/ صفحة 115 /

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التحرير

تناقلت الصحف وشركات الأنباء العالمية في الأشهر الماضية، أخباراً عن دعوة جديدة يدعو إليها بعض الغربيين الذين هالتهم أحوال العالم الحاضرة، ويسمونها (التسلح الخلقي).

يقول أصحاب هذه الدعوة ما معناه: إن العالم لم يقع فيما هو واقع فيه من الحروب والكروب وألوان الشقاء لفقر به أو ضيق، فما زالت الأرض تنبت،والسماء تمطر، والأنهار تجري، وكلما شق الناس عن بطن الأرض في ناحية من النواحي وجدوا من رزق الله وخيراته الحسان التي ذخرها لعباده ما فيه كفاية وغنى، وما يزال في أرض الله بقاع فساح في المشارق والمغارب ما أثارها الناس ولا عمروها، ولو هاجر إليها بعضهم لوجدوا فيها مراغماً كثيراً وسعة، ولما احتربوا أعواماً طوالاً على شقة بين بلدين، أو رقعة ذات خطين موهومين.

إن فقر العالم إنما هو في النفوس التي أقفرت من الأخلاق، وخلت من الفضائل والمعاني الشريفة التي هي ملاك الحياة، وأساس الاجتماع: لقد أصبح الناس حيثما كانوا حراصاً على كل شيء إلا أن يكونوا أخياراً صالحين، وأصبحت المادة هي الإله المعبود الذي تعنو له الجباه، وتسبح بحمده الشقاه، وصارت قواعد التعامل بين الناس أفراداً كانوا أو أمماً هى الختل والمكر والدهاء واصطناع الحيلة ومحاولة كلٌ أن يستلب لنفسه من صاحبه أقصى ما يستطيع، لا يودعه رادع من عقل  حاجر، فلما أسفرت المطامع عن وجهها البشع، حل الخوف في الناس محل الأمل، واستبدت الوساوس والشكوك بالنفوس والقلوب، وصار كل يتوقع الشر من جانب غيره، فتسابق الناس إلى التسلح بالمهلكات المدمرات

/ صفحة 116 /

يرصدون عليها كرائم الأموال، ويوفرون لها أعظم الجهود، ويؤثرونها على مناهج الإصلاح، ومشارع النفع، حتى أصبح العالم وكأنما استحال إلى مصنع من مصانع البارود يوشك أن يعبث به العابثون، فإذا الفناء المرتقب: تسلحوا ليأمنوا، وفاتهم أن هذا هو عين الخوف، وأن التسلح الحق الذي تهدأ به النفوس تستقر به القلوب التي في الصدور، إنما هو التسلح بالخلق والفضائل، وأن يعلم الإنسان أن مظهر إنسانيته الأول هو التعاون والتكافل على إسعاد المجتمع، وتطهيره من عوامل الشر، ونوازع البغي، وبواعث الاضطراب والخوف، وأن الطمع والجشع واستعمال القوة إنما هي أخلاق الحيوان المفترس الذي يعتمد على نابه وظفره، ويعتز بقوة مخالبه.

فعلى العالم أن يفيء إلى خلق الإنسانية، وأن يذكر الرحم التي بين أهله بأبوة آدم، وأمومة حواء، وأن هذه الرحم تقضي بأن يمد القوى يده للضعيف ليعينه وينهضه، لا ليسلبه أو يحطمه أو يأكله، وبأن يعيش الإخوة متراحيمن متعاطفين لا متزاحمين ولا متقاطعين، وأن الحياة في ظلال الخلق الكريم، والفضائل الإنسانية الرفيعة هي الحياة الهانئة السعيدة التي لا يفسدها خوف، ولا يكدر صفوها تخاصم أو تنازع.

على أولئك الذين يدعون أممهم إلى التسلح بما تفتقت عنه أذهان الشياطين وأعداء الإنسانية أن يدعوها بدل ذلك إلى التسلح بالعدل والإيمان بالحق، والصدور في كل ما يأتون أو يذرون عن روح السماحة والبر، فإن كثيراً من أسباب العداوات موهوم غير محقق، وكثير منها لا بقاء له إذا سلك به سبيل الحكمة والإنصاف وابتغاء وجه الحق.

هكذا يقول أصحاب تلك الدعوة الجديدة، فليت شعري ماذا بين هؤلاء وبين عدوة الإسلام? أتراهم عرفوها فوصفوها? صدق الله العظيم: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟).