/ صفحه 3 /

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التحرير

نحمده تعالى و نشكره، و نصلى و نسلم على رسوله الكريم سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين. أما بعد: فهذا هو العدد الأول من سنتنا الرابعة، نزجيه إلى إخواننا المسلمين فى هذا الوقت الذى يحسّون فيه روحا سماوياً مباركا يسرى فى شعوبهم و أوطانهم و يؤلف بين قلوبهم، و يجمع من قاصيهم و دانيهم، ذالك هو روح الجهاد فى سبيل الحق و الحرية و التخلص من بر اثن الباطل و العبودية، و الثورة على الاستعمار البغيض فى مختلف ألوانه، و شتى صوره.

يسرى الآن هذا الروح فى بلاد المسلمين مباركا قويا يزلزل عروشا، و يد كدك  حصونا، و يدمدم على نالظالمين بظلمهم، و يؤذن بأن عهود الجشع و التسلط بالباطل و العدوان على الحق، قد آن لظلماتها أن تنقشع، لتشرق شمس الإسلام كرة أخرى من هوة مجلوة ليس من دونها حجاب، فلقد أصيب العالم من طول احتجابها بالعشى فهم فى الظلمات يعمهون، و بالقرِّ و الصرِّ فهم من هولهما يرعشون. و ما هى ذى إيران تنفخ على الغرب تفخة الجهاد، فتجيبها مصر بصرخة أخرى مدوّية كأنهما الراجفة تتبعها الرادفة، فإذا قلوب المستعمرين و اجفة، و عما قريب تتوالى عليهم القوارع من سائر أقطار المسلمين فيصبحون و لا عراق، و لا شآم، و لا مصر، و لا إيران، و لا هند، و لا باكستان، و لا مشرق، و لا مغرب «إنهم كانوا قبل ذلك مترفين، و كانوا يصرون على الحنث العظيم» .

إن ما حدث اليوم من التجاوب بين مصر و إيران و سائر البلاد و الإسلامية فى ساعة العسرة، لدليل ناهض على أن العاطفة بين المسلمين عاطفة أخوّة كريمة أصيلة، لا مصنوعة و لا مدخولة، و ما لها ألا تكون كذلك و هى من أمر الله، و قد أذكاها هذا الشعور المشترك بالظلم و الاضطهاد، و هذه الجراح التى أئخنتهم، و القيود التى كبّلتهم، و الهموم التى أثقلتهم:

قد قضى الله أن يؤلفنا الجر *** ح و أن نلتقى على أشجانه

كلما أنِّ بالعراق جريج  *** لمس الشرق جنبه فى عمانه

نحن فى الفكر بالديار سواء *** كلنا مشفق على أوطان - هذه هى العاطفة التى يخشاها المستعمرون، و يعملون ما استطاعوا على إماتتها فى نفوس المسلمين و تنشئة أجيالهم على نسيانها و التنكر لها، و كم من دعوات ما كرة و نزعات خبيثة أحيوها و روّ جوالها ليقطعونا بذلك فى الأرض أمما و يتخذونا لهم عبيداً و خدما، و لكن الله أبطل سعيهم، و أفسد تدبيرهم، فبعث المسلمين خلقاً جديداً  يأبون إلا أن يعيشوا فى بلادهم أحراراً أعزة يدفعون عن أنفسهم بغى البغاة، و طغى الطغاة، و عما قريب سيهديهم الله و يصلح بالهم «و الذين جاهداو فينا لنهدينهم سبلنا و إن الله لمع الممحسنين».

إن خير ما يقوى به المسلمون، و يدفع عنهم غوائل أعدائهم: أن يقفوا صفاً قويا موحدا فى جميع شعوبهم و بلادهم، لا تفسده النزعات، و لا توهنه العصبيات. إن المؤمن لايعرف إلا نوعا واحداً من التعصب هو تعصبه لدينه، و إن هذا الدين لذو عمد و أركان هى أصول الإيمان و دعائمه التى كان عليها رسول الله و آله أصحابه صلوات الله عليهم، فما كان معارضا لها فهو الكفر البراح، و ما كان من محدثات العلوم و المعارف التى لا تمس أصلا، و لا تضر بعقيدة، فليكن لكل منا ما يراه فيه دون شطط أو لجاج.

ألا و إن رحى الحرب دائرة بين جند الله و جند الشيطان، فليزحف المؤمنون على بركة الله صفأ واحداً لا عوج فيه و لا اضطراب «إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص».