/ صفحة 136 /

الدين والسياسة

في يوم السبت الموافق 26، من جمادي الآخرة سنة 1371هـ.

حديث لفضيلة الأستاذ الأكبر

(22 مارس سنة 1952) استقبل حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الجامع الأزهر في مكتبه بالإدارة العامة حضرة الأستاذ الفاضل معظم على مدير وكالة أسوشيتد برس بالباكستان، ودار الحديث بينهما في شئون هامة تتصل بأحوال العالم الإسلامي الحاضرة، وكان فضيلة رئيس تحرير هذه المجلة حاضراً ذلك الحديث، فسجل هذه الخلاصة عن أهم ما دار فيه:

قال حضرة الزائر:

إنني سعيد جداً بهذه الفرصة الطيبة التي مكنتني من الإلتقاء بفضيلة الأستاذ الأكبر والإمام المصلح الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الجامع الأزهر، الذي له في نفوس المسلمين وأولى العلم منزلة كبرى هي هالة من الحب والإجلال والثقة والأمل، ولا شك أن فضيلة الأستاذ الأكبر جدير بهذه المنزلة لما هو معروف به من العلم والتقوى وصدق النية وحسن البلاء في خدمة الإسلام والمسلمين.

وأرجو أن يكون وقت فضيلتكم يسمح بالإجابة عن بعض الأسئلة في موضوعات يهم المسلمين أن يعرفوا رأيكم فيها.

قال فضيلة الأستاذ الأكبر:

إنني أيضاً مسرور باستقبالكم، وأشعر أنكم تصدرون عن روح طيب لدينكم وأمتكم، وأصارحكم بأنني كلما لقيت مسلماً مخلصاً لأمته، عاملاً على إصلاح شأنها مجداً في تعرف الوسائل التي تنهضها وتعيد إليها سابق عزها ومجدها، فرحت كثيراً،

/ صفحة 137 /

وقوى أملي في المستقبل، لأني أعرف أن الأمم إنما تنهض ويعلو شأنها بأبنائها العاملين المخلصين الذين هبوا أنفسهم للخير والفضيلة والمعاني الشريفة، وإن ما أشرتم إليه من محبة إخواني وأبنائي المسلمين وثقتهم في؛ لجدير بأن يحفزني إلى مضاعفة الجهد في خدمة الأمة والعمل على ما يسعدها ويقويها حتى أكون عند حسن ظنهم، وأسأل الله تعالى أن يعينني على أداء واجبي لديني وأمتي ابتغاء وجهه الكريم.

أما الأسئلة التي تريدون توجهها إلى فأرجو أن تودعوها مكتبي كي أدرسها وأدلي برأيي فيها، ولعها أسئلة بعيدة عن السياسة.

قال حضرة الزائر:

وهل يفرق الإسلام بين الدين والسياسة?.

فأجابه فضيلته:

لا، إن الإسلام لا يفرق بين الدين والسياسة، ولكنه لا يمنع من أن يكون للسياسة رجال يختصون بها، وفي الأمة والحمد لله رجال مرنوا على السياسة، وعرفوا حقائقها ودخائلها، واكتسبوا فيها ملكة صاروا بها قادرين على مواجهة تياراتها، والموازنة بين وجوهها المختلفة:

قال حضرته: إنهم في الباكستان يتجادلون في هذه المسألة، ويرى بعضهم أنه لا ينبغي أن ندخل الدين في السياسة، وينقدون من يفعل ذلك، فهل مشيخة الأزهر الجليلة على هذا الرأي?.

فأجاب فضيلته قائلاً: إن دخول شيء في الدين أو عدم دخوله فيه ليس إلى أحد من الناس، فإن الدين هو تشريع الله، ولكن هناك أمران يجب التمييز بينهما.

أحدهما: هل السياسة مما جاء به الدين فله فيها تشريع ذو أحكام وآداب?

والثاني: إذا كان الجواب (نعم) فهل يمنع الدين أن يكون لها رجال مختصون بها كما أن للعلم رجاله، وللطب رجاله، وللصناعات رجالها?.

والواقع أن الإسلام قد تناول بتشريعه وأحكامه كل ما يصلح الأمة ويكفل

/ صفحة 138 /

لها الحياة الطيبة السعيدة، كما تناول شئون العلاقات بين الأمة الإسلامية وغيرها.

وقد أوجب الله علينا أن نتعلم العلوم التي تقوينا مادياً وأدبياً وسياسياً واجتماعياً، فكل ما تفوقت فيه أوربا ونبغ فيه أبناؤها من العلوم والمعارف المؤدية إلى النهوض والقوة والعزة، يجب على المسلمين أن يعلموه ويتعلموه، كما يجب عليهم أن يتعلموا العلوم الإقتصادية التي تمكنهم من أن يثمروا أموالهم، وينتفعوا بثرواتهم الطبيعية، ويجلبوا الخير والرخاء لأقوامهم.

ويجب على العلماء أن يربوا أبناء الأمة تربية دينية صحيحة ويعودوهم الأخلاق الفاضلة من الصدق والوفاء والإيثار والتضحية والبذل والأمانة، والبر بالفقير، والرحمة للضعيف، وأمثال ذلك من الأخلاق الكريمة التي لا تحيا الأمم إلا بها، ولا تستقيم إلا عليها.

بذلك تسير الأمة في الطريق السوي من ناحيتها المادية والمعنوية، فتقوى وتعز، وتعلو كلمتها، ويكون لها شأنها في الحياة، وتتمكن من القيام بما أوجب الله عليها من الدعوة لدينه، وهداية البشر إلى ما فيه من مزايا تكفل لهم الحياة الطيبة، حتى يدخلوا فيه أفواجا.

ومن هذا يتبين أن الدين الإسلامي هو المنهاج الكامل الذي رسمه الله للناس في مختلف نواحي الحياة، وأن ما يزعمه الزاعمون من أنه قاصر على الأمور الشخصية والتهذيبية، وما يتصل بالأخلاق والفضائل فحسب؛ ليس صحيحاً، وهذه هي كتب الفقه الإسلامي الزاخرة بالأحكام، والمستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، تشهد بأنه ما من تصرف بشري عام أو خاص إلا وله في الشريعة حكم، وما من أمر يصلح به الناس ويدرأ عنهم الفساد والشر، إلا وقد أمر الله به، ولكن ذلك لا يمنع من توزيع الأعمال، واختصاص كل فريق من الأمة بناحية مما يصلح شأنها، فعلماء يعرفون الشريعة ويعرفونها للناس، وحكام يصرفون الشئون ويقيمون العدل ويمنعون الظلم، ويأخذون على أيدي المفسدين، وأطباء وصناع وعمال ومخترعون وباحثون وجند وقادة... الخ.

/ صفحة 139 /

فإذا كنت لا أحب أن أخوض في السياسة فليس ذلك لأن الإسلام لا يعرف السياسة، أو ينهى عن السياسة، ولكن لأني أرى أن للسياسة رجالها وأقطابها، وهم أدرى بتياراتها ودخائلها، وأنا جد حريص على التفرغ للإصلاح الديني والعملي، لأني أعتقد أن ذلك هو أساس صلاح الأمة في كل ناحية: أريد أن يعرف الناس دينهم معرفة صحيحة، وأن يفرقوا بين ما شرعه الله من الأحكام وأوجب الإيمان به من العقائد، وما على أدخل ذلك زوراً وبهتاناً من الخرافات والأباطيل، فإن الناس إذا وصلوا إلى هذا العلم تجلت لهم محاسن الدين وأدركوا مزاياه فأحبوه حباً صادقاً، يبعثهم على العمل به والجهاد الحق في سبيله، ولقد كان أسا انتصار الإسلام في أول أمره، أنه كان واضحاً في نفوس معتنقيه، لم تشبه الشوائب، ولم يلحقه غبار المعارك الجدلية، فكان محبوباً لديهم، يفدونه بأنفسهم وأموالهم وأهليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة من هذا الفداء، وهكذا انتصروا على أنفسهم وأهوائهم، فنصرهم الله على أعدائهم، ومكن لهم في الأرض، وبوأهم في الدنيا حسنة، ولأجر الآخرة أكبر، فإذا جاهدنا في هذه الناحية، وأعددنا لها عدتها، ومضينا فيها بقوة وعزيمة، فإنا نكون قد هيأنا أمتنا لمنزلة كريمة تستعيد بها مجدها وسالف عزها.

قال حضرة الزائر:

وما رأى فضيلتكم في المؤتمر الإسلامي الذي سيعقد في كراتشي في الشهر المقبل إن شاء الله والذي قبلت مصر الإشتراك فيه?

فأجاب فضيلة الأستاذ الأكبر قائلاً:

إن وحدة المسلمين وائتلاف قلوبهم أحب شيء إلى نفسي، وإني أرحب بكل ما يؤدي إلى هذه الوحدة، كما أرحب بكل اجتماع أو تشاور بين المسلمين في هذا البلد أو ذاك يؤدي إلى تعارفهم ودرس مشاكلهم وبحث أحوالهم بروح الإخاء والتعاون الذي أمرنا الله به، وإني دائب العمل لذلك، وأنا وكيل جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامة التي تعمل منذ سنوات، لغاية من أشرف الغايات، هي:

/ صفحة 140 /

جمع كلمة المسلمين، ونزع أسباب العداوة والبغضاء المترتبة على الخلاف في الفروع ما دمنا جميعاً مؤمنين بأصول واحدة في العقائد والتشريع.

وأعتقد أن اتحاد المسلمين أو وحدتهم تتوطد بمثل ذلك، فإنها حينئذ تكون تجديداً لصرح الأمة الإسلامية على أساس سليم لا شائبة فيه من آثار الضعف والتخاذل والقطيعة، وتخوف بعض الأمة من بعض، تلك الشوائب التي منينا بها على الرغم منا، فكانت وبالا علينا، وزلازل دائمة تهز من كياننا، ومنافذ لأعدائنا والطامعين فينا، نفذوا منها إلى صميمنا، واستعانوا بها على تقطيع أديمنا في خبث ودعاء ونحن عنهم غافلون.

وهنا شكر الزائر لفضيلة الشيخ الأكبر هذا البيان الوافي، واستأذن في الإنصراف على أن يعيد النظر فيما كان قد أعده من أسئلة قبل أن يودعها مكتب المشيخة، فأذن له.