/ صفحه 439/
الاصول الدينية
للفنين الاسلامي و الفارسي
لحضرة الاستاذ أحمد محمد عيسى
أمين مكتبة جامعة فؤاد الأول
ـ 2 ـ
(عرض الكاتب في القسم الأول من هذا المقال الى التعريفات المختلفة للفن الاسلامي، و ناقش كل واحد من تلك التعريفات، و بين أوجه الخطأ و الصواب في كل منها. ثم تكلم في اختصار عن حياة العرب قبل الاسلام و بعده، و عن عناصر القوة في تلك الحضارة و سر سيادتها و بقائها، و عن الروح الحربي الذي اتصف به العرب ابان فتوحهم، و مدى فهمهم للحضارات القائمة من حولهم في بلاد فارس و بلاد الروم، وسعة صدورهم في اقتباس ما لا يتنافى منها و دين الاسلام).
(المترجم)
علينا هنا أن نوضح الأسباب التي أدت الى خلق فمن اسلامي رائع، في وقت لم يسد الغرب فيه سوى فن ديني ساذج. و لا أحب أن اتهم بالدفاع عن العرب أو التحيز للاسلام، بل أنصح من يشعر بذلك مني أن يقرأ ـ و لو قليلا ـ في تاريخ الحروب الصليبية، فانه سوف يمتلىء دهشة حين يتضح له أن الصليبين أرادوا من وراء ادعائهم تحرير الأراضي المقدسة، تحطيم حرية المسلمين أنفسهم، و اجبارهم نجد السيف ـ لا بأساليب الاقناع المسيحية ـ على التحول عن الاسلام، الذي نعموا في ظلاله بالحرية المطلقة الى دين آخر يقدس امتيازات الأقلية و يستعبد عامة الشعب استعباداً عقليا، و اقتصادياً قاسيا.
/ صفحه 440/
و الأكثر من هذا، أن الصليبيين ختموا كثيراً من انتصاراتهم بمذابح لا رحمة فيها و لا هوادة. و لم يكفهم ما أنزلوه بأسرى الحرب من تقتيل، بل تعدوا ذلك الى الشيوخ و النساء و الأطفال، حتى زادت ضحايا يوم واحد عن الألف عداً، و حدث على عهد الملك جفرى سنة 1098: أن شهدت شوارع بيت المقدس استشهاد عشرة آلاف نفس في يوم واحد، فضلا عن احراق اليهود أحياء في معابدهم. و كل ما عمله الصليبيون للتكفير عن آثامهم، هو ذهابهم الى الكنيسة لترتيل أناشيد الحمد و الثناء على ذلك النصر المبين.
فلا عجب اذن، أن اختفت أسباب الجمال من الحياة الأوروبية على حين دفعت مثل الاسلام العليا الى الاهتمام بالفنون و رعايتها، حتى بدت الفنون الاسلامية في غير حاجة الى تحسين بعد قرون من نشأتها.
و لعل أسطورة انتشار الاسلام بحد السيف مصدرها عبارة
((سيف الاسلام)) التي لقب بها خالد بن الوليد قائد الحملات الاسلامية الأولى، و هو الفاتح العظيم الذي اتصف بالتسامح و الكرم و العقل.و الحق أن الاسلام دين تسامح و حرية، لأنه لا يعترف بنظام الطبقات، و لا يقر امتيازات المولد، و ليست له منظمات اكليروسية، و لا سلطان اكليروسي. و تبدو تعاليم هذا الدين سهلة معقولة للمبتدئين فيه، اذا قورنت بتعدد الآلهة الوثنية أو تعقد المذاهب المسيحية، كما ينظر المسلمون الى من عداهم نظرة استهانة و لكنهم على أية حال لا يفكرون مطلقاً في اضطهاد من يقيم بينهم، من أجل عقيدته، ثم انهم يرحبون بمن يدخل من هؤلاء في الاسلام الذي لا يقر ألوهية المسيح و لا يعترف بضرورة التضحية بالنفس من أجل خلاص البشر.
و انه من اليسير على ذوي المشاعر الرقيقة تقبل دين الاسلام و التسليم بشروط الايمان، و أداء أركانه الخمسة، و هي شهادة أن لا اله الا الله و أن محمداً رسول الله، و أداء الصلوات الخمس، و صوم رمضان، و اخراج الزكاة، و حج البيت لمن استطاع اليه سبيلا.
/ صفحه 441/
و لا شك أن هذه المبادىء السهلة، هي السبب في سرعة اعتناق العرب للاسلام و هي السبب في انتشاره دون مقاومة كبيرة في كثير من البلاد، فعمرت القلوب بالايمان و قوى الاحساس بالوحدة الدينية، و سادت المعتقدات الطيبة بين أجناس متباينة، و هو ما لم يحدث له مثيل من قبل. فلو أن الاسلام انتشر بحد السيف ـ كما يدعى البعض ـ لجاز أن يكون في حكم العدم، ما نسميه اليوم ((فناً اسلامياً))
.و لعل العرب هم المثل الوحيد الذي ترك أثراً قوياً في الأقاليم التي سيطروا عليها من العالم، و لا يزال أهل تلك الأقاليم متأثرين بما أخذوه عن العرب، سواء في مظاهر حياتهم و عاداتهم، أم في دينهم و لغتهم و حروف الكتابة عندهم.
نشأ الفن الاسلامي في رعاية أهل الصحراء، الذين لم يكن لهم من ألوان الفنون سوى نظم الشعر و حبك قوافيه، بل لعلهم عجزوا ـ في البداية ـ عن ادراك أي تعبير فني آخر، غير أنهم تأثروا كثيراً بما شهدوا من فنون الأمم الأخرى خلال عصر الفتوحات التي قاموا بها، و بدا غريباً من هؤلاء الذين ظلوا أجيالا لا يتأثرون بما حولهم من حضارات زاهرة. أن يقبلوا اقبالهم الشديد على اقبتسا كل ما يتفق و تعاليم الاسلام، و من هذا يتضح أن بلاد العرب ليست النبع الذي انبثق منه الفن الاسلامي، و انما تكون ذلك الفن من مختلف العناصر التي لم يسبق لها أن امتزجت مثل هذا الامتزاج القوي، و لا أن انسجمت في نغمة ذات تقاليد فنية ثابتة، فالزخارف النباتية ـ و هي حركة أساسية في الفن الاسلامي ـ اقتباس من الفن الفارسي، و العقد و القبة معروفان في العمارة من قديم الزمان، و المحراب المجوف مأخوذ عن
((الشرقية)) المعروفة في الكنائس القبطية، و الأمثلة كثيرة على ما هو مستمد من الفن البيزنطي و غيره من الفنون.و فيما عدا ما أخذ العرب عن الفن البيزنطي ـ عن طريق الفنانين و الصناع البيزطيين ـ لم تستطع أوروبا أن تقدم للعرب شيئا يمكن اقتباسه أو المساهمة به في فن جديد خاضع لأصول دينية معينة، و احساسات شرقية خاصة. و على الرغم مما تنبهت اليه أذهان العرب من مشاهد بلاد الغرب، فان معايير الجمال الأوروبي لم تجتذبهم اليها بل ظلوا ـ منذ عصر الفتوحات ـ يضعون الصين في المرتبة الفنية الأولى بين أمم العالم.
/ صفحه 442/
والواقع أن تطور الفن الاسلامي و انتشاره في بلاد تمتد أكثر من ستة آلاف ميل و في زمن يقل عن قرن من الزمان، ليس مرده الى سلطان العرب الحربي و قوتهم العسكرية، بل الى الافكار المثالية التي دلت دائما على أنها أبلغ أثراً من سلطان الجيوش، و نعود فنقول انه لو كان انتشار الاسلام بحد السيف، لما قدر لتأثيره و فنونه أن يستمرا أكثر من جيل أو جيلين، و لما وجدنا مادة خصبة لموضوع هذا الحديث.
و قد اقتصرت الأعمال الفنية في بداية الأمر على ما أنشأه المسلمون من مساجد، اذ اشتدت حاجة الناس ـ أول عهدهم بالاسلام ـ الى دور للعبادة في كافة بلاد الامبراطورية العربية المترامية، و يمكن القول ان الناس أتموا ما احتاجوا اليه من تلك المساجد في سرعة فائقة، ثم ان العرب حولوا ـ بطريقة تتفق و مطالب الاسلام ـ عدداً من الكنائس الى مساجد، و نذكر أن عددا من الكنائس كان قبلا معابد وثنية، ثم زادت حركة التعمير و البناء و أخذ الفنانون و الصناع و العمال ينتقلون من مكان الى مكان، و ينفضون أيديهم من عمل ثم الى مشروع يراد اتمامه حاملين معهم أصولا فنية مقررة، صارت طرازا واضح المعالم على مر العصور، ثم أخذ كثير من العرب الفاتحين ـ الذين عاشوا رحلا في بلادهم ـ ينتقلون في أرجاء امبراطوريتهم، اثر تخلصهم من الضغط الاقتصادي الذي استحكم في شبه الجزيرة، و اقتبس هؤلاء فيما اقتبسوه صورا و رسوما كلامية و فنية، أعانت على نشر الفن الاسلامي، و أدت في النهاية الى وحدته.
ويعتبر حب العرب للجمال، القوة الأولى الدافعة للفن الاسلامي، ثم أخذ هذا الفن عن الفرس روعة الشكل، و بهجة اللون، و بفضلهما بلغ ما بلغ من تنوع داخل نطاقه العالم، و هذا التنوع ذاته أحد الخصائص القوية التي يمتاز بها الفن الاسلامي.
و لأول مرة ـ عقب فتح فارس سنة 636 ـ 641 هـ اتصل العرب اتصالا وثيقا مباشرا بشعب على جانب كبير من الحضارة، و يعد دخولهم المدائن ـ و هي العاصمة الكبرى لملوك ساسان ـ حادثا هاماً بالنسبة لهم و بالنسبة للعالم كله، و رأى العرب النعمة و فيرة و حياة الناس يسيرة، على غير عهدهم ببلادهم، فالطعام كثير،
/ صفحه 443/
و الدعة شاملة، و الثقافة يانعة و الرفاهية لا عهد لهم بها، الا فيما سمعوه عن الترف البيزنطي.
و لا غرابة أن تغدو هذه المرحلة بداية تحول خطير في تاريخ العرب. على أنه اذا كان من المحتمل أن يجنح العرب الى تحطيم ما لم يستطيعوا حمله من مغانم البلاد المفتوحة ـ كما يفعل الغزاة عادة ـ فانهم لم يلجئوا فعلا الى تلك الوسيلة، و ان ظل ما استولوا عليه، مما خف حمله و عظم شأنه، غير معروف لدينا تماما.
و على الرغم من اعجاب العرب الواضح بالحضارة الفارسية، فان طموحهم المعروف دفعهم الى أن يخلقوا لأنفسهم حضارة خاصة بهم، و ان كان احساسهم بالعجز عن مواجهة مشكلة حكم شعوب تفوقهم ثقافة و تنظيما، جعلهم يجتهدون في مسالمة تلك الشعوب، بأن أدلخوا في خدمتهم رجالها من الشعراء و الفنانين و الصناع، فسنحت بذلك فرصة جديدة لازدهار الآداب و الفنون الفارسية، حتى أضححت نفسها جزءا من الفن الاسلامي.
على أنه ليس معروفا على وجه التحديد، الدور الذي لعبه الفرس في بلاط الأمويين بدمشق، و ان كان من المعروف جدياً أنهم شغلوا معظم المناصب الادارية و الثقافية الخطيرة مدة قرنين أو ثلاثة من حكم العباسيين في بغداد، أي ان نفوذهم بقى الى أن استولى عليها هولاكو حفيد جنكيزخان، و لا شك أنهم كانوا عاملا رئيسياً في نمو مدرسة فنية جديدة يطلق عليها
((فن ما بعد الساساني)) و هو الفن الذي نشأ بعد زوال الساسانيين و أوائل عهد المسلمين، و الذي لم يبق لنا منه ـ لسوء الحظ ـ الا القليل.(للبحث بقية).