/ صحفة 108 /
أنباء وآراء
بين جماعة التقريب والدكتور مصدق:
في الحادي والعشرين من شهر صفر سنة 1371 هـ استقبل حضرة صاحب الدولة الدكتور محمد مصدق رئيس حكومة ايران الذي كان يزور القاهرة حضرة صاحب السعادة محمد علي علوية باشا رئيس جماعة التقريب، وحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الاكبر الشيخ عبد المجيد سليم نائب رئيس الجماعة المذكورة، و دار بين ثلاثتهم حديث ودي كان يقوم بالترجمة بينهم في أثنائه حضرة الاستاذ كاظم آزرمى. وقد بدأ سعادة الرئيس فشرح لدولته أغراض جماعة التقريب، و ما ترجوه من سعيها المتواصل لجمع كلمة المسلمين في سائر شعوبهم وتوجيههم وجهة عملية مثمرة للقضاء على أسباب ضعفهم وتخلفهم، وخوض الميدان العالمي في حاضرهم ومستقبلهم بأسلحة من التضامن والتآلف، ونسيان الاحقاد التاريخية التي قطعتم في الارض أمما، وأطمعت فيهم أعداءهم، ثم تحدث فضيلة الاستاذ الاكبر فذكر أن الاسلام هو دين الوحدة والتآلف كما هو دين التوحيد، وأنه ليس بين أصوله التي تعد شرطا في صحة الايمان به ما هو موضع خلاف بين أهله، وأن الخلاف انما هو في دائرة الفروع، وهو موجود بين أرباب المذهب الواحد كما هو موجود بين أرباب المذاهب المختلفة، ولهذا لا يعرف المنصفون من المسلمين أسباباً تصلح للتفريق بين أهل هذا الدين الواحد، وأن يناصب بعضهم بعضا العداء، ونحن على ثقة من أنه كلما تعمق النظر في المسائل الخلافية تبين أن الخلاف فيها ليس جوهريا، أو أنه على الاقل لا ينبغي أن يكون مثار ضجة تقضى الى التقاطع والتنابز.
وقد رحب دولة الدكتور مصدق بفكرة التقريب، وحياها في شخصي رئيسها
/ صحفة 109 /
ووكيلها متمنياً لها النجاح والتوفيق، وذكر لهما أن الشعب الايراني خاصته وعامته مهتم بهذه الفكرة، متتبع لكل ما ينشر في مجلتها (رسالة الاسلام) من بحوث اسلامية جيدة يقوم بتحريرها كبار العلماء والمفكرين من مختلف المذاهب الاسلامية، وأثنى على فضيلة سكرتيرها العام الاستاذ الشيخ القمي ـ وكان سماحته يومئذ بايران ـ وقال انه يعرفه رجلا مجاهدا مخلصاً لله يمثل الشيعة الامامية خير تمثيل، و يقوم بدور الاتصال بين علمائها وعلماء أهل السنة على أحسن وجه.
ثم قال دولته: ان الامة الاسلامية في حاجة الى من يبصرها بدينها وعقائدها على وجه صحيح، ويبعث فيها الشعور بالعزة، وينتزع منها أوهام الماضي، وما ألقى فيها أعداؤها من بذور الفتنة والجهل، واذا كان المخلصون قد استبشروا خيراً بالنهضة التي نهضتها الامة الاسلامية في تحطيم أغلال الاستعمار، فان لهم أن يستبشروا أيضاً بهذه النهضة العلمية الدينية التي ينهض بها علماؤهم لتحطيم أغلال الجهل وأسباب الفتنة والقطيعة لنعود كما كنا أمة واحدة متفاهمة متعاونة، فتكون لنا العزة الصادقة بالعلم والقوة والدين.
اللاجئون من أهل فلسطين:
لم يزل أهل فلسطين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وألجئوا الى ما حولهم من البلاد العربية، يقاسون نكبتهم، ويذوقون الامرين من الحاجة والمرض، ولم يزل مغتصبو بلادهم يتبجحون بأنهم أصحاب الدولة والصولة، وأن على العرب والمسلمين أن يتقبلوا واقع الامر راضين أو كارهين، وأن يقلعوا عن منازعتهم لشعب «اسرائيل» ويدلخوا معهم في حديث التسوية والصلح ليدركوا بالعطف ما لم يدركوا بالعنف، فان ذلك أجدى عليهم وأقرب لو كانوا يعلمون.
نعم يقول هذا أبناء صهيون وقد غرتهم الأماني وغرهم بالله الغرور، وزينت لهم «هيئة الأمم» ما كانوا يعملون، وهذا هو الشتاء الرابع يقبل ببرده وجليده وقره وصره على الشيوخ والنساء والاطفال والعجزة من هؤلاء المهاجرين المساكين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فيحصدهم الموت بمناجله حصدا،
/ صحفة 110 /
ومن أقلت منهم عاش في أكفان الفقر والمرض، يتقلب في جحيم من الفوضى والاضطراب والخوف، اذا أمسى لم يرج الصباح، واذا أصبح لم يرج المساء.
ان عبر الايام ودروس الاحداث يجب أن تزيدنا ايمانا بأن الحق ما لم يكن له سناد من القوة فهو يتيم لطيم، وأن اللغة الوحيدة التي يفهمها الغاصبون هي لغة الباب والظفر، فان لم نصح بها عليهم، أرجفوا بها علينا، وقد قال ربنا في محكم تنزيله «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم وآخرن من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم».
وقد حسبنا حيناً أن محاربيناهم أولئك الشراذم من نفايات الشعوب والبلاد الأوربية فما بيننا وبين ردهم عن بلادنا الا جولة وجولان، ولكنا أخطأنا الحساب، فلم نلبث أن التقينا في ميدان الجهاد بجويش الغدر والختل والبذالة يجردها علينا أهل الغرب، وقوم منا خرجوا فينا فلم يزيدونا الا خبالا وأوضعوا خلالنا، افبقيت «اسرائيل» قذى في العيون، وشجى في الخلوق، وبقينا نحن نتلاوم ونتجادل ويقذف بعضنا بعضا بالظنة وقالة السوء.
ولكن لا ضير اذا انتفعنا بالعبرة، فهل نعتبر؟
المملكة الليبية:
قامت في ليبيا مملكة جديدة متحدة أعلنها حضرة صابح الجلالة الملك محمد ادريس السنوسي الأول، فقابلها المسلمون بالتحريب والاغتباط، ورجوا لها النجاح والتوفيق في تخليص هذه البلاد الشقيقة من آثار الاستعمار البغيض، واذا كان قيام دولة وملك، مما يقابل بالغطبة والتهنئة، فان الغبطة العظمى والتهنئة الصادقة، انما يكونان بحق حين تبدو هذه الدولة قوية مؤمنة بنفسها، مدركة تمام الادراك لما تكون به العزة والمنعة، مهتدية بالعبر التاريخية البعيدة والقريبة، يحرص رجالها أشد الحرص على أن يرسوا عمدها، ويؤسسوا بنيانها على تقوى من الله ورضوان.
هذا هو ما تغبط عليه الدول، ويهنأ به الملوك والرجال، وهذا هو الظن يمليك ليبيا المجاهد، ورجالها الأقوياء، فالى الامام وعلى بركة الله.