/ صحفة 95 /
الاصول الدينية
للفنين الاسلامي والفارسي
لحضرة الاستاذ أحمد محمد عيسى
أمين مكتبة جامعة فؤاد الاول
ـ 3 ـ
في المقال السابق من هذا البحث تكلم الكاتب عن تسامح الاسلام وأهله في الحرب والسلم، وعارض فكرة انتشار الاسلام بحد السيف، وقارن بينه وبين الديانات الاخرى من حيث سهولة التعاليم بالنسبة لمبتدئين. ثم عرض لنشأة الفن الاسلامي خارج شبه الجزيرة ورعاية أهل الصحراء لذلك الفن، واستجابتهم الطيبة لفنون البلاد التي تكونت منها الامبراطورية الاسلامية وذكر كيف أن الفن الاسلامي نبت شرقياً في نشأته واتجاهاته، وأن دوامه وانتشاره ليسا راجعين الى تفوق العرب الحربي، ولكن الى الافكار المثالية التي دلت دائما على أنها أقوى من سلطان الجيوش، ثم اختتم المقال بالتمهيد للكلام عن الدور الفني الذي لعبه الفرس في فجر الاسلام.
(المترجم)
في الوقت الذي خب فيه الاوربيون في ظلمة العصور الوسطى و جهالتها، برع الفرس في مختلف الفنون والصناعات وفروع العلم المتنوعة، مثل: الطب، والفلسفة، والفلك، والملاحة. بل أخذت شعوب حديثة عهد بالاسلام ـ كشعوب شمال افريقيا وأسبانيا ـ تسير بخطوات واسعة نحو التقدم والمدنية.
أما أهل الغرب فقد ظلوا على جهل بتغلغل الاثر الفارسي في الفن والثقافة في جزء كبير من أوربا وآسيا، ومرجع ذلك الجهل، وسببه الدراسات الكلاسيكية
/ صحفة 96 /
واتخاذها أساس التعليم عندهم، فقد آمن أهل أوربا ايمانا راسخاً بالحضارة اليونانية والرومانية، ثم بالحضارة المصرية، واعتقدوا أن تلك الحضارات هي و حدها التي تستحق الدرس والبحث.
ظل طلاب العلم من الأوربيين يلقنون في أسلوب بالغ التأكيد، أن انتصار الاغريق في واقعة ماراتون، وترموبيلة، وسلانيس ـ في القرن الخامس قبل الميلاد ـ أنقذ حضاراتهم من تدمير محقق على أيدي الفرس البرابرة العتاة، كما لقنوا أن قورش ودارا واجزركسيس من عظماء ملوك الفرس، ولكنهم لم يلقنوا أن الاسرة التي انحدر منها هؤلاء، وهي الاسرة الاخمينية (330 ـ 550 ق م) قد حكمت بعناية ورعاية وحسن تدبير أكبر امبراطورية عرفها التاريخ وقت ذاك، وأن الحضارة الفارسية بلغت من السمو والتقدم ما لم تبلغه الحضارة الاغريقية في تلك الايام.
و اذا كان من المعروف أن الفن هو المرآة التي تنعكس عليها عقلية أصحابه، فان تقدير خصائص فن ما لشعب ما يتطلب فهماً صحيحاً سليما، فعلينا أن نلم المام العارف بوجهة نظر ذلك الشعب الفلسفية وعواطفه الدينية، وهذا لازم جدا بالنسبة للفن الفارسي.
والفن الفارسي على عهد المسلمين ببلاد فارس، فن اسلامي صرف، غير أنه يفوق أروع ما جادت به مدارس ذلك الفن من حيث دقة الشكل وانسجام اللون، وحسن الذوق، وكمال الاداء، وهي صفات قل أن توجد على هذه الصورة في فن آخر.
واذا سألنا عن أسباب ذلك، كان الجواب أن الفرس عاشوا منذ فجر تاريخهم أمة مثالية، بل أكبر أمة مثالية عرفها التاريخ. ويمكن تأييد هذه المقولة ـ التي تبدو غريبة ـ بما هو باق من آثارهم، والناظر المتأمل في تاريخ الفرس وآثارهم القديمة، لا يستطيع أن ينكر ما تقول.
ومن المحتمل ـ من باب الفرض العريض ـ أن يكون انسان قبل ابراهيم
/ صحفة 97 /
أو شعب أقدم من اسرائيل، عاش عيشة التوحيد واطمأن اليها وآمن بها. ولكن هذا الاحتماللا يتفق وما جاءت به الاديان، ولا يتمشى والافكار السامية. على أن موضوع الاسبقية الدينية في عقيدة التوحيد، لم يدرس دراسة موضوعية بعد، ولم يشغل العلماء أنفسهم بالموضوع لذاته بسبب ما يحيط ذلك الموضوع من ادعاء وغرور جنسي.
ومع ذلك فليس من السهل أن نتاجهل ما عثر عليه الباحثون عن الفرس القدماء من أن عقائدهم الدينية لم تخرج عن الايمان باله واحد، مع وجود قوة أخرى مناهضة لفكرة الخير، و هي ما يشابه فكرة الشيطان عند اليهود، ويحيط بالاله الواحد عدة من الآلهة الثانوية لها طبيعة الملائكة، ولها من القداسة ما للملائكة الاربعة العظام الوارد ذكرهم في كتاب أخنوخ، وهم: جبريل، وعزرائيل، وميكائيل، ورفائيل. وهذه الآلهة الثانوية في الديانة الفارسية تشبه القديسين الذين عرفتهم المسيحية أول عهدها. وحين أخذت جماعات من الايرانيين تهاجر الى أواسط آسيا والهند حوالي القرن العاشر قبل الميلاد، كانت الهند حينذاك تؤمن بالديانة الويدية، وهي ديانة لا تعترف بالوثنية اطلاقا.
ويتضح مما سبق وجه الشبه بين عقائد الايرانيين القدماء واليهود في فكرة التوحيد. واذا كان «العهد القديم» وعد بجزاءات مادية للثواب والعقاب، فان معتقدات الفرس ـ قبل الاسلام ـ عن الحساب في الآخرة، تتلخص في أن عمل الفرد ليس شيئا بجانب النية الطيبة أو الشريرة التي يستوجب صاحبها من أجلها الثواب أو العذاب، وتلك هي فكرة الجنة والنار المعروفة.
ومن المدهش أن نجد في بعض آيات العهد القديم ما يدل على انتشار الوثنية بين اليهود، كما نجد يشوع وهوشع يذيعان على الناس أوائل القرن السابع قبل الميلاد: أن الايمان بالله يتعارض وعبادة الاصنام، وأن الصور المنحوتة محرمة بنص ما جاء في التوراة من سفر الخروج.
وخالف الفرس الأشوريين والمصريين وغيرهم من حيث تحررهم من الفزع
/ صحفة 98 /
من الآلهة السماوية، ومما يبثه القساوسة في قلوب الناس من الخوف من تلك الآلهة، وجاءت فتونهم وأشعارهم خير شاهد على تحررهم من ذلك الخوف الذي تملك جيرانهم.
وأيد كراهية للفرس للوثنية كثير من كتاب الاغريق، وفي مقدمة هؤلاء المؤرخ هيرودوث حيث قال: «ولم يألف الفرس أن يقيموا لأنفسهم تماثيل أو معابد أو مذابح، وهم يتهمون من يفعل ذلك بالهوس والجنون، لأنهم لا يتصورون أن تكون للآلهة طبيعة مثل طبيعة البشر كما يعتقد الاغريق».
ولابتعاد الفرس عن عبادة الاصنام وكراهيتهم لها دلالات أخرى، اذ الحق أن مستنيرى الفرس وعامتهم على السواء، كانوا ـ الى ما قبل المسيحية ـ على درجة كبيرة من السمو الروحي، ساعدتهم على ادراك فكرة الاله الواحد الموجود، الغائب عن الانظار، وهي الفكرة التي تناقض فكرة «الحلول» التي تعتبر أساس العقائد عند الشعوب البدائية.
وأكثر العقائد ذيوعا بين الفرس هي المانوية التي انتشرت في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، بدرجة هددت كلا من الزرادشتية والمسيحية لولا أنها حوربت بشدة منهما.
أما الزرادشتية ـ و هي أقدم الديانات الفارسية وأهمها ـ فيمكن تتبع آثارها في المراحل الاولى من التاريخ الفارسي، وهي تتركز حول عبادة مثرا (اله النور) واعتباره مصدر أهورا مزدا الاله الواحد الخالق. وهذه العلاقة تشبه الى حد ما العلاقة بين الاب والابن (الرب والمسيح)، ويكون مثرا هو الاله الوحيد الذي يمنح عباده الرحمة و الخلاص. وفي العهد الروماني كان مثرا مرموزا اليه بالشمس والضوء واعتبر الاله المنقذ والاله الخصيم للكذب والخطيئة.
وأصبحت عبادة مثرا أواخر القرن الثاني الميلادي، ديناً رسمياً للامبراطورية الرومانية، وذلك على عهد الامبراطور أورليوس، وكادت تصبح ديناً عاليما في القرن الثالث الميلادي، واستمرت مدة طويلة مصدر خطر على المسيحية،
/ صحفة 99 /
وتعرضت الكنيسة لهجماتها في نواح كثيرة، وبذلت المحاولات لايجاد نوع من التوافق بينهما، كتغيير موعد الاحتفال بعيد ميلاد المسيح من ليلة السابع من يناير الى ليلة الخامس والعشرين من ديمسبر، وهي ليلة عيد ميلاد «مثرا» ذاته، الذي كان يتم الاحتفال به باضاءة الاشجاء بالشموع رمزاً لرغبة الانسان الصادقة في المساهمة بنصيب في مساعدة مثرا ليستطيع أن يمحو بضوئه ظلمه أطول ليلة في العام، وليحل محلها النور والخلاص. غير أن عبادة مثرا لم تلبث هي الأخرى أن حوربت كما حوربت المانوية من قبل.
ثم تحول الفرس الى الاسلام عقب الفتح العربي لبلادهم، واعتنقوا المذهب الشيعي، ووجد التصوف بين الفرس المسلمين بيئة صالحة للانتشار والازدهار مدة من الزمان.
واذن، فالزخرفة النباتية (وهي ما يسمى الارابئك) التي تعد صفة مميزة للفن الفارسي قبل أن تصير صفة مميزة للفن الاسلامي، والتي يصعب تحديد بدايتها في جدار مبنى أو صحيفة كتاب، و لا يكف تنتهى فجأة حين تحول نهاية السطح دون استمرارها، انما ترمز الى فكرة الزمن والفضاء اللانهائي وقصور المعرفة الانسانية عن ادراك حقيقتهما.
على أن الفرس قنعوا بقبول الاشياء قبولا عاطفياً، ورضوا بذلك مادام فيه رضا لاحساساتهم، وصرفوا النظر عن ادراكهم لها ادراكا عقليا كاملا. ومن يدرى فلعلهم كانوا على علم ببعض نظريات المدرسة الايلية الفلسفية، ففي منتصف القرن الخامس قبل الميلاد قال برمنيدس وزينون في كلاهما عن المادة:
ان الحقيقة الوحيدة هي ما أطلقوا عليه «الديمومة»، وهي العلة المجرة التي جرى هيجل وراء البحث عنها دون جدوى، والتي تعتبر أصلا لجميع الاشياء. واذن فان ما ندركه حسيا ليس له من الحقيقة غير ما نضفيه نحن عليه.
ملك الفرس زمام لغتهم الجميلة، واستخدموها استخداما صحيحاً طليا، ولو أنهم أرادوا أن يجعلوا لها قواعد وقوانين كما فعل الاغريق بلغتهم، لأمكنهم ذلك
/ صحفة 100 /
في يسر، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث حتى القرن التاسع الميلادي على أقل تقدير ولعل ذلك كان ايمانا منهم بنظرية «اللاحقيقية»، التي با لغوا في الوصول بها الى أبعد حدودها المنطقية. وقالوا في النهاية: ان النظريات الفلسفية ليس لها حقائق كغيرها من الاشياء، فلا ضرورة اذن لبذل جهد في صياغة تلك النظريات.
وظهر أثر تلك الفلسفة وانعكست أضواؤها على التصوير الفارسي، حيث بدا واضحا أن حقيقة الموضوع ليست شيئا ذا أهمية بل هي ثانوية جدا اذا ما قورنت بالمؤثرات الزخرفية. ويبدو أن الفرس وجدوا أن الاحلام البديعة والخيال الجميل أكثر ايناسا ولذة من الحقائق الجافة الجامدة، حتى ان اعجابهم المجرد بالمنسوجات الغالية والازهار الجميلة و الحلى البراقة، لا يختاب عما لو كانت حالة في أشخاص.
ولم يخرج تدوين الفرس للتاريخ عن هذا المبدأ، فلم تكن الحقائق وحدها هي مادة ذلك الموضوع، بل انهم أهملوا كثيراً من حوادث التاريخ واستبدلوا به ما جمعوا من أشعار شعرائهم الذين أحالوا التاريخ أقصوصة عذبة ورواية مملوءة بالخيال.
وتتمثل هذه الاتجاهات في الملحمة الفارسية الكبرى «الشاهنامة» التي ألفها الفردوسي (940 ـ 1020 م) وضمن أشعارها تاريخ ملوك الفرس في ستين ألف بيت استغرقت صياغتها ثلاثين عاما. و على الرغم من أن الحقائق ليست هي أكثر تلك الاشعار، فان الفرس يعتبرونها وثيقة تاريخية هامة. و من أمثلة ما فيها أن أعمال رستم الباهرة استغرفت ثمانية قرون، مع أنه لم يعمر هذه المدة بالطبع.
وقد تدفع الغرابة والدهشة بعض الناس للسؤال عن ذلك، فيجيب الفرس بقولهم: «ليس في الامر ما يستدعى التفكير، اننا نحن معشر الفرس لا نعطى المسائل كل تلك الاهمية، فلماذا يعطيها السائل كل ذلك الاهتمام؟!
وأخيراً فليس من المهم لدينا أن يعنى الفرس باعطاء المظهر أهمية أكبر من الحقيقة، وانما يهمنا ويشوقنا اهتمامهم البالغ بالقيم الزخرفية للاشياء ولو على حساب جوهر الموضوع، وهذا وحده هو ما نقدره ونعجب به في الفن الفارسي. (انتهى البحث)