر، فقال: يقول لكم عمر أنشدكم الله أكان ذلك عن رضا منكم؟ فتلكأ القوم، فقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال لا، و ودنا أنا زدنا في عمره من أعمارنا، انتهى.

فانظر الى سيرة الامام و سيرة الائمة من ولده كيف يعلمون الناس السلم و أدب التقريب بين الامامة و الخلافة و ينشرون ذلك بين الأمة.

ثم انظروا أيها المسلمون الى كلام الامام علي بن الحسين (عليه السلام) لنفر من متشيعة العراق كيف يثنى على الخلفاء بما يدل على الرضا بخلافتهم مع كونه الامام المعصوم المنصوص عند الامامية، وأول التسعة المعصومين من ولد الحسين (عليه السلام)، لعدم التنافى بينها و بين امامته، فقد روى أبو نعيم الحافظ بسنده عن محمد ابن حاطب عن علي بن الحسين قال: أتاني نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر و عمر و عثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبروني، أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم و أموالهم يبتغون فضلا من الله و رضوانا، و ينصرون الله و رسوله أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا، قال: فأنتم الذين تبوموا الدار و الايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم، و لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة، و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، ثم قال: أشهد أنكم لستم من الذين. قال الله عزوجل فيهم: ((و الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لاخواننا الذين

/ صفحه 418/

سبقونا بالايمان، و لا تجعل في قلوبنا غلا للين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم)) اخرجوا، فعل الله بكم. انتهى.

فليتعلم معشر الشيعة و اخوانهم السنة طرز الجمع و التوفيق بين المنزلتين، فهل ترى الامام السجاد ينتقص بهذه الشهادات منزلة نفسه من الامامة، أم هل يمكن أن ينظر الى خلافتهم التي كان عمدة نظر أولئك النفر العراقيين القدح فيها مع هذه الحجج الا بنظر الصحة و الرضا، فما بالنا نتعارك في ذلك، هذا بانكار النص، و ذاك بانكار صحة الخلافة، اذا لم يتوقف صحة الامام على بطلان الخلافة، أو صحة الخلافة على بطلان الامامة و أمكن الاقرار بصحتهما و الاعتزاز بهما معا لكلا المعشرين، لأن الشيعة يمكنهم القول بصحة الخلافة بما أشرنا اليه من الاقتداء و التسليم، و من الوفاء بعهد الرسول صلوات الله و سلامه عليه اليه بالصبر و الامساك و الاكتفاء بمنزلة الامامة و المحافظة على ما يعجز عنه غيره من اقامة الحجج و المعجزات على حقانية الرسالة الختمية و دين الاسلام على الملل و تنجديز عدات النبي صلوات الله و سلامه عليه، و غير ذلك مما لا يجرى الا على يد نبي أو وصي نبي مضافا الى حفظ اتصال سلسلة الأوصياء في الصفوة من آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم من لدن شيث الى المهدي الموعود.

كما أن أهل السنة يمكنهم القول بالامامة المنصوصة لعلي و الائمة من ولده، و بأن الصحابة لم يخالفوا النص، و انما جوزوا تأخير العمل بالنص لصلاح الوقت و مراعاة ضعف أحوال الناس، و لم يبطلوه و لا كذبوه، و لا تركوا العمل به رأسا فتلفوا باجتهادهم النص واجباً مؤقتاً بوقته المأمون عن الفتنة و نفوذ أعداء الاسلام في أمر الامة في أول المصيبة العظمى، و قبل اتساع دائرة الفتح و النصر في البلاد، و علو كلمة الله في المشارق و المغارب، و لم يتلقوا النص واجبا مطلقا منجزا مقارنا لوفاة الرسول صلوات الله و سلامه عليه، كيف و قد أخبر علياً بما سيكون بعده، و أوصاه بترك القيام و الخلاف حتى تجتمع عليه الأمة بطباعهم، و أنهم سيجمعون عليه و سينصره بالعراق

/ صفحه 419/

مائة ألف سيف، و بهذا القول ترضى الشيعة و لا يكون على اخوانهم السنة فيه ضرر، و لا في تركه و الجدال فيه أقل فائدة، كما أن القول بصحة الخلافة من الشيعة و عدم كونهما عدوانا ترضى أهل السنة، و لا يكون على اخوانهم الشيعة ضرر و لو مثقال ذرة، فقد علموا أن الائمة (عليهم السلام) نهوهم عن انتقاص الخلفاء رضي الله عنهم، و أمروا بوجوب تعظيم شأنهم و مؤازرتهم على اعزار الاسلام و توحيد الكلمة.

و أما اختلاف الرأي في ابتداء الامر في تعيين الأمير و الخليفة، أو في وحدته و تعدده، أو أنه في أي قبيلة، فلم يكن خلافا منهم في الامامة و لا تكذيباً لها، و لم يخطر ببالهم يومئذ أن تعيين القائم بالأمر مضادة لأقوال الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و مشاقة لله سبحانه و له.

و حسبك في ذلك أن علياً لما واجه الصديق يوم البيعة العامة في المسجد بعد بيعة السقيفة، و قال له: أفسدت علينا أمورنا و لم تشاورنا و لم ترع لنا حقاً، قال: بلى، و لكن خشيت الفتنة، فانظر كيف صدق الصديق رضي الله عنه أمورهم، و اعترف بحقهم، و علل البيعة بخوف الفتنة، ثم انظر أن علياً (عليه السلام) كيف لم يبطل قيامه بالأمر من أصله، و انما عاتبه على ترك المشاورة، و لولا التسالم على المنزلتين لم يستقم هذا الأسلوب من كلامهما، و كذا كلام الصديق على باب المسجد قبل واقعة السقيفة، قائلا: من كان يعبد محمد فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد رب محمد فإنه حي لا يموت، ولا بد من أحد يقوم بهذا الأمر، فهاتوا آراءكم أو كما قال، يدل على أن هذا الاعلام كان عادياً عقلياً، لم يتوهم أحد منه خلافا على نص النبي و منزلة الوصي، و كان في الناس من حملة تلك النصوص و المحتجين بها، و من حواريى على و من بني هاشم كثير، و لولا أن ادارة أمر الامة سياسة صحيحة لا تخالف منزلة الامامة ولا تنقص من شأن أهل البيت قيد شعرة لماج الناس في تلك الساعة في الجدال، و لذلك أمر علي (عليه السلام) الكارهين من بني هاشم و خواص أصحابه و حوارييه العارفين بمنزلته السماوية بالبيعة و الطاعة

/ صفحه 420/

لهم، و تولى الأعمال عنهم، فأين الخلاف بين الامامة و الخلافة مع حفظ ودهما لولا ويادة المفرقين على الخلافة ما ليس منها، و نقصهم من الامامة ما هو منها، و اقامة الحرب بين يميني الله و رسوله المتصافحتين و قوتيهما المتراوحتين، فالخليفة أمين خزائن الارض، و الامام أمين خزانة علوم الله و رسوله (صلى الله عليه و آله وسلّم).

التصالح بين الامامية و الزيدية:

وقد كادت هذه الخلافة الملية التي لا تزاحم الامامة و لا تكذب النص، تشبه الامامة التي أسسها الزيدية، المنبية على الخروج بالسيف لاقامة العدل و ادارة الملك و اصلاح المجتمع و نحو ذلك، و يكفى في هذا النحو من الامامة ما قررناه في تصحيح الخلافة من كونها أمراً سائغاً عقلا مباحا غير محظور و لا ممنوع من نبي أو وصي نبي، أو نائبه الخاص، اذ لا مانع من القيام برياسة عامة عادلة لاعلاء كلمة الله، لئلا تكون للأعداء و المتآمرين فرصة يبادرون فيها الى تملك معاقلهم، و استعمال بلادهم، و يطمعون في تفتيت أعضادهم، و تشتيت جامعتهم، و لو أن الزيدية قعدوا بعد زيد عن ذلك، لم يكن اليوم و ما قبله لهم دولة و لا سلطان، فكم من دولة اسلامية تشكلت لهم بهذه الامامة التي أسسوها و استفادوها من قعود الائمة المنصوصين المعصومين عنها فضلا عنها بعدهم حتى انهم وفقوا لتشكيل دولة عظمى في بلاد طبرستان كدولة أبي محمد الحسن بن علي الأطروش و أقرانه، و هو مع أنه كان شيعياً اثنى عشريا له كتاب يثبت فيه امامة الائمة الاثنى عشر بالنصوص المتواترة تولى امامة الزيدية و روح أمرهم و طريقتهم لاحقاق حق أهل البيت بأي اسم و رسم و من هذا القبيل دولة الملوك الفاطميين باسم المهدوية و الامامة في مبانيها المرمورة العجيبة، و كم لذلك من نظير يحمده العقلاء و يرضى به المسلمون، فما ظنك بخلافة الخلفاء الراشدين الذين اتعبوا من بعدهم فلم يكن و لا يكون لها كفو، و قد سلم لها الامام المنصوص، و من المعلوم أن كل مرتبة من هذه الرياسات الاسلامية العادلة المعبر عنها بالامامة أو الخلافة أو الرضا لآل محمد أو الآمر بالمعروف و النهي

/ صفحه 421/

عن المنكر، لها قيمتها و قدرها، و ليست مكذبة للامامة الخاصة المنصوص المشروطة بشروط مخصوصة، و صفات ربانية لن توجد الا فيمن نص الله عليه على لسان رسوله (صلى الله عليه و آله وسلّم)، و لأجل عدم التكاذب بين الامامتين أجمع علماء الامامية على جلالة زيد و علمه و عبادته و خشيته و صلاحيته للسلطان الاسلامي و على موافقته للامامة المنصوصة في حق أخية محمد الباقر و ابنه جعفر الصادق، و له أشعار صريحة في ذلك، و كان يدعو الناس الى رضا آل محمد و الأمر بالمعروف و جل الأخبار صريح في فضله و الرضا بدعوته و ما يخالفها مطروح أو مؤول عند الامامية، و منعه عن القيام انما كان اشفاقاً عليه لا تحريماً، فهو (عليه السلام) و ان قصرت مدته ـ اذ خرج في الاربعاء و قتل يوم الجمعة ـ لكن قدره الرفيع طويل، و أمر الحسين بن علي صاحب فخ أيضاً كذلك، فقد أبلى بلاء حسنا و جاهد في الله حق جهاده صلوات الله عليه و على أصحابه و أنصاره و المستشهدين بين يديه، و لقد أجاد الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان المطلع المتبحر الخبير في كتابه ((الفصول)) و هو فصول من أماليه و مجالسه جمعها تلميذه العظيم علم الهدى السيد المرتضى الموسوي، و هذا الكتاب مخطوط عندنا منه نسخة قديمة، فقد جمع بين الامامتين، و صالح بينهما على نحو ما أدت اليه فكرتنا بين الامامة و الخلافة قبل النظر اليه.

قال السيد المرتضى فيه ما نصه: ((حضر الشيخ، أيده الله، بمسجد الكوفة، فاجتمع اليه من أهلها و غيرهم أكثر من خمسمائة انسان، فانتدب رجل من الزيدية أراد الفتنة و الفساد، فقال: بأي شيء استجرت انكار امامة زيد بن علي؟ فقال له الشيخ: قد ظننت على ظنا باطلا، و قولي في زيد لا يخالفني عليه أحد من الزيدية فلا يتصور مذهبي في ذلك بخلاف لهم، فقال الرجل: ما مذهبك في امامة زيد ابن علي؟ فقال له الشيخ: أنا أثبت من امامة زيد ما يثبته الزيدية، و أنفى من ذلك ما تقيه فأقول: ان زيداً كان اماماً في العلم و الزهد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و أنفى عنه الامامة الموجبة لصاحبها العصمة و النص والمعجز، و هذا

/ صفحه 422/

ما لا يخالفني عليه أحد من الزيدية، فلم يتمالك جميع من حضر من الزيدية أن شكروه و دعوا له و بطلت حيلة الرجل فيما أراد من التشنيع و الفتنة)) انتهى.

أقول هذا هو ملاك التصالح القطعي بين الامامة لعلي و الائمة المنصوصين من ولده، و خلافة الخلفاء الرشادين نثبت لهم ما أثبته الشيخ لزيد من الامامة في العلم و الزهد مضافا الى بيعة المسلمين لهم، و اقتداء الامام المنصوص بهم، و ننفى عنهم الامامة الموجبة للعصمة و النص و المعجز، و هذا مما لا يخالف عليه السلف واحد من أهل السنة، و لا ادعاها الخلفاء الراشدون باجماع الأمة، فما معنى الخلاف و محاربة الامامة التي لا تحاربهم، و انكار منزلتها التي لا تنكر منزلة الخلافة للسابقين الأولين القائمين بها، فسلوا السيوف المغمدة التي لا تقصدهمه على وجوههم بلا موجب، ثم قالوا: ما سل سيف على شيء كما سل في الاسلام على الامامة و الخلافة و كان الحق أن يقال ما أعمد سيف عن الرياسة في أمة كما أغمد في صدر الاسلام بين الامام و الخليفة، حتى اذا نزلت بهم قضية و لم يكن عندهم أثر رجعوا الى العلم المذخور من معدن النبوة عند الوصي و الامام المنصوص، فيقول له قائلهم العظيم تارة غص يا غواص و أخرى لولا على لهلكت، و ثالثة لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن، و رابعة لو وليهم هذا لحملهم على المحجة البيضاء.

و من طريف ما يدل على أن علياً (عليه السلام) كان مسالماً لعقد الخلافة لهم، واثقا بعدلهم في شئونها و بحصول الغرض المطلوب بهم، و عدم منافاتها لمنزلته الالهية، و لا للنص عليها، و لا لأولويته بها أن أتوه جميعاً طائعين: ما رواه غير واحد، منهم الامام الأعظم الخبير الشيخ المفيد في فصول أماليه التي جمعها علم الهدى الموسوي و هو ما نصه: ((حضر الشيخ أيده الله ((بسر من رأى)) و اجتمع اليه من العباسيين و غيرهم جماعة كثيرة، فقال له بعض مشايخ العباسيين: أخبرني من كان الامام بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم؟ فقال: كان الامام من دعاه العباس الى أن يمد يده لبيعته على حرب من حارب، و سلم من سالم، فقال العباسي: و من هذا الذي دعاه العباس الى ذلك؟ فقال له الشيخ: هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

/ صفحه 423/

حيث قال له العباس في اليوم الذي قبض فيه رسول الله، عليه و آله الصلاة و السلام بما اتفق عليه النقل: ابسط يدك يابن أخي أبايعك، فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان، فقال شيخ من فقهاء البلد، فما كان الجواب من علي؟ فقال له كان الجواب أن قال ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عهد الى أن لا أدعو أحداً حتى يأتوني، و لا أجرد سيفا حتى يبايعوني، و مع هذا فلى برسول الله شغل، فقال العباسي فقد كان العباس أيضا على خطأ في دعائه له الى البيعة؟ فقال له الشيخ: لم يخطىء العباس فيما قصد لأنه عمل على الظاهر، و كان عمل أمير المؤمنين على الباطن، فكلاهما أصاب الحق و لم يخطىء، و الحمد لله. انتهى موضع الشاهد.

أقول ليت شعري اذا كان الأمر على هذا المنوال من المسامحة و المسالمة و العهد المعهود مع ما قدمنا من عدم التنازع بين الامامة و الخلافة، و عدم كون الشيعة و السنة أو لا و بالذات على طرفي الخط في هذين المقامين، فأي معنى للنزاع بينهما سيما في هذا اليوم؟! أم أي مصلحة في ابقائه و تأييده بعد توجه الأذهان الى التقريب و تأسيس دار عظمى له في مركز الفضل و الأدب؟! أم أي جدوى في هذا العصر لتجديد ايقاد النار التي أوراها الغافلون أو المفرقون من قبل بين الامامة و الخلافة و بين أحد الثقلين أهل بيت النبوة، و بين عظماء المهاجرين من قريش؟! و هل يجوز بعد اللتيا و التي تشمير الساعد و شد الحيزوم لحفظ و ميضها تحت الرماد كحفظ الزرادشتية نارها المعبودة في حفر بيوتها، رغما على البرد و السلام الذي كان بين المنصبين و بين ذويهما في أول الأومر.

وانما حدثت الأبحاث حول الامامة و الخلافة بعد ذلك تعصبا، و الا فرب الامامة و ربيها و رب الخلافة و ربانيها كانا متسالمين عليهما لم يسمع و لم ير من أحدهما هدم أساس منزلة صاحبه بمنزلة نفسه، بل اجتمعا على نقطة سواء، و توازرا على هدف واحد بمنزلتين أحدهما الهية و الأحرى خلقية.

و لو فرض على خلاف الواقع أن الأمر لم يكن على وجه السلم و الوحدة،

/ صفحه 424/

وجب على زعماء العلم و الملك ستره عن الأغيار، و أن يقولوا لا خلاف بين الأمة في منزلة العترة و منزلة الخلفاء، و كل عندنا على كرامته المنصوصة أو الملية.

لكن المؤسف ـ و أني ينجع الأسف ـ أنهم شرعوا أسنة كل خلاف مفترى في صدر الاسلام في صدور أهله المنشرحة بالسلم و السلام و الاعتراف بالحق و حسن التدبير في الجمع بين الحقين، و الخطب الأفظع أنهم في ظلال تلك الأسنة، و خلال تلك السيوف جانبوا أهل البيت و هضموا جانبهم الذي هو جنب الله القوي و صراطه السوى، في علومهم الموروثة فيهم عن معدنها و صاحب سكينتها و المبثوثة لديهم من باب مدينتها حتى في تفاصيل العقائد فضلا عن مسائل الفقه، فمن له العناية بعلوم السلف و الصدر الاول فهم (عليهم السلام) طرقها و مناهجها، فكيف يسوغ تركها و مجانبتها و يكتفى بعلوم غيرهم و حدها.

أو لم يتفكروا في أن أهل البيت لا يعتقدون في دينهم بخلاف ما يعتقده رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، و لا يفتون الا بما يوافق علمه، أما عند الامامية فلعصمتهم و مصونيتهم عن كل خطأ و جهل، فضلا عن التعصب و غيره من الأهواء، و أما على فرض أن لا يكون أئمة منصوصين معصومين فليس علمهم بالكتاب و السنة و حقائقهما، و لا رواياتهم و لا فتاواهم من المناكير حتى يعدل عنهم الى غيرهم، اذ المسلمون مجمعون على أن ما يعلمه أهل بيت الرسالة في دينهم أصلا و فرعا و هم يدينون به بينهم و بين ربهم لا يخطىء علوم جدهم المرسل، و لا ما يدين به السلف الصالح الحفاظ من الصحابة المخلصين المنجبين، و ليس اليوم يوم مجانبة علومهم و لا مجانبة علوم الصحابة، و قد كان كثير من علماء الشيعة و السنة بجمع بينها في اجتهادهم لا يتركون علما لا من هؤلاء و لا من هؤلاء تشهد بذلك كتب الشيعة كالمبسوط و الخلاف للشيخ الطوسي، و التذكرة للعلامة الحلي و ليس في ذلك تشيع للسني و لا تسنن للشيعي، لأن التسنن لا يدور مدار مجانبة معارف آل محمد الطاهرين. فليس كل متبع لجعفر بن محمد الصادق في الكلام

/ صفحه 425/

و الفقه شيعياً، و لا كل من يتبع فيهما طرق الصحابة و فتاوى الأئمة الأربعة و من قبلهم من رواة السنة و المتكلمين منهم من قبل و من بعد سنياً.

فكم عالم أو عامي، يتبع تعاليم أهل البيت في أصولهم و فروعهم، واثقاً بعلومهم العقلية و النقلية، مؤثراً لهم على من سواهم، لوثوقه بأن علومهم أقرب الى علم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و سنته، لكن لا يعتقد امامتهم المنصوصة، و ولايتهم المعصومة، و لا كونهم حجج الله تعالى على جميع العالمين يجب طاعتهم على حد طاعة جدهم، بل يعتقد صحة خلافة الخلفاء على تلك الأصول المشهورة بين أهل السنة، فهو سني المباني، جعفري الطريقة.

و كم ممن يتبع الطرق التي حفظها أو دونها أهل السنة في صدورهم أو صحاحهم الستة، أو مجاميعهم السابقة على الصحاح كمجموع ابن شهاب الزهري، و عبد الملك بن جريح و غيرهما، ثقة منه بها، جامدا عليها، أو مجتهداً فيها نقاداً لها. و لكن لا يتتبع ما نقل عن أهل البيت محفوظاً أو مدوناً في الأصول الأربعمائة، أو الكتب الأربعة المشهورة للامامية، ثم الأربعة الأخرى بعدها، أو ما كان مدوناً قبلها في أربعة آلاف كتاب من كتب رواة جعفر الصادق و تلامذته، و ذلك لمرونته على روايات أهل السنة في المحيط المناسب لذلك، فاستغنى بها في اصابة السنة سيما مع عدم معرفته لثقات أهله البيت، أو عدم اطلاعه على كتبهم و جوامعهم و معاجمهم أو زعمه بهذه المرونة و الأنس، و كثرة أصحاب طريقته و أنصارها، أن ما بيده يغنى عن الفحص عن علوم أهل بيت نبيه صلوات الله عليه أو ظنه التوافق بينهما و لو في خصوص المسائل التي هي عامة البلوى، أو ظنه أن له الخيرة في اختيار ايهما شاء، و أنه لا يجب عليه النقد و التحقيق و الجمع و التوفيق بين الطريقين، أو أحس العجز من نفسه، اذ قضى أكثر عمرة في معرفة تلك الطريقة المتسننة و العمل بها فيشق عليه الورود في دائرة علمية وسيعة أخرى، يكون فيها كالطفل الأبحدى مثلا فيقول في نفسه: متى أتعلمها، و متى أعمل بها، و أنى لي قوة الاجتهاد؟ فيها فيثبط نفسه عنها بهذه الاعذار و أشباهها، و بمثل ذلك يرجع في العقائد الكلامية الى

/ صفحه 426/

ما ألفه و بنى عليه و سخره من دلائل مشايخه التابعين لأصحاب المقالات الحادثة، فلم يلتفت الى ما حققه أهل البيت في المسائل الكلامية و لا نظر فيها و لا بحث عنها، و مع ذلك كله تراه معتقداً بامامتهم المنصوصة على الوجه الذي تعتقده الامامية حتى انه لو كان في عصر واحد منهم فاتفق لقائه و سؤاله عما لا يعلم أو علم من غيرهم، اتبع قوله و دان به، و مثل هذا الصنف كثير في العلماء القدماء، حتى انه كان فيهم من يعمل بالقياس، و كذا في العوام، فهذا الصنف جعفري المباني في الامامة، و سني الطريقة في الكلام و الفقه و أصول الفقه، و قد اتفق ذلك لكثير من علماء السنة بالمعنى المعروف، أي الذين لا يقولون بالامامة المنصوصة، و يتبعون في الفقه طرق غير أهل البيت، و في العقائد أيضاً طريقة غيرهم، ثم اذا لقوا أحداً منهم (عليهم السلام)، و عرفهم بغير ما كانوا يعرفونه من غيرهم تركوه و اتبعوا قول أهل البيت، مع بقائه على تسننه في الامامة و الخلافة، حتى انا وجدنا كثيراً من فرق المرجئة حتى المرجئة الشكاك الحشوية من مرجئة العراق و اصحاب الحديث اذا وقفوا على كلام أهل البيت أو سألوهم اتبعوهم فيه، و هم يرون الامامة و الخلافة لكل من أقيم بعد الرسول صلوات الله و سلامه عليه مقامه في لم الشعث و جمع الكلمة، و السعي في أمور الملك، و الرعية، و اقامة الهدنة، و تأمير الامراء، وتجنيد الجنود و الدفع عن بيضة الاسلام، و ردع المعاند، و تعليم الجاهل، و انصاف المظلوم، و ربما كان فيهم من يعرف الامامة المنصوصة لأهل البيت، و يخص الخلافة بالخلفاء بهذه الشئون في هذه الجمل المتعاطفة المأخوذة من نص كلامهم. لكن الجم الغفير وقعوا في الغلط في ملاك التسنن و التشيع في الفقه و العقائد، و في الخلط بين الامامة و الخلافة، و في توهم المعارضة بينهما كما شرحناه.

و أما اليوم، فيجب تعارف العلوم و الثقافات بين القبيلتين، و التسالم على الخلافة للخفاء الراشدين، و الامامة المنصوصة للائمة الصفوة العترة، من غير حاجة الى تنزل السني عن تسننه، و لا الشيعي عن تشيعه، ثم يجب تحصيل النمرقة الوسطى في العقائد و في الفقه، و هو الامر الثالث المعزز لما شرحه العلامة الكبير شيخ

/ صفحه 427/

الاسلام من الأمرين، ليكون للتقريب صورة عملية، و هي البناء على عقائد السلف المطابقة لمحكمات الكتاب و السنة، و الجمع في الاجتهاد بين الصحاح و الجوامع الأربعة عشر، ستة منها لأهل السنة، و ثمانية للامامية، و تدريس الفقه الجعفري في ممالك السنة، و تدريس عقائد السلف التي حفظتها كتب الامامية لتتعارف العلوم، و تتآلف العقائد، و تتوانس المسلمون مع التعظيم و الحرمة لكل مذهب.

و هل هذا الرجاء الا من دار التقريب، فالمرجو من جماعة التقريب الكرام عموما، و من فضيلة شيخ الاسلام خصوصاً: نصب كرسي في القاهرة لتدريس علوم الامامية و الترغيب لسائر ممالك السنة في ذلك ليتصل المسلمون بعضهم ببعض و لا يضيق ذرعا أهل كل مذهب من استماع علوم اخوانه سواء اختاروها أم لا، و سواء أدى اجتهادهم بعد استفراغ وسعهم فيها الى موافقتها أم لا، فان اختلاف أنظار الفقهاء بعد تحقيق أدلة الأحكام لا ينبغي أن يسمى خلافا يعتد به في تفريقهم شيعا و أحزابا، فان كلا منهم يستفرغ وسعه في اطاعة مولاه الذي هو مولى الكل و في امتثال أمره، فمثل الفقيهيين المختلفين، مثل مملوكين لمولى واحد ينادى أحدهما بعينه أو كليهما بسقيه الماء، فظن أحدهما بعينه أمره بايتائه الغداء و الآخر بسقيه الماء، فبادر كل الى الامتثال باتيان ما ظنه اطاعة لأمره، فكلاهما ممتثل مطيع له معذور مناب، نعم قد يتفق نادراً ترتب مفسدة على عمل المخطىء لكنها تنجبر غالبا بمصلحة الطاعة و الانقياد، على أن الخطأ غالبا ينشأ عن القصور أو المسامحة في الفحص.

و بالجملة فاذا حصلت العناية بدراسة مذهب أهل البيت و سائر المذاهب في الممالك الاسلامية حصل التقريب الحقيقي بين المسلمين، و قد كان في الامامية فيما سبق جماعة يدرسون المذاهب الخمسة على أتم وجه، لكن لا يحضرني من علماء السنة من جازاهم بهذه الحسنة، و بدراسة المذهب الجعفري بعد رسمية المذاهب الاربعة من عهد القادر بالله العباسي الحاكم بها في العراق، و تلاه الظاهر بيبرس في مصر

/ صفحه 428/

و قبله المعز بن باديس(1) في افريقية، و غيرهم في غيرها في قصص طويلة سجلها التاريخ.

و لنا الرجاء الأكيد، و الأمل الوطيد من فضيلة شيخ الاسلام و من جماعة التقريب الكرام أن يكونوا هم القدوة في تأسيس هذه الحسنة، كما أنهم هم القدوة في تأسيس دار التقريب.

و علينا أن نسرد ذكر الصحاح الستة لأهل السنة، و الصحاح الثمانية للامامية تذكرة لمن تذكر و الأمر لله تعالى من قبل و من بعد.

أما الصحاح الستة:

فأولها صحيح الامام محمد بن اسماعيل البخاري المولود سنة 194 هـ و المتوفى سنة 256 هـ و قد حكى عنه محمد بن يوسف القربري، و هو آخر من قي ممن سمع صحيحه أنه قال: صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، و جعلته حجة فيما بيني و بين الله، و ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً الا اغتسلت قبل ذلك و صليت ركعتين، قال الفربوي: سمع صحيح البخاري تسعون ألف رجل (سبعون ألف رجل) فما بقى أحد يرى عنه غيري، و روى عنه أبو عيسى الترمذي كذا في الوفيات، أقول عدة أحاديث صحيح البخاري على ما ذكره الشهيد الأول في الذكرى، و شهد به ابن حجر مع المكرر، سوى المعلقات و المتابعات، سبعة آلاف و ثلثمائة و سبع و تسعون حديثا، و الخالص بلا تكرير ألفان و ستمائة و حديثان، و فيه من المتون المعلقة المرفوعة مائة و خمسون حديثا.

الثاني: صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى سنة 261 هـ و عدة أحاديثه بلا تكرار أربعة آلاف حديث، و مع المكرر 7275، كذا عن كشف الظنون.

ـــــــــــ

(1) المعز بن باديس هو الحميري الصنهاجي صاحب افريقة و ما والاها، و لقبه الحاكم صاحب مصر شرف الدولة في سبع و أربعمائة، و كان مذهب أبي حنيفة أظهر المذاهب في افريقية، فحمل المعز جميع أهل المغرب على مذهب مالك، و حسم مادة الخلاف في المذاهب و استمر الحال على ذلك قرونا منه.

/ صفحه 429/

الثالث: صحيح أبي داود السجستاني سليمان بن أشعث المولود سنة 202 هـ و المتوفى سنة 275 هـ و كان ابنه عبد الله من أكابر حفاظ بغداد، و له كتاب المصابيح، و توفى سنة 361 هـ و هذا الصحيح مشهور بالسنن، و عدة أحاديث سننه على ما قاله نفسه أربعة آلاف و ثمانية أحاديث من الصحيح، و شبهه و مقاربه و عدد البقية غير معلوم، و نقل عنه ابن خلكان أنه قال: كتبت عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ستمائة ألف حديث انتخبت منها كتاب السنن.

الرابع: صحيح محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة 279 هـ قال ابن خلكان: صنف كتاب الجامع و العلل تصنيف رجل متقن، و به يضرب المثل، و هو تلميذ البخاري، و شاركه في بعض شيوخه، مثل قتيبة بن سعيد، و على ابن حجر، و ابن بشار و غيرهم.

الخامس: صحيح أحمد النسائي المتوفى سنة 233 هـ.

السادس: صحيح محمد بن يزيد بن ماجه الربعي القزويني المولود سنة 209 هـ و المتوفى سنة 273 هـ قال ابن خلكان: كان ابن ماجه اماماً في الحديث عارفاً بعلومه، ارتحل الى العراق و البصرة و الكوفة و بغداد و مكة و الشام و مصر والري لكتب الحديث، له تفسير القرآن الكريم، و تاريخ مليح، و السنن أحد الصحاح الست.

أقول، لاخواننا أهل السنة صحاح أخر كصحيح عبد الله الدارمي السمرقندي المتوفى في القرن الثالث، و موطأ مالك، و هو الذي جعله رزين العبدري في كتابه: الجمع بين الصحاح الستة سادسها بدل صحيح ابن ماجه. و كجامع الأصول في الجمع بين السنة أيضا، لمبارك بن الأثير الجزري. و كالجمع بين الصحيحين: صحيح البخاري و صحيح مسلم لمحمد بن أبي نصر الحميدي. و كالمصابيح المشابه لكتاب من لا يحضره الفقيه في حذف الاسناد، للسيد حسين بن مسعود بن الفراء البغوي نقل فيه الأحاديث الصحاح و الحسان النبوية أصولا و فروعا و مراداً، و جعل من

/ صفحه 430/

الصحاح مخرجات البخاري و مسلم، و من الحسان روايات الترمذي و السجستاني، توفيى بمرو في سنة 505 هـ و بغ و بغشور بلدة بين مرو و هرات، و من الشروح، عارضة الأحوذى في شرح صحيح الترمذي، لأبي بكر محمد المغافري المتوفى سنة 543 هـ و كان معاصراً للفخر الرازي و كتاب الفتح الباري بالسيح الجاري في شرح صحيح البخاري لأحمد بن حجر العسقلاني و غير ذلك.

و أما صحاح الامامية فهي ثمانية للمحدثين السبعة، أربعة منها للمحمدين الثلاثة الأوائل، و ثلاثة بعدها للمحمدين الثلاثة الأواخر، و ثامنها لمحمد الحسين المرحوم المعاصر النوري، صاحب المؤلفات الكثيرة المطبوعة.

أولها: الكافي في الأصول و الفروع و الأخلاق و أحوال الأنبياء و الأئمة و السماء و العالم، و كل ما يتعلق بذلك على أتقن وجه و أحسنه للشيخ أبي جعفر المجدد بشهادة الفريقين محمد بن يعقوب الكليني المتوفى 329 هـ و قد شهد جماعة منهم الشيخ البهائي في الوجيزة بأنه ألف الكافي في عشرين سنة، و ذكر غير واحد منهم السيد رضي الدين علي بن طاوس في كشف المحجة، أن الكليني كان معاصراً لوكلاء مولانا المهدي و سفرائه الأربعة، و قال صاحب الوسائل ما حاصله أن الأصول و الكتب التي كانت منابع اطلاعات الكليني قطيعة الاعتبار، لأن باب العلم و استعلام حال تلك الكتب بوسيلة سفراء القائم كان مفتوحا عليه لكونه معهم في بلد واحد بغداد. انتهى ملخصاً.

و كتاب الكافي خلاصة الأصول الأربعمائة من أربعمائة مصنف، كما عنى الشهيد الثاني في شرح الدراية، و كانت تلك الأصول بأجمعها موجودة في عصر الكليني، كما صرح به شيخنا العلامة النوري في مستدرك الوسائل.

أقول قد علم كل حاضر و باد أن العلوم التي انتشرت من الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) و ملأت أقطار العالم مما لم ينقل مثلها عن أحد، و ذلك أن

/ صفحه 431/

أصحاب الحديث ضبطوا أسامى ثقات رواته و هم أربعة آلاف رجل، صرح بذلك المطلع الخبير الشيخ المفيد في الارشاد، و المحقق الحلي في المعتبر، و ابن شهراشوب في المناقب، و زاد في المناقب أن ابن عقدة ذكر الأربعة آلاف في كتابه، و قال الطبري في اعلام الورى: أن الأربعة آلاف رجل كانوا من مشاهير أهل العلم، و قد جمعوا من أجوبة مسائل الصادق (عليه السلام) أربعمائة كتاب، تسمى بالأصول، و قد رواها أصحابه و أصحاب ابنه. انتهى.

أقول ابن ابن عقدة هذا هو أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي المتوفيى سنة 333 هـ بالكوفة، و أمره في الوثاقة و الجلالة و الحفظ مشهور، اعتنى بذكره عظماء الفريقين و عن الدارقطني، أن أهل الكوفة أجمعوا على أنه لم ير من زمن ابن مسعود الصحابي الى زمن ابن عقدة أحفظ من ابن عقدة، و كل ما كان عند الناس من العلم فهو يعلمه و لا عكس، و عن ابن كثير و الذهبي و اليافعي، أنه لا كلام لأحد في صدقه و أمانته و كتابه المسمى (أسماء الرجال) هو المشتمل على أسامي الأربعة آلاف رجل من ثقات رواة الصادق (عليه السلام) مع ذكر حديث كل واحد منهم، و قد أجمع أصحابنا أن لكل منهم كتابا من جملتها الأصول الاربعمائة، و في الوسائل أن الكتب ستة آلاف كتاب، و بالجملة فالكتب و الأصول كانت عند الكليني، فجاء كتابه الكافي أتقن كتاب في الحديث أصولا و فروعا، و كونه المجدد لمذهب الامامية في المائة الثالثة عند الطائفتين مشهور مسطور، فمن أهل السنة ممن اعترف بذلك ابن الأثير في الجامع و الطيبي في شرح المشكاة في آخرين.

قال الشهيد في الذكرى: ان أحاديث كتاب الكافي بانفراده أكثر من مجموع الصحاح الستة للجمهور، قلت قد تقدم ذكر عدد أحاديث كل منهما، و أما عدة أحاديث الكافي فهي ستة عشر ألف و مائة و تسعون حديثاً و زاد بعضهم على ذلك تسعة أحاديث، و كلها صحيح باصطلاح القدماء، أي حجة معتبرة، و أما على اصطلاح المتأخرين في تنويع الأحاديث المنسوب أحداثه الى ابن طاوس و العلامة الحلي،

/ صفحه 432/

فالصحيح الاصطلاحي أي كل من كان في رجال السند عدل أمامي فهو سنة 5072 و الموثقات 1118، و القوي 302، و المعتبر أي الصحيح القدمائي 9485.

الثاني: كتاب (من لا يحضره الفقيه) للشيخ المشهور بالصدوق محمد بن علي ابن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المولود بدعاء القائم المتوفى سنة 381 هـ صابح الكتب القيمة الشهيرة تبلغ ثلثمائة مصنف.

الثالث و الرابع: التهذيب و الاستبصار لمؤلفهما شيخ الطائفة أبي جعفر محمد ابن الحسن بن علي الطوسي المولود في شهر رمضان سنة 385 هـ و المتوفى بالنجف في المحرم سنة 460 هـ و هو البحر الذي لا يساجل في جميع العلوم الدينية، و قد أجمع أهل الخبرة على ثقته و صدقه و حفظه و تبحره÷ و مصنفاته كثيرة شهيرة.

الخامس: الوافي، في الجمع بين هذه الكتب الأربعة في أحسن ترتيب مع البيان و التحقيق لمحمد بن المرتضى المدعو (بمحسن الكاشاني) المتوفى سنة 1091 هـ و له المصنفات المنقحة الرائعة في العلوم العقلية و النقلية، و هي مشتهرة منتشرة.

السادس: بحارالأنوار، في خمسة و عشرين مجلداً مطبوعا، للعلامة الأفضل الأورع المولى محمد باقر المجلسي المتوفى سنة 1110 هـ و قيل سنة 1111 هـ.

السابع: الوسائل، في أحسن ترتيب، للمحدث الأعظم محمد بن الحسن الحر العاملي صاحب المؤلفات الكثيرة الرائقة، هاجر الى مشهد الرضا، و بقى بعد المجلسي المذكور سنين، و كان شيخ الاسلام بمشهد الرضا، و له ضريح يزار في الصحن العتيق الرضوي.

الثامن: مستدركات الوسائل في ثلاثة مجلدات كبار مطبوعة، لشيخنا المحدث العلامة محمد الحسين النوري صاحب المؤلفات الكثيرة المطبوعة.

ثم ان من مفاخر أهل السنة التي غفلوا عنها، و أنا أول من يذكرهم بهذه المنقبة الفخمة التي دخلت بيوتهم مع العلم الراسخ و المجد الشامخ و سلطان النبوة

/ صفحه 433/

الباذخ، و هم عنها ذاهلون، و عن الانتساب اليها و الاقبال بكلهم عليها الى غيرها عادلون، أن الامام جعفر بن محمد الصادق وولده المعصومين من ولد امامهم الأعظم أبي بكر الصديق رضي الله عنه من قبل أمه، فان أمه أم فروة بنت القاسم الفقيه ابن محمد بن أبي بكر و أمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، و هي بنت عم القاسم المذكور، فالامام محمد بن علي الباقر صهر الصديق على ابنة حفيده القاسم، و كان يقول جعفر بن محمد ولدني أبوبكر مرتين، يعني بهما محمداً والقاسم، فالصديق رضي الله عنه جد الصادق، و الكاظم و الرضا و التقي الجواد والنقي الهادي و الحسن الزكي العسكري و مهدي الامة، فانظر ماذا صنع المفرقون بين الأمة، كيف أخرجوا أئمة أهل بيت الرسالة من ولد الصديق و علومهم عن بيوتهم و تعلقوا بأذيال علوم قوم آخرون، و حالوا بين الصديق و أعلام شرفه و فخاره، و أطفئوا من أهل بيت الصديق مصابيح أنواره، فاليوم يوم التعلق بذيل الصديق في أهل بيته الصفوة، و الاستغفار من كل غفلة و هفوة، و أول علائم التقريب العملي بين السنة و الشيعة نصب كرسي تدريس الفقه الجعفري في الأزهر الشريف، و العناية الكاملة بجوامعه و معاجمه، فيقفوا أثره سائر الممالك الاسلامية، و بذلك تقر عين الصديق و عيون الخلفاء الراشدين، ثم السني على تسننه، و الشيعي على تشيعه، و المجتهدون على اجتهادهم بعد الجمع و التوفيق بين صحاح الامامية الثمانية التي طلعت شمسها من بيوت ولد الصديق و الصحاح الستة التي ظهرت من بيوت قوم آخرين، غفر الله لهم و لنا و لجميع اخواننا المسلمين و الحمد لله رب العالمين.