/ صفحه 20 /
لحضرة صاحب السعادة محمد على علوبه باشا
رئيس جماعة التقريب
للمسلمين لغات متعددة تبعاً لتعدد شعوبهم و اختلاف أقاليمهم، ومن أهم الوسائل التى تقرب بينهم، و تجعلهعم متفاهمين متعاونين كما يوجبه عليهم دينهم، أن يكون لهم إلى لهم إلى جانب هذه اللغات المتعددة لغة مشتركة بين جميع شعوبهم من أقصى المغرب إلى الصين.
و لا يمكن أن تكون للمسلمين لغة مشتركة غير اللغة العربية فإنها هى اللغة التى نزل بها القرآن، و جائت بها سنة الرسول صلى الله عليه و سلم، و دونت بها مؤلفات علماء المسلمين فى مختلف النواحى الدينية و العقلية منذ أول الإسلام إلى و قتنا هذا، و فوق ذلك هى لغة العبادة، فالمسلمون على اختلاف لغاتهم يصلون بلغة القرآن الكريم، و يتعبدون بلغة القرآن الركيم، و يرى كثير من أئمتهم وجوب ذلك على كل مكلف، فإن كان عاجزاً عنه لعدم معرفته بها وجب عليه أن يتعلم منها القدر الذى يؤمدى به صلاته، بل قال الإمام الشافعى رضى الله عنه فى رسالته ما نصه «فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً عبده و رسوله، و يتلو به كتاب الله و ينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، و أمر به من التسبيح و التشهد و غير ذلك» (1) هذا إلى أننا - و يشاركنا فى هذا جمهرة أهل العلم من المسلمين قديماً و حديثالا نرى ترجمة القرآن الكريم مستطائة، و لا نعتبر أى تعبير عن معانيه أو معانى السنة النبوية تعبيراً مقدساً صالحاً للاعتماد عليه فى الاستنباط و الاحتجاج.
ـــــــــــــــــــــ
1-ص 48 - فقرة 167 من الرسالة المطبوعة بمصر سنة 1357 ه بتحقيق فضيلة الأستاذ العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر.
/ صفحه 21 /
و لقد كنت فى «الباكستان» فرأيت فى هذه البلاد لغات متعددة من الأوردية و الباشتية و البنغالية و البلوجية و غير ذلك من اللغات المختلفة فى بلاد واحدة، و قد اضطر هؤلاء الناس إلى التفاهم فيما بينهم، وقت احتلال الإنجليز لبلادهم، باللغة الإنجليزية، فكانت هى واسطة التخاطب بين ذوى اللغات المختلفة، و عرفت أن ذلك مما يعز على المسلمين هناك، و يؤلم نفوسهم، كما يعز على كل فريق منهم أن تكون لغة إحدى المقاطعات هى اللغة العامة بين جميع أهل البلاد، و لكنهم جميعاً يرحبون بأن تكون اللغة العربية، و هى اللغة المقدسة التى نزل بها القرآن الكريم هى اللغة السائدة بينهم، التى تقتلع لغة المستعمرين و تطردها من بلادهم. و لقد صارحنى كثير من أولى الأمر هناك، من وزراء و غيرهم بأنهم يتقبلون أن تعم اللغة العربية بلادهم، و يودون لو أنها انتشرت فكانت لغة الاتصال بين جميع المقاطعات، و قد أنشأوا جمعية هناك للعناية باللغة العربية و الدعوة لها و تيسير تعلمها، و رئيس هذه الجمعية هو وزير المعارف، و قد حضرت أحد اجتماعاتها، و كم كانت دهشتى عظيمة عند ما رأيت شبانا من اهل الباكستان يخطبون باللغة العربية، و يحفظون كثيراً من شعر المتنبى و حافظ ابراهيم و أحمد شوقى و غيرهم، و هم أقوياء الأمل فى انتشار هذه اللغة، و إقبال قومهم على تعلمها، و هناك بالفعل من يقوم بتدريس اللغة العربية للراغبين فى تعلمها، و إن يكن ذلك فى نطاق ضيق، و قد عنى بعض كبار الباكستانيين بوضع مؤلفات لتسهيل فهمها باللغة الأوردية و العربية. لذلك كان مما عرضته على و لاة الأمور فى مصر حين كنت سفيراً لها فى هذه البلاد أن ينشئوا معهداً للغة العربية هناك يشرف على ثلاث مدارس ابتدائية تتدرج فرقها حتى تكمل أربعاً فى كل مدرسة، و هذا لا يكلف حكومتنا شيئا كثيراً كما أنه ليس بدعا و نحن نرى الجاليات الأجنبية فى بلادنا و غيرها تنشىء معاهد و مداوس متعددة، كمدارس الإرساليات الأمريكية و الفرنسية و الإيطالية و الإنجليزية، بل إن من سياسة مصر أن تمد البلاد الشقيقة بما تراه كفيلا بتحقيق التعاون و تقريب التفاهم من معلمين و غير هم كما تفعل مع العراق و سوريا و لبنان و أريتريا و غيرها، على أن من الممكن أن نستعين بالباكستانيين الذين يعرفون العربية فنجعلهم من المعلمين الذين نعتمد عليهم فى انجاح هذا المشروع العظيم.
/ صفحه 22/
و من رأيى أن تكون هذه المدارس الثلاث موزعة بين كراتشى عاصمة الباكستان، و لاهور عاصمة البنجاب، و دكّا عاصمة البنغال، و أن ترعاها حكومتنا و تحترم شهاداتها، و تجعل لها امتيازاً هنا بحيث لا يقبل فى معاهدنا للمصرية من طلبة الباكستان إلا من كان حائزاً لشهادة من إحدى هذه المدارس، على أن يتسع نطاق تعليمنا بعد ذلك فتنشأ مدارس ثانوية هناك يؤخذ المتخرجون فيها للدراسات العليا فى كليات الأزهر و الجامعات المصرية، و لا شك أن هذا من شأنه أن يثمر ثمرات طبية، و يقضى على لون من ألوان الضعف التى نشاهدها فى الذين يفدون إلى الأزهر و الجامعات دون أن يكون لديهم الإلمام الكافى باللغة و علومها، فيتخرجون حاصلين على شهادات خاصة تعرف بشهادات الأغراب، و شتان بين هذا النظام و نظام يجعل أبناء البلاد الشقيقة يسيرون مع أبنائنا جنبا إلى جنب، و يمكنهم من أن يتفاهموا تفاهما أعمق و أقرب إلى بث روح المودة المشتركة، و ربط أواصر المحبة التى ينبغى أن تسود بين الإخوة، بل يمكنهم من أن يؤسسوا بين بلادنا و بلادهم أنواعا من العلاقات الفكرية و الثقافية و المادية فى التجارة و الصناعة و الشركات و غيرها. ان الأوربيين قد سبقوا إلى هذه الميادين فاستطاعوا ببث لغاتهم و أفكارهم أن يؤسسوا بينهم و بين كثير من البلاد الشرقية الإسلامية كثيراًمن المصالح العملية و أن يفتحوا لبلادهم أسواقا رائجة، و أن يجلبوا سلعا طيبة، و أن يكوّنوا لهم مراكز فوق ذلك فى نفوس الشرقيين، قائمة على أساس من تقدير الأوريين و احترامهم و اعتبارهم أهل العلم و الحضارة و المدنية، بينما ينظر الشرقيون بعضهم إلى بعض نظرة العاجز إلى العاجز. و لقد تشرفت بمقابلة حضرة صاحب الجلالة مليكنا المعظم، فأبدى لى حفظه الله عظيم ارتياحه لتقاريرى فى هذا الشأن، كما أظهر إعجابه بهذا المشروع الجليل، فما على حكومتنا إلا أن تأخذ سبيلها إلى التنفيذ، و ستجد من كل ذى غيرة على الشرق و الاسلام تأييداً و ترحيبا، و لقد أنبأنى بعض و لاة الأمر فى الباكستان أنهم على استعداد للمساهمة فى نفقات هذا المشروع النافع، و لكنى أفضل أن تنفرد مصر ذلك، و أعتقد أنها ستكسب به كسبا أديبا عظيما، و تحقق بصفة عملية زعامتها وقيادتها، مع أنه لا يكلفها إلا يسيراً، لأن هذه المدارس ستلقى من الاقبال و الرواج ما يجعل إيرادها يسد كثيراً من نفقاتها.
/ صفحه 23 /
و إذا كنت أذكر الباكستان فى هذا الشأن، و أحض حكومتنا على نشر اللغة العربية فيها، فانى لا أكتفى بهذه البلاد، بل إن آمالى - و يجب أن يكون أهل الغيرة جميعاً معى - لترنو إلى أن يكون لنا مثل هذا المشروع فى بلاد إندونيسيا، و فيها سبعون مليوناً من المسلمين، و فى الملايو و فى الصين و فى الهند و فى إيران، و فيها عشرات الملايين ممن يتمنون انتشار اللغة المقدسة فيما بينهم، و أن تكون لسانهم المشترك حينما يلتقى مسلم منهم باخوانه فى أى بلد من بلاد الله.
لقد التقى بمكة فى هذا العام ثلاثة من الحجاج الصينيين .توا من بقاع مختلفة من هذه البلاد المترامية الأطراف، المختلفة اللغات، فلم لتمكن هؤلاء الثلاثة من التخاطب فيما بينهم لأن كلا منهم يعرف لغة تخالف لغة صاحبه، و لكنهم كانوا جميعاًيعرفون اللغة العربية، فأنقذتهم هذه اللغة عن التقاطع و هم أبناء شعب واحد، أليس هذا دليلا على أن المسلمين فى حاجة إلى أداة مشتركة للتفاهم؟ بلى و إن الفائدة التى يجب أن يجنيها المسلمون فى كل سنة من المؤتمر العام الذى يجتمعون فيه حين يؤدون فريضة الحج، لا تتحقق على الوجه الأكمل إلا إذا تعاونوا على أن يعرف كل منهم العربية إلى جانب لغته ال.صلية فلنعمل على ذلك جاهدين، و الله المستعان.