/ صحفة 59 /
مذهب الصرفة
بين القائلين به و المنكرين له
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ على محمد العمارى
مبعوث الأزهر فى السودان
قبل أن نفصل القول فى هذا المذهب نحب أن نعرض لما تضمنه مقال الكاتب الفاضل الأستاذ توفيق الفكيكى بالعدد الثالث من السنة الثالثة من مجلة (رسالة الاءسلام) علق الأستاد على ما كتبناه فى مقالنا عن ابن سنان الخفاجى فى مجلة الأزهر من أبه يبدو لنا أن تفسير الصرفة بأن العرب سلبوا العلوم التى كان يمكن بها أن يتمكنوا من معاوضد القرآن، و هو أحد التفاسير لهذا المذهب، يبدو لنا أن هذا القول مذهب من يقول بالصرفة من الشيعة. فذكر فى تعليقه آراء الشيعة فى إعجاز القرآن، و يبدو أن الأستاذ حمّل كلمتنا ما لا تحتمل، فنحن لا ندعى أن الشيعة يذهبون فى إعجاز القرآن مذهب النظام و أصحابه ممن يقول بأن عجز العرب كان بسبب صرفهم عن مالمعارضة، و لا عبارتنا تفيد ذلك، و كل ما أردنا أن نقوله، و ما أوردعناه تلك العبارة أن بعض الشيعة يقول بالصرفة، و أنهم فيما يظهر لنا يفسرونها بما ذكرناه آنفا. أما أن بعض الشيعة يقول بالصرفة، فذلك ما لا يداخلنا فيه شك، و هذا ابن سنان واحد منهم، و مذهب الصرفة ظاهر فى كتابه لا يحتاج إلى برهان، و قد نسب هذا القول إلى المرتضى، و لكن ال.ستاذ الكاتب ينكر ذلك، و نحن
/ صحفة 60 /
نسوق له النصوص التى ورد فيها نسبة هذا المذهب إليه، قال الآمدى فى أبكار الأفكار: «و ذهب الأكثرون كالأستاذ أبى السحق النظام و بعض الشيعة و غيرهم، إلى أن العرب كانت قادرة على مثل كلام القرآن قبل البعثة، و أنه لا إعجاز فى القرآن، و إنما المعجز صرف بلغاء العرب عن معارضته، إما بصرف دواعيهم كما قاله النظام و الأستاذ أبو إسحق، و إما بسلهم العلوم التى لابد منها فى المعارضة، كما قاله الشريف المرتضى من الشيعة»
و قال التفتازانى فى شرحه للمقاصد: و ذهب النظام و كثير من المعتزلة و المرتضى من الشيعة إلى أن إعجازه بالصرفة، و هى أن الله صرف المتحدين مع قدرتهم عليها، وذلك إما بسلب قدرتهم، أو بسلب دواعيهم، أو سلب العلوم التى لا بد منها فى الاتيان بمثل القرآن، بمعنى أنها لم تكن حاصلة، أو بمعنى أنها كانت حاصلة فأزالها الله تعالى، و هذا هو المختار عند المرتضى. و جاء فى المواقف و شرحه: و قيل بالصرفة - يريد الإعجاز - فقال الأستاذ أبو إسحق الاسفرائينى و النظام، صرفهم مع قدرتهم، و قال المرتضى: بل سلبهم العلوم التى يحتاج إليها فى المعالضة. و قال الشريف على بن حمزة العلوى الشيعى فى كتابه: «الطراز» و هو يعدد المذاهب فى الإعجاز: المذهب الأول منها الصرفة، و هذا هو رأى أبى إسحق النظام و أبى إسحق النصيبى من المعتزلة، و اختاره الشريف المرتضى من الإمامية. على أن ما ذكره الكاتب الفاضل عن السيد هبة الدين يوشك أن يكون مؤيداً لهذا القول، و هو قطعاً ليس نصاً فى نفى المذهب عن المرتضى، و ذلك حيث يقول: أما ما نسب إلى الشريف المرتضى من قبل العلماء فيجيب عنه علامتنا السيد هبة الدين الحسينى فى رسالته: «المعجزة الخالدة» بقوله: نسبة هذا الرأى إلى علامتنا الشريف المرتضى على بن أحمد المتوفى سنة 436 ه (مشكوك فيها) فانه - طلب ثراه - معروف بقوة الجدل، و التحول فى حوار المتناظرين، إلى هنا و هناك، فلا نعم هل بقى ثابتاً على هذه النظرية كعقيدة راسخة، أو تحول عها؟ و هذا المذهب
/ صحفة 61 /
أعوج أعرج، أو كما قيل، حرفة عاجز و حجة كسول، لا يليقى إسناده إلى علمائنا الفحول.
فهذا الكلام لا ينهض في ابطال ما نقله العلماء من نسبة المذهب الى الشريف المرتضى، و هل يصلح دليلا قوله: فلا نعلم هل بقى ثابتاً على هذه النظرية أو تحول عنها؟ أما بقية كلامه فبعيد عن البرهان العلمي، فاذا كان المذهب في نظره أعوج أعرج، فهو في نظر العلماء الفحول صحيح البينة موفور القوة، و لا يمكن أن يكون مثل هذا الكلام حجة في باب الجدل، بل الطبعي أن يذكر لنا الاستاذ أو أحد ممن حاولوا تبرئة الشريف من هذا المذهب نقلا واحدا يحدد مذهب الشريف في الاعجاز، أما أن المذهب لا يليق نسبته للشريف، و أما أن الشريف قد يكون استطرد في بعض مجادلاته الى المذهب المذهب، ولا يعلم أثبت عليه أم تحول عنه، فكل هذا عن البرهان الصحيح بمعزل.
ومن العجيب ـ بهذه المناسبة ـ أن الذين حاولوا الرد على هذا المذهب ذكروا ما يشبه الخطابة و لا يدخل في التحقيق العلمي، من ذلك ما ذكره الكاتب عن الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء من قوله: و منتهى فساد القول بأن اعجاز القرآن ليس هو بجوهره و ذاته، بل بالحجز عنه، والصرفة دونه، ان ذلك الا رأى عازب، و قول كاذب، قول من لم يجعل الله له من معرفة البلاغة حظا، و لا حصل من شراةف حقاقها و معانيها الا حكاية و لفظا، فمن ضائقة العجز و الجهالة لجأ الى هذه المقالة، وظل يخبط في أمثال هذه الضلالة، و لست أدري لهذه الشبه صورة صدق، و لباس حق، يدعو الى توفر العناية في شأنها، و ايضاح بطلانها، و لا سيما وكل من عنى بهذا الشأن، و تصدى لبلاغة القرآن قد شنع على هذا القول، و بالغ في بطلانه و أصالته، على أن من نسب اليه ذلك لم ينقل عنه الاستاذ أي حجة ولو ضعيفة، و التعويل على شبهة و لو سخيفة، و انما هو رأى رآه، و احتمال أبداه، والسداد عزيز، و الصواب معوز، الا بتأييد من الله، و لطف منه واليه نرغب فانه منتهى الرغبة و محط نجاح كل حاجة وهو أرحم الراحمين.
/ صحفة 62 /
فمع تقديري للعالم الكبير لا أرى قوله هذا مما يدخل في باب الحجة والبرهان ولا يصلح أن يرد به على خصم أو يقضى على رأي، وليس صحيحاً أنه: قول من لم يجعل الله له من معرفة البلاغة حظاً و لا حصل من شرائف حقائقها الا حكاية ولفظاً فمن ضائقة العجز والجهالة لجأ الى هذه الضلالة، فحسبنا النظام، و أبو عثمان الجاحظ و ابن سنان، و ابن حزم، وهم من بلاغة و علما و معرفة، على أنه من الطريف أن نذكر هنا أن ابن سنان الخفاجي يرى أن معارضى هذا الرأي انما هم الأعجام الذين لا يدركون البلاغة الا بالتقليد. كما أنه ليس صحيحا أن هذا المذهب خال من الاستناد الى حجة ولو ضعيفة، والتعويل على شبهة ولو سخيفة، فاننا نجد في كتبهم أنهم سطروا عليه أدلة كثيرة و لكن يظهر أن أكثرها أضاعه الخصوم كما انا لا نعدم في كتبهم و كتب خصومهم بعض الأدلة وسنسوقها بعد قليل.
و مثل كلام هذا العالم الجليل كلام الكاتب الكبير الاستاذ «مصطفى صادق الرافعي» في كتابه «اعجاز القرآن» فانه تناول المذهب تناولا خطابيا لا حجة فيه و لا برهان، و ذلك حيث يقول «و هو عندنا رأى لو قال به صبية المكاتب و كانوا هم الذين افتتحوه و ابتدعوه لكان ذلك مذهبا من تخاليطهم في بعض ما يحاولونه اذا عمدوا الى القول فيما لا يعرفون ليوهموا أنهم قد عرفوا، و على الجملة فان القول بالصرفة لا يختلف عن اقول العرب فيه: «ان هو الا سحر يؤثر».
ثم نعود الى كلام الكاتب الاستاذ الفكيكي فنقول: ذكر الاستاذ ردا على القائلين بالصرفة، تابع فيه القدماء من علماء الكلام حيث يقول: «و لو كان الاعجاز بالصرفة لكان الركيك من الكلام أبلغ في باب الاعجاز» و هو كلام قديم رد عليه ابن حزم الظاهري ردا عنيفا فقال: فهذا هو الكلام الغث حقا لوجوه (أحدهما) أنه قول بلا برهان. (ثانيها) أنه لا يسأل الله عما يفعل، و لا يقال له لم عجزت بهذا النظم دون غيره، و لم أرسلت هذا الرسول دون غيره، و لم قلبت عصا موسى حية دون أن تقلبها أسدا؟ (ثالثها) أنهم حين طردوا سؤالهم ربهم بهذا السؤال الفاسد، لزمهم أن يقولوا: هلا كان هذا الاعجاز في كلام بجميع اللغات فيستوى
/ صحفة 63 /
في معرفة اعجازه العرب و العجم؟ لأن العجم لا يعرفون اعجاز القرآن الا باخبار العرب فقط.
و ذكر الكاتب الفاضل ـ ناقلا عن العلامة السيد هبة الدين الحسيني ـ أن من أوجه اعجاز القرآن «جذباته الروحية الخلابة للألباب، و الساحرة للعقول، الفتانة النفوس» ثم قال: في الهامش «و ممن لاحظ هذه المزية القرآنية العجيبة أيضا ثقة الاسلام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في كتابه «الدين و الاسلام» و العلامة الاستاذ المرحوم السيد رشيد رضا صاحب المنار في كتابه «الوحي المحمدي»، و نابغة الادب و البيان المرحوم الرافعي في كتابه «اعجاز القرآن».
أقول وهذه المزية ليست مما تنبه اليه هؤلاء الاعلام وحدهم، و انما المعرفة بها قديمة، والكلام فيها منذ العصور الأولى. ففي كتاب «مفتاح العلوم» لأبي يعقوب يوسف السكاكي بعدما ذكر وجوها أربعة لاعجاز أمر من جنس البلاغة والفصاحة ولا طريق لك الى هذا الخامس الا طول خدمة هذين العلمين بعد فضل الهي من هبة يهبها بحكمته من يشاء، وهي النفس المستعدة لذلك، فكل ميسر لما خلق له، ولا استبعاد في انكار هذا الوجه ممن ليس معه ما يطلع عليه، فكم سحبنا الذيل في انكاره، ثم ضممنا الذيل ما ان ننكره، فله الشكر الجزيل على ما أولى، وله الحمد في الاخرة والأولى، ويقول في موضع آخر: والمسلم أن شأن الاعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، ومدرك الاعجاز عندي هو الذوق ليس الا، هذا وقد نقل الكاتب وجوها كثيرة لاعجاز القرآن ناقلا عن العلماء السابقين والمعاصرين، وأكثر هذه الوجوه مما لا يثبت للبحث ولا تقوم به حجة، وليس من غرضنا مناقشة هذه الوجوه وانما هدفنا أن نكشف الغطاء عن هذا المذهب الذي أطالت فيه الأقلام من لدن النظام الى يومنا هذا، وسنعرضه عرضا تاريخيا تاركين للقراء تقدير الصالح والقائل.
ينسب المذهب لابراهيم بن سيار النظام وبعض العلماء من المعتزلة وغيرهم،
/ صحفة 64 /
و يذكر بعض العلماء أن أكثر العارفين على هذا المذهب، ذكر ذلك الامدي في «أبكار الافكار» حيث قال: وذهب الاكثرون … الخ وقد سبقت عبارته، وذكره ابن حزم حيث قال: «وقالت طائفة لكونه في أعلى درجات البلاغة، وقالت طوائف بالصرفة» وذكره ابن سنان حيث قال «وهذا هو المذهب الذي يعول عليه أهل هذه الصناعة وأرباب هذا العلم» و يقول الرافعي «على أن القول بالصرفة هو المذهب الفاشي من لدن قال به النظام يصوبه فيه قوم وياشيعه عليه آخرون، ولولا احتجاج هذا البليغ لصحته وقيامه عليه وتقلده أ مره لكان لنا اليوم كتب ممتعة في بلاغة القرآن وأسلوبه واعجازه اللغوي، وما الى ذلك».
و عمل خصوم هذا المذهب خلفه لنا غامضا حتى قال صاحب الطراز «و اعلم أن قول أهل الصرفة له تفسيرات ثلاثة لما فيه من الاجمال وكثرة الاحتمال» والحق أننا في حاجة الى مراجع أكثر لنعرف حقيقة المذهب، ولكن هنا مسائل لابد من اثباتها حتى تكون منصفين:
المسألة الاولى: أن القائلين بالصرفة مجمعون على أن العرب لا يأتون بمثل هذا القرآن، فالمأثور عن النظام قوله: «الاية والاعجوبة في القرآن ما فيه من الاخبار عن الغيوب، فأما التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد لولا أن الله منعهم بمنع وعجز أحدثهما فيهم».
والجاحظ مع قوله بالصرفة يجعل اعجاز القرآن في أسلوبه. وابن حزم عند سؤاله عن قدرة العباد على الاتيان بمثل القرآن يجيب بأن القرآن ليس من جنس كلام البشر لا من أعلاه ولا من أدناه ولا من أوسطه، فهم متفقون على عجز العرب. و على أن العرب صرفوا، وعلى أن هناك جهات لا تمكن العرب من مجاراتها فقط، كما يبدو من النقل عن النظام أن التأليف والأسلوب كان في مقدور العرب لولا الصرف.
/ صحفة 65 /
المسألة الثانية: أننا نلمح اختلافا عند القائلين بالصرفة في المراد منها، فابن سنان يجعل القرآن من جنس كلام العرب، وابن حزم يجعل القرآن خارجا عن البلاغة المعهودة، والجاحظ ـ كما فهمنا من عبارته ـ يقرر أن الصرف كان عن أي معارضة للقرآن يمكن أن تدخل الشبهة بها على الاعراب و أشباه الاعراب.
المسألة الثالثة: أن القائلين بهذا لم يعمدوا الى التهوين من شأن القرآن في بلاغته وفصاحته، بل كلهم حريص شديد الحرص على أن يثبت أن القرآن في درجة عالية من البلاغة، لا خلط فيه ولا اضطراب، ولا ضعف و لا ركاكة، وانما هو تنزيل من حكيم حميد، نزل به الروح الامين بلسان عربي مبين، وأنه موضع التقديس والاجلال، وأن هذه الحملة من خصومهم التي ترميمهم بالتهوين من شأن القرآن والحط من منزلته لا سند لها ولا مبرر يبررها.
وقد أطلت النظر فيما عرض لهذا المذهب من الكتب، واستخرجت منها ما قيل فيه وما قيل له، وهاأنذا أضعها بين يدي القراء تاركا لهم الحكم.
لم نجد للنظام قولا شافيا، ولكن أول ما عثرنا عليه هو ما ذكره الجاحظ في موضعين من كتابه «الحيوان» قال في أولهما: «ثم طعن في ملك سليمان وملكة سبأ ناس من الدهرية، وقالوا زعمتم أن سليمان سأل ربه فقال: «رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي» فملكه على الجن فضلا عن الانس، وعلمه منطق الطير، وسخر له الريح، ثم زعمتم أنه لا يعرف باليمن ملكة هذه صفتها، فكيف يجهل سليمان موضع هذه الملكة مع قرب دارها، واتصال بلادها؟ قلنا: ان الدنيا اذا خلاها اليه، وتدبير أهلها، ومجارى أمورها وعاداتها، كان ـ لعمري ـ كما تقولون، ثم يسوق أنواعا من الغرائب، فيذكر يعقوب ويوسف، وكيف أن يعقوب لم يعرف مكان يوسف، ولا يوسف عرف مكان يعقوب مع النباهة والقدرة واتصال الدار، ويذكر موسى ومن كان معه في التيه، وكيف أنهم ظلموا يتسعكون أربعين عاما من مقدار فراسخ يسيرة، وما كانت بلاد التيه الا من ملاعبهم ومنتزهاتهم، مع أن العسكر لا يعدم الاولاد والجمالين والمكارين والرسل
/ صحفة 66 /
والتجار … ثم يقول: ولكن أن صرف أوهامهم، ورفع ذلك الفعل من نفوسهم.
ويعود فيذكر الشياطين الذين يسترقون السمع. وأنه لو كان كل واحد منهم ذكر ـ حين يريد أن يصعد ـ أنه قد رجم صاحبه كان محالا أن يروم ذلك أحد منهم، و يذكر ابليس، وأنه لو كان ذاكرا لاخبار الله تعالى أنه لا يزال عاصيا كان محالا أن تدعوه نفسه الى الايمان، ولكن ابليس لما كان مصروف الكعب عن ذكر ذلك الخبر دخل في حد المستطيعين، ومثل ذلك أن النبي وأصحابه لو كانوا ذاكرين ما وعدهم الله من النصر ونزول الملائكة لم يكن عليهم من المحاربة مؤونة، واذا لم يتكلفوا لم يؤجروا، ولكن الله بنظره اليهم رفع ذلك في كثير من الحالات عن أوهامهم ليتحملوا مشقة القتال وهم لا يعلمون أيغلبون أم يغلبون أو يقتلون أم يقتلون.
ثم يخلص الى معارضة القرآن فيقول ما نصه: «و مثل ذلك ما رفع من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن، بعد أن تحداهم الرسول بنظمه، ولذلك لم نجد أحدا طمع فيه، ولو طمع فيه لتكلفه ولو تكلف بعضهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصة على الاعراب وأشباه الاعراب، والنساء وأشباه النساء، ولا لقى ذلك للمسلمين عملا، ولطلبوا المحاكمة والتراضى ببعض العرب، ولكثر القيل والقال .
فاذا ضممنا الى هذا النص ما ذكره الجاحظ بعد أسطر من قوله: «وفي كتابنا المنزل، الذي يدل على أنه صدق نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد» اذا أضفنا ذلك استطعنا أن نؤكد مطمئنين أن الجاحظ يريد من الصرف هنا الصرف عن أي معارضة للقرآن ولو فيها أدنى شبهة، وأن القرآن غير مقدور على مثل نظمه، ويؤكد ذلك عبارته الذي ذكرها حينما عاد الى ذكر الصرفة مرة أخرى، فقد عاد عند الكلام على الجن واستراقهم السمع، فذكر كل هذه الأمور التي ذكرها هنا، ثم قال مجيبا: انا نقول بالصرفة في عامة هذه الاصول، وفي هذه
/ صحفة 67 /
الابواب، ثم قال: وذكرنا من صرف أوهام العرب عن محاولة معارضة القرآن وأنهم لم يأتوا به مضطرباً ولا مغلقاً ولا مستكرهاً، اذ كان في ذلك لأهل الشغب متعلق.
فعند الجاحظ أن بني اسرائيل كانوا قادرين على أن يخرجوا من التيه، وأن يعقوب ويوسف كان يمكن أن يعرف أحدهما الاخر، وأن سيدنا سليمان حين مات وهو متكىء على عصاه، والجن يعانون أنواع العذاب، كان من الممكن حفا أن يعرفوا أنه مات، وأن العرب كانوا قادرين على الاتيان بمعارضة للقرآن يمكن أن يشتبه في أمرها، وأن تجد من يستجيدها ويزعم أنها كالقرآن ـ وان لم يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن في نظمه البديع الذي يعجز عن مثله العباد كما قال.
وقد أعاد الرافعي في كتابه «اعجاز القرآن» هذا الدليل وأجاب عنه.
ونحن نذكر الدليل ورده.
قال الرافعي: «لا جرم كان من الرأي القائل والمذهب الباطل قول أولئك الذين زعموا أن الاعجاز كان بالصرفة ـ على ما عرفت من معناها ـ وما دعاهم الى القول بها الا عجبهم، كيف لم يأت للعرب أن يعارضوا السورة الصغيرة والايات القليلة مع هذا التحدى، ومع هذا التقريع وهم اللد الخصمون. والكلام سيد عملهم، ولهم فيه المواقف والمقامات؟
ثم يجيب بما لا يخرج عن هذه العبارات التي ذكرها في أول ذاك الفصل، حيث يقول: «وقد استيقن بلغاء العرب كل ذلك ـ يريد ما قدمه من وصف رائع لأسلوب القرآن ووجوه تركيبه ـ فاستيأسوا من حق المعارضة اذ وجدوا من القرآن ما يغمر القوة، ويحيل الطبع، ويخاذل النفس مصادمة لا حيلة فيها ولا خدعة وانما سبيل المعارضة الممكنة التي يطمع فيها أن يكون لصاحبها جهة من جهات الكلام لم تؤخذ عليه، وفن من فنون المعنى لم يستوف قبله، وباب من أبواب الصنعة لم يصفق من دونه، وأن تكون وجوه البيان له معرضة، يأخذ في هذا ويعدل عن ذاك، حتى يستطيع أن يعارض الحسنة بالحسنة، ويضع الكلمة بازاء الكلمة، ويقابل الجملة بالجملة، ثم يصير الامر بعد ذلك الى مقدار التأثير الذي يكون لكلامه والى مبلغه في نفوس القوم من تأثير الكلام الذي يعارضه،
/ صحفة 68 /
هذا جواب الرافعي، وذاك جواب الجاحظ، وما أظنه يخفى على القارىء الحصيف أي الجوابين أولى بالاعتبار؟
ثم جاء المتأخرون من أنصار هذا المذهب فصرحوا في غير مواربة بما يقصدون من الصرفة، فابن سنان يرى أن تأليف القرآن من جنس تأليف كلام العرب، وأطال الكلام في ذلك. ثم جاء ابن حزم فصرح بأنه ليس اعجاز القرآن بأنه في على درج البلاغة. حتى قال على هذا الوجه «معاذ الله أن يكون» و قد ذكرت كثيراً من أدلته حين عرضت له في مجلة الازهر، وبقيت بقية أنا ذاكرها هنا:
1 ـ ناقش ابن حزم خصومه في تحديدهم المقدار المعجز من القرآن وخلص من ذلك الى أن الرأي هو أن الاعجاز بالصرفة قال: «أخبرونا ماذا تعنون بقولكم ان المعجز مقدار سوره، أسورة كاملة لا أقل، أام مقدار الكوثر في الآيات … ؟ أم مقدارها في الكلمات أم مقدارها في الحروف؟ ولا سبيل الى وجه خامس، فان قالوا المعجز سورة تامة ـ لا أقل ـ لزمهم أن سورة البقرة حاشا آية واحدة وكلمة واحدة من أولها أو من آخرها ليست معجزة وهكذا كل سورة وهذا كفر مجرد لا خفاء به، اذ جعلوا كل سورة في القرآن سوى كلمة من أولها أو من وسطها أو من آخرها فمقدور على مثلها، وان قالوا بل مقدارها من الآيات لزمهم أن آية الذين ليست معجزة لأنها ليست ثلاث آيات ولزمهم مع ذلك أن «والفجر وليال عشر والشفع والوتر معجزة كآية الكرسي وآيتان اليها لأنها ثلاث آيات، وهذا غير قولهم ومكابرة أيضاً أن تكون هذه الكلمة معجزة حاشا كلمة غير معجزة ولزمهم أيضا أن والضحى والفجر والعصر، هذه الكلمات الثلاث فقط معجزات، لأنهن ثلاث آيات. فان قالوا هن متفرقات غير متصلات لزمهم اسقاء الاعجاز عن الآية متفرقة، وامكان المجيء بمثلها، ومن جعل هذا ممكنا فقد كابر العيان، وخرج عن الاسلام، وأبطل الاعجاز عن القرآن، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه، ولزمهم أيضا أن «ولكم في القصاص حياة» ليس معجزاً، وهذا نقض لقولهم انه
/ صحفة 69 /
في أعلى درج البلاغة، وكذلك كل ثلاث آيات غير كلمة، وهذا خروج عن الاسلام وعن المعقول، وان قالوا بل في عدد الكلمات أو قالوا عدد الحروف لزمهم شيئان مسقءان لقولهم:
(أحدهما) ابطال احتجاجهم بقوله تعالى «بسورة من مثله» لانهم جعلوا معجزاً ما ليس سورة ولم يقل تعالى بمقدار.
(الثاني) أن سورة الكوثر عشر كلمات، اثنان وأربعون حرفا، وقد قال الله تعالى «و أوحينا الى ابراهيم واسماعيل … الآية اثنا عشر كلمة اثنان وسبعون حرفا وان اقتصرنا على الاسماء فقط كانت عشر كلمات اثنين وستين حرفا، فهذا اكثر كلمات وحروفا من سورة الكوثر، فينبغي أن يكون هذا معجزاً عندكم، ويكون ولكم في القصاص حياة غير معجز، فان قالوا ان هذا غير معجز، تركوا قولهم في اعجاز مقدار أقل سورة في عدد الكلمات والحروف، وان قالوا بل هو معجز تركوا قولهم في أنه في أعلى درج البلاغة، ويلزمهم أيضاً أننا ان اسقطنا من هذه الاسماء اسمين، ومن سورة الكوثر كلمات، ألا يكون شيء من ذلك معجزاً، فظهر سقوء كلامهم وفساده، والحق من هذا ما قاله الله تعالى، «قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله» وأن كل كلمة قائمة المعنى يعلم اذا تليت أنها من القرآن فانها معجزة لا يقدر أحد على المجيء بمثلها، لأن الله تعالى حال بين الناس وبين ذلك».
2 ـ ثم نقول لهم: قول الله تعالى: وأوحينا الى ابراهيم واسماعيل … الآية معجمز هو على شرطكم في كونه في أعلى درجات البلاغة أم ليس معجزاً؟ فان قالوا ليس معجزاً كفروا، وان قالوا انه معجز صدقوا وسئلوا، هل على شروطم في أعلى درج البلاغة؟ فان قالوا نعم، كابروا وكفوا مؤنتهم، لأنها أسماء رجال فقط ليس على شروطم في البلاغة.
3 ـ بعض الآيات من قول بعض البشر، مثل: «ان هو الا سحر يؤثر» وقوله تعالى: «لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك
/ صحفة 70 /
جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه» هذه الآيات لما كانت من كلام البشر كانت غير معجزة، فلما أصارها الله من كلامه جعلها معجزة.
و قد سخر الرافعي في كتابه من كلام ابن حزم هذا حيث قال: «لم تر أحداً فسر هذه الكلمة «الصرفة» كابن حزم الظاهري، فانه قال في كتابه: «الفصل» في سبب الاعجاز لم يقل ان كلام غير الله تعالى معجز، لكن لما قاله الله تعالى وجعله كلاماً له أصاره معجزاً، ومنع من مماثلته، قال: وهذا برهان كاف لا يحتاج الى غيره» نقول: بل هو فوق الكفاية، وأكثر من أن يكون كافياً أيضاً، لأنه لما قاله ابن حزم وجعله رأياً له أصاره كافياً لا يحتاج الى غيره، وهل يراد من اثبات الاعجاز للقرآن الا اثبات أنه كلام الله» نحن لا نقر الرافعي على هذا المسلك الذي سلكه، وعلى هذا التناول الذي تناول به كلام ابن حزم، فان الرجل أطال الكلام في تأييد مذهبه، ولو كان الرافعي منصفا لتناول أقوى ما في كلام ابن حزم ولم يأخذ بعض كلامه ويترك بعضاً على أنه أخذ لا يقارع الحجة بالحجة، ولا يبسط المسألة كما ذكرها صاحبها، وانما يلخصها تلخيصاً هو أقرب الى المسخ.
ونرجع الى كتب الكلام فنجدها هي أيضاً قد تعرضت لهذا المذهب، ولكنه تعرض خفيف لا يعدو تصوير المذهب في صورة من الضعف لا يمكن أن ينهض معها على حجة.
وذكر صاحب «المقاصد» أدلة ثلاثاً على بطلان الصرفة:
الأول: أن فصحاء العرب انما كانوا يتعجبون من حسن نظمه وبلاغته في جزالة، ويرقصون رؤوسهم عند سماع قوله تعالى: «و قيل يا أرض ابلعي ماءك» الآية، لذلك لا لعدم تأتي المعارضة مع سهولتها في نفسها.
الثاني: أنه لو قصد الاعجاز بالصرفة لكان المناسب ترك الاعتناء ببلاغته وعلو طبقته، لأنه كلما كان أنزل في البلاغة وأدخل في الركاكة، كان عدم تيسر المعارضة أبلغ في خرق العادة.
/ صحفة 71 /
الثالث: قوله تعالى: «قل لئن اجتمعت الانس والجن» الاية. فان ذكر الاجتماع والاستظهار بالغير في مقام التحدى انما يحسن فيما لا يكون مقدورا للبعض، ويتوهم كونه مقدوراً للكل فيقصد نفى ذلك.
قال ابن كمال باشا في رسالة له خطية: القول الأول كما يبطل القول بالصرفة يبطل سائره في غير القول بالبلاغة في الطبقة العالية الخارجة عن طوق البشر، بل هو في الحقيقة دليل القائلين بها، والثاني والثالث انما يبطلان الصرفة على أحد الاحتمالين، وهو الذي اختاره الاستاذ والنظام.
قلت: وقد ذكرت رد ابن حزم على الدليل على الثاني، وأما الأول فلم ينكر أصحاب الصرفة أن القرآن بالغ الغاية في الفصاحة، و لذلك كان العرب يتعجبون منها، ولكنها ليست سبيل الاعجاز عند بعضهم، أما أنهم لم يتعجبوا من عدم تأتى المعارضة، فتسوق أولا كلام صاحب الطراز هنا قال في الرد على المذهب: البرهان الأول منها أنه لو كان الأمر كما زعموه من أنهم صرفوا عن المعارضة مع تمكنهم منها لوجب أن يعلموا ذلك من أنفسهم بالضرورة، وأن يميزوا بين أوقات المنع والتخلية، ولو علموا ذلك لوجب أن يتذاكروا في أمر هذا المعجز على جهة التعجب ولو تذاكروه لظهر وانتشر على حد التواتر، فلما لم يكن ذلك دل على بطلان مذهبهم في الصرفة، لا يقال انه لا نزاع في أن العرب كانوا عالمين بتعذر المعارضة عليهم وأن ذلك خارج عن العادة المألوفة لهم، ولكنا نقول من أين يلزم أنه يجب أن يتذاكروا ذلك ويظهروه حتى يبلغ حد التواتر، بل الواجب خلاف ذلك، لأنا نعلم حرص القوم على ابطال دعواه، وعلى تزييف ما جاء به من الادلة فاعترافهم بهذا العجز من أبلغ الاشياء في تقرير حجة، فكيف يمكن أن يقال بأن الحريص على اخفاء حجة خصمه يجب له الاعتراف بأبلغ الاشياء في تقرير، وهو اظهاره واشهاره، لأنا نقول هذا فاسد، فان المشهور فيما بين العوام فضلا عن دهاة العرب أن بعض من تعذر عليه بعض ما كان مقدوراً له، فانه لا يتمالك في اظهار هذه الاعجوبة والتحدث بها.
/ صحفة 72 /
فكان من حقهم أن يقولوا: ان كل واحد منا يقدر على هذه الفصاحة، ولكن صار ذلك الان متعذراً علينا، لانك سحرته عن الاتيان بمثله، فلما لم يقولوا ذلك دل على فسادها.
قلت وفي النفس من قول صاحب الطراز شيء. فان قول خصمه فيما يبدو لنا أقوى وأولى بالنظر، هذا مع التسليم بأن مذهب القائلين ان العرب كانوا قادرين على مثل القرآن، فقد بينا أنه ليس فيمن تعرضنا لهم الا ابن سنان.
وقد ذكر صاحب «المقاصد» أيضا شبهتين للقائلين بالصرفة وأجاب عنهما كما ذكرهما صاحب الطراز.
(الاولى) أن العرب كانوا قادرين على التكلم بمثل مفردات القرآن ومركباتها القصيرة مثل الحمد لله و مثل رب العالمين وهكذا فيكونون قادرين على الاتيان بمثل السورة.
(الثانية) أن فصحاء العرب عند جمع القرآن كانوا يتوقفون في بعض السور و الايات الى شهادة الثقات وابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قد بقى متررداً في الفاتحة والمعوذتين، ولو كان نظم القرآن معجزاً بفصاحة لكان كافيا في الشهادة. وأجاب عن الأولى بأن حكم الجملة قد يخالف حكم الاجزاء، ولو صح ما ذكروه لكان كل من آحاد العرب قادراً على الاتيان بمثل قصائد فصحائهم، وأجاب عن الثانية بعد صحة الرواية وكون الجمع بعد النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ لا في زمانه، و كون كل مستقلة بالاعجاز، بأن ذلك كان للاحتياط والاحتراز عن أدنى تغيير لا ينحل بالاعجاز، و أن اعجاز كل سورة ليس مما يظهر لكل أحد بحيث لا ينبغي له تردد أصلاً.
هذا، و لو ذهبنا نستقصى كل ما قاله القدماء والمحدثون حول هذا المذهب لامتد بنا نفس القول فنكتفى بهذا القدر، مع التأكيد أن أحداً من المتقدمين أو المتأخرين لم يعن بهذا المذهب العناية الكافية، ونحن لم نجد من المراجع ما نستطيع به أن نجلو هذا المذهب وأن نقيم أصوله ونذكر كل ماله و ما عليه، والتوفيق من الله.