/ صفحة 141 /
فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ حسنين محمد مخلوف
في الشهر الماضي أسند منصب الإفتاء الجليل في الديار المصرية للمرة الثانية إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ العلامة الكبير الشيخ حسنين محمد مخلوف وقد اغتبط بذلك أهل العم والرأي كافة، لما يهدونه في فضيلته من العلم الغزير والرأي الناضج، والحرص الشديد علي القيام بما ينفع الناس ويصلح شأن الأمة.
وفضيلته من كبار أصدقاء التقريب العاملين على جمع كلمة المسلمين، وتخليصهم من براثن التعصب والتفرق، وقد زاره مندوب هذه المجلة وهنأه باسمها واسم الجماعة، وأبدى استعداد (رسالة الإسلام) لنشر ما يرى فضيلته توجيهه إلى المسلمين في مختلف شعوبهم وبلادهم على صفحاتها، فقال فضيلته حفظه الله:
* * *
إنني من المؤمنين بفكرة التقريب، العاملين على أن يدرك المسلمون جميعاً مزاياها وما تؤدي إليه من جمع كلمتهم، وتوحيد أهدافهم، وظهورهم في العالم الحاضر بالمظهر الكريم اللائق بعظمتهم، وسمو شريعتهم، ونبل غايتهم، كما كانوا في الماضي قبل أن تعدو عليهم عوادي الفتن، وتجرفهم أمواج الضغائن والإحن.
/ صفحة 142 /
إن الإسلام هو دين الوحدة كما هو دين التوحيد، وقد حرصت شريعته الخالدة على أن تقر في الناس أسس التضامن والتكافل الإجتماعي، والتعاون على البر والتقوى، وعلى أن تنزع من بينهم أسباب العداوات والضغائن، وما ينزغ به الشيطان بينهم ليفشلوا وتذهب ريحهم.
وهذه هي القواعد الخمس التي بني عليها هذا الدين المتين، ترمي كلها إلى توطيد أمر المسلمين على الوحدة والألفة واتفاق الغاية.
فالمؤمنون جميعاً يشهدون شهادة واحدة: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، لا يختلف فيها مؤمن عن مؤمن، وليس لها عند فريق منهم معنى يخالف ما عند الآخرين، وهم ملتزمون بمقتضى ذلك أن يجعلوا الأمر كله لله، فلا حكم إلا حكمه، ولا تشريع إلا تشريعه، ولا عبادة إلا له، ولا قربى ولا زلفى إلا إليه، وكل ما جاء عنه في كتابه، أو صح عن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فهو مقبول، لا يسع مؤمنا أن يخرج منه، أو يحيد عنه، وإنما تختلف الأفهام في شيء، وتتفق في شيء، ويصح بعض المروي عند فريق، ولا يصح عند فريق، وقد قال الشافعي رضي الله عنه: (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس)(1).
وقد كان من فضل الله ورحمته وحكمته في تشريعه أنه لم يدع أصلاً يريد أن يتعبد الناس به اعتقاداً أو عملاً إلا وهو محكم مبين بياناً واضحاً في معناه ومبناه وطريق ثبوته، حتى لا يبقى محلا لجدل، ولا موضعاً لاجتهاد أو نظر، ذلك شأن الأصول كلها، لا تختلف فيها الأفهام، ولا تدور مع الزمان والمكان، ولا يقال فيها: هذا رأي فلان، وتلك حجة فلان، أما الفروع في العلميات أو العمليات، وثبوت مروي فيها أو عدم ثبوته، فتلك هي مواطن البحث والنظر ومجال التحقيق والآراء، ومن ثم كانت مواطن خلاف، لكل في شأنها وجهة هو موليها، والأمر فيها خاضع لما يراه أهل التقدير والعلم بالأدلة والأحكام
ــــــــــ
(1) أعلام الموقعين ج1 ص7.
/ صفحة 143 /
في كل زمان ومكان، ولا ضير في ذلك على المسلمين، بل هو أمر طبيعي فيه رحمة وسعة وتتحق بهما المصالح، وتستقيم أمور الحياة.
ونعود إلى ما كنا فيه من استعراض قواعد الإسلام الخمس، وبيان ما ترمي إليه من توطيد أمر المسلمين على الوحدة والألفة فنقول: إن المسلمين جميعاً يقيمون الصلاة في أوقات خمسة مكتوبة، ليست ستة عند فريق، ولا أربعة عند فريق وهم متفقون عليها بأعيانها، ومتفقون على أعداد ركعانها، وعلى قبلة المصلي فيها، وقد شرعت فيها الجماعات والجمعات والصلوات العامة في المناسبات المشروعة، كصلوات العيد والإستسقاء والكسوف ونحو ذلك من كل ما يراد به إشعار المسلمين بالوحدة والألفة واتفاق المصالح والاستواء أمام ربوبية الله جل وعلا، دون تفرقة بين صغير وكبير، ولا بين غني وفقير، ولا بين صعلوك وأمير.
وكل مؤمن مكلف بأن يؤدي زكاة ماله ليكون المؤمنون متكافلين متحابين يشعر فقراؤهم وأغنياؤهم بعاطفة المحبة والتعاون، وتستل من بين مجتمعهم نوازع الحسد والبغضاء والقسوة والجفاء.
وهم جميعاً مكلفون بأن يصوموا شهراً معيناً في العام، يجتمع على صومه قاصيهم ودانيهم، وبأن يحج مستطيعهم بيت الله الحرام، فيجتمع حوله في كل عام أصنافهم وألوانهم كلهم يدعو الله بلسانه، ويسأله من فضله وإحسانه.
أليست هذه قواعد الإسلام التي بني عليها? أو ليست كلها ترمي إلى التوحيد والوحدة?
ثم إننا نرى الإسلام كما يشرع أسباب التآلف والتجمع؛ ينهى عن أسباب التقاطع والتفرق.
فهو لا يعتبر رابطة تربط المسلمين إلا رابطة الدين، فلا جنسية ولا شعوبية، ولا تفريق بالألوان أو اللغات أو القبائل (إنما المؤمنون إخوة) (ليس منا من دعا إلى عصبية أو قائل عصبية) (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)
/ صفحة 144 /
(إنا خلقناكم من ذكر وأنى وجعلناكم شعوباً وقبابل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
وهو ينهى المؤمنين عن التعالي والتكبر، وأن يسخر بعضهم من بعض، أو يلمز بعضهم بعضاً (يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء، عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا بالألقاب بئس الأسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون).
وفي هذه الآية إرشاد إلى أسمى التعاليم، وأشرف الآداب العامة بين أفراد الأمة وطوائفها، وهي تشير إلى معنى في البشر لا يكاد يخلو منه إنسان، ذلك هو اعتداد المرء بنفسه، وغفلته عن عيوبه، وميله إلى تحقير غيره والسخرية منه، فهي تنهى عن هذه السخرية، وتعالج مبعثها في نفس فاعلها بإثارة الشك في مقاييسه وأحكامه، وبيان أنه قد يكون مخطئاً فيحسب أنه خير من فلان بينما الواقع أن فلاناً خير منه، وهذا من شأنه أن يهذب النفوس، ويكفكف من غلوائها، ويقطع كثيراً من أسباب الحقد والضغائن، ولو طبقه أهل العلم والرأي وأصحاب المذاهب فيما بينهم، لما استطاع التعصب أن يطل برأسه، ولما تراشق المختلفون بسهام التجهيل والتكفير والتضليل وأمثال ذلك مما هو منبعث عن الإعتداد بالنفس والسخرية من الآخرين.
كما أن هذه الآية تنهى عن اللمز والتنابز بالألقاب، وتعتبر من يلمز أخاه لامزاً لنفسه، وهذا معنى يجب أن تنتبه إلى ما يوحى به، فإن المسلمين حين لمزت كل طائفة منهم أختها أصبحوا كلهم جرحى أمام خصومهم وأعداء ملتهم، فهم يحكمون على طوائفهم بما يحكم به بعضهم على بعض، فيحتقرونهم جميعاً، وبهذا كان الذي يلمز أخاه إنما يلمز نفسه.
ثم هي تجعل ذلك كله خروجاً على الإيمان، وتسميه فسوقاً، وتطلب التوبة منه والإقلاع عنه وتحصر الظلم الكامل فيمن لم يتب منه (بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون).
/ صفحة 145 /
والقرآن ينهى عن الجدال والمراء، ولا يحب الإشتغال بما لا يجدى من القول ولا يفيد في إصلاح حال، وأول ذلك ما يؤدي إلى التفرق في الدين، والتشكك في قضاياه (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) (ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب، فلذلك فادع، واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا وإليه المصير، والذين يحاجون في الله من بعد لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا وإليه المصير، والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحظة عند ربهم وعليهم غصب ولهم عذاب شديد).
هكذا ينهى الإسلام عن كل سبب يفضي بالمؤمنين إلى التنازع والتقاطع، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ينكر على من يراه من المسلمين مشغولاً بشيء من ذلك، وكان أصحابه من بعده على سنته: آمنوا بما أنزل الله إيماناً ثابتاً، ولم يلبسوا إيمانهم يجدل ولا سؤال عن كيف أو أين، ولم يكلفوا أنفسهم البحث في أن الصفات عين أو غير، ولا في معنى اليد أو الوجه، وبذلك عاشوا متصافين متعاونين، فلما دخلت على الناس مسائل الأستواء والصفات والأعراض والذوات والصلاح والأصلح والكسب والخلق وأمثالها من القضايا النظرية الفلسفية التي لا يضرجهلها، ولا الإختلاف في عملها؛ افترقوا واحتربوا ونسوا العلم النافع والعمل الصالح، وعرفوا الطائفية والعصبية، وصاروا شيعاً كل حزب بما ليديهم فرحون، وبذلك وهنت قواهم، وانحلت عراهم، وتمكن منهم أعداؤهم، وجعلوا ينحدرون من شيء إلى أسوأ، حتى صاروا أضعف الأمم علماً وجنداً ومالاً ومنزلة في العالمين.
فإذا بدا لنا أن شيئاً من هذه البحوث النظرية، والرياضات العقلية سيخرجنا عن أخوة الإسلام، ويقطع ما بيننا من أواصر الأرحام، ويحيلنا إلى أمة متقاطعة متنافرة، وينسنا أهدافنا في الدعوة إلى الله وتبليغ دينه، والقيام بحقه، فعلينا أن
/ صفحة 146 /
نعرض عنه غير آسفين، وأن نلقي به في زوايا الإهمال والنسيان غير مترددين، وأن نعلم أن الله لن يسألنا يوم نقف بين يديه عن تلك المسائل التي لم يأمر بها رسوله، ولم يشتغل بها أصحابه، وإنما هو سائلنا عن ديننا وميراثنا الذي ورثناه عن نبيه: هل بلغنا رسالته، وأدينا أمانته، وبسطناه للعالم في صورته الصحيحة، وجليناه في ثوبه الأبيض الناصع? أو نحن تركناه وتخلينا عنه، وأعنا بمظهرنا وأعمالنا عليه، حتى لعبت به الأهواء، وعبثت به الأعداء?.
* * *
هذه بعض الخواطر التي تجول في نفسي كلما قرأت عن جهود جماعة التقريب ومجلتها لقوية (رسالة الإسلام) وكم أنا مستبشر خيراً بهذه الجهود للإسلام والمسلمين، فإن إصلاح الأفكار، وتنقية الصدور من الأحقاد والأضغان، والدعوة إلى الألفة والإتفاق، والرجوع إلى الينابيع الأولى الصافية للدين؛ هي أساس نجاح الأمة، وإفاقتها من غقوتها، ونهوضها من كبوتها.
أسأل الله تعالى أن يعينكم ويصلح بالكم، كما أسأله أن يهب أمتنا العزيزة في مشارق الأرض ومغاربها من لدنه رحمة، ويهيء لها من أمرها رشدا (إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحيكم).