/ صفحة 177 /
لحضرة صاحب الفضيلة الدكتور محمد يوسف موسى
من علماء الأزهر وأستاذ بجامعة فؤاد الأول
نكتب هذه الكلمة والعالم العربي والإسلامي يتأهب للاحتفال بالعيد الألفى لفيلسوف الإسلام الأكبر (ابن سينا) ويشاركنا في هذا الإحتفال صفوة من كبار المستشرقين الذين لكل منهم قدم راسخة في الدراسات الإسلامية بعامة، والفلسفية بخاصة. لذلك، نرى أن من حق (رسالة الإسلام) أو من واجبها بعبارة أصح، وهي زعيمة المجلات العربية الإسلامية، أن تحتفل بهذه المناسبة الكبيرة المجيدة، ولهذا، نكتب هذه الكلمة لها، وفاء بحق الشيخ الرئيس، راجين أن يكون الإحتفال على هذه الصور العالمية مقدمة لاحتفالات أخرى بكبار رجال الإسلام في التشريع والتفسير واللغة والفلسفة، إلى غير هذا كله من شتى وجوه نشاط العقل الإنساني.
ابن سينا وابن رشد، كلاهما فيلسوف خالد في تاريخ الفكر الإسلامي، ولكل منهما مكانه الملحوظ في تاريخ الفكر العالمي، فقد كان أولها فيلسوف الإسلام في المشرق، كما كان الثاني فيلسوف الإسلام في المغرب، وقد شغلت فلسفة كل منهما أوربا فترة طويلة من الزمن، حتى كان لكليهما تلاميذ وشيعة يتعصبون له، وينصرون مذهبه.
/ صفحة 178 /
وقد أحس كلاهما، كسائر الفلاسفة المسلمين، بالحاجة الماسة للعمل على التوفيق بين ما عرفاه من فلسفة الإغريق، وما جاء به الإسلام من عقائد دينية، هذه العقائد التي قررها ودعمها القرآن نفسه، وكان نتاج التفكير الإسلامي في هذه الناحية: ناحية التوفيق بين الدين والفلسفة، وهو بحق معقد الطرافة أو الأصالة في الفلسفة الإسلامية.
وما كان لابن سينا ولا لأي فيلسوف إسلامي ألا يعني بهذه الناحية، إذا حرص على أن يبقى مسلماً، فيما بينه وبين ضميره، أو فيما بينه وبين المسلمين، ما دام ما جاء عن الفلاسفة الإغريق ـ وبخاصة فيما يختص بالإله وصلة العالم به ـ يتعارض مع ما جاء عن ذلك القرآن.
الله في رأي الإسلام هو الخالق لكل شيء، والذي لا يتم شيء إلا بأمره، ولا يدوم إلا بحفظه، والذي يعلم كل شيء مهما صغر ودق، وهو الذي أخرج العالم من العدم للوجود، وخلق كل شيء بلا واسطة أحد من خلقه، وله المثل الأعلى من الصفات التي ينطق بها القرآن في كثير من آياته.
هذا الإله، وهذه صفاته، وتلك أفعاله، لا يمكن أن يتفق مع إله أرسطو، أو (المحرك الأول) بعبارة أخرى، ولا مع فكرة (الواحد) كما نعرف عن الأفلاطونية الحديثة، والتي دخلت بعد هذا في الإسلام.
ومن ثم، نرى فلاسفة الإسلام جميعاً، من تقدم منهم عن ابن سينا، ومن تأخر، يبذلون جهدهم في سبيل التوفيق بين القرآن والفلسفة الإغريقية كما عرفها وربما كان ما أتوا به من جديد في تاريخ الفكر الفلسفي يتركز في هذه الناحية وحدها.
* * *
هذا، وليس من المستطاع أن نتناول هنا جميع المشاكل الإلهية عند ابن سينا، لذلك سنكتفي بمسألة (وجود الله تعالى وإثباته) ومن الطبيعي أننا سنضطر إلى الإشارة لما كان من رد الغزالي بعنف وعرامة على الفلاسفة ممثلين في الفارابي
/ صفحة 179 /
وابن سينا، ثم من بعد إلى ما كان من ابن رشد في رده على الغزالي، وكتابة: (تهافت الفلاسفة) محاولا بيان الحق في المشاكل التي احتدمت الخصومة من أجلها بين حجة الإسلام والفارابي وابن سينا.
وابن رشد (520 ـ 595هـ) يعتقد اعتقاداً لا ريب فيه أن أرسطو هو المفكر الأعظم الذي أدرك في هذه المسائل ونحوها الحق الذي لا يأتيه الباطل من جانب من جوانبه، وأنه الصورة العليا للعقل الإنساني، حتى ليسميه بالعقل الالهي. (وكان من هذا، أن توفر على شرحه واستخلاص فلسفته من كتبه، حتى سماه مؤرخو الفلسفة بحق (الشارح) للمعلم الأول بإطلاق.
من أجل ذلك، ولأنه نصب نفسه للانتصار للفلسفة والفلاسفة، ولأنه عني ينقض (تهافت الفلاسفة) للغزالي من أساسه، تراه يقف موقفين في هذا السبيل:
(أ) يقف مع ابن سينا، ضد الغزالي حين يراه متفقاً معه في الرأي، أو حين يراه قد صدر عن فلسفة أرسطوا الحقة بعبارة أخرى؛ فهو حينئذ قد يضيف لمذهب (ابن سينا) سنداً جديداً، أو يجليه بشيء من الإيضاح لعباراته، والتفصيل لبعض ما يجمله.
(ب) ومن جهة أخرى، حين يرى (ابن سينا) خالف المعلم الأول، فابتدع ما لم يذهب إليه، نراه ينعى عليه هذا ويلومه بشدة من أجله، مبيناً أنه بصنيعه أتاح الفرصة للغزالي لمهاجمة الفلاسفة بعامة، بينما ابن سينا ـ أو هو الفارابي معه أحياناً ـ هو الذي يستأهل الرد وحده، وقد يلومه أحياناً أخرى، لا لأنه ذهب إلى رأي باطل، بل لأنه صرح برأي لا يصح التصريح به للعامة، وإن كان حقاً في نفسه، كما في مسألة المعجزات التي لم يتكلم فيها القدماء مع انتشارها، لأنها من مبادئ الشريعة التي يجب أن يعاقب الفاحص عنها والمشكك فيها (1).
إذاً، لا عجب إن رأينا شدة من فيلسوف قرطبة على الشيخ الرئيس، في هذه
ــــــــــ
(1) أنظر تهافت التهافت في مواضع كثيرة، ص514، 527.
/ صفحة 180 /
المسألة أو تلك، لأن هدف ابن رشد مما كتب كان بيان الحق، سواء كان مع الشيخ الرئيس أو مع حجة الإسلام الغزالي.
* * *
والآن نأخذ فيما قصدنا له، أي فيما كان بين ابن سينا وبين ابن رشد في مسألة وجود الله وإثباته، فهي أول المسائل الإلهية التي يتناولها المتكلمون والفلاسفة على السواء.
وجود الله وإثباته:
يرى أرسطو في القول (بالمحرك الأول) ما يكفي لتفسير وجود العالم، وما فيه من حركة وكون وفساد، فجعل هذا (المحرك الأول) الحد الأخير الذي تنتهي إليه سلسلة المتحركات؛ فهو وحده الثابت الذي لا يتحرك، وبغير وجوده لا تجد حركة العالم تفسيرها المعقول.
وهذا المحرك الأول، أو الأخير في سلسلة المتحركات بعبارة أخرى، هو الإله في رأي المعلم الأول. ولكن، ما أثر هذا المتحرك الأول في العالم? هل يحركه باعتباره فاعلام خالفاً له? إن أرسطو وجد في القول بذلك صعوبات عقلية لم يستطع التغليب عليها، فذهب إلى أن هذه الحركة تكون منه باعتباره علة غائية يتجه إليها العالم، ومن ثم يكون الكون والفساد أي الحدوث والعدم.
لكن هذا الدور الذي جعله أرسطو للمحرك الأول، على أنه الإله، لا يجعله إلها حقا، وبخاصة من وجهة النظر الدينية، أي الإسلامية وغير الإسلامية، إذ أن هذا المحرك الأول، على هذا التصور والفهم، لن يكون هو فاعل العالم وصانعه وخالقه، بينما القرآن ـ وكل الكتب السماوية ـ صريح كل الصراحة في أن الله هو خالق كل شيء، الخالق بإطلاق وبكل ما تحتمل هذه الكلمة من معنى وقوة.
من أجل ذلك، نرى ابن سينا مضطراً للعدول عن طريق أرسطو لإثبات وجود الله تعالى، ما دام هذا الطريق لا يؤدي إلى إثبات أنه العلة الفاعلة الخالقة
/ صفحة 181 /
للعالم، إلى طريق آخر يستطيع أن يوفق به بين تصور أرسطو للإله، وفكرة القرآن عنه جل وتعالى.
وهذا الطريق الذي رضيه ابن سينا، ليس أيضاً طريق المتكلمين الذي يقوم على الاستدلال بالعالم المحدث من عدم، على وجود الله المحدث له، أي الاستدلال بالمخلوق على وجود الخالق. إنه لم يرض هذا الطريق أو الدليل، فهو دليل من لم يرتفع كثيراً عن العامة أمثال رجال علم الكلام. بل اختار دليلاً آخر يقوم على التفرقة بين الواجب والممكن، أو على عدم اعتبار شيء آخر غير الوجود نفسه.
وفي هذا يقول في كتابه الإشارات: (تأمل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأول ووحدانيته، وبراءته من السمات، إلى تأمل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه وفعله، وإن كان ذلك دليلاً عليه، لكن هذا الباب أوثق وأشرف، أي إذا اعتبرنا حال الوجود، فشهد به الوجود من حيث هو وجود، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود، وإلى مثل هذا، أشير في الكتاب الإلهي: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)، أقول: هذا حكم لقوم، ثم يقول: (أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد)، أقول: إن هذا حكم الصديقين الذين يستهدون به لا عليه) (1).
وبعد ذلك، ما هو هذا الدليل الذي اختاره ابن سينا لإثبات وجود الله، بعد أن لم يرض دليل أرسطو ودليل المتكلمين المسلمين? هذا الدليل يرتكز كلما قلنا، على التفرقة بين الواجب والممكن، فلنبدأ إذاً ببيان ما يريده بكل من هذين المصطلحين.
واجب الوجود، كما يذكر الشيخ الرئيس في النجاة (2) هو الموجود الذي متى فرض غير موجود عرض منه محال، وممكن الوجود هو الذي متى فرض
ــــــــــ
(1) الإشارات، طبع الحلبي القسم الثالث ما بعد الطبيعة، ص 79 ـ 80
(2) الطبعة الثانية للكردي بمصر عام 1938
/ صفحة 182 /
غير موجود أو موجوداً لم يعرض منه محال. وبتعبير آخر، يعتبر نتيجة للتعبير السابق، واجب الوجود هو الضروري الوجود، والممكن الوجود هو الذي لا ضرورة فيه بوجه، أي لا في وجوده ولا في عدمه.
هذا هو ما يعنيه ابن سينا بواجب الوجود وممكن الوجود، عند ما يتلكم فيما بعد الطبيعة، وفي غير هذه الناحية قد يراد بممكن الوجود معنى آخر.
على أنه لا ينبغي أن ننسي أن هذين الوصفين: (واجب وممكن) يثبتان للشيء باعتبار ذاته فقط، أي لا باعتبار شيء آخر يلاحظ معها. وإلا، فهناك من الموجودات ما هو واجب الوجود عند ملاحظة علة أو شرط آخر غير الذات؛ وحينئذ لا يكون واجب الوجود.
هذا هو واجب الوجود، أي الله، عند ابن سينا والمتكلمين.
مثلاً، كما يقول ابن سينا نفسه (1): الأربعة واجبه الوجود لابذاتها، ولكن عند وجود اثنين واثنين، وكذلك الاحتراق واجب الوجود لا بذاته، ولكن عند ما تلامس النار الهشيم مثلا؛ أي (عند فرض التقاء القوة الفاعلة بالطبع والقوة المنفعة بالطبع، أي المحرقة والمحترقة).
وهنا نلاحظ أن تقسيم الشيء إلى: واجب الوجود بذاته، وممكن الوجود بذاته، أي جعل القسمة ثنائية، لا يخالف تقسم المتكلمين له إلى: واجب الوجود ومستحيل الوجود، وممكن الوجود، أي جعل القسمة ثلاثية، فإن مستحيل الوجود هو شيء ممكن الوجود بذاته، ولكن عرض له ما جعله مستحيل الوجود بغيره؛ سواء كان هذا (الغير) هو عدم علة الوجود أو كان شيئاً آخر، وفي هذا يقول الشيخ الرئيس (2):
ــــــــــ
(1) النجاة، ص225. الإشارات، 36 ـ 37.
(2) وفي هذا أيضاً يقول في النجاة (ص 237): (وذلك أن تعلم أن كل حادث، بل كل معلول، فإنه باعتبار ذاته ممكن الوجود، ولكن الحق أن ذاته ممكنة في نفسها؛ وإن كانت باشتراط عدمها ممتنعة الوجود وباشتراط وجودها واجبة الوجود).
/ صفحة 183 /
كل موجود، إذا التفت إلي من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره؛ فإما أن يكون بحيث يحب له الوجود نفسه، أو لا يكون، فإن وجب، فهو الحق بذاته، الواجب وجوده من ذاته، وهو القيوم، وإن لم يجب، لم يجز أن يقال إنه ممتنع بذاته بعد ما فرض موجوداً؛ بل إن قرن به باعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم علته، صار ممتنعاً، أو مثل شرط وجود علته، صار واجباً (أي بغيره طبعاً) وأما إن لم يقترن به شرط، لا حصول علته ولا عدمها، بقي له في ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان، فيكون باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع، فكل موجود؛ إما واجب الوجود بذاته، وإما ممكن الوجود بحسب ذاته).
وبعد أن جلى ابن سينا هكذا معنى الواجب بذاته والممكن بذاته نراه يذكر أن (علة الحاجة إلي الواجب هي الإمكان لا الحدوث على ما يتوهمه ضعفاء المتكلمين) (1)، وسبيله في هذا هو أننا لو لم نفرق بين نوعي الوجود: من الذات ومن الغير، بأن جعلناه نوعاً واحداً هو الممكن، انتهى بنا الأمر حتماً إلى ما يحيله العقل؛ يعني إلى تسلسل العلل والمعلولات إلى غير نهاية، أو إلى وقوع الدور فيها. وإذاً، لابد من هذه التفرقة، ولابد من النظر لنفس الوجود الذي للممكن والوجود الذي للموجود منن ذاته، ومن ثم نصل إلى وجود موجود من ذاته يكون علة أولى ـ لا علة وراءها ـ لوجود الممكن بذاته الواجب الوجود من غيره.
وقد عني ابن سينا ببيان هذا الاستدلال في تفصيل في كتابه النجاة (2).
ثم أشار إليه في كتاب آخر إذ يقول (3): (ما حقه في نفسه الإمكان، فليس يصير موجوداً من ذاته؛ فإنه ليس وجوده من ذاته أولى من عدمه من حيث هو ممكن، فإن صار أحدهما أولى فلحضور شيء أو غيبته، فوجود كل ممكن الوجود هو من غيره. (لأنه) إما أن يتسلسل ذلك إلى غير النهاية، فيكون كل واحد
ــــــــــ
(1) هذا عنوان فصل من فصول النجاة ص213، وفيه في تفصيل وجهة نظر واستدلاله.
(2) ص 235
(3) الإشارات والتنبيهات ص40، 41.
/ صفحة 184 /
من آحاد السلسلة ممكناً في ذاته، والجملة متعلقة بها، فتكون غير واجبة أيضاً، وتجب بغيرها).
ونتيجة هذا المجهود كله من ابن سينا، في المواضع التي ذكرناها من كتاباته، وفي مواضع أخرى أيضاً (1)، هي إثبات أن الممكن محتاج للواجب ويجب عنه حتماً، قطعاً للدور والتسلسل اللذين يحيلهما العقل، وبيان أن طريق الخاصة في إثبات وجود الله هو النظر إلى الوجود نفسه في الجملة؛ أي وجود الواجب بذاته، ووجود الممكن بذاته الذي يوجب عقلا أن يكون الوجود الأول علة له (2).
هكذا، رأينا الشيخ الرئيس، لم يرض لنفسه باعتباره فيلسوفاً، مسلك رجال علم الكلام من الاستدلال على وجود الله بآثار هذا الوجود، وهو وجود العالم فإنه، وإن اعتبر صلاحية هذا دليلاً، جعل الاستدلال به حظ العامة أو ضعفاء المتكلمين حسب تعبيره كما عرفنا، هؤلاء المتكلمون الذين يستدلون بالمصنوع على الصانع، أو بالأثر المخلوق على المؤثر الخالق، بينما يجب أن يستدل بالخالق على المخلوق، أو بالصانع على المصنوع، كما هو شأن الفلاسفة وهم خاصة أولي الفكر.
ونعتقد أن الخطب في هذا سهل يسير؛ فكلا الطريقتين (طريق المتكلمين وطريق الفلاسفة) ينتهي إلى أن الحادث لابد له من محدث كما يقول المتكلمون، وإلى أن وجود الممكن ـ ما دام ليس وجوده من ذاته ـ يستدعي حتماً وجود واجب بذاته، تعني واجب الوجود وهو الله تعالى خالق كل شيء وبه يستمد وجوده.
إلا أن ابن سينا ـ كما أشرنا من قبل ـ أعرض عن دليل أرسطو لإثبات المحرك الأول هو الإله، لأنه رآه انتهى به إلى محرك أو إله لا فعل له؛ فلم يصدر العالم عنه، وإن كان يتحرك بدافع الشوق أو المحبة أو العشق نحوه باعتباره غاية له.
ــــــــــ
(1) انظر مثلاً الرسالة العرشية طبعة حيد آباد الدكن سنة 1353هـ، ص2، 3.
(2) هذا المسلك في التدليل على واجب الوجود، بالنظر إلى الوجود نفسه، والتفرقة بين الواجب والممكن، وتجده قبل ابن سينا لدى الفارابي، انظر نصوص الحكم من مجموع فلسفة الفارابي، ص139؛ عيون المسائل ص66 من المجموع نفسه.
/ صفحة 185 /
وقد اضطر الشيخ الرئيس، وهو أرسطي الاتجاه في الطبيعة وما بعد الطبيعة بخاصة، إلى العدول عن رأي المعلم الأول، في الإله وتصوره له، لما رآه من أن القرآن نفسه يصرح بأن الله ليس علة غائية للعالم فحسب، بل هو علة فاعلة صدر عنها العالم ولولاها كان، وأنه لولا عناية الله الخالق به لما بقي موجوداً طرفة عين، وفي هذا يقول القرآن: (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده)(1).
إن صاحب النجاة والشفاء حين جعل العالم محتاجاً في وجوده لله، قد ربط بينهما برباط وثيق لا انفصام له، هو رباط ما بين العلة والمعلول. كما أنه قد استخدم فكرة الواجب بذاته والواجب بغيره ـ أي الممكن ـ في التوفيق بين الدين والفلسفة، حتى ظن أنه أرضى كلا من هذين الطرفين.
إنه أرضى الفلسفة إذا استطاع أن يثبت لواجب الوجود كل ما رأى أرسطو إثباته للمحرك الأول من خصائص: الوحدة، البساطة، إنه عقل محصن وفعل محض، الأزلية والأبدية...الخ؛ وإلا لو لم يثبت له هذه الخصائص، لكان معلولاً لغيره، لا واجب الوجود بذاته. بل، قد أفاد من هذه الفكرة في سبيل إثبات ما رأى الدين إثباته لله تعالى من صفات أخرى، مع بقائه دائماً بسيطاً واحداً من كل وجه إذا أرجع كل هذه الصفات لذاته كما فعل المعتزلة؛ وإلا، لاحتاج إلى علة بها يكون التركيب، وقد ئبت من قبل أنه واجب الوجود بذاته.
كما إنه قد أرضى الدين، حين ربط بين الله والعالم برباط العلة والمعلول، كما ذكرنا من قبل. وإذاً، فالعالم يرجع في وجوده لله ما دام لا وجود له من ذاته؛ فهو وإن كان قديماً كما يقول أرسطو، لقدم علته، ولضرورة التلازم بين العلة والمعلول وجوداً وعدماً، لم يوجد من نفسه، بل هو مخلوق لله ودائم أبدا بدوام الله الأزلي الأيدي.
ــــــــــ
(1) سورة فاطر، مكية: 41.
/ صفحة 186 /
ولكن، هل نجح ابن سينا، حين جنح إلى هذا الدليل، في بلوغ الهدف الذي عمل له، وهو التوفيق بين الفلسفة والدين? هذا ما نتركه هنا جانباً لأننا لسنا بصدد الحديث عنه في هذا البحث:
على أن الغزالي كان له بالمرصاد، فلم يترك له هذا الإستدلال، وحاول جاهداً أن يبين عدم دلالته على المقصود وهو إثبات وجود الله تعالى. كما كان الأمر كذلك ـ من بعض النواحي ـ بالنسبة لابن رشد من بعد الغزالي؛ إذ رأى أن مسلك ابن سينا في إثبات المبدأ الأول مسلك جدلي لا برهاني، وأنه مع هذا لا يؤدي إلى المطلوب، ولهذا لم يرضه فيلسوف الأندلس عند ما أخذ في الاستدلال على ما جاء به الدين من عقائد.
موقف ابن رشد من ابن سينا، كما أشرنا من قبل، هو الوقوف بجانبه ضد الغزالي إن وافقه في الرأي؛ وإلا، إن رآه قد صرف فلسفة أرسطو أو لم يفهمها حق الفهم فاستحق نقد الغزالي اللاذع له، نجده يعني ببيان أن هذا ليس الحق، أو بعبارة أخرى ليس فلسفة المعلم الأول، وحينئذ لا يتأخر هو أيضاً عن نقد ابن سينا ولكن برفق غالباً، ثم يعمل على تصحيح استدلاله ليؤدي للمطلوب في المسائل موضوع النزاع، ومن هذه المسائل مسألة وجود الله وإثباته.
في هذه المسألة، التي حاول فيها الغزالي تبيين عجز الفلاسفة عن الإستدلال على وجود الصانع للعالم، يقول صاحب (تهافت الفلاسفة): إن أهل الحق (يريد المتكلمين) رأوا أن العالم حادث، والحادث لابد له من محدث، ما دام الحادث بالضرورة لا يوجد بنفسه، فثبت وجود الصانع للعالم. وأما الفلاسفة فقد رأوا أن العالم قديم، ثم أثبتوا له مع ذلك صانعاً، وهذا المذهب بوضعه متناقض فلا يحتاج فيه إلى إبطال (1).
وهنا نجد ابن رشيد يقف في صف الفلاسفة، ويبين أن مذهبهم مفهوم أكثر
ــــــــــ
(1) تهافت الفلاسفة، طبعة مصر سنة 1319هـ ص33.
/ صفحة 187 /
من مذهب المتكلمين، إنه يذكر أن الفاعل صنفان: فاعل يستغني عنه مفعوله بعد أن يوجده كالبناء بالنسبة للدار؛ وفاعل يوجد المفعول أيضاً، ولكنه لا يظل موجوداً إلا به، فهو محتاج إليه أبداً. وهذا الفاعل أشرف وأدخل في باب الفاعلية من الأول؛ لأنه يوجد مفعوله ويحفظه، والفاعل الآخر يوجد مفعوله ويحتاج (هذا) إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد) (1)، وإذاً، من يرى من الفلاسفة أن يكون الفعل الصادر عن موجد يجب أن يكون حادثاً، قال إن العالم حادث عن فاعل قديم؛ ومن يرى أن فعل القديم يجب أن يكون قديماً، قال إن العالم حادث عن فاعل لم يزل قديماً، وفعله قديم، أي لا أول له ولا آخر، لا أنه موجود قديم بذاته (2).
إلا أن (الشارح) نعني ابن رشد، لم ير أن يسير مع ابن سينا في طريقه الذي رأى يثبت به وجود الله؛ فقد رآه غير منتج للمطلوب، ولهذا اعترض عليه الغزالي ولم يسلمه له، وهذا الطريق هو التفرقة بين الواجب والممكن، والاستدلال على الفاعل من نفس وجود الواجب ووجود الممكن.
يرى بان رشد أن سلفه ابن سينا استفاد طريقه من المتكلمين المسلمين، ورآه (أي ابن سينا) خيراً من طريق القدماء، أي فلاسفة اليونان، لأنه زعم أنه من جوهر الموجود، ودليل ابن سينا يقوم ـ كما عرفنا ـ على التفرقة بين الواجب من ذاته والممكن من ذاته، وأن العالم بأسره من هذا الضرب الثاني؛ وإذاً، فهو محتاج في وجوده لواجب الوجود من ذاته، قطعاً للتسلسل والدور المحالين عقلاً، (وهذا ـ كما يقول ابن رشد ـ هو اعتقاد المعتزلة قبل الأشعرية، وهو قول جيد ليس فيه كذب) (3).
لكن ابن رشد، بعد هذا، يرى أن طريق ابن سينا لا ينتهي به إلى ما يريد،
ــــــــــ
(1) تهافت التهافت، طبعة بيروت سنة 1930م، ص264.
(2) تهافت التهافت، ص264، 265.
(3) تهافت التهافت ص276.
/ صفحة 188 /
نعني إثبات موجود بذاته لا علة له، ويكون هو العلة الأولى لوجود العالم الممكن بذاته.
ذلك، بأن قسمة الموجود إلى ما هو ممكن له علة ـ بمعنى استواء الوجود وعدمه إلهي، والعلة هي التي ترجح وجوده، وإلا لم يوجد ـ وإلى ما هو غير ممكن، أي واجب الوجود من ذاته، قسمة لا تحصر الموجود بما هو موجود (1)، فإن الموجود الذي له علة ينقسم إلى ممكن حقيقي، أي قد يوجد وقد لا يوجد، وإلى ما هو ضروري يوجد حتماً بغيره وإن كان ممكناً بذاته.
وعلى هذا، إن فهمنا من الممكن، الممكن الحقيقي، انتهى بنا الأمر إلى ممكن ضروري له علة، ولم يفض إلى ضروري لا علة له، هو الذي يعنونه بواجب الوجود، لأن الممكنات الحقيقية هي التي يستحيل فيها وجود العلل إلى غير نهاية وأما إن فهمنا المراد بالممكن في هذا الدليل على أنه الضرب الثاني من الممكن، أي الممكن بذاته الضروري بغيره كالجرم السماوي، فليس ييناً بعود أن تسلسل العلل فيه إلى غير نهاية مستحيل بالوجه الذي تبين في الموجودات الممكنة بالحقيقة، كما ليس بينا بعود أن ههنا ضرورياً يحتاج إلى علة (2)، وإذاً، فليس كل موجود محتاجاً إلى علة، ومن ثم لا يثبت وجود واجب الوجود من ذاته وأنه ضروري لوجود كل موجود مطلقاً.
ولهذا الخلل في طريق ابن سينا، حين استدل بالتفرقة بين الواجب والممكن وجعل تأمل نفس والوجود يؤدي لإثبات وجود الله الموجود من ذاته، دون أن يلاحظ أن من الممكن ما هو ممكن ضروري لا تستبين فيه استحالة تسلسل العلل إلى غير نهاية، كما تستبين في الممكنات الحقيقية، لهذا أمكن للغزالي أن يخرج من مناقشته لدليل الفلاسفة بأنه لا سبيل لهم إلى الوصول لإثبات المبدأ الأول،
ــــــــــ
(1) تهافت التهافت، ص279.
(2) نفسه، ص276، 277؛ وانظر أيضاً ص418.
/ صفحة 189 /
ويكون قولهم بهذه التفرقة وإفضائها إلى ذلك تحكماً محضاً، إذ يلزم على هذا أن تكون أجسام العالم قديمة كذلك لا علة لها (1).
من أجل ذلك كله، ورغبة من ابن رشد في تصحيح دليل ابن سينا ليكون برهانياً منتجاً للمطلوب، نجده يقول بأنه يجب استعمال هذا الدليل هكذا: (الموجودات الممكنة لابد لها من علل تتقدم عليها. فإن كانت العلل ممكنة لزم أن يكون لها علل ومر الأمر إلى غير نهاية؛ وإن مر الأمر إلى غير نهاية لم يكن هنالك علة، فلزم وجود الممكن بلا علة وذلك مستحيل، فلابد أن ينتهي الأمر إلى علة ضرورية. فإذا انتهى الأمر إلى علة ضرورية، لم تخل هذه العلة الضرورية أن تكون ضرورية بسبب أو بغير سبب؛ فإن كانت بسبب، سئل أيضاً في ذلك السبب. فإما أن تمر الأسباب إلى غير نهاية، فيلزم أن يوجد بغير سبب، ما وضع أنه موجود بسبب، وذلك محال. فلابد أن ينتهي الأمر إلى سبب ضروري بلا سبب، أي بنفسه، وهذا هو واجب الوجود، فبهذا التفصيل يكون البرهان صحيحاً. وأما إذا خرج المخرج الذي أخرجه ابن سينا، فليس بصحيح من وجوه؛ أحدها أن الممكن المستعمل فيه هو باشتراك الإسم (2)؛ وقسمة الموجود أولاً فيه إلي ما هو ممكن وإلى ما هو غير ممكن ليس بصحيح، أعني أنها ليست قسمة تحصر الموجود بما هو موجود (3).
هذا، وابن رشد. لا يرى فقط أن ابن سينا قد أخطأ حين سلك هذا الطريق لإثبات وجد الله تعالى، بل يراه أخطأ أيضاً إذ أتاح للغزالي فرصة إلزامه بوجود موجود قديم مع أنه جسم، كالسموات والعناصر الأربعة؛ فإنها ـ عند الفلاسفة ـ قديمة بأجسامها وموادها، والصور هي التي نتبدل عليها بالكون والإستحالة
ــــــــــ
(1) تهافت الفلاسفة، ص33، 34.
(2) يريد، فيما نعتقد، أن الممكن منه حقيقي ومنه ضروري.
(3) تهافت الفلاسفة، ص 287 ـ 279.
/ صفحة 190 /
والفساد. وما دامت قديمة تكون إذاً لا علة لها، لأن العلة لابد منها لما يحدث، وهذه الأجسام قديمة ولا يحدث فيها إلا صورها (1).
وهكذا نرى طريقة ابن سينا في الاستدلال لإثبات وجود الله، بالاستناد إلى فكرة واجب الوجود وممكن الوجود، لا تؤدي إلى نفي مركب قديم، فإن استدلاله (يؤدي من جهة استحالة التسلسل، إلى وجود ضروري لا علة فاعلة له، لا إلى موجود ليس له علة أصلاً، لأنه يمكن أن يكون له علة صورية أو مادية (2).
وينتهي الغزالي من هذا كله، إلى أن يقرر بأن من لا يعتقد حدوث الأجسام لا يصل إلى الاعتقاد في الله باعتباره صانع العالم وخالقه (3) وذلك شأن الفلاسفة.
ومن أجل ذلك، نرى ابن رشد يقر بأن هذا يلنوم من مسلك الطريقة التي سلكها ابن سينا في إثبات موجود بذاته وليس جسماً، أي الله جل وعلا، وقد سلكها زاعماً أنها أفضل من طريقة الفلاسفة القدماء.
إن القدماء قد وصلوا إلى إثبات هذا الموجود، الذي هو مبدأ للكل، من ناحية الحركة والزمان. لكن الشيخ الرئيس انتهى إلى ذلك، فيما زعم، من ناحية النظر في الوجود وطبيعة الموجود الواجب الوجود والموجود الممكن الوجود كما سبق بيانه، فكان ما كان بينه وبين الغزالي. إلا أن هذه الطريقة لا تؤدي إلى ما أراد ابن سينا، كما يذكر ابن رشد في مواضع كثيرة من كتاباته (4) وكما قلنا ذلك من قبل.
* * *
وبعد! إذا كانت طريقة ابن سينا في إثبات وجود الله تعالى لم ترض فيلسوف
ــــــــــ
(1) تهافت الفلاسفة، 50.
(2) تهافت التهافت، ص313.
[3] تهافت الفلاسفة، ص50.
[4] أنظر، فضلاً عما تقدم، تهافت التهافت ص419 ـ 420.
/ صفحة 191 /
الأندلس، ولذلك نالت منه ومن الغزالي قبله كثيراً من النقد، فما هي طريقته نفسه التي رضيها في هذه المسألة?
من البديهي أن يسلك ابن رشد إلى هذا الغرض سبيل الفلاسفة، أي إثبات وجود الله من ناحية الحركة والزمان، أو من ناحية النظر في الوجود الواجب والوجود الممكن على النحو الذي شرحه في نقده لابن سينا كما تقدم.
إلا أن هذا المسلك الفلسفي النظري يراه أليق بالخواص الفلاسفة، وأما غيرهم فلابد أن يكون لهم طريق آخر يتناسب ومداركهم، وهذا هو شأن فيلسوف قرطبة في بحث أكثر العقائد الدينية، هذه العقائد التي تثير من المشاكل ما لا يستطيع غير الخاصة النظر فيها من طريق الفلاسفة أصحاب البرهان كما يقول.
وابن رشد قبل أن يعرض لهذا الدليل الذي يصلح للجميع، أي للعلماء والجمهور، أو للخاصة والعامة، ونراه يذكر دليل الأشاعرة من المتكلمين، ثم ينقده لأنه لا يصلح في رأيه للخاصة ولا للعامة من الناس، إنه يقول إن هذا الدليل، في صورته المشهورة، يقوم على أن العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث، والمحدث هو الله (1).
إلا أن هذه الطريقة ليست، في رأي فيلسوف قرطبة، الطريقة الشرعية التي نبه الله عليها، ودعا الناس للإيمان به من قبلها، لما في إثبات هذه المقدمات من شكوك ليس في قوة صناعة الكلام الخروج منها، كما بين ذلك شيء من التطوبل (2).
بعد هذا يذكر أن الطريقة التي نصل بها لإثبات وجود الله، ولمعرفته، والتي نبه القرآن إليها، هي ما يسميه (دليل العناية) ثم (دليل الاختراع).
أما دليل العناية، فيقوم على أن جميع الموجودات موافقة لوجود الإنسان، فهي إذاً قد وجدت بإيجاد فاعل قاصد مريد لذلك. وأما دليل الإختراع فهو
ــــــــــ
(1) أنظر في هذا الإقتصاد للغزالي، مثلاً، ص13 وما بعدها.
(2) فلسفة ابن رشد، طبعة ميونيخ سنة 1859، ص29 وما بعدها.
/ صفحة 192 /
يقوم على أن كل شيء من السموات والحيوان والنبات وغير ذلك كله مخترع، وذلك بدليل المشاهدة وحركات السموات الدالة على أنها مسخرة لنا، وكل ما كان كذلك فهو مخترع، وكل مخترع، فيصح من هذين الأصلين أن للعالم فاعلاً مخترعاً له (1).
ثم ساق ابن رشد، بعد هذا، في إحكام آيات كثيرة من القرآن يؤيد بها هذين الدليلين، وما اشتمل عليه كل منهما من مقدمات. وأكد لنا أن هاتين الطريقتين هما طريقة الخواص، أي الفلاسفة والعلماء، وطريقة الجمهور (2).
كما يذكر أن ما بين هذين الفريقين من فرق، هو الاختلاف بين المعرفتين بالتفصيل بمعنى أن الجمهور يقتصرون من معرفة العناية والإختراع على ما يدرك بالحس، وأما العلماء فيزيدون على ما يدرك بالحس: ما يدرك بالبرهان.
وأخيراً، ينتهي ابن رشد بأن يقول بأن هذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والطبيعية لإثبات وجود الله ومعرفته، وهي التي جاءت بها الرسل، ونزلت بها الكتب المقدسة.
* * *
وأخيراً، فنحمد الله حق حمده على أن مضى إلى غير رجعة زمن اضطهاد الفكر ورجاله، والفلسفة والمشتغلين بها، وآية ذلك أن الأزهر ـ معقل الدين والدراسات الإسلامية ـ يسهم رسمياً في الاحتفال بابن سينا كبير فلاسفة الإسلام، ومن ثم لقب بحق بالشيخ الرئيس.
ــــــــــ
(1) فلسفة ابن رشد، ص43 وما بعدها. ولكن، أليس هذا هو دليل الأشاعرة الذي نقده!.
(2) نفسه، ص46.
(3) نفسه ونفسه الموضع.