/ صفحه 32 /

الاضطهاد ضربته على المصلحين

لحضرة الاستاذ عبد الوهاب حموده

أستاذ الأدب الحديث بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول

قل أن تجد مصلحاً أو مرشداً، أو تصادف مجاهداً فى ميدان الفكر الحر و الدعوة الصالحة، إلا لقيته قد داق من الاضطهاد ألوانا، و أصحاب من العنت و الشقاء ضروباً من تهكم و استهزاء، لعلى سخرية و إيذا، و من مطاردة و تشتيت، إلى مقاومة و تشريد، لا فرق فى ذلك بين الرسل صلفوات الله و سلامه عليهم، و الدعاة الهادين رضى الله عنهم. و تلك سنة الله فى خلقه قد طبقها على أنبيائه، ثم من لعدهم على أصفيائه، فما من نبى إلا كذبه قومه و سخروا منه، و قاوموه و انتقموا منه، و قد سجل القرآن الكريم هذه السنة مراراً فى خطابه لسيدنا محمد صلوات الله و سلامه عليه، ليدخل على نفسه التسلية و العزاء، و يفرِّج عن صدره الضيق و الحرج.

قال تعالى: «فاءن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاموا بالبينات و الزبر و الكتاب المنير و قال تعالى: «و إن يكذبوك فقد كذَّبت قبلهم قوم نوح و عاد و قمود و قوم ابراهيم و قوم لوط و أصحاب مدين، كذَّب موسى بأمليت للكافرين قم أخذتهم فكيف كان نكير».

و كلما اشتد الحزن على الرسول لاحقته الآيات بما يبدد حزنه و يفرج كربه، و يرد إليه صفاء تفسه، و يذهب بأزماتها، فتارة يذكره بما ينتظر أولئك المعاندين المكابرين من العقاب «فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون و ما يعلنون». «و لا يحزنك قولهم، إن العزة لله جميعا».

 

/ صفحه 33 /

و تارة يقص عليه من أحوال الأنبياء السابقين ليأنس بهم و يقتدى بصبرهم «فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل و لا تستعجل لهم». «و كم أرسلنا من نبى فى الأولين، و ما يأتيهم من نبى إلا كانوا به يستهزئون فأهلكنا أشد منهم بطشا و مضى مثل الأولين». «و لقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ماكذبوا و أوذوا حتى أتاهم نصرنا، و لا مبدل لكلمات الله، و لقد جامك من نبأ المرسلين». فهذه الآيات تدل على أنه كلما شاء الله أن يكلف قوما من المؤمنين هداية قوم من الضالين المفسدين، ظهرت فئة تعارضهم بكل ما أوتيت من قوة، و توقع بهم ألوان الاضطهاد و العذاب، و أن عليهم أن يتقلوا الإيذاء و يتحملوا العذاب، فاءن ما يقعون فيه من البأساء و الضراء هو فى الحقيقة نعمة مستورة تساعد على اطراد تقدمهم الروحى حتى يكلل الله جهادهم بالنصر، و يختم كفاحهم بالفوز. لما عاد صلى الله عليه و سلم من الطائف بعد أن لقى ما لقى من ثقيف و غلمانها و اشتد كربه لإعراض الناس عنه، اتجه إلى الله العلى العظيم، لا ليعلن يأسه و قنوطه، فما له أن يقنط، و هو المطمئن على المستقبل،بل  ليستمد من الله العون فنزل بنخلة و هو موضع على ليلة من مكة و قام فى جوف الليل يصلى فصرف الله إليه سبعة من الجن، كما رواه الحاكم فى المستدرك، فاستمعوا إليه و هو يقرأ سورة الجن - و قد كانت نزلت فى استماعهم له فى ابتداء الوحى فلم يشعربهم، ثم رجعوا إلى قومهم، فنزل عليه قوله تعالى: «و إذا صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى و لوا إلى قومهم منذرين» إلى قوله تعالى: «و من لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الأرض و ليس له من دونه أولياء أولئك فى ضلال مبين فعلم منها صلوات الله و سلامه عليه ذلك الأمر العجب، يقول (در منجم) فى كتابه «حياة محمد»:

و مادا يبغى النبى، بعد ذلك؟ و الجن يؤمنون به حين ينكر الإنس رسالته، و ماذا يبغى النبى، و الجن الذين يعبدهم العرب على غير حق يسلمون، فياله من برهان دامغ للمشركين، و تقوية للروح المعنوية للرسول الأمين.

 

/ صفحه 34 /

و نحن إذا ألقينا نظرة فى هذه الآية، و أخذنا نتفهمها بالحس اللغوى، رأينا أن فى التعبير (بصرفنا إليك) القصد المتوجه إلى الرسول بهذا الصرف فى مثل هذه الحالة لتطييب خاطره، و تسلية نفسه المجاهدة، حتى تزداد اطمئنانا فى جهادها و عزما فى كفاحها.

و تعجبنى فى هذا المقام لفتة لطيفة من الكاتب الأمريكى «ارفنج» فى كتابه «حياة محمد» حيث يقول:

«هذه الزورة من الجن فيها عزاء ئ تسلية لمحمد بعد رجوعه من الطائف تلك الرجعة المؤلمة، إذا فيها إشارة له إلى أنه إذا كانت دعوته و تعاليمه قد نبذت و رفضت من معشر الانس فقد قوبلت باحترام و إعجاب من الجن عالم الذكاء الغيبى غير المرئى» ثم وقعت له بعد رجوعه من الطائف حادثة الإسراء، و لا شك أن فيها ترفيهاً روحانيا، و سمواً نفسانيا، و اتصالا و مشاهدات، و انسا و نفحات، و فى كل ذلك تسلية أى تسلية، و عزاء أى عزاء، و كأن فى هذه الرحلة آ الخارقة رمزاً لرحلة أخرى آتية ئ تهيئة لهجرة منتظرة منتظرة، فما رجع صلى الله عليه و سلم من إسرائه، حتى أخذ يتجه اتجاها جديدا فى نشر دعوته، إلى أن ختم هذا الاتجاه بالهجرة إلى المدينة. أرأيت كيف أن الله تعالى يتولى عباده المجاهدين و جنوده المصلحين بالرعاية، و يمنحهم ما يخفف من محنهم، و ينسيهم ألم ابتلائهم، و يملأ قلوبهم بأمل النجاح، و نفوسهم بلذة الانتصار. روى البخارى فى صحيحه عن خبَّاب بن الأرتّ، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو متوسد بردة له فى ظل الكعبة: قلنا يا رسول الله: ألا تستنصر لنا من الله عزوجل؟ قال عليه الصلاة و السلام: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له فى الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيشق بائنتين، و ما يصده ذلك عن دينه، و يمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب و ما يصده ذلك عن دينه. و الله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعا إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذنب على غنمه).

 

/ صفحه 35/

 و ليست هذه السنة - سنة الاضطهاد و الإيذاء - وقفا على رسل الله و أنبيائه، بل هى مطردة فى جميع المجاهدين لإنسانية، الذين يحاربون المفسدين للنظم الصحيحة الاجتماعية، و يكافحون شرور الطغيان، و يعملون على هدم صروح البقى و العدوان فى أى عصر كانوا، و إلى أية أمة انتسبوا.

فاليك قصة سقراط: ذالك الفيلسوف الزاهد، فإن الإنسانية المفكرة بأسرها قد أحست أثر ذلك الحكيم، و ما زالت تحسه إلى هذا الزمان إحساساً عميقا متجددا، و التاريخ نفسه شاهد على ما نقول، فعلماء المسيحية و آباؤها، رأوانى سقراط مبشراً بالدين المسحيى قبل ظهروه بنحو أربعمائة و سبعين سنة، و كان الإسلاميون يجلون سقراط و يمجدونه، كتب عنه الكندى الفيلسوف، رسائل كثيرة ضاعت كما ذكر ذلك ابن النديم صاحب الفهرست، و تكلم فى إحداها عن مأساة موته، و كان (إخوان اصفاء) كذلك يضربون المثل بجياته، و ما كان فيها من عظمة و نبل، و كانوا يرون فيه «شهيد الحق» الذى رضى بالقضاء و القدر و لم يخرج على «الناموس» و كانوا يشبهون موته بموت شهداء كربلاء. فقد كان يعتقد فى نفسه أنه منوط برسالة آلهية، و واجب عليه أن يؤديها كاملة غير منقوصة، و جملة تلك الرسالة أن يقنع أدعياء المعرفة بأنهم جاهلون، و أن يسعى معهم إلى طلب العلم الصحيح الذى يستطعون به أن يبلغوا الخير الأسمى، و يدركوا السعادة الصحيحة. على أن المهمة التى اضطلع بها سقراط لم تكن ترمى فى صميمها إلى أقل إصلاح الدولة و الجماعة الإنسانية و لكن بداللرؤساء أن فى تعاليمه خطراً على سلطانهم فأهاجوا عليه العوام و أشباه العوام، و ويل لمن يسبق عصره فكره، و ويل لمن يقدم للناس طعاما لا تقوى على هضمه معدهم. تقدم باتهام سقراط ثلاثة من أعدائه، و كان المألوف إذا ذاك أن يقف للمتهم أمام القضاة با كياً مستضعفا مسترحما، و أن يقدم زوجه و أبناءه لعلهم يثيرون فى نفوس القضاء العطف و الرحمة، و لكن سقراط أبت عليه ذلك رجولته، ولم

 

/ صفحه 36 /

يحفل بالدفاع عن نفسه، و إنما أخذ يسخر ممن اتهموه، بل من القضاة أنفسهم، و يتوجع لما يصيب النفوس من فساد، و يود لم الستطاع أن يتمم الرسالة التى بدأها، و هى تطهير الشباب من مثل هذا الشر و الفساد، و لو استرحم سقراط لظفر بالبراءة و لكنه لم يفعل، فأصدر القضاة حكمهم عليه بالموت، فتقبله راضيا فى سبيل حرية الفكر، و الدفاع عن الحق الصراح.

لكن مما لا نزاع فيه أن الصورة الروحية لذلك الفيلسوف، كانت صورة رائعة قوية، يقول فيه الشهرستانى فى كتابه «الملل و النحل» (إنه اشتغل بالزهد و رياضة النفس و تهذيب الأخلاق) و يقول فيه آخر: (كلامه فى القلوب كنسيم الرياح عند الهبوب، و كالراحة للمكروب، و أثره فى العقول و الخواطر ك.ثر الماء فى الهواجر). أما فى العصر الحديث، فلنا فى الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، مثل واضح لما يلقاه المصلح الاجتماعى من مقاومة، و ما يصادفه من عنت: فقد كان - رحمه الله - كما قال عن نفسه فى تقرير له عن حياته:

«و ارتفع صوتى بالدعوة إلى أمرين عظيمين: تحرير الفكر من قيد التقليد، و فهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، و الرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، و هناك أمر آخر كنت من دعاته، و الناس جميعاً فى عمى عنه،و ذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، و ما للشعب من حق العدالة على الحكومة. «دعونا إلى الاعتقاد بأن الحاكم و إن و جبت طاعته، هو من البشر الذين يخطئون،: و تغلبهم شهواتهم، و أنه لا يرده عن خطئه، و لا يثقف طغيان شهوته إلا نصح الأمة له بالقول و الفعل. جهرنا بهذا القول و الاستبداد فى عنفوانه، و الظلم قابض على صولجانه، و يد الظالم من حديد، و الناس له عبيد أىّ عبيد» فإمام له هذه العقيدة، و ينطوى صدره على مثل هذا الإيمان، ثم يأخذ فى تنفيذه، و القيام على تطبيقه، لابد أن يصيبه فى سبيل خطته الإصلاحية ما أصابه من اضطهاد و مشقة،

 

/ صفحه 37 /

و سجن و نفى، و سخرية و استهزاء، و قد كان رضى الله عنه يقابل كل ذلك بصبر و جلدوثبات و دأب، حرصاً على رسالته أن تتم، و آرائه أن تجد لها سميعا يتلقفها، و تلاميذ يتعشقونها و يقومون على نجاحها ولو بعد حين، و يبلغونها إلى من بعدهم جيلا بعد جيل، فإنه لا يظهر فضل الرجال إلا بمكافحة الأهوال، فمعادن الأنفس لا تصفو من شوائب الضعف فى الحق 7 و لا تتمكن من مقعد الصدق إلا هوال، فمعادن الأنفس لا تصفو من شوائب الضعف فى الحق، و لا تتمكن من مقعد الصدق إلا بعد أن تعرض على نيران المجن، و تذاب فى بواتق الفتن «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون»  لذلك يبتلى نالله سبحانه و تعالى عباده المصلحين بقتن المفسدين ليمحص الله الذين آمنوا و يمحق المبطلين. و إليك و صفاً لبعض ما لا قاه الإمام فى حياته من شدة و عنت و تنغيص و تشتيت، و هو ضريبة المصلحين التى لابد أن يدفعوها من أنفسهم، و تؤخذ قسراً من رفاهتهم، و تقتطع من أوقات راحتهم ليتميز الخبيث من الطيپ «ولو يشاء الله لانتصر منهم و لكن ليبلو بعضكم ببعض».

كتب الأستاذ الإمام كتاباً إلى بعض أصدقائه من سجنه فى منفاه يصف فيه حاله و ما بلغه من الوشايات ممن كان يعدهم من أصدقائه أو مريديه، و هو قد كان يحسن إليهم، و تجود نفسه بالعطف عليهم.

تقلدتنى الليالى و هى مدبرة     *****      كأننى صارم فى كف منهزم

هذه حالتى: اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر بل، فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى، و اعترضت ما بين المشرق و المغرب، و امتدت الى القطبين، فاستحجرت فى طبقاتها طباع الناس، أو تغلبت طبيعهها على الإنسانية فأصبحت قلوب الثقلين كالحجارة أو أشد قوة فتبارك الله أقدر الخالقين. سقطت الهمم، و خربت الذمم، و غاض مإ الوفاء، و طمست معالم الحق، و حرفت الشرائع، و بدلت القوانين، و لم يبق إلا يبق إلا هوى ييتحكم، و شوات تقضى و غيظ يحتدم، و خشونة تنفذ، تلك سنة القدر، و الله لايهدى كيد يالخائنين.