/ صحفة 78 /
نحو حياة دينية أفضل
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ أحمد الشرباصي
المدرس بالازهر الشريف
الدين كما تحدثنا اللغة هو العبادة والطاعة والتوحيد، وهو اسم لجميع ما يتعبد الله عزوجل به، وهناك من الباحثين في التاريخ وعلوم الاجتماع وطبائع النفوس وسلطان الاديان، من يقول ان الدين غريزة في المرء أصيلة، وطبيعة في الانسان مكينة، قد تستتر حينا أو احيانا، ولكنها لا تنعدم ولا تزول، ويستدل القائل بهذا على صحة قوله بعدة براهين منها أن سلالات البشر منذ القدم عرفت التدين وبحثت فيه، فاستقامت تارة، وتعثرت تارات، وأن المنتسب الى دين من الاديان قد ينساه أو يفرط في واجباته وشعائره، ولكنه حين يرى غيره معتديا عليه يثور، ويغضب لذلك الدين الذي طالما نسيه أو تناساه.
ويخيل الى أن الدين ـ غالبا ـ يمر في تاريخه بأربعة أطوار هامة على وجه التقريب:
الطور الاول: هو فترة اليقظة الروحية والوثبة العاطفية بالاتجاه اليه والاستجابة له والايمان به في عمق ويقين واخلاص، وأكاد أقول: وفي استسلام كلي شامل.
والطور الثاني: هو فترة الدعوة في وسط الغير الى ذلك الدين، ونشره بين الاقربين والابعدين، والتمكين له، وتثبيت أركانه، وفتح الامصار باسمه وتحت لواء كلمته.
والطور الثالث: هو فترة التفكير التحليلي في مسائله وفروعه، وفلسفة أوامره ونواهيه، والتعمق في فهم أموره وتأويلها بشكل مقبول أو مردود.
/ صحفة 79 /
والطور الرابع: هو فترة التحريف فيه والاضافة اليه والتزيد فيه وسوء الاستغلال له، ومحاولة الانحراف به عن صراطه وبأهليه عن طريقتهم المثلى، واذا لم يقيض الله للدين من المخلصين ـ ابان هذا الطور الرابع ـ من يجدد له شبابه ويرد عليه اهابه، وينفى عنه ما ليس منه، ضعفت مكانته، وتقلصت رسالته، واندثرت معالمه.
ومن الممكن أن نقول ان الاسلام قد مر بهذه الاطوار الاربعة على وجه التقريب، مع بعض الفوارق بطبيعة الحال.
واذا كانت أديان قد زالت أو تقلص ظلها لأن التحريف استبد بها ولم يقيض لها من ينفى الدخيل عنها، فان الاسلام العالمي العام الذي نزل به الروح الامين من لدن رب العالمين ليكون شرعة ومنهاجا في كل زمان ومكان حتى يرث الله الارض ومن عليها، لن يزول ولن يبيد، بل سيقيض الله له على الدوام من يذب عنه ويدعو اليه ويخلصه مما يعلق به، فالحق تبارك وتعالى يقول: «انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون» والرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم وهو الصادق المصدوق يقول: «يحمل هذا الدين من كل خلف عدو له، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطين وتأويل الجاهلين» ويقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله».
و لا شك أن حالتنا الدينية الان مما يثير الأسى ويستدعى الاسف، فبعد أن كان للدين سلطانه على الفرد والجماعة، أصبحنا نرى الاكثرية منصرفة عنه مهملة لفروضه وحدوده، غير ملتزمة له في شئونها الداخلية والخارجية، وأصبحنا نألف سماع الشكوى من هذه الحال، وصيحات الاستنكار لضعف الروح الديني وصرخات الرجاء في أن يقيض الله للمسلمين من الأسباب والوسائل ما يحدو ركابهم العام الى حياة دينية أفضل مما هم فيها الآن.
ومن الامور المسلمة أن تشخيص الداء ركن هام في معرفة الدواء، وخطوة واسعة نحو العلاج فالشفاء، ومن هنا يصح أن يقال ان النص على رؤوس
/ صحفة 80 /
الامراض التي تشكوها الامة الاسلامية نوع من المعاونة على الوصول الى حياة دينية أفضل … وفي طليعة هذه الامراض أن كثيراً من المسلمين يتلقون عقائدهم الدينية وثقافتهم الاسلامية عن طريق التلقين والتقليد والمتابعة والوراثة، وهذا الطريق التقليدي لا يجعل للعقائد المتلقاة أثرها العميق الوثيق في نفس المتابع وعقله كما يحدث ذلك عند ما يدرس الانسان ما يلقى اليه ويمحصه، ويعرف شواهده وبراهينه، وهذا هو السر في أننا نرى ايمان الرجل الغريب عن بيئة الاقطار الاسلامية أقوى وأهدى وأثبت من ايمان بعض المسلمين المقلدين، وما كان ذلك الا لأن هذا الغريب كان على دين غير الاسلام، ثم سمع بالاسلام فأقبل عليه يدرسه ويقارنه بسواه، فوضحت له شمس صدقه متدية رائعة، فأسلم عن دليل، وآمن عن يقين، فأخذ يعمل للاسلام ويدعو اليه، ويبذل في سبيله أضعاف ما يقدمه الكثير من المسلمين.
ومن عجب أن آيات القرآن الكريم تفيض بالدعوة الى النظر في الآيات، وتحكيم العقل في الشواهد، والبحث في البراهين، وذلك شأن الموقن بصدقه، الواثق بحقيته، الذي يعلم أن كثرة البحث وطول التنقيب لن يزيد حقه الا وضوحا وسطوعا، ولذلك نعى القرآن على الغافلين الذين لا ينظرون ولا يبحثون فقال: «وكأين من آية في السموات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون» ورويت أخبار كثيرة تمجد العقل وتعلى من شأنه، وترشد الى أنه هو الذي يهدى صاحبه الى مواطن الايمان والاعتقاد، ومن ذلك: «ازدد عقلا تزدد من ربك تقربا». «لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله، فبقدر عقله تكون عبادته»، «ما اكتسب رجل مثل عقل يهدى صاحبه الى هدى ويرده عن ردى، وما ثم ايمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله»، «العقل نور في القلب يفرق بين الحق والباطل».
ولقد كان اهمال كثير من المسلمين استخدام عقولهم في بحث الامور
/ صحفة 81 /
سبباً لتراكم كثير من الخرافات والاباطايل لديهم، وأضيقت هذه الخرافات الى الدين ظلماً و زوراً، و الدين منها براء، لأنها لا توافق أصوله ونصوصه، ولأن العقل السليم لا يقبلها، ولعله قد آن الأوان لكي تنطلق هذه العقول من أغلالها، بدل أن تظل أسيرة لتلك الظلمات والجهالات!
ولكي نصير الى حياة دينية أفضل مما نحن عليه الآن، يجب أن نقرر، وأن نتذكر على الدوام أن العقيدة واحدة، وأن الدين ثابت، وأن التغيير والتشويه انما يتمثلان في اتباع ذلك الدين أو الذين ينتسبون اليه، ومن الواجب اذن أن نخضع أمورنا لكلمة الدين وحكم العقيدة، لا أن نخضع نصوص الدين لأمورنا، فنحن تجد لنا في حياتنا انماط من العيش وألوان من التصرفات والمعاملات، وأنواع من الاحداث والحوادث، وقد نهوى ذلك بغرائزنا وشهواتنا، فلو اتخذنا الدين وسيلة لتسويغ ما نريد ونهوى، ضل بنا الطريق وبعدنا عن الدين، وأسأنا استغلاله وتأويله، ولكننا اذا أرجعنا أمورنا الى ديننا الذي نؤمن به كضياء ودواء، وجعلناه مسباراً لكل جديد، تجنبنا العثرات وبعدنا عن الاخطاء، وانه لمن المؤلم أن نقرر أن محاولات كثيرة، قديمة وحديثة كانت تستخدم فيها نصوص الدين لخدمه ما لا يرتضيه الدين!
و لو ظل الدين كما هو حتى الآن نصوصاً في الكتب، ونظريات في حلقات الدرس، وأفكاراً في عقول المعتقدين، ومسرودات تردد في المعابد فحسب، لما تمت رسالته، ولما أديت أمانته، فقد جاء هذا الدين للحياة، فيجب أن يكون موصول الأواصر بهذه الحياة، ينزل اليها ويؤثر فيها ويوجه أبنائها، وهذا الفقه الاسلامي الذي أصبح من طول ترديدنا له مع عدم أخذنا به في جد وشمول كالأثر القديم يجب أن يبعث ويتصل بحياة الناس، يجب أن يبين موقفه بتفصيل ووضوح من نظم المصارف والشركات والتأمين والاسهم والتبادل التجاري وفنون الربا البادية والخافية، وسائر المعاملات المادية التي استحدثها الناس، سواء بين الأفراد أو بين الجماعات.
/ صحفة 82 /
وثمة ناحية هامة هي ازالة ذلك الوهم الدخيل الخبيث، الذي أفسد على المسلمين أمرهم، وأضاع بين العالمين عزتهم، ذلك الوهم هو أن الاسلام لا يقيم كبير ميزان للمال والاقتصاد، وأنه ينفر من الحياة الراقية، وامتلاء اليد بالخير، ويدعو الى الفقر والاعراض عن الحياة. ان هذا الوهم الخاطىء قد استغله أعداء الاسلام للحيلولة دون سيطرته على الناس، ولاذلال المسلمين في الارض، وما من ناحية اقتصادية كريمة الا أقام لها الاسلام لواءها واعتبارها، وهو لا يريد أهله الا أن يكونوا سادة الدنيا يجدهم وكسبهم وعمرانهم وتعاونهم، وعبدة لله وحده بعقيدتهم وتقربهم، وتقول عائشة رضى الله عنها: «ما تمتع الاشرار بشيء الا تمتع به الاخيار وزادوا عليه رضا الله» والحق تبارك وتعالى يقول: «هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا».
* * *
و من واجبنا أن يكون شعارنا في الدعوة الى الدين والذب عن حرماته هو : «الحجة بالحجة أولى» لأن الباطل لا يقضى عليه بكتم أنفاسه في عسف وعجلة، بل يقضى عليه باظهار بطلانه، واذا تسرعت فتذرعت بقوتك أو قوة غيرك فكتمت أنفاس الباطل استطال وكسب أنصاراً، واتخذ صورة الحق المهضوم المضطهد ـ مع أنه باطل، والاسلام دين الخلود والبقاء، لا يروعه تهجم، ولا يضيره نقد، بل أكاد أقول انه دين يقوى على المحن، شأن المذهب الابريز لا يزيده تكرار عرضه على النار الا صفاء وجلاء، ولم يلاق دين في الارض ما لاقاه دين الاسلام من احن وفتن، فقد حاربه أعداؤه بكل سلاح، وحاربه أبناؤه جاهلين أو عامدين، وتتالت على دياره الكوارث والبلايا، وتربص به الجبارون والطواغيت الدوائر، وكادوا له المكائد، وجيشوا للقضاء عليه الجيوش ومع ذلك ظل وثبت وخلد، وهذا دليل سماويته وأحقيته وأنه من عند الله، فكيف يهاب الاسلام أو يخشى المسلمون كلمة نقد أو تطاول، فيحاولوا كتمها؟ لا لا، بل دعوا الزيف أيها السادة يسعى سعيه الاثيم، ثم عجلوا بالرد عليه وتفنيده
/ صحفة 83 /
ودحضه بالحجة والبرهان، وعندها سيميز الله الخبيث من الطيب، ويعرف الناس الحق والباطل، ولا تحتاجون الى مصادرة أو مقاومة أو اعتساف، وأما حين تحبسونه فانكم تحيلونه صوتاً مزعجاً مريبا، وكل محجوب مطلوب.
ولقد ظهرت كتب فيها أشياء تخالف الاسلام، وكان من الممكن في يسر وسهولة أن ندعها تمر، وأن تعكف طائفة من الفقهاء المختصين على بحثها وتزييف باطلها، ودحض مفترياتها، واعلان عوراتها بين الناس دون ذكر للاسماء والالقاب ـ الا تلميحاً ـ حتى لا تكون هناك ضجة تستغل لكسب الشهرة والذيوع، ولكن الذي وقع أننا أقمنا الدنيا وأقعدناها من أجل هذه الكتب، وحاولنا حجبها فسارت وذاعت، وكسب أهلوها ما كسبوا، وليس في أيدينا من القوة ما يكفى، فضربنا كفاً بكف، وعدنا نبحث عن طريق للعلاج.
ويتصل بهذا أيضا أن كتبا تأتينا من الخارج فاذ وجدنا فيها ما يخالف الدين صادرناها، مع أن النسخ الواردة قليلة جدا، وملايين النسخ أو آلافها قد قرئت في الخارج، والاسلام في حاجة الى تصحيح الاخطاء المفهومة عنه هناك، وقد كان الواجب أن ندرس هذه الكتب، وأن نرد على أخطائها، وأن نعمل على اذاعة هذه التصحيحات بلغات تلك الكتب، وفي البيئات التي طبعت فيها وقرئت.
على أن سلطان المصادرة وحدها قد يساء استعماله، ان لم يكن اليوم فغدا، وتلقف الشبهات ثم تقنيدها علميا ثم اظهار الرد عليها مما يحرك همم رجال الدين وعلماء الملة، وبذلك تزيد ثقافتهم وتتسع مداركهم، وتظهر على أيديهم عند البحث والتنقيب كنوز الدين المطوية.
* * *
وهناك أشياء أخرى يجب أن نعطيها اهتمامنا وعنايتنا لنسير نحو حياة دينية أفضل، وهذه الاشياء لو بسطنا الحديث فيها لطال، ولذلك نضعها بين الايدى الامينة، وعلى مرأى العيون البصيرة رؤوس مسائل وعناوين بحوث، والتلميح يغنى عن التصريح.
/ صحفة 84 /
هذه المفتريات والشبهات ا لتي توجه الى الحكومة في الاسلام يجب أن نكر عليها بالابطال أو التصحيح، وهذه الفرق الاسلامية والطوائف الدينية يجب أن يكون بشأنها جهد جاد عازم حازم للتقريب بينها وتوحيد صفوفها، وازالة البغضاء من بين أربابها، فالكل يجب أن يكونوا اخوة متحابين، لأنهم مسلمون مجمعون على الاصول وان اختلفوا في الفروع، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، ونريد في هذا التقريب عملا سريعا جديا واسعا لا يقتصر على التمنى، ولا على المحاولات السطحية أو المظاهر الشكلية.
وهؤلاء الدعاة من الوعائ والائمة والخطباء والعلماء يجب أن تكون هم حصانتهم وكرامتهم وحقوقهم، حتى يمكنهم أن يصدعوا بكلمة الحق، ويدعوا بدعوة الصدق، واذا كانت النظم تكفل للمعبر عن شئون الجماعة الدنيوية حصانة واطمئنانا فما أحق رجل الدعوة بمثل هذه الحصانة أو بأكثر منها حتى يجهر برسالته دون خوف أو تعويق.
وسلطان الدين الذي أنفلت منه الكثيرون يجب أن يضم تحت لوائه الكبار والصغار، فمن اللازم أن نرعى للدين حرمته العملية في البيئات المختلفة والمصالح الرسمية والمنتديات العامة، ويجب أن يكون تعلم الدين وتطبيق قواعده أمراً أساسياً هاماً في صلب المنهاج لمراحل التعليم المختلفة، حتى ينشأ الناشىء والدين يراوحه ويغاديه افلا يجهله ولا يهمله ولا يعاديه!
يا قومنا أجيبوا داعى الله.