/ صفحة 168 /

مصادر الأحكام الإجتهادية
عند الإمامية

للعلامة الأستاذ الشيخ محمد علي ناصر

من علماء لبنان الجنوبي

تهتم مجلة (رسالة الإٍسلام) تبعاً لاهتمام جماعة التقريب، بالبحوث التي تنشر عن الإجتهاد في الشريعة الإسلامية، لأن الفقه هو منهاج الحياة والتعامل، فإذا أخصب واديه أنبت نباته الحسن، وعلم من لم يكن يعلم أي قوة تكمن في هذه الشريعة الغراء، ومن الخير للأمة أن تعلم كل طائفة ما عند الأخرى من الفقه والعلم، لذلك ننشر ما نراه حقيقاً بالنشر غير ناظرين إلى مذهب كاتبه، وهذا بحث أوحى به قول الدكتور أحمد أمين بك في مقال له نشر بالعدد الثاني من السنة الثالثة لهذه المجلة: (وكان علماء الفرس ـ يعني الإمامية ـ أوسع صدراً في هذا، وأكثر قبولاً لنظرية الإجتهاد لولا أنهم أكثروا من شروط هذا بما يساوي الإجتهاد المقيد). وبعد هذا البحث تعقيب للتحرير على بعض ما جاء فيه: (التحرير)

للأحكام الشرعية ـ عند الإمامية ـ أسس تبتني عليها، وينابيع تستقي منها، لا تبتني على غيرها، ولا تستقي من سواها. وهي: (الكتاب). (والسنة) (وما يرجع إليهما أو إلى أحدهما) فكل حكم بنى على هذين الأساسين، أو استقى من هذين الينبوعين مباشرة أو بواسطة الحاكي عنهما أو عن أحدهما، بكشفه عنه بأحد طرق الكشف المعتبرة عقلاً أو شرعاً، فهو حكم الله الذي لا مرد له، وغير معذور من خالفه ونبذه، وما لم يبن عليهما ويستقي منهما من الأحكام ولو بالواسطة فهو عندهم من زخرف القول وباطله، ومن البدع التي هي ضلالة في الدين، وتنكب عن نهج المسلمين.

لذلك كانت مصادر الأحكام الإجتهادية عندهم أربعة: الكتاب، السنة، الإجماع، العقل، والأخيران حجيتهما باعتبار حكايتهما عن الأولين. ولذا

/ صفحة 169 /

لا يعتبران إلا في حالة الكشف عنهما، أو عن أحدهما بكشف معتبر، وإلا فلا حجية لهما بوجه: وما كان لمسلم مهما بلغ من رقي فكري، ومقدرة علمية ومكانة دينية، أن يشرع في الدين من تلقاء نفسه، باستحسان عقلي، أو بقياس ظني، أو بوجه في الرأي، لا يمت إلى الكتاب والسنة بصلة وإن بعدت، فإنه يكون مصداقاً لقوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون) على ما جاء في الآيات الثلاث 44، 45، 47 من سورة المائدة، وإذن لتعددت الأحكام، ولم يبق لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، لسان صدق، ولا معنى حق؛ فإنها على هذا الفرض، تختلف باختلاف الآراء، وباختلاف المناسبات، وباختلاف المقتضيات الزمنية، وتجدد كما يتجدد أولئك جميعاً، فالاجتهاد عندهم ـ وهو ملكة عملية يقتدر معها على استنباط الحكم الشرعي ـ إنما يكون حجة على الحكم الإجتهادي، ومصدراً شرعياً له، فيما إذا بنيت أحكامه على أساس الكتاب والسنة، ولو كان ذلك أصلاً عملياً عقلياً أمضاه المشرع، أو أصلاً شرعياً وقاعدة عملية عامة مثل قوله تعالى (صلى الله عليه وآله وسلّم): كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه، في حال الاشتباه في حلية شيء أو حرمته، ومثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة بأمر الخلق ما لم ينطق بسفه، ومثل قاعدة (العسر والحرج) المستقاة من قوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقاعدة: (لاضرر ولا ضرار في الإسلام)، ومثل قاعدة: (من ملك شيئاً ملك الإقرار به) وقاعدة: (اليد أمارة الملكية)، ومثل قاعدة (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) إلى غير ذلك من القواعد الكثيرة العامة، التي جمعت فأوعت ما يحتاج إليه الإنسان في أفعاله ومعاملاته، حاضراً ومتجدداً، فإذا لم تجد لحادثة حكما في الكتاب فإنك تجده في السنة التي هي أوسع بسطاً وأوفر جمعاً للأحكام، وحيث إن الأمور الكلية، هي أفسح أفقاً، وأكثر شمولاً للأفراد، وضع المشرع الأقدس

/ صفحة 170 /

قواعد عامة بنحو القضايا الحقيقية، التي يحكم فيها على الحقيقة السارية في عموم الأفراد، محققة أو مفترضة، لا خصوص المحقق منها، لتماشي شريعته تطور الحياة وتساير مختلف الحضارات، ولتعالج كل مشكلة في حكم التشريع الإسلامي. فلا تدع موضوعاً بلا حكم، ولا مشكلة بلا حل، سواء كان الموضوع في الموضوعات القديمة أو الحديثة، مثل مخترعات القرن العشرين أو ما يخترع فيما بعد، فالإجتهاد عن الإمامية تنحصر حجيته ومصدريته للأحكام بتلك المصادر التي أفصحنا عنها.

ويتقيد بها كل يتقيد بمؤهلات أخر من علم بالكتاب والسنة، وعلم باللغة، وعلم بالقواعد العربية وما إلى ذلك، وإن كان مطلقاً في سوى ذلك، فلا يتقيد بمذهب من المذاهب ولا برأي من الآراء، بل هو فوق المذاهب والآراء، يصدر به صاحبه عن نظره وخبرته ومقدرته العلمية فحسب. وهو بهذا النحو من الإطلاق مع تلك القواعد العامة بعمومها الواسع ـ كاف واف ـ بمعالجة مشاكل المسلمين التي تعرض لهم في تطور حياتهم، وظروفها المختلفة من حيث الحكم التشريعي، بلا حاجة إلى الأخذ بنظام (أوربي) جديد (أو نحو فقه جديد) أو اللجوء إلى حرية الإجتهاد وإطلاقه حتى من الكتاب والسنة؛ فللمجتهد أن يجتهد برأيه ولو كان مستمداً من قياس ظني، أو أمور استحسانية كما كان يفعله أبو حنيفة، ومن حذا حذوه من علماء المسلمين.

ولقد اطلعت على مقال للدكتور أحمد أمين بك في العدد الثاني من السنة الثالثة من رسالة الإسلام بعنوان (الإجتهاد في نظر الإسلام) يدعو فيه إلى فتح باب هذا الإجتهاد بحريته الواسعة، ويدعي أن به تحل مشاكل المسلمين، قال في ص146 (والذي يحل مشاكلنا، هو فتح باب الإجتهاد، بعد أن أغلقه العلماء. ثم قال: فالإجتهاد الذي نريده، هو الإجتهاد المطلق لا الإجتهاد في المذهب، فهو يشمل كل شيء حتى في تقييد النص ووقف العمل به متى استوفى المجتهد شروط الاجتهاد المبينة في كتب أصول الفقه) ثم قال في ص147: (وإمامنا في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذكر عنه أحكاماً مصدرها ذلك الإجتهاد، منها: عدم إعطاء

/ صفحة 171 /

المؤلفة قلوبهم سهمهم من الزكاة، لأنه أدار الحكم على العلة وجوداً وعدماً لعدم حاجة الإسلام إلى تأليف القلوب لكثرة من دخل فيه، لذلك وقف إعطاءهم الزكاة، ومنها: حكمه بوقوع الطلاق ثلاثاً ممن حلف بالطلاق ثلاثاً. مع أن القرآن يقول: الطلاق مرتان.. والطلاق الثلاث مرة من المرتين، ولكن لما رأى إكثار الناس من الحلف بالطلاق أدبهم بذلك، ومنها: حكمه برفع حد المسلم حد الشرب، لما رآه يؤدي إلى تنصره والتحاقه بالقسطنطينية، ومنها: حكمه برفع حد السرقة عن مسلم سرق في أيام المجاعة، وإلزام قبيلته بدفع ثمن الفاقة، لأنهم أجاعوه فسرق. ثم قال: فكان كما قلت يدير الحكم على حسب العلة، فإذا لم تحقق العلة لم يحقق المعلول. ثم نقل عن رئيس جماعة الشورى في الأندلس أنه حكم على عبد الرحمن الناصر إذ واقع زوجته في شهر رمضان، بصيام شهرين متتابعين تعييناً مخالفاً ترتيب خصال الكفارة لأنه أمير وغني، ومن السهل عليه تحرير رقبة، فلابد له من عقوبة رادعة، وهي الحكم عليه بصيام ستين يوماً بدل يومه الذي أفطره، تحقيقاً لمقصد الشريعة: وهو في باب الإستاد إلى ذلك الإجتهاد، ثم قال: فالإجتهاد الذي نريده من هذا القبيل، فإذا جد للمسلمين موقف، درس موقفهم بعينين، إحداهما: مقاصد الشريعة الكلية: والأخرى موقف المسلمين الحاضر، وفي كل عصر نجد مسائل تحتاج إلى هذا الإجتهاد، بدليل ما كان يرد على المرحوم الشيخ محمد عبده من مسائل جديدة يطلب أصحابها الفتوى الإسلامية فيها: مثل ذبيحة أهل الكتاب، ولبس القبعة إذا اضطر الناس إليها؛ ونحو ذلك في الأقضية التي تجد في العالم الذي هو في تصور مستمر، فكل يوم تظهر أحداث تتطلب أحكاماً شرعيه، فما لم تقابل بالإجتهاد العاجل ومجابهة الموقف، أصيب المسلمون بالحرج ثم قال: وكان علماء الفرس ـ يعني الإمامية ـ أوسع صدراً في هذا، وأكثر قبولاً لنظرية الإجتهاد لولا أنهم أكثروا من شروط هذا بما يساوي الإجتهاد المقيد، ونحن نريد الإجتهاد المطلق.

أقول لقد أحسن الدكتور كثيراً في الدعوة إلى فتح باب الإجتهاد، فإنه

/ صفحة 172 /

الوسيلة الوحيدة لبقاء الشريعة الإسلامية، واستقائها من ينابيعها بعد فقد المشرع وحفاظ شرعه، وهو واجب بنحو الوجوب الكفائي على عامة المسلمين، لحفظ تلك الأحكام التي لا يسوغ للمسلمين إهمالها وتركها في معرض الزوال والاضمحلال، على أن سد باب الإجتهاد معناه الحجر على العقول والأفهام أن تعرف حكم الله بالنظر والدليل، وهو خلاف مذاق الشرع الإسلامي الذي بني على منطق العقل، وحض على النظر والإعتبار، وخلاف حكمة تشريع الأحكام التي هي العمل بها، فإن العمل بالأحكام فرع معرفتها، وإذا جاز لأحد من الناس ولو كان صحابياً، أن يجتهد برأيه في الأحكام، فإن غيره يساويه في ذلك إذا حوى مؤهلات الاجتهاد، بلا فرق ولا امتياز، على أن العقول والأفهام في تطور وتفاضل فربما كان غير الصحابي أرقى فكراً، وأحد ذهنا، وأذكى قلباً، وأصوب نظراً منه، فكيف يرخص له بالإجتهاد دون غيره، لكن على شريطة أن لا يكون للإجتهاد في الحرية ما لا يتقيد معها بكتاب ولا بسنة حتى يفسح المجال لدعوى الإجتهاد في الكثير من الناس، وتحدث الفوضى التي توجب سد باب الإجتهاد حفظاً للشريعة من أن تكون في مهب الأهواء والأراء.

ولكن يؤخذ على الدكتور في كلامه مآخذ:

منها: أنه يدعو إلى فتح باب الإجتهاد المطلق بنحو لا يتقيد بحكم الكتاب والسنة، كما يفهم ذلك من قوله: (فالإجتهاد الذي نريده من هذا القبيل، بعد ذكر الأحكام التي صدر بها عمر بن الخطاب عن اجتهاده الحر الذي لم يبين على الكتاب ولا السنة، وإنما بني على الاستحسان العقلي، أو العلة المستنبطة بالظن، ومثل هذا الإجتهاد لا يكون حجة ولا مصدراً للأحكام الشرعية التي هي توقيفية لا يجوز أن يتعدى بها حدود ما أنزل الله (أما الحكم الأول) فإن المؤلفة قلوبهم ليسوا محصورين بالكفار الذين يستمالون للجهاد، بل أعم منهم ومن المسلمين الذين في نياتهم ضعف، وكان منهم أبو سفيان، والأقرع بن حابس، وعينية بن حصين ونظائرهم، وكانوا مسلمين يومئذ، وقد جعلهم الشافعي أربعة أقسام: قوم لهم

/ صفحة 173 /

نظراء، فإذا أعطوا رغب نظراؤهم، وقوم في نياتهم ضعف، فيعطون لتقوى نياتهم، وقوم بأطراف بلاد الإسلام أولو قوة بمن يليهم من الكفار إذا أعطوا منعوا الكفار من الهجوم على المسلمين، وقوم جاوروا قوماً وجبت عليهم الزكاة إذا أعطوا منها جبوها للإمام بلا حاجة إلى عامل. وإن كان الصحيح أن المؤلفة قلوبهم قسمان: كفار استميلوا بالزكاة للجهاد، ومسلمون في نياتهم ضعف. هذا معنى المؤلفة قلوبهم الذي هو موضوع الحكم، وأما الحكم أعني فرض سهم لهم وجوبه، فبقاؤه وإن كان محل خلاف بين العلماء. ولكنه الحق بقاؤه لإطلاق الآية وظهور الحكم في الإستمرار الزماني، ووقف العمل به عبارة عن نسخة وقطع استمراره، وهو لا يجوز إلا بسند شرعي معتبر، أما ما ذكره من دوران الحكم مدار العلة وجوداً وعدماً، وحيث انتفت العلة وهي الحاجة إلى التأليف لكثرة من دخل في الإسلام فينتفي معلولها، وهو فيؤخذ عليه:

أولاً: أن ظاهر أخذ وصف في موضوع حكم، دخالته نفسه في الحكم وعليته له لا شيء آخر، فظاهر قوله تعالى: (والمؤلفة قلوبهم) أن التأليف علة الحكم لا الحاجة إلى التأليف، ولا هو في ظرف الحاجة فالعلة باقية فيجب بقاء الحكم.

وثانياً: لو سلم ذلك فإن انتفاء العلة ممنوع، إذ المؤلفة قلوبهم غير محصورين بمن يؤلفون الحاجة الجهاد حتى يقال لسنا بحاجة إليهم لكثرة من دخل في الإسلام، بل الحاجة إلى التأليف لتقوية نيات ضعفاء المسلمين وتثبيتهم، إذ لا خير في إسلام بلا يقين، وهم موجودون في كل زمان، فلا وجه لانتفاء الحكم مع وجود علته، ولو أريد انتفاء العلة حتى بالنسبة لضعفاء المسلمين لكثرة من دخل في الإسلام، فإن ذلك من الغرابة بمكان، فإن الخليفة الثاني عند نسخة هذا الحكم لم يكن للإسلام هذه الكثرة المفرطة حتى لا يبالي بمن ثبت ومن لم يثبت، على أنه ليس من الحكمة عدم المبالاة بمثل هؤلاء الضعفاء ممن يريد لو استطاع أن يجمع الناس جميعاً تحت راية الإسلام، ويثبتهم على مبادئه.

وثالثاً: أنه لو حصرنا العلة بالحاجة إلى الجهاد فإنا نمنع انتفاء الحكم: ذلك لأن علل الشرع ومقاصده من قبيل الدخيل في مقتضى الحكم وعلته التامة إذ هي

/ صفحة 174 /

علل غائية له، فقد يتوقف على شرط غيرها، وقد يمنع من تأثيره مانع، فلا يمكن ـ والحالة هذه ـ استكشاف حكم منها وجوداً أو عدماً، إلا فيما علم بنحو الجزم أن المقصد من قبيل الغاية المنحصرة، وأنا مع إرادة المشرع (سبب كاف) لتشريع الحكم، وهنا لم يعلم أن التأليف ولو من جهة الحاجة إليه كذلك. لجواز أن يكون للمشرع للحكم مقصد آخر لم نطلع عليه، وعدم العلم بالوجود لا ينفي الوجود، فلا وجه لانتفاء الحكم إلا الاستنباط الظني وهو لا يغني عن الحق شيئاً مع أنا قد نحتاج إلى الجهاد وإلى التأليف من أجله، خصوصاً في الظروف العصيبة التي يمني بها المسلمون على مر العصور، (وأما الأحكام البقية) فهي صريحة المخالفة للكتاب، ولا وجه لها لأنها في قبال النص الصريح، فهل يجوز مثل هذا الإجتهاد اقتداء بالخليفة الثاني وبإجتهاده (الحر)، وأما ما قاله في ص148، من أن الإسلام مرن بطبعه يتحمل مثل ذلك، فقد جعل الإجتهاد مصدراً من مصادر الشريعة، وأباح النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لمعاذ بن جبل أن يجتهد برأيه، فيؤخذ عليه أن فيما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لمعاذ عند ما أراد إرساله قاضياً إلى اليمن روايتين:

إحداهما أنه قال له عند ما سأله: بم تحكم? قال: بما في كتاب الله. قال: فإن لم تجد فيه، قال بما في السنة، قال: فإن لم تجد فيها، قال: أجتهد برأيي، فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يحبه الله ورسوله، والأخرى: أنه قال له بعد قوله أجتهد برأيي: لا، أبعث إلى أبعث إليك، فالأولى معارضة بالثانية، فلا حجية بها: مضافاً إلى أننا لو سلمنا الرواية الأولى، فإن مراد معاذ من الإجتهاد الذي أقره عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، إنما هو ما كان يصدر به عن الكتاب والسنة استنباطاً بالإجتهاد أو عما يجرع إليهما أو إلى أحدهما، والمراد من قوله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فإن لم تجد في الكتاب أو في السنة يعني صراحة ونصا بلا حاجة إلى إعمال فكر أو مشقة اجتهاد، فليس المراد بالاجتهاد الذي أقره النبي إلا ما يصلح بنظر الشريعة أن يكون حجة على الحكم لا مطلق الإجتهاد ولو كان بقياس ظني أو علية مستنبطة بالظن، كيف والآيات الناهية عن الحكم بغير ما أنزل الله بمرأى

/ صفحة 175 /

من المسلمين جميعاً ومسمع، فضلاً عمن أنزلت عليه، فلا وجه لجعل مثل هذا الإجتهاد مصدر تشريع بين المسلمين، لذلك قيد الإمامية الإجتهاد بمصادر لا تخرج عن دائرة الكتاب والسنة. وفي ذلك غنى وكفاية.

رسالة الإسلام

من المعلوم أن النص على مصارف الزكاة في الآية لا يدل على وجوب وجودها جميعاً واستمرارها في كل زمان، ولكن إذا وجدت هذه الأصناف الثمانية، كان لكل منها نصيبه من الزكاة، وإذا وجد بعضها كان هو المستحق، وليس على الإمام ولا المؤمنين أن يعملوا على إبقاء الأصناف الثمانية بحيث لا ينقرض منهم صنف، بل ليس ذلك في قدرتهم.

إذا تبين هذا، فالقضية التي قضي فيها عمر رضي الله عنه، ليست هي حرمان المؤلفة قلوبهم مع وجودهم، ولكن هي عدم الإعتراف بوجودهم وجوداً معتبراً فيه هذا الوصف الذي هو التأليف، إذا التأليف فعل مصلحي يقدر الإمام الحاجة إليه فيفعله، أو عدم الحاجة إليه فيتركه، فإذا فعله كان ذلك منه اعترافاً بوجود هذا الصنف من المستحقين، وكان عليه أن يعطيهم حقهم ونصيبهم في الزكاة، وإذا لم يفعله لأنه لم ير داعياً إلى فعله كان ذلك منه حكماً بعدم وجود هذا الصنف فيئول نصيبه إلى باقي الأصناف، وهذا ما أراده عمر، فهو لم يحرم قوماً نص القرآن على إعطائهم حتى يقال إنه نسخ حكماً قرآنياً وإنما أعلن الأمة أنه ليس فيها على عهده من يسمى (مؤلفاً قلبه) لأن التأليف لا يكون إلا حيث يشعر الإمام بحاجة الإسلام إليه ولا حاجة الآن في نظره، فليس هناك تأليف، ومن ثم فليس هناك مؤلفة قلوبهم.

ويوضح ذلك أنه لا يوجد الآن رق، فالصنف الخامس من الأصناف التي نصت عليها الآية (وفي الرقاب) غير موجود، فلا يقال إن الإمام الذي حكم بمنع الرق فامتنع تبعاً لذلك اعطاء أحد نصيباً من الزكاة باسم الرق ـ قد نسخ حكماً قرآنياً بإعطاء مستحق، وإنما الأمر أمر انعدام صنف من الأصناف، فإذا أراد أحد أن يناقش عمر في حاجة الإسلام إلى التأليف حينذاك أو عدم حاجته إليه، فهذا موضوع آخر هو محل الإجتهاد ولا علاقة له بموضع النص.

/ صفحة 176 /

ويقول الأستاذ الكاتب بعد ذلك: (وأما الأحكام الباقية فهي صريحة المخالفة للكتاب، ولا وجه لها لأنها في قبالة النص الصريح).

ونقول له: أما في مسألة الطلاق الثلاث، فإن الأمر قد اشتبه على كثير من المتكلمين في هذا الموضوع، فالذين ينقدون صنيع عمر يقولون: كيف جاز له أن يخالف نص القرآن في قوله تعالى: (الطلاق مرتان) وما كان على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) من أنه إذا قال الرجل لزوجته أنت طالق ثلاثاً عدت واحدة? كيف يجعلها عمر ثلاثاً? وهل غاب عنه أن جعل الألفاظ والصيغ سبباً في كذا، إنما هو حكم وضعي ليس لأحد أن يجتهد فيه أو يبدله؟.

ولكن الحقيقة أن عمر لم يتعرض لوقوع الطلاق ثلاثاً، ولم يعارض حكم الله أو حكم رسوله وحاشاه، ولكنه أخرج الأمر على غير هذا، فرأى أن الرجل إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثاً في لفظ واحد، كان ذلك سبباً في وقوع طلقة واحدة، ومعنى هذا أنه يحق له مراجعتها بعد هذا القول، فهو قد جاء إلى هذا الحق فعاقب الناس على استعجالهم فيما كانت لهم فيه أناة بسلبهم إياه وحرمانهم منه، وللإمام أن يعاقب بالحرمان من بعض المباحات إذا وجد مصلحة في ذلك، كما تفعل الحكومات الآن في (منع التجول) بالليل مثلاً لظروف تقضي بذلك، مع أن التجول في ذاته مباح، فالخلاصة أن عمر لم يجعل الصيغة سبباً في وقوع ثلاث طلقات، بينما جعلها الشارع سبباً في وقوع طلقة واحدة، وإنما رأى أن يعاقب من يفعل ذلك ـ وهو مخالف للسنة ـ بحرمانه من حق له هو الرجعة، بمقتضى ماله من الهيمنة والسلطان، لا بمقتضى التشريع ومعارضة النص.

وأما عدم حده رضي الله عنه للمسلم الذي شرب، لما رأى الحد يؤدي إلى تنصره والتحاقه بالقسطنطينية، وعدم حده السارق في عام المجاعة، فالأمر فيهما يسير، فالأول تأجيل للحد لا إلغاء له، والثاني اعتبار للضرورة التي تبيح الإقدام على المحرم كأكل الميتة للمضطر.