/ صفحة 229 /

تفسير القرآن الكريم

لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ محمود شلتوت

سورة النساء

ـ 5 ـ

خلاصة ما سبق ـ نداءات إلهية باعتبارات مختلفة: (يأيها الناس ـ يا أهل الكتاب ـ يأيها الذين آمنوا) ـ لا بد للحق من القوة ـ أهداف الإسلام من الحرب ـ القتال في سيبل هذه الأهداف هو الجهاد في سبيل الله ـ الأمر بإعداد القوة ورباط الخيل ـ مقتضيات (أخذ الحذر) ـ الجندية واجب على كل قادر ـ قراء القرآن في الصدر الأول كانوا في مقدمة المجاهدين ـ عناصر الفتنة والتخذيل ووجوب التطهر منهم: المتثاقلون ـ الناكصون ـ المبيتون غير ما يظهرون ـ المرجفون ـ مشروعية الأحكام العرفية عند الحاجة إليها ـ الحرب سجال ـ صلاة الخوف ـ دلالة تشريعها على أهمية الصلاة ـ حرب الأفكار والمبادىء.

خلاصة ما سبق:

قلنا في عدد سابق ـ أخذاً من واقع الحياة، وتاريخ الاجتماع ـ إحتفاظ الأمة الأمة بكيانها يرتبط بأمرين لا بد منهما: الاستقرار الداخلي، والاستقرار الخارجي، والاستقرار الداخلي، أساسه صلاح الأسرة، وصلاح المال، وقوة النظم التي تساس بها في جميع شئونها. والاستقرار الخارجي، أساسه، احتفاظ الأمة بشخصيتها، واستعدادها لمقاومة الشر الذي يطرأ عليها، والعدو الذي يطمع

/ صفحة 230 /

فيها، ولا بد مع هذا وذاك من تقوية العنصر الروحي] في قلوب أبنائها، حتى يتحقق فيما بينهم التضامن والتعاون على السير بالأمة في ظل تشريعها القوى العادل، في سبيل الخير والفلاح، والعزة والمنعة.

وقلنا: إن سورة النساء قد تكفلت بوضع كثير من الأحكام التي تصلح بها هذه النواحي.

وقد عرضنا فيما سبق إلى موضوعات: الأسرة، والمال، ومصادر التشريع، والعنصر الروحي، وألوان من التمرد على التشريع، إلى آخر ما وفقنا الله إلى فهمه واستنباطه من آيات سورة النساء، وهذه آية من آياتها الكريمة، التي عرضت لأساس الاستقرار الخارجي، وقد سبحت السورة في هذا الجانب سبحاً طويلاً، يبتدئ من آيتنا رقم 71 حتى الآية 104.

نداءات إلهية باعتبارت مختلفة:

وقد بدئت الآية بنداء المؤمنين، وقد اشتملت سورة النساء على جملة من النداءات الإلهية، نودي الناس جميعاً بثلاثة منها، ونودي أهل الكتاب بأثنين منها، ونودي المؤمنون بتسعة منها، ونحب أن نضع هذه النداءات جميعها أمام قارئ (رسالة الإسلام) مع تعليق وجيز على كل نداء منها لتكون بيده أشبه بقوانين كلية، له أن يستنبط منها ما تحتاج إليه الأمة من وسائل تنظيمها في أهم شئونها.

وإن من يقرأ هذه النداءات، ويفقه الأحكام التي تضمنتها يجد أن النداء في كل آية من هذه الآيات قد اختير له وصف من شأنه أن يبعث المخاطبين على الامتثال، ويغرس في نفوسهم المعاني الإنسانية والدينية التي تحفزهم على العمل بما فيها من أحكام، والدعوة إليها، وتحول بينهم وبين الإعراض عنها، أو التهاون في شأنها، وتلفت أنظارهم إلى أن التهاون فيها لا يتفق في نظر العقل والحكمة، والحقيقة الواقعة، التي يعترفون بها في أنفسهم، ويعرفها الناس عنهم من جهة الاتصاف بهذا الوصف.

/ صفحة 231 /

يأيها الناس:

فوصف الإنسانية الذي تضمنه نداء الناس جميعاً في الآتات الثلاث وهن: (يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثير ونساء)(1) (يأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض) (170) (يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبينا)(174) هذا الوصف: (الإنسانية) هو الحقيقة المشتركة بين بني الإنسان، التي جعلت منهم جميعاً أسرة واحدة، ذات رحم واحدة، وهو بعد ذلك عنوان على خاصة العقل والإدراك، ولا ريب أن خاصة العقل والإدراك تقضي بمعرفة الخالق، والقيام بحق شكره وتقواه، وأن وحدة الحقيقة والرحم تدعو إلى تبادل العطف والرحمة، وأن يأخذ القوي من أبناء تلك الحقيقة وهذه الرحم بيد الضعيف منهم، وأن يِعنى بالنظر في مصالحه ويرعي شئونه، وفي هذا حفز قوي نحو امتثال ما صدرت به السورة من أحكام الضعفاء من اليتامى، والنساء، والسفهاء.

وباعتبار خاصية الإدراك الذي يوحى به النداء بوصف (الناس) وجه النداء إلى منكري الحق، من المشركين الذين خالفوا في قضية الألوهية، وأهل الكتاب الذين خالفوا في قضية الرسالة، وطلب من الجميع الإيمان في ذلك بالحق الذي جاء به الرسول من الرب الذي خلقهم، ومنحهم العقل وجعله حجة عليهم، وكلفهم بمقتضاه. وعلى هذا الأساس خوطبوا في النداء الثالث بأن ما جاء به محمد، ليس مما تأباه العقول التي منحوها بوصف الإنسانية، وإنما هو نور يهرع إليه العقل الإنساني ويتغذى عن طريقه بالمعارف الحقة، النقية.

يأهل الكتاب:

أماوصف (أهل الكتاب) الذي نادت به السورة مرتين، فهو يدل على أن للمنادين بالوحي السماوي، والهداية الإلهية، صلة وثيقة عن طريق الكتاب الذي أوتوه، وصاروا أهلاً له، وفيه تقرير الحق في الألوهية، وما لله من أوصاف

/ صفحة 232 /

الجلال والجمال، التي تأبى الحلول والاتحاد، كما تأبى البنوة التي زعموها لبعض رسله الكرام. وفيه الآيات الواضحات على أن رسولاً يأتي بعد التوراة والإنجيل، مصدقاً لما فيهما من أصول الدين وأركان الهداية، وإذن يكون إعراضهم عن رسالة هذا الرسول الذي جاء مصدقاً لما معهم، وغلوهم في رسولهم، وقد دعاهم إلى توحيد الله، وتنزيهه عن الوالد والولد؛ يكون هذا وذاك غير ملائم لاتصافهم بذلك الوصف وهو أنهم أهل الكتاب، ويكون موقفهم من الرسول، ورأيهم في الألوهية مما لايتفق ونسبتهم إلى الكتاب، ويكون موقفهم من الرسول، ورأيهم في الألوهية، كما يسجل عليهم به عدم أهليتهم لهذا الانتساب. ويبرزهم في صورة عجيبة: يدعون أنهم أهل كتاب، أو هم أهل كتاب، ثم ينكرون ما يقرره ذلك الكتاب. تناقض يثير العجب، ويرد عقلاءهم إلى تدبر شأنهم حتى يصححوا موقفهم في نظر أنفسهم، وفي نظر العقلاء جميعا.

يأيها الذين آمنوا:

أما نداءات (المؤمنين التسعة) فهي متعلقة بأحكام دعاهم إليها من آمنوا به، وبلغهم إياها رسوله، ونزل عليهم بها كتابه. ولا ريب أن مقتضى الإيمان أن يحافظوا عليها، وأن يعملوا على نشرها ورعايتها. وقد تناولت هذه النداءات جملة من النواحي التي يعتبر تنظيمها من أهم العناصر التي يتوقف عليها صلاح الجماعة وسعادتها.

ناداهم فيما يختص بأساس الأسرة (يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن).

وناداهم فيما يختص بالمال (يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل).

وناداهم فيما يختص بأهم أركان التهذيب الروحي وموقف المراقبة والمناجاة وهو الصلاة (يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا).

وفي هذا النداء إيحاء بوجوب العمل على تصفية النفس في مواقف الخير عما

/ صفحة 233 /

يدنسها، أو يضعف الإشراق عليها، إذ ليس من المعقول أن يدخل الإنسان في بيئة نورانية وهو متحمل للظلمات، مفعهم بالمدنسات.

وناداهم فيما يختص بأصول التشريع التي يجب أن يلتزموا حدودها، ولا يصح لهم بمقتضى إيمانهم أن يخرجوا عنها (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

وناداهم فيما يختص بقوام النظام وأساس الملك: (يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) وقد أمر الله في هذه السورة بالعدل خاصاً وعاماً؛ ففي الأسرة (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) وفي اليتيم (وأن تقوموا لليتامى بالقسط). وفي الحكم (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) وأمر به عاماً في هذا النداء (قوامين بالقسط شهداء لله) وبذلك كان العدل في نظر الإسلام هو أساس التصرفات والأحكام، وأنه لا ينبغي لمؤمن أن يحول بينه وبين العدل شيء من هوى النفس أو صلات النسب والقربى.

وناداهم بوجوب العمل على تطهير قلوبهم من نوازع العصبية، والإيمان بهداية الله العامة، السابقة واللاحقة (يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) وهذا النداء يتضمن تحذير المؤمنين أن يسلكوا مسلك غيرهم في عدم الإيمان بغير رسولهم الذي بعث إليهم، وبغير كتابهم الذي أنزل عليهم، ويعلنهم بوحدة الدين عند الله، وأن الإيمان الحق يقضي بتصديق الجميع، وأن التفريق بين الرسل والكتب، تفريق لهداية لله، وإنكار لأجزائها التي تتألف منها وحدتها. وقد عرض القرآن في غير موضع إلى هذه الوحدة، وقرر أن الإيمان بالجميع هو شأن المؤمنين، وقد تضمنت أوائل سورة البقرة هذا المعنى (والذين يؤمنون

 

بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) كما تضمنته خواتيمها (آمن الرسول

/ صفحة 234 /

بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد ورسله). وتضمنه قوله تعالى في سورة النساء (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلي نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورذ                  ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيما).

وناداهم بعد ذلك فيما يختص بحفظ الدولة وصيانة أسرارها ورعاية شخصيتها، والإبقاء عليها من الانحلال والذوبان في غيرها باسم المصالح والصدقات (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبينا).

وقد سبق مثل هذا التحذير في سورة آل عمران وعرضنا هناك للحد الفاصل بين ما يجوز للمؤمنين من مخالطة غيرهم وما لا يجوز لهم من ذلك. كما سبق لنا التحدث عما احتوت عليه أكثر هذه النداءات التي وجهت إلى المؤمنين في سورة النساء، وقد بقى منها نداءان اثنان وهما يتعلقان بما يجب على المؤمنين أن يتخذوه في سبيل استقرارهم الخارجي الذي بدأته السورة بالنداء الذي صدرنا به ذلك المقال (يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً).

عرضت سورة النساء فيما قبل هذه الآية إلى كثير من الأحكام التي يجب أن يتخذها المسلمون أساساً لتنظيم شئونهم الشخصية والمدنية والدينية، كما بينت مصادر التشريع، وأساس الحكم الذي يحفظ على الأمة كيانها الداخلي، وحذرت في ذلك كله متابعة الأهواء، والتمرد على هذا التشريع.

لا بد للحق من القوة:

ثم أوردت هذه الآيات، ترشد فيها إلى ما يجب في سبيل المحافظة على الأمة من اتخاذ الحيطة والحذر من الأعداء، الذين يعملون جهدهم في زعزعة الحكم

/ صفحة 235 /

الإسلامي، ومحاولة سلب سلطانه، والقضاء على أمنه واطمئنانه، وفي هذا إيحاء بأن الحق لا بد في بقائه وتمتع الناس به من قوة تحميه، وهي قضية يشهد لها التاريخ، ويقررها الواقع الاجتماعي في كل عصور الإنسانية، وكثيراً ما رأينا أن رأى صاحب القوة والسلطان حق ولو كان ظاهر البطلان، وأن رأى الضعيف باطل ولو كان حقاً مبيناً، رأينا ذلك في آراء الأفراد، ورأيناه في مباديء الجماعات وشرائعها وسائر خططها في الحياة، ولعل كثيراً من الشئون الدولية التي يجري فيها البحث الآن بين الأمم القوية والأمم الضعيفة أوضح مثال على صدق هذه القضية، وعلى أن الحق غير المؤيد بالقوة يصاب بالانزواء والانكماش، ويتضائل دائماً أمام صخرة الباطل القوية، وقد عرفت الجماعات البشرية هذا المبدأ الاجتماعي في جميع أطوارها، وآمنت بالتجارب المتكررة، أن عزها وهيبتها واحترام حقها لا بد له من القوة؛ فاتخذتها واعتمدت عليها، ولم يكن الأمر في ذلك قاصراً على الجماعات البشرية؛ فالشرائع السماوية نفسها وضعت القوة أساساً لتركيزها، وحمل الناس على الأخذ بها، فأمرت بها سلاحاً للحق، تحميه وترعاه، وفي ذلك يقول الله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنامعهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) ومن هنا: كانت القوة شيئاً لا بد منه في تمتع أرباب الحق بحقهم، وفي تمتع الناس بالخير في هذه الحياة. ونحن إذا نظرنا إلى تاريخ الإسلام وجدنا أمته أدركت سر الحياة، وعرفت أنه في القوة، فتسلحت بهاواعتمدت عليها، وكونت القوة منها أمة تأمر فتطاع، وتحكم فتعدل، وتقف في صف المظلوم فيصل إلى حقه، وفي وجه الظالم فيكف عن طغيانه، وبهذا عاشت الأمة مهيبة الجانب، مرهوبة المكانة، فكان سلطانها هو السلطان، وكانت عقائدها هي العقائد، وكان تشريعها هو التشريع الذي يلبي الحاجة، ويكفل المصالح، وكانت عاداتها هي العادات التي تهرع الأمم إلى تقليدها فيها، وكان الإسلام على وجه العموم هو القوة، والقوة هي الإسلام. وظل الإسلام، وبلاد الإسلام بمنأى عن عبث العابثين، وعن طمع العدو ومحاولة الاقتراب منها، أو التفكير في الاستيلاء عليها.

/ صفحة 236 /

ظل الإسلام ذا شوكة ومتعة في جميع نواحيه ما بقيت له قوة، وما كانت القوة هي الإسلام، فلما تبدلة الشئون، وتغيرت الأحوال، وأخذ الضعف ينفث سمومه في المسلمين بعوامل بعضها داخلية، خلقتها الأهواء والمطامع، وبعضها خارجية سنحت لها الفرصة، ووجدت من تفرق المسلمين وأحقاد طوائفهم التي خلقتها المذاهب والآراء، ما أعانها على تفريق الكلمة، وشغل المسلمين بأنفسهم، واختلافاتهم فيما بينهم، ومكنها أن تحدث بين صفوفهم المتراصة، الفجوات الواسعة فدخلت عليهم من جميع أقطارهم، ونزعت القوة من بينهم، وتركتهم أشلاء مبعثرة تهددهم القوة في كل مكان، وتنذرهم بالفناء في كل وقت.

من هذا كله عني القرآن الكريم بلفت نظر المؤمنين إلى أخذ الحيطة والحذر، وقوة الاستعداد لدفع الشر الذي تسوقه الأطماع إليهم، وفي هذا السبيل شرع القتال، وحث عليه في كثير من سوره.

أهداف الإسلام من الحرب:

ومما ينبغي معرفته أن الإسلام حينما شرع القتال وأمر باتخاذ عدته، ورعب فيه، نآى به عن هدف الاستغلال والاستيلاء والملك، كما نآى به عن هدف الإكراه على اعتناقه، واتخاذه وسيلة من وسائل الإيمان بدعوته، ويجدر بنا أن نضع أمام القارئ الخطوات التي أتخذها في سبيل الإذن بالقتال، وتحديد الغاية التي قصد به الوصول إليها.

أقام المسلمون في مكة أعواماً يسامون سوء العذاب، ويصادرون في حريتهم الدينية، ويضطهدون في عقيدتهم التي اطمأنوا إليها، ويفتنون في أموالهم وأنفسهم حتى أكرهوا على الهجرة، فخرجوا من أوطانهم وديارهم، ثم أقاموا في المدينة صابرين لأمر الله، راضين بحكمه، وكانوا كلما همت نفوسهم بالرد على الظلم، أو تطلعت إلى الانتقام من الظالمين، ردهم رسول الله إلى الصبر وانتظار أمر الله قائلاً: (لم أومر بقتال! لم أومر بقتال!) وإلى هذا يشير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقد ظلوا كذلك

/ صفحة 237 /

متطلعين إلى القتال حتى كاد اليأس يساورهم ويفضي بهم إلى الظنون، وعند ذلك أنزل الله أول آية في القتال: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور) 39 ـ 41 من سورة الحج.

كانت هذه الآيات أول إذن بالقتال، وقد عللت هذا الإذن بما أصاب المسلمين من الظلم والإكراه على الهجرة بغير حق، وأرشدت إلى أن هذا الإذن موافق لما تقضى به سنة التدافع بين الناس حفظاً للتوازن الجماعي، ودرءاً للطغيان البشري، وتمكيناً لأرباب العقائد والعبادات من أداء عباداتهم، والبقاء على عقائدهم.

ثم أرشدت إلى أن الله إنما ينصر بمقتضى سنته في خلقه من ينصره ويتقيه بإقامة العدل، وإقرار الأمن، وبث الطمأنينة. ولا يتخذ الحرب أداة للتخريب والإفساد، وإذلال الضعفاء، وإرضاء الشهوات؛ وإنما يتخذها وسيلة إلى عمارة الكون، وإنفاذ أمر الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وجائت بعد هذه الآيات آيات أخرى وردت في سورة البقرة، وفي سورة النساء، وفي سورة التوبة، وغيرها، وكلها تحصر دائرة القتال الذي أذن فيه للمسلمين وأمروا به في رد العدوان والقضاء على الفتنة في الدين دون اعتداء أو اضطهاد: وأقرأ في ذلك قوله تعالى في سورة البقرة (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين 1900 ـ 194) وفي سورة النساء (ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان. الخ الآية 75) (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلا. 84). (فإن لم يعتزلوكم ويلقوا

/ صفحة 238 /

إليكم السٌلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم. الآية 91). وجدير بك أن تقف عند قوله تعالى: (عسى الله ان يكف بأس الذين كفروا) وقوله: (فإن لم يعتزلوكم) لتضع يدك على السبب الذي لأجله أمر المسلمون بقتالهم، وهو عين ما قررته آيات البقرة، ولم يخرج عن دائرته ما قررته سورتا الأنفال والتوبة، ففي سورة الأنفال قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) وفي سورة التوبة قوله تعالى (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلواأئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون. ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة؟). (وقاتلوا المشركين كافة، كما يقاتلونكم كافة).

أقرأ هذه الآيات كلها ورددها في نفسك متدبراً إياها لتعلم أن سبب القتال في الإسلام ينحصر كما قلنا في رد العدوان، وإشاعة الأمن والاستقرار، وحماية الدعوة، والقضاء على الفتن التي يثيرها أرباب المطامع والأهواء؛ ولتعلم أيضاً أن الإسلام حينما شرع القتال نآى به كما قلنا من جوانب الطمع والاستئثار وإذلال الضعفاء، واتخذه طريقاً إلى السلام العام بتركيز الحياة على موازين العدل والمساواة (ليقوم الناس بالقسط).

وليصل المسلمون بالقتال إلى الغاية السامية التي ربطها الله به، لفت القرآن أنظار المؤمنين إلى أن النصر معقود بتقوية الروح المعنوية في الأمة، وبإعداد القوة المادية وتنظيمها بما يحقق لهم النصر والغلب.

القتال في سبيل هذه الأهداف هو الجهاد في سبيل الله:

وفي تقوية الروح المعنوية يرشدهم إلى أن القتال في هذه الدائرة، قتال في سبيل الله الذي يضاعف ثواب المصلحين وأجر المجاهدين، قتال في سبيل إنقاذ الضعفاء، والبر بالإنسان ومقاومة الجبروت والطغيان. وإلى أنه سبحانه قد كتب على نفسه بذلك الأجر العظيم للمجاهدين في سبيله عهداً بينه في جميع كتبه المنزلة. وأقرأ في ذلك كله قوله تعالى سورة النساء (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون

/ صفحة 239 /

الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) وقوله في سورة التوبة (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم). وقوله في سورة التوبة أيضاً (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم).

الأمر بإعداد القوة ورباط الخيل:

وفي إعداد القوة المادية يقول الله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة من رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) والقوة: كلمة تتسع لكل ما عرف ويعرف من آلات الحرب، ومن جميع ما يتوقف النصر عليه. والرباط: كلمة تتسع لكل ما عرف ويعرف أيضاً في تحصين الثغور ومداخل العدو. وتشير الآية إلى فائدة هذا الإعداد، وهي أنها إرهاب العدو حتى يعلم قوة المسلمين، ولا تحدثه نفسه باستغلال ناحية من نواحي الضعف والتخاذل. وقد نوه الله في امتنانه على الناس بإنزال الحديد ببأسه الشديد، ومنفعته للناس، وفي ذلك توجيه للمسلمين نحو هذه المادة التي تعتبر بحق المادة الأولى والوحيدة في إعداد العدة، وابراز القوة. أما رباط الخيل، فيجدر بنا أن نسوق في شأنه كلام الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى من سورة ص (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالشعي الصافنات الجياد، فقال إنى أحببت حب الخير عن ذلك ربي حتى توارت بالحجاب، ردوها علىٌ، فطفق مسحاً بالسوق والأعناق) نسوقه هنا لنعلم أن الرباط كوسيلة من وسائل القوة، والإعداد الحربي شأن قديم اتخذته أقدام الأمم حضارة وأكبرهم عدة وأقواهم فكرة، وأن أولياء الله وأنصاره لم يغفلوا عما فيه من خير ومنعة لأمتهم، وإرهاب وتخويف لأعدائهم. قال:

/ صفحة 240 /

إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم، كما أنه كذلك في دين محمد (صلى الله عليه وسلم)، ثم إن سليمان (عليه السلام) احتاج إلى الغزو، فجلس وأمر بإحضار الخيل، وأمر بإجرائها، وذكر أنه لا يحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله، وطلب تقوية دينه، وهو المراد بقوله (عن ذكر ربي) ثم إنه (عليه السلام) أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب، أي غابت عن بصره ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخير إليه، فلما عادت إليه، طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور:

الأول: التشريف لها، والإبانة عن عزتها لكونها من أعظم العون في دفع العدو.

الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك، ينبغي أن يباشر الأمر بنفسه ولو في أدنى الأمور التي يكثر القائمون بها.

الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها؛ فكان يمتحنها ويمسح سوقهاوأعناقها حتى يعرف حقيقة أمرها في السلامة من العلل أو الصابة بها، وهكذا يجد قارئ تاريخ الأنبياء والمرسلين أن كثير منهم حارب في سبيل الله واتخذ القوة واصطناعها أساساً لحياته الحربية، ولعل قوله تعالى في سورة سبأ: (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبى معه والطير، وألنا له الحديد أن أعمل سابغات وقدر في السرد) وقوله في السورة نفسها: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأرسلنا له عين القطر ومن الجبن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، اعملوا آل داود شكرا). لعل هذه الآيات تشير إلى ما كان يتخذه هؤلاء الأنبياء من المصانع التي كانت تخرج لهم الدروع المحكمة في وضعهاومقدارها، وتخرج لهم التماثيل التي كانت تدخل على العدو شدة الروع فتضعف من قوته، وترد من طغيانه، وقد فسرت

/ صفحة 241 /

هذه التماثيل بتفاسير كثيرة منها أنهم كانوا يعملونها كالحيوانات في أسفل الكرسي وكانت تتحرك بآلات عند الصعود، قال الألوسي: وقد انتهت صنائع البشر عند ذلك في الغرابة.

ولعل في ذلك أو في بعضه ما يدفع المسلمين إلى إنشاء المصانع التي تخرج لهم ما يحتاجون إليه في حفظ حياتهم، وتعصمهم من التطلع إلى ما بأيدي أعدائهم، غير مشغولين بشيء سوى الافتتان به والتعجب منه، والوقوف أمامه وقفة المبهوت المستغرب.

مقتضيات (أخذ الحذر):

هذا، وإذا كانت هذه هي الروح العامة التي يريد القرآن أن يوجه إليها المسلمين في استعدادهم الحربي، فإن آياتنا (خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) من أعم الآيات في ذلك، وأبعدها مرمى في توخي نواحي الاستعداد الحربي من جهة العدد والعدة، فقد أمرت الآيات بالاستعداد لمقاومة العدو، وتضمنت الإيحاء بتعليم الأمة جميعها فنون الحرب والقتال، ولفتت الأنظار إلى لزوم تطهير الجيش ـ وهو الأمة كلها ـ من عناصر الفتنة والتخذيل، وأشارت إلى ما يجب أن يتحلى به المجاهدون في سبيل الله من تحري المسالمين لهم والمحاربين، ولم يفت الآيات أن تغرس في نفوسهم ما يقوى عزائمهم ويجعلهم على صلة قوية من ربهم حتى في أوقات نشوب المعركة بينهم وبين أعدائهم؛ فأمرتهم بالركن الأول من أركان التصفية الروحية وهو: اقامة الصلوات مع أخذ الحذر وعدم الغفلة عن السلاح.

ولا ريب أن أخذ الحذر الذي أمرت به الآيات في أول ما أمرت يستدعي العلم بحال العدو في عدده وعدده، ومسالك بلاده، ويستدعى العلم بوسائل المقاومة والتدرب على العمل بها، وأن يكون ذلك التدرب عاماً لجميع الأمة حتى يتحقق النفير العام إذا دهمهم العدو، وأغار على جميع بلادهم، وذلك كما يشير إليه قوله تعالى (فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً).

 

/ صفحة 242 /

الجندية واجب على كل قادر:

ومن هذا يتبين أن مسايرة الأمم في فنونها الحربية وتدريب أبنائها عليها من ألزم الواجبات، كما يتبين أن التهاون في شأن هذا التدريب تقصير عما لا يصح لأمة تريد أن تحيا حياة طيبة، وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل دلالة واضحة على أنه لا يعفى أحد من الجندية إلا إذا كان ضعيفاً، أو مريضاً، أو لا يجد ما يجهز به نفسه للقتال، وانظر في ذلك قوله تعالى من سورة التوبة: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله) ولكن المسلمين غفلوا حيناً من الدهر عن هذا الواجب، وعولوا على حمايتهم بالخصوم، وتعهدهم لهم بالدفاع عن أنفسهم وأراضيهم، فأهملوا الجندية، وجعلوها صورة هزيلة، لا يقصد بها إلا خدمة الصغار للكبار، والضعفاء للأقوياء، فقصروها على الفقراء الذين لا يستطيعون دفع البدل العسكري وأخرجوا من صفوف الأمة المجاهدة حملة القرآن والعلم وأبناء الأغنياء والوزراء، وبذلك صارت الجندية عنوان الذلة والضعة.

قراء القرآن في الصدر الأول كانوا في مقدمة المجاهدين:

وها هو ذا القرآن لا يرى شيئاً من ذل: سبباً من اسباب المعافاة من الجندية، وقد كان العمل في عصر النبوة والعصور التالية له على مقتضى وحي القرآن وإرشاده، ولعلنا نذكر أن التفكير في جمع القرآن لم يكن إلا مخافة أن يذهب بذهاب القراء الذين كانوا أكثر القوم إقداماً وبسالة في حرب اليمامة، وكان إقدامهم وجرأتهم على اقتحام صفوف الأعداء سبباً في أن يستحر القتل فيهم، وفي أن يهرع أصحاب رسول الله إلى خليفة رسول الله يتسنهضونه في سرعة العمل على جمع القرآن حتى لا يذهب بذهاب حفاظه المحاربين المجاهدين، ورحم الله ذلك الزمان الذي كانت آيات القرآن في قلوب حامليها أقوى حافز على التضحية بالنفوس في سبيل إنقاذ الدولة ورد الطغيان عنها، وتعساً وخزياً لهذا الزمان الذي جعل فيه العلم وحفظ القرآن عنواناً على عجز أهله حتى اتخذوا علمهم بالدين، وحفظهم للقرآن

/ صفحة 243 /

الكريم وسيلة من الوسائل التي تبررهم في الجبن والضعف والحذر، وقد كانوا أحق الناس بما يحفظون من كتاب الله وأحكامه أن تتألف من وحداتهم الصفوف الأولى لمحاربة الأعداء، وتطهير البلاد من شرهم، ولكن هكذا قدر، وهكذا كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عناصر الفتنة والتخذيل ووجوب التطهر منهم:

أما تطهير الجيش من عناصر الفتنة والتخذيل، فقد عرضت له آياتنا، كما عرضت له آيات أخرى في غير سورة النساء؛ ففي آياتنا الإرشاد إلى جملة من خصائصهم التي تميزهم ويتعرف بها عنهم.

المتثاقلون:

فمنهم هؤلاء الذين يتثاقلون عن تلبية الدعوة إلىالجهاد، ويثبطون بتثاقلهم همم غيرهم، وتفرح قلوبهم بالهزيمة تقع على إخوانهم، ويحمدون الله ويشكرون فضله على تثاقلهم وتخلفهم عن هذا القتال، فيقول قائلهم: (قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا) ويظهرون الأسف والحزن على فوات مساهمتهم في القتال إذا توج بالنصر والظفر، وأصاب به المجاهدون فضلاً ونعمة، فيقول قائلهم: (يالتيني كنت معهم) فأفوز بمافازوا من الفضل والنعمة.

وإن من يربط اقدامه واحجامه بالنتائج المادية للقتال، ويجعلها أكبر همه دون أن يكون له من الحدب النفسي، والإيمان القلبي، ما يدفعه إلى التضحية في سبيل الإيمان، ونصرة دينه وإنقاذ وطنه، لهو من هذا الفريق الذي لم تنفعل نفسه بحب الدين والغيرة عليه، والدفاع عن بيضته ابتغاء مرضاة الله، وهو بهذا ليس مأمون العاقبة إذا خرج مع المجاهدين.

الناكصون:

ومنهم هؤلاء الذين ينكصون عن القتال حينما يكتب عليهم، ويؤمرون به بعد أن كانوا يتطلعون إليه ويستعجلونه، ويقولون ضنا بحياتهم، وخوفا من الناس (ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب) كلمة الذين يحاولون

/ صفحة 244) /

التخلص من التكاليف التي توجه إليهم متى رأوا أن فيها مشقة تلحقهم، أو مصيبة قد تنزل بهم.

المبيتون غير ما يظهرون:

وهؤلاء الذين يظهرون الطاعة والامتثال عند سماع الأمر بالقتال والدعوة إليه، ثم إذا خرجوا، بيٌتوا غير الذي يظهرون من العزم على المخالفة، والنكوص عن الدعوة (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول، والله يكتب ما يبيتون، فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا).

المرجفون:

ومنهم هؤلاء الذين تعودوا الإرجاف بما يسمعون، غير مقدرين لنتائجه في الأمة، وكثيراً ما يكون في إذاعته قبل تمام الأمر، والركون إلى الغاية أضرار تلحق الأمة فيضطرب شأنها، وتكل عزيمتها، ويدركها الضعف في السير إلى الغاية، وقد كان لإذاعة خبر موت النبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوة أحد أبلغ الآثار السيئة في قوة الجيش المعنوية، وكاد الأمر يصل بالمؤمنين إلى الهزيمة المنكرة لولا أن بادر الوحي بالعلاج، ونزل قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين) وفي أمثال هؤلاء تقول آياتنا (وإذا جائهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وجاء في سورة الأحزاب تنبيه شديد على صنيع هؤلاء وأمثالهم، كما جاء فيها وعيدهم عليه بسوء العاقبة والطرد والحرمان (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدناالله ورسوله إلا غروراً، وإذ قالت طائفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا) الآيات 12 ـ 19 ثم تقول: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا، ملعونين أينما ثقفواأخذوا وقتلواتقتيلا).

/ صفحة 245 /

مشروعية الأحكام العرفية عند الحاجة إليها:

وهذه الآيات وأمثالها تقرر وجوب الاحتفاظ بأسرار الدولة عامة، وأسرار الجيش على وجه خاص، وأن يكون الشأن فيها خاصاً بالقيادة وأولي الأمر، وهي في الوقت نفسه تمنح أولياء الأمر حق اتخاذ الوسائل التي تحول بين العامة وإذاعة هذه الأنباء ما داموا يرون أن في أذاعتها ضرراً يلحق بالأمة ويعترض مصالحها، وأنهم لو رأوا وقف قوانين حرية الأفراد في التحدث والكتابة والاجتماعات، سبيلاً لاتقاء شر الارجاف، وجب عليهم وقفها ومنع الناس من التمتع بها، وإن الشريعة لتقرر إعطاء الوسيلة حكم ما يترتب عليها، فوسائل ما يجب، تأخذ الوجوب، ووسائل ما يحرم، تأخذ الحرمة، وهو أصل تقضي به سنن الاجتماع وقد عرفه الإنسان في جميع أطواره، وكان أساساً في عصورنا الحاضرة لاستباحة أخذ الأمم بما يسمونه (الأحكام العرفية).

وكما تحدثت سورة النساء، وسورة الأحزاب عن عناصر الشر والتخذيل في الأمة، فقد تحدثت عنها كثيراً سورة التوبة، وأبرزت جملة من أخلاقهم، وسيئات تصرفاتهم التي ترشد إليهم وتدل عليهم، وكان ذلك بعد رجوع النبي وأصحابه من غزوة تبوك التي كانت أكبر ابتلاء وأشد تمحيص عرف الله بها نبيه دخائل نفوسهم، وأطلعه على ألوان نفاقهم، وهي ألوان المنافقين في كل جيل ودولة، وأقرأ فيها قوله تعالى: (لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لا تبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم أنهم لكاذبون) وقوله: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدو مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاًافامنتمن، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين) اقرأ الآيات من 42 ـ 110، وتأمل قول الله المتكرر فيها (ومنهم، ومنهم، ومنهم. ثم طبقه على ما يبدو من خلال الناس في موقفهم حينما يستنفرهم القائد الحريص على حياتهم وعزتهم، ويصيح فيهم (انفروا في سبيل الله) اقرأه كله، وأنعم النظر

/ صفحة 246 /

فيه، وتتبع أمثاله في القرآن الكريم لتستخلص الخلال السيئة التي هي عنوان الجندية الشريرة، والتي يشعل أصحابها نيران الفتنة في جوانب الأمة، وستجد فيها ما يجب على قادة الأمة وزعمائها أن يعرفوه، وأن ينتبهوا له وقت الإعداد، ووقت قيام الحرب بينهم وبين الأعداء، وفي كل وقت يتطلب الحيطة والحذر، وأن يتخذوا بإزائهم ما يجنب الدولة شرهم، ويقيها سوء خلالهم، وبذلك: يطمئنون إلى سلامة الأمة، ويأمنون جانب الشر والفساد.

هذا ما تضمنته الآيات مما يتصل بأخذ الحيطة والحذر.

الحرب سجال:

ثم تختم الآيات بعد ذلك بلفت الأنظار إلى شأن واقعي في الحروب يجب أن يعرفه المجاهدون في سبيل الله، فيعصم نفوسهم من عوامل اليأس، ويخفف عن كواهلهم ثقل العبء الذين يحملونه في القتال وبخاصة في حالة الهزيمة التي يتعرض لها كل مجاهد. ذلك الشأن هو أن مشقات الحروب، وما يكون فيها من نصر أو هزيمة قسمة بين الفريقين، يفرح أحدهما تارة بالنصر، ويحزن أخرى بالهزيمة؛ فهم في سنة الحرب سواء، ولكن المؤمنين يمتازون عن خصومهم بأنهم جنود الحق، يقالتون في سبيل الله، وخصومهم جنود الباطل، يقاتلون في سبيل الطاغوت، (وإن جندنا لهم الغالبون) وفي ذلك يقول الله تعالى (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليماً حكيما).

صلاة الخوف:

ولا يفوت الآيات في هذا السياق الطويل أن تنبه المجاهدين إلى ناحية من شأنها أن تقوى الروح المعنوية فيهم، تلك الناحية هي الالتجاء إلى الله والاتصال به عن طريق القيام بأحب واجب ديني إليه سبحانه وأقوى مزك للنفوس وهي الصلاة، فترخص لهم فيها كيفية خاصة لا تباح في غير السفر والحرب، وتأمر بالجمع بينها وبين أخذ الأسلحة والحذر، وهكذا تشعرهم أنهم في جميع حالاتهم

/ صفحة 247 /

عباد الله يجاهدون في سبيله، ويهدون بأمره، ويخشون جلاله، ويؤدون واجبه، لا يلهيهم شأن عن شأن، وتلك الصلاة هي صلاة الحرب، المعروفة عند الفقهاء باسم: صلاة الخوف، وفيها يقول الله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبينا * وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة لا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذاباً مهينا. فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا).

دلالة تشريعها على أهمية الصلاة:

وفي تكليف المؤمنين بالصلاة وقت الحرب والاشتغال بقتال الأعداء وفي حالة ترقب الموت، دليل واضح على أهمية هذا الواجب في تزكية النفوس، وفي الحصول على رضاء الله وعطفه، وقد جاء مثل ذلك في سورة البقرة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون). ولا ريب أن الصلاة وهي مناجاة بين العبد وربه تبعث على مراقبة الله، واستشعار عظمته، وتجعل الإنسان في حذر دائم من مخالفة أحكامه، أو التقصير في حدوده، وبذلك يكمل للروح تهذيباً، وللنفس قوتها وصلاحها. وحسب المؤمنين في العناية بها أنها الركن الأول من أركان الدين بعد شهادة التوحيد والرسالة، وأنها أقدم عبادة عرفت مع الإيمان وحكيت عن الأنبياء والمرسلين، ويحدثنا القرآن أن ابراهيم يِسكن ذريته بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، ثم يقول: (ربنا ليقيموا الصلاة) ويحدثنا عن عيسى وهو يقرر نعمة الله عليه: (وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني

/ صفحة 248 /

بالصلاة). وقد قرن الله بينها وبين الصبر وجعلهما عدة الإنسان في هذه الحياة وطلب منه الاستعانة بهما على مشاقها (يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة).

وهكذا مما يكفي بعضه لرد هؤلاء الذين أساءوا إلى الصلاة وحرموا أنفسهم من آثارها الطيبة التي تعود عليهم بالخير العظيم والرضا العام والمكانة السامية عند الله.

حرب الأفكار والمباديء:

وبعد أن عالجت السورة في هذه الآيات وسائل الدفاع من الوجهة المادية على النحو الذي ذكرنا خلصت إلى نوع آخر من العلاج في ناحية الحرب الفكرية التي تعلن على المسلمين ابتغاء زلزلة الإيمان في قلوبهم، وإضعاف معتقداتهم، وصرفهم عن مبادئهم القويمة، وفي هذا الجانب تعرض السورة للكثير من فتن أهل الكتاب الدينية وأساليبهم في صرف المؤمنين عن حق الله وهدايته؛ تعرض لعنت اليهود مع الرسول وطلبهم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، ثم تخفف وقع ذلك على قلب الرسول، بأن هذا شأنهم الذي ارتكبه أسلافهم معني نيبهم موسى (عليه السلام). وتعرض لموقفهم من مريم والمسيح، وتعلن صحيفة أسلافهم الماضين في نقض المواثيق، والكفر بآيات الله، وأكلهم الربا وأموال الناس بالباطل).

ثم تعرض لغلو النصارى في شأن المسيح وإساءة الحق في الألوهية، وتعلن واقع الأمر في عيسى وأمه، إلى آخر ما يجده القارئ في قوله تعالى (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبينا الآيات 153 ـ161). وفي قوله (يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له

/ صفحة 249 /

ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا، لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون، ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جيمعاً).

من هذه الفصول التي كتبناها عن سورة النساء يتبين أنها عالجت أحوال المسلمين فيما يختص بتنظيم شئونهم الداخلية، وحفظ كيانهم الخارجي، ووضعت المبادء القويمة لحياتهم في الناحيتين، وأنها لم تقف في الجانب الخارجي عند حد التنبيه على عناصر المقاومة المادية؛ بل نبهت على ما يجب أن تحفظ به عقدة الأمة ومبادئها من التأثر بما يلقى في شأنها من الشكوك والشبه، وفي هذا إيحاء يجب على المسلمين أن يلتفتوا إليه وهو أن يحتفظوا بمبادئهم كما يحتفظون بأوطانهم، وأن يحصنوا أنفسهم من شر حرب أشد خطراً وأبعد في النفوس أثراً من حرب السلاح المادي: تلك هي حرب التحويل من مبدأ إلى مبدأ، ومن دين إلى دين مع البقاء في الأوطان والإقامة في الديار والأموال.

ألا وإن شخصية الأمة ليتطلب بقاؤها الاحتفاظ بالجانبين: جانب الوطن والسلطان، وجانب العقيدة والإيمان. وعلى هذا درج سلفنا الصالح فعاشوا في أوطانهم آمنين، وبمبادئهم وعقائدهم متمسكين.

وفق الله المسلمين إلى فهم أسرار كتابهم، واتخاذه أساساً لحياتهم، حتى يعود إليهم ذلك المجد السالف، ويتبوءوا في العالم المكانة التي أعدها الله لعباده المؤمنين الصالحين.

والسلام على من اتبع الهدى