/ صحفة 85 /
الآداب والعلوم العقلية
أو صلة الادب بالفلسفة
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ عبد الجواد رمضان
أستاذ الادب العربي في كلية اللغة العربية
تعريف:
الفسلفه، وتسمى: العلوم العقلية، وعلوم الحكمة، والحكمة، هي: صناعة نظر يستفيد منها الانسان تحصيل ما عليه الوجود كله في نفسه، وما الواجب عليه عمله مما ينبغي أن يكتسب فعله، لتشرف بذلك نفسه وتستكمل ، وتصير عالما معقولا، مضاهياً للعالم الموجود، وتستعد للسعادة القصوى بالآخرة، وذلك بحسب الطاقة الانسانية، وتشمل: الطبيعيات والرياضيات والالهيات.
ومن هذا التعريف يعلم أن للحكمة قسمين: نظري، وعملي، والمطلوب بالاول حصول الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات التي لا يتعلق وجودها بفعل الانسان، وغايته الحق. والمطلوب بالثاني: حصول صحة رأي في أمر يحصل بكسب الانسان للعمل به، وغايته الخير.
فأما الآداب والفنون فهي: ابراز ما يشعر به الفنان نحو ما يحيط به من مظاهر الوجود، وما يضطرب في نفسه من خواطر ومشاعر، في صورة تروق العين أو الاذن أو غيرهما من الحواس، ولذلك قيل: الفن مزاج من الانسان والطبيعة، فالطبيعة تزود الانسان بالمادة الاولية، والفنان يصورها.
/ صحفة 86 /
آراء الفلاسفة في الآداب والفنون:
اختلفت أنظار الفلاسفة في الآداب والفنون: فأفلاطون يرى أن الفن أحط من الفسلفة، لان الفنان عنده لا يستمد فنه من العقل والتفكير، بل يستمده من الوحي والالهام، وهذا الالهام ليس في مستوى المعرفة العقلية، فالفنان لا يصدر عنه التصوير الجميل بناء على قواعد قد وضعت، بل هو يعمل بما يلهم، ويسير على القواعد الفنية بلا شعور، وسمى ذلك الوحى والالهام. الجنون السماوي، أما كونه سماويا، فلأن الفنان يبرز الى الوجود أشياء في منتهى الجمال، وأما أنه جنون، فلأنه نفسه لا يعرف كيف صدرت عنه، ولا لم صدرت، فالشاعر يجرى على لسانه القول الحكيم والشعر الجميل، وهو يشعر بذلك، ولكن لا يعلم كيف كان.
ويجب عنده أن يكون الفن خاضعاً للأخلاق والفسلفة، فالشعر مثلا لا يسمح منه الا بما يعين على الفضيلة، ولا يكفى أن يقال انه جميل ليسمح به، بل يجب أن يلجم بالاخلاق، فأما خضوعه للاخلاق فلأنه لا يمكن أن يكون جميلا الا ما كان حقا، وأما خضوعه للفلسفة، فذلك لأن الغرض الأهم هو تفهم المثل، والعلوم والفنون انما هي معينة على فهم هذه المثل، أما هي فلا قيمة لها في ذاتها، فالجميل وسيلة للخير، وليس غاية في نفسه.
والفن عند أرسطو نوعان:
فن يكمل الطبيعة كالطب، وفن يقلد الطبيعة، ويخلق جديدا، وهو الفنون الجميلة، من تصوير وموسيقا وشعر، وليس هذا التقليد تقليدا للافراد والجزئيات بل هو تقليد للشيء الكلي في فرد، ومعنى هذا: أن الفنان اذا صور انسانا، فهو لا يصور فرداً يراه، وانما يصور فيه المثل الاعلى للانسان، أو الفرد الكامل منه، فهو يلقى على الصورة نغمة مما يتصوره من الكمال، فالانسان العادى ينظر الى الفرد من الناس كأنه فرد، أما الفنان فيرى الانسانية في الفرد، فيلقى على الصورة شيئاً من هذا النظر العالي. ومن هنا كان الشعر أقرب الى الحق أو الى
/ صحفة 87 /
الفلسفة من التاريخ، لأن التاريخ يبحث في الجزئيات من حيث هي جزئيات، أما الفن ومنه الشعر، فيتعلق بروح هذه الحوادث الذي لا يفنى، وبالحقيقة التي ليس ما يعرض من الحوادث الا مظهراً لها، فاذا نحن رتبنا الفلسفة والتاريخ والفن حسب أهميتها، كانت الفسلفة في المرتبة الأولى لأنها تبحث في الكلي من حيث هو كلي، ويليها الفن، لأن غرضه هو الشيء الكلي متحققاً في جزئي، ثم التاريخ، لأنه يبحث في جزئي من حيث هو جزئي.
ومما ينبغي التنبه له هنا: أن العلامة ابن خلدون قد «فلسف» التاريخ، فوضع له مقاييس وقواعد، شرحها في مقدمته المشهورة، تلخص في:
1 ـ أن سلوك الانسان يجرى على قوانين ثابتة، وفي نظام ءبيعي لا يتغير بل يتحكم فيه قانون النشوء والارتفاء.
2 ـ وأن المقدمات المتماثلة تلتج نتائج متماثلة. وعلى أساس فلسفته هذه، استطاع أن يمتحن الاحداث التاريخية، ويميز صحيحها من فاسدها، وضرب لذلك الامثال، مما تغنى شهرته عن الاطالة بنقله.
ويتميز الفن ـ عند أرسطو ـ عن الاخلاق، بأن الاخلاق تتعلق بالاعمال، وما تصدر عنه الاعمال من باعث وغرض وشعور ونحو ذلك، أما الفن فلا يهتم الا بما ينتجه الفنان، ويتميز عن الطبيعة بأن الطبيعة تنتج أمثالها، أما الفنان فينتج شيئاً آخر يخالفه، كشعر أو صورة أو تمثال.
واذ ظهر أن موضوع الفلسفة غير موضوع الفن. وجب أن يقف الفن عند حده، فلا يصح للشاعر مثلا أن يصوغ شعره من الافكار المجردة، بل يصوغه من الجزئيات، ويفيض عليها من الكليات.
وكما لا يصح أن تكون المعاني المجردة موضوعا للشعر، كذلك لا يصح أن تكون الحقائق الواقعية موضوعا له، فمن القضايا السائرة: «أعذب الشعر أكذبه» والحقائق الواقعة أبعد الاشياء عن الكذب، فهي عن الشعر كذلك. وانما تصلح
/ صحفة 88 /
الحقائق مجالا للشعر، اذا عمل فيها الخيال فنقلها عن واقعها الى آفاقه الفساح، بما يصور ويخيل، والتمس مثل ذلك في مثل قول المتنبى:
تسود الشمس منا بيض أوجهنا ***** ولا تسود بيض العذر واللم
وكان أمرهما في الحكم واحدة ***** لو احتكمنا من الدنيا الى حكم
فان تسويد الشمس لبشرات الاوجه البياض، وعدم تسويدها لبياض الشيب في العذر واللمم، من الحقائق الثابتة المقررة، ولكن تعليلها بأن الظلم مركوز في الطبيعة، ولو عدلت الطبيعة في حكمها، لما فرقت في أثرها بين موضع وموضع، نقلها من سجن الحقيقة الضيق، الى افق الخيال الواسع، ولا جرم أن الخيال اهو العنصر المقوم للشعر، فالادب ـ وان كان تقليدا للطبيعة ـ ليس تقليداً أعمى، ولكنه تقليد يخلق جديدا، بما يفاض عليه من صور الخيال الفنان.
وأحدث الآراء في الآداب والفنون، أنها غاية في نفسها، وليست وسيلة لشيء آخر، وأن الشيء الجميل له في نفسه قيمة ذاتية، وأن الفن يحكم بقوانينه هون وبمقتضى مقاييس الجمال، وليس يحكم عليه بمقتضى المقاييس الاخلاقية ولا غيرها ومن هنا شاع على ألسنة الادباء: «الفن للفن». فاذا كانت الفلسفة النظرية غايتها الحق، والفلسفة العملية غايتها الخير، فأن الآداب والفنون غايتها الجمال.
ويتصل بهذا الموضع، ما رواه أبو حيان، من ان أبا عبد الله المرزباني، كان اذا سمع قول العباس بن الاحنف.
اذا اردت سلوا كان ناصركم ***** قلبي، وما أنا من قلبي بمنتصر
فأكثروا أو أقلوا من اساءتكم ***** فكل ذلك محمول على القدر
وضعت خدى لأدنى من يطيف بكم ***** حتى احتقرت، وما مثلي بمحتقر
جن، واستغاث، وشق الجيب، وحوقل، وقال: «يا قوم، أما ترون الى العباس بن الاحنف، ما يكفيه أن يفجر، حتى يكفر! متى كانت القبائح والفضائح والعيوب والذنوب محمولة على القدر؟ ومتى قدر الله هذه الاشياء وقد نهى عنها؟! ولو قدرها، كان قد رضى بها، ولو رضى بها، لما عاقب عليهاز لعن الله الغزل اذا شيب بمجانة، والمجانة اذا قرنت بما يقدح في الديانة!
/ صحفة 89 /
وقد أجابه أبو صالح الهاشمي، بجواب طويل، بدأه بقوله: هون عليك يا شيخ فليس هذا كله على ما تظن، القدر يأتي على كل شي، الخ وختمه بقوله: «والشاعر يهزل ويجد، ويقرب ويبعد، ويصيب ويخطى، ولا يؤاخذ بما يؤاخذ به الرجل الديان، والعالم ذو البيان».
و في طبقات الاطباء.
قال المبشر بن فاتك، في كتاب «مختار الحكم ومحاسن الكلم» ان ارسططاليس لما بلغ ثمان سنين حمله أبوه الى بلاد أثينة، وهي المعروفة ببلاد الحكماء، وأقام في توقين منها، فضمه أبوه الى الشعراء والبلغاء والنحويين، فأقام متعلماً منهم تسع سنين، وكان اسم هذا العلم عندهم «المحيط» أعنى علم اللسان لحاجة جميع الناس اليه لأنه الاداة، والمراقى الى كل حكمة وفضيلة، والبيان الذي يتحصل به كل علم، وان قوما من الحكماء ازروا بعلم البلغاء واللغويين والنحويين وعنفوا المشتغلين به، منهم أفيقورس وفوثيغورس، وزعموا أنه لا يحتاج الى علمهم في شيء من الحكمة، لان النحويين معلمو الصبيان، والشعراء أصحاب أباطيل وكذب، والبلغاء أصحاب نمحل ومحاباة ومراء، فلما بلغ أرسططاليس ذلك أدركته الحفيظة لهم، فناضل عن النحويين والشعراء والبلغاء، واحتج عنهم، وقال: انه لا غنى للحكمة عن علمهم، لأن المنطق أداة لعملهم، وقال: ان فضل الانسان على البهائم بالمنطق، فأحقهم الانسية أبلغهم في منطقه، وأوصلهم الى عبارة ذات نفسه، وأوضعهم لمنطقه في موضعه، وأحسنهم اختياراً لأوجزه وأعذبه، ولأن الحكمة أشرف الاشياء، فينبغي أن تكون العبارة عنها بأحكم المنطق، وأفصح اللهجة، وأوجز اللفظ، الابعد عن الدخل والزلل، وسماحة المنطق، وقبح اللكنة والعى، فان ذلك يذهب سور الحكمة، ويقطع عن الاداء، ويقصر عن الحاجة، ويلبس على المستمع، ويفسد المعاني، ويورث الشبهة. (الحديث موصول).