/ صفحة 260 /

الشريعة الاسلامية
والقوانين الوضعية بمصر

لحضرة صاحب العزة علي علي منصور بك

مستشار مجلس الدولة لمحكمة القضاء الإداري

قضية هامة شغلت الرأي العام، واهتم بها المسلمون لاتصالها بطائفة مارقة عن الإسلام تحاول أن تسلب من (الدولة) اعتراف بها، وإقراراً لما انتحلته من نحلة باطلة، تلك هي (البهائية).

بمناسبة الحكم برفض دعوى البهاءية في هذه القضية يتحدث أحد مستشاري الهيئة القضائية التي أصدرته عن المباديء التي صدر على أساسها هذا الحكم، ويخص بحديثه (رسالة الإسلام) وهذا هو الجزء الأول من هذا البحث الإسلامي القانوني الرائع.

(التحرير)

نواحي البحث:

1 ـ الشريعه الإسلامية هي الأصل الأصيل لكل تقنين وكل تشريع في مصر، والدستور المصري يقر هذا النظر.

2 ـ التزامات مصر الدولية لا تحد من سيادتها التشريعية، وبالتالي لا تحد من سيادة الشريعة الإسلامية فيها.

3 ـ دعوى عدم صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان وكل مكان، عدوى فاسدة مندفعة.

البحث الأول:

الشريعة الإسلامية هي الأصل الأصيل لكل تقنين وكل تشريع في مصر، والدستور يقر هذا النظر.

/ صفحة 261 /

مثار البحث

حدث أخيراً أن عرضت علينا في مجلس الدولة واحدة من الأقضية، أنكر المدعي فيها على الشرعية الإسلامية مكانتها وسيادتها التشريعية في هذه البلاد مما دعا إلى التعمق في البحث، ذلك أن أحد موظفي الدولة طالب المصلحة التي يعمل بها بصرف العلاوة الاجتماعية التي تمنح لكل موظف متزوج، فطالبته بدورها بوثيقة الزواج فقدمها فألفتها موثقة بمحفل البهائيين على المذهب البهائي، فطلبت الفتيا في شأنها من مستشار الدولة الذي أرسل عقد الزواج بدوره إلى مفتي الديار المصرية متسائلاً عن شرعية هذا الزواج، فأفتى فضيلته: (بأنه إذا كان المدعي قد اعتنق مذهب البهائيين من بعد أن كان مسلماً اعتبر مرتداً عن الإسلام، وكان زواجه باطلاً شرعاً سواء كان من زوجة بهائية أم غير بهائية، ولا خفاء في أن عقائد البهائية فاسدة، يخرج بها معتنقها عن شريعة الإسلام) وأشارت الفتيا إلى فتيا أخرى سابقة صدرت وقت أن كان فضيلة الإستاذ الأكبر شيخ الجامع الإزهر الحالي (الشيخ عبد المجيد سليم) رئيساً للجنة الفتوى جاء فيها: (ان البهائية فرقة ليست من فرق المسلمين، إذ أن مذهبهم يناقض أصول الدين وعقائده التي لا يكون المرء مسلماً إلا بالإيمان بها جميعاً، بل هو مذهب مخالف لسائر الملل السماوية، ولا يجوز للمسلمة أن تتزوج بواحد من هذه الفرقة، بل إن من اعتنق مذهبهم من بعد ما كان مسلماً صار مرتداً، ولا يجوز زواجه مطلقاً ولو بهائية مثله) ومن ثم اعتدت الحكومة زواج (فلان) باطلاً لا يستحق معه أن تصرف له العلاوة الاجتماعية، فقاضاها طالباً تلك العلاوة، وقد أسس دفاعه.

أولاً: على أنه وإن كان لا يعقب على فتيا المفتي فيما تضذمنتة من تكفير البهائيين واعتبارهم مرتدين، إلا أنه يعترض على ما قررته الفتيا من بطلان زواج البهائي أياً كانت ملة من تزوج بها، وحجته في ذلك أن فقهاء الشريعة الإسلامية لم يتحدثوا عن زواج المرتد، ولم يتعرض واحد منهم إليه بالبحث، بل ذهب إلى أنهم لم يكونوا بحاجة إلى هذا البحث لسبب واضح يسير، هو أنهم يرون أن المرتد مستحق للقتل، والمرتدة

/ صفحة 262 /

مستحقة للحبس فلا يتصور وقوع الزواج من أحدهما، ثم رتب على هذا الظن حكمه بقياس زواج المرتد، بزواج الذمي، وزواج الذمي عند المسلمين صحيح إذا ما استوفى شروط الصحة عندهم، وهي الإيجاب والقبول وحضور الشاهدين، وأن تكون الزوجة محلا للعقد بأن تكون غير محرمة على الرجل حرمة مؤقته أو مؤبدة، واستطرد المدعى إلى أن زواجه مستوف لتلك الشروط فهو صحيح في نظر الإسلام قياساً على زواج الذمي، فلما أفهم أن تلك الحجة داحضة، وإن ذلك الذي ظنه بعيد التصور، قتله علماء الإسلام بحثا وتمحيصا، وبل إنهم تصوروا المستحيلات، ورتبوا لها الأحكام، وإنهم على اتفاق وإجماع في بطلان زواج المرتد، وجميع تصرفاته التي تعتمد الملة إذ لا ملة له، ولا يِقر على ما انتقل إليه من كفر، لما علم المدعي ذلك عمد إلى إقامة دعواه على أساس آخر.

ثانياً: ذهب إلى أن وصف الردة لا ينطبق عليه ولا يلحقه، إذ هي الخروج عن الإسلام بعد الدخول فيه، أو هي التكذيب بعد التصديق، وهو لم يكن مسلماً في وقت من الأوقات لأنه وُلِدَ لأب بهائي وهو لأبيه تبع، وقدم ما يدلل به على بهائية أبيه منذ زمن، وقد بان أن حكم الشريعة الإسلامية في شأن ابن المرتد، قاطع لكل شبهة رافع للأساس الجديد الذى يحاول المدعى اقامة دعواه عليه، وذلك أن ابن المرتد مسلم في نظر الاسلام، سواء أعلق في بطن أمه قبل الردة أم بعدها، وهو أولى بالإسلام إذا كان قد ولد قبل ردة أبيه، بل يكفي لاعتبار ابن المرتد مسلماً أن يكون لأحد أبويه أب مسلم مهما علا، ويرى البعض أن ابن المرتد مرتد، ولكن لا يقتل إلا بعد البلوغ، وحتى يستتاب، وذلك من عدة أوجه أساسية، منها أن الإسلام دين الفطرة، فهو دين من لا دين له، ومنها أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ومنها أن الإسلام يثبت بتبعية الدار.

ثالثاً: لجأ صاحب الدعوى بعد ذلك إلى محاولة إيجاد سند آخر لدعواه، فذهب إلى القول بأنه ليس من مصلحة العدالة تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية

/ صفحة 263 /

على زواجه كمرتد في الوقت الذي تعطل فيه حكمها بقتل المرتد إذ أن القول ببطلان زواج المرتد إن هو إلا فرع من أصل قرره الفقهاء هو استحقاق المرتد للقتل، وإنما يمهل أياماً ليتأمل فيما عرض له وقام في ذهنه من شبهة، فلا يصح منه عقد النكاح، فهو لا حياة له حكماً، واشتغاله بالنكاح يشغله عما أمهل من أجله، وهو التدبر والتأمل، ولأن النكاح لم يشرع لذاته وإنما لمقاصده، ومعها معنى البقاء (بقاء النسل) فكل ما كان سبباً للبقاء غير مشروع في حق المرتد لأنه في حكم الميت، ثم انتهى صاحب الدعوى في هذا الصدد إلى القول بأنه ما دام الأصل قد تعطل، فلا وجود ولا بقاء للفرع.

رابعاً: ذهب صاحب الدعوى إلى أبعد من ذلك حيث قال: إن أحكام القانون الوضعي تحول دون تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وبالتالي أحكام الردة كلياً أو جزئياً، حيث نص الدستور، وهو القانون الأصلي لكل القوانين في المادة 12 منه على أن (حرية الاعتقاد مطلقة) وذهب في تفسير هذه المادة إلى أن له ولكل مصري حرية الاستمرار على عقيدته، وحرية تغييرها في أي وقت لأن حرية تغيير العقيدة هي مظهر من المظاهر الأولية الأساسية لحرية الاعتقاد، وهذا النص الدستوري يقضي على أحكام الردة، إذ في إبطال زواج من يغير عقيدته تقييد لإحدى الحريات العاملة التي كفلها الدستور ونص على أطلاقها.

مناط البحث:

والحجتان الثالثة والرابعة من دعوى البهائية، هما مناط البحث الأول من هذا المقال، ويستطيع الباحث إذا ما رجع إلى تاريخ التشريع في بلادنا المصرية قبل صدور الدستور في عام 1923 وبعده، وإذا ما رجع إلى مناقشات أعضاء لجنة الدستور وأعمالها التحضيرية، أن يقرر في وثوق واطمئنان، أن الشريعة الإسلامية هي الأصل الأصيل لكل تقنين يصدر في هذه البلاد، وأن الدستور المصري يقر هذا النظر، وأن كل تشريع يصدر مخالفاً لأصل من أصول الإسلام

/ صفحة 264 /

يغدو تشريعاً غير دستوري، واجب الإهدار والاطراح، إذ الإسلام يزيل ويرفع كل ما يتعرضه.

وذلك لأن شرعة الإسلام ظلت تحكم هذه البلاد ثلاثة عشر قرنا دون نكير أو مخالف، وكانت للمحاكم الشرعية ولاية القضاء كاملة في جميع الأقضية من مدنية إلى جنائيه إلى شخصية، ولا يغر من هذا القول، أن سماحة الإسلام حدت بالسلطان محمد الفاتح حينما فتح القسطنطينية عام 1453 إلى أن يقر بطرق الروم الراهب جناديوس في وظيفته، وجعل له السلطة على أتباعه في المسائل الروحية وولاية القضاء، بحيث يقوم بجباية الجزية منهم. كما أقر أيضا أيضاً بطرق الأرمن الراهب يواقيم على مثل ذلك، وتتالت هذه المنح من السلاطين والأمراء، لا يغير ذلك من سيادة الشريعة الإسلامية على جميع القاطنين بالدول الإسلامية، إذ أن ترك أهل الذمة وهم الكتابيون والمجوس على ما يدينون لقاء دفع الجزية إنما هو حكم الإسلام بنص القرآن في شأن الكتابيين، وبنص السنة في شأن من لهم شبهة كتاب كالمجوس، حيث قال نبينا: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) وقول الإمام على رضى الله عنه: (أنا أعلم بالمجوس كان لهم كتاب يدرسونه وعلم يعلمونه) وما روى من قول المغيرة لأهل فارس وهم مجوس / (أمر نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية) وكذلك حديث بريدة وعبدالرحمن بن عوف، لا يغير ذلك من الأمر شيئاً، وعلى الأخص إذا ما علم أن الخط الهمايوني الذي أصدره السلطان (خليفة المسلمين إذ ذاك) في 10 من جمادي الآخرة سنة 1273 هـ. (18 من فبراير سنة 1856 م) أعاد تنظيم البطريكخانات في الدولة العلية، وكان مصر من دويلاتها، وقصر اختصاصها على دعاوي الأحوال الشخصية بشرط اتفاق الأخصام المتقاضين، فإن اختلفوا كان الاختصاص للمحاكم الشرعية إذ هي صاحبة الولاية العامة في القضاء، فلما انفصلت مصر عن تركيا عام 1915 م، صدر القانون رقم 8 لسنة 1915 م ينص على "السلطات القضائية الاستثنائية المعترف بها حتى الآن في الديار المصرية تستمر إلى حين الإقرار على أمر آخر على التمتع بما كان لها من حقوق عند زوال السيادة العثمانية).

/ صفحة 265 /

إلى جانب رعاية أهل الذمة إعمالاً لأحكام الشريعة الإسلامية، كانت الامتيازات الأجنبية التي بدأت من السلطان منة وفضلاً، وانقلبت في آخر عهدها أغلالاً وقيوداً تحد من سلطان الدول الإسلامية، ومن سيادة شريعتها، وكان العهد بها في أول الأمر أن تمنح للتجار من ثغور أوربا كالبندقية وجنوا ومرسيليا حين ينزلون للتجارة بثغور الدولة العلية، وتطور الأمر في عام 1535 حيث منح أول امتياز لجميع أهالي فرناس إذا ما نزلوا ببلاد الدولة العلية، حيث أباح لقنصل فرنسا القضاء في جميع المنازعات بين رعايا دولته سواء أكانت مدنية أم تجارية أو جنائية دون أن يتعرض لهم أو يمنعهم من ذلك القاضي أو أية سلطة محلية، ثم صدر مثل هذا الامتياز لدول أخرى، وبذلك كثر نزوح الأجانب إلى بلاد الدولة العلية، ولم يكتفوا بالامتيازات التي منحت لهم بل عمدوا إلى التوسع والافتيات، فزعموا أن لمحاكمهم القنصلية حق الفصل في النزاع و كان بين أجنبيين مختلفي الجنسية، على أن يكون الاختصاص لمحكمة المدعى عليه القنصلية.

أما في مصر فكان الحال أدهى وأمر، ذلك أنه في عهد محمد علي باشا نهضت البلاد نهضة شاملة، وتطلعت البلاد إلى الاستقلال فاستعانت بالأجانب فكثر وفودهم إليها، ويِسرت سبل الإقامة لهم، فتطرف القناصل في نفوذهم وأصبح القضاء للأدجانب موزعاً بين سبع عشرة محكمة قنصلية تنازع المحاكم الشرعية ومجالس القضاء سلطانها غير مستندة إلى قانون أو نص في الامتياز الممنوح أصلاً، وتصف اللجنة الفرنسية تلك الحال في تقريرها سنة 1867 فتقول: (إن الجهات التي تلي القضاء بالنسبة للأوربيين في مصر، والتي تحدد علاقتهم بالحكومة وبسكان القطر لا أساس لها من الامتيازات، فلم يبق من الامتيازات إلا الاسم وقد حل محلها أوضاع عرفيةلا ظابط لها يكيفها قاصل الدولة الأجنبية كل بحسب طبيعته، وتستمد من سوابق تعسفية أحدثتها الضرورات والضغط من ناحية والتسامح والرغبة في تسهيل إقامة الأجانب من ناحية أخرى) وإزاء تل: الحالة التعسة فكر الخديو إسماعيل في إصلاح حال القضاء، فتقدم وزيره نوبار تقريراً انتهى بعد عرضه على الدولة الأجنبية إلى إنشاء المحاكم المختلطة توحيداً لجهة القضاء بين الأجانب،

/ صفحة 266 /

وظناً من نوبار باشا بأنها ستكون محاكم مصرية، ولكذذذذذذنها سرعان ما افتاتت على القضاء المصري الشرعي في اختصاصه، وزعمت أن لها الاختصاص في الفصل في القضايا حيثما وجد الصالح الأجنبي، ولو كان المتخاصمون مصريين كما زعمت أن مجرد وجود دين لأجنبي على عقار مصري كافٌ لجر جميع المنازعات والأقضية بشأنه إلى ساحتها، ثم عمدت إلى عدم احترام الاحكام المصرية من أهلية وشريعة، فكان لا بد من التفكير في إيجاد حلٌ، وذهب أصحاب فكرة إنشاء المحاكم المختلطة إلى التفكير في إنشاء محاكم أهلية، وكلف قدري باشا بوضع قانون مدني ذي مواد مبوبة نقلاً عن أحكام الشريعة الإسلامية فوضعه، ثم فكر بعد ذلك في تطبيق قوانين المحاكم المختلطة أمام المحاكم الإهلية أو في أن يقتبس لقوانينها من الشرائع الأجنبية حتى إذا ما اطمأن الأجانب إليها أمكن إلغاء المحاكم المختلطة (راجع مناقشات مجلس الوزراء في جلسة 2 من نوفمبر لا؟؟؟1882).

والذي نود أن نبرزه في هذا الصدد أن ولي الأمر إذ ذاك لم يدر بخلده أن ينتقل إلى المحاكم الأهلية قوانين تنافض أحكام الشريعة الإسلامية بدليل أنه عهد إلي قدري باشا بوضع قانون مدني يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية، وبدليل ما ثبت من أن الخديو اسماعيل عندما فكر في أن ينقل إلى مصر قانون نابيليون أمر بترجمته، ثم دفع به إلى الشيخ مخلوف المنياوي لمراجعته، ومعرفة مدى انطباق أحكامه على أحكام الشريعة الإسلامية، وانتهى الشيخ طيب طيب الله ثراه من مراجعة 2277 مادة منه، وعلق على كل واحدة منها، وحاصل ما انتهى إليه أنها جميعاً عدا مواد قليلة، إما توافق نصاً في مذهب الإمام مالك، أو توافق الرأي الراجح منه، أو على الأقل رأياً ولو كان مرجوحا أو أنها مماثلة لشيء من ذلك، أو أنها يمكن تخريجها على قواعد وأصول ذلك المذهب، أو أنها من قبيل المصالح المرسلة التي ترك الإسلام لأهله الاجتهاد فيها كل مصرٌ بحسب ظروف زمانه ومكانه وبيئته، وفي ذلك العهد شاعت القالة بأن قانون نابليون مأخوذ عن مذهب مالك، ولعل ذلك هو منشأ هذه المقالة، أو لعل لها أصلاً من الصحة، إذ المعروف أن نابيلون

/ صفحة 267 /

جعل من أغراض حملته في مصر بحث واستخلاص ما بها من كنوز تاريخية وأثرية وثقافية، واستقدم معه جمهرة من علماء بلاده للافادة من تلك الكنوز.

حاصل البحث:

ويمكن تحصيل ما سلف وتركيزه في كلمات قليلة توضح المقصود، وذلك:

أن الشريعة الإسلامية ظلت لها السيادة التشريعية في مصر طوال ثلاثة عشر قرناً غير منازعة في ذلك ولا مدافعة.

إن منح البطريكخانات ولاية القضاء لمن يتبعونها في المسائل الشخصية عند اتفاق المتقاضين لم يكن انتقاصاً من تلك السيادة، لأن ذلك هو حكم الإسلام في شأن الذميين.

(ج) ان الامتيازات الأجنبية التي منحت للأجانب، انقلبت في آخر القرن التاسع عشر الميلادي إلى أغلال تحد من تلك السيادة نوعاً ما.

(د) كان إنشاء المحاكم المختلطة محاولة لفك تلك الأغلال ولإلغاء سبعة عشر محكمة قنصلية، ولذلك اقتت بخمس سنوات.

(هـ) لما تشبثت الدولة الأجنبية ببقاء المحاكم المختلطة يسندها الاحتلال الانجليزي في ذلك، فكر في إنشاء محاكم أهلية نظامية، تطبق فيها قوانين المحاكم المختلطة المستقاة من قانون نابليون يدخلها قضاة أجانب، حتى تطمئن الدول، ويمكن إلغاء المحاكم المختلطة.

(و) رغم أنه كان المعروف أن المحاكم الأهلية مؤقتة لعلة الغاء المحاكم المختلطة، فقد وضحت نية المشرع عند نقل القوانين المختلطة إلى المحاكم الأهلية في أن لا تكون مخالفة للشريعة الإسلامية وعرف إذ ذاك أن قانون نابليون متفق ومذهب مالك.

(ز) ان فترة الاضطراب التشريعي في مصر التي صاحبت الاطضراب السياسي وبدأت في أواخر القرن الماضي، واستمرت إلى وقت إلغاء المحاكم المختلطة بإلغاء الامتيازات الأجنبية؛ إن هي إلا حدث طارئ لا يمكن ان يطغى على تراث ثلاثة عشر قرناً من الزمان.

/ صفحة 268 /

وكان انشاء المحاكم الأهلية في الوجه البحري سنة 1884 م، وفي الوجه القبلي بعد ذلك بخمس سنوات سنة 1889 م، ولم تنشأ محاكم الجنايات إلا في سنة 1905 م ولم تتحقق الغاية المرجوة من إنشائها وهي إلغاء المحاكم المختلطة، إذ عضت الدولة الأجنبية عليها بالنواجذ، وشجعها الاحتلال الانجليزي للبلاد، إلى أن قامت الثورة الوطنية الكبرى مندلعة من الأزهر سنة 1919 م، وكان من أهم آثارها إصدار دستور سنة 1923، ومعاهدة الصداقة بين مصر وبريطانيا سنة 1936، وإلغاء الامتيازات الأجنبية سنة 1937، وإلغاء المحاكم المختلطة بعد انتهاء فترة الانتقال في 15 أكتوبر سنة 1949، صحيح أنه كان من آثار ما سلف أن عطلت بعض أحكام الشريعة الإسلامية في بعض أحكام الحدود، وأهمها حد السرقة وهو قطع اليد بشروط معينة، وليس هذا إلا تعطيلا جزئياً موقوتاً، فلما أن جاء الدستور أكد تلك الحقيقة الواقعة: حقيقة سيادة الشريعة الإسلامية في البلاد المصرية، في المادة 149 حيث نص على أن (الإسلام دين الدولة الرسمي) ومن ثم يكون كل تشريع يعارض أصلاً أساسياً في شرعة الإسلام غير دستوري ولا مقنع فيما يقوله البعض من أن تعطيل حكم القتل في المرتد يوجب تعطيل باقي أحكام الشريعة الإسلامية في هذا الشأن، وذلك من وجهين:

أولهما: أن فقهاء الإسلام جعلوا مناط قتل المرتد القدرة على ذلك، فقد ورد في المغني لابن قدامة في الكلام على ابن المرتد (ومتى قدر على الزوجين المرتدين أو على أولادهما استتيب منهم من كان بالغاً عاقلاً، ومن لم يتب قتل، ومن كان غير بالغ انتظرنا بلوغه وينبغي ما دام قد قدر عليه أن يحبس حتى لا يهرب).

والثاني: أن حد السرقة قد عطل في وقت ما. وكان التعطيل في عهد من؟ في عهد عمر بن الخطاب، وهو من؟ هو أشد المسلمين استمساكاً بأحكام الشريعة، حتى انه حين أمر بإقامة الحد (حد الخمر) على ابنه، ولحظ أن منفذ الحد يترفق بابنه حتى لا يوجعه ثار، وأبى إلا أن ينفذ حكم الله بشدة وعنف قضيا على حياة ابنه بين يديه. ولم يقل ولا يصح أن يقول أحد إن تعطيل هذا القدر من الحدود

/ صفحة 269 /

للضرورة دعا إلى تعطيل باقي الحدود أو إلى تعطيل أحكام الشريعة الإسلامية التي هي أصل لذالك الفرع.

نصوص الدستور المصري في هذا الشأن:

يزعم الكثيرون في هذا الزمان أن قواعد الدستور المصري تحول دون تطبيق قواعد وأحكام الشريعة الإسلامية، ومن هؤلاء صاحب الدعوى البهائي حيث ذهب الدفاع عنه إلى أن الدستور هو القانون الأصلي لكل القوانين في مصر، وخلص من ذلك إلى أن المادة 12 منه تنص على أن (حرية الاعتقاد مطلقة) وذهب في تفسيرها إلى أنها حرية مطلقة من كل قيد لا يحدها أي نص من شريعة أو قانون، تخول كل مصري أن يرتد عن دينه سواء أكان مسلماً أم نصرانياً أم يهودياً، وأن يعود إلى دينه ثم يخرج منه إلى دين آخر أو إلى لا دين، دون أي جزاء أو أثر، وإبطال زواج مثل هذا الزائغ المتردد على الأديان فيه تقييد لتلك الحرية التي كفلها الدستور، وكل ما ناقض الدستور ساقط.

ولقد بان لي من تقص المراحل التشريعية التي مرت بها المادة 12 من الدستور أن معناها القانوني الصحيح بحسب ما قصده واضعوها هو على النقيض تماماً مما يراد لها من تفسير، فبلرجوع إلى الأعمال التحضيرية للدستور طبعة مطبعة مصر سنة 1940 لحساب مجلس الشيوخ ج1 ص87 نجد أن المادة 12 كانت تحت رقم 10 من المشروع الأول، وكانت عبارتها تجري على هذا النسق: (حرية الاعتقاد الديني مطلقة، فلجميع سكان مصر الحق في ان يقوموا بحرية تامة علانية أو غير علانية بشعائر أية ملة أو دين أو عقيدة، ما دامت هذه الشعائر لا تنافي النظام العام أو الآداب العامة) هكذا وضعتها اللجنة العامة مسترشدة بمشروع كان قد أعده اللورد كرزون وزير خارجية انجلترا إذ ذاك، ولا خفاء في أن النص لو بقى على حاله من السعة والشمول لأمكن القول في ظله بما يقوله هؤلاء القائلون من أن إطلاق الدستور لحرية الاعتقاد الديني وكفالته لإقامة شعائر الأديان أياً كانت، لا الأديان المعترف بها إذ ذاك فحسب، وهي الأديان

/ صفحة 270 /

السماوية، وإنما شعائر أية ملة أو عقيدة أو دين ولو كان مستحدثا، هذا الإطلاق والشمول يمكن كل صاحب دين أن يخرج من دينه إلى أي دين أخر، سواء أكان سماوياً أو غير ذلك، معترفاً به من قبل أو مبتدعاً، ويسيغ له أيضاً أن يأتي هذا الأمر مراراً وتكراراً غير ملق بالا إلى ما لهذه الفوضى من أثر ومساس بحقوق خطيرة كالإرث والنسب والزواج وبحقوق أخرى لا يستطيع أصحابها الدفاع عنها لقصر أو عدم أهلية، وكل ذلك دون أن يتحمل المرتد عن دينه أية مسئولية مدنية أو جنائية، ولهذا نجد أن فضيلة الشيخ بخيت يقول في جلسة 15 من أغسطس سنة 1922 للجنة الدستور: (أطلب تعديل المادة العاشرة من باب حقوق الأفراد لأنها بحالتها الحاضرة لا يقرها دين من الأديان، ولأنها تؤدي إلى الفوضى والاخلال بالنظام، وأطلب أن يكون النص قاصراً على الأديان المعترف بها سواء أكانت سماوية أم غير سماوية، فلا يسمح بإحداث دين جديد، كأن يدعى شخص أنه المهدي المنتظر مثلاً ويأتي بشرع جديد) ولقد أيد هذا الاقتراح الأنبايؤنس بقوله: (اقتراح الأستاذ مفيد ولنا عليه دليل قريب، فإن سرجيوس المعروف لحضراتكم جميعاً خرج عن الدين ـ المسيحية ـ وشرع في استحداث دين جديد، وطلب من الحكومة التصريح له بذلك فرفضت، وهذا دليل على أنه لا يمكن الترخيص بغير الأديان المعترف بها) كما نجد أيضاً أن الشيخ محمد خيرت راضي بك قد اقترح حذف كلمة (الديني) من الفقرة الأولى من المادة العاشرة ليصبح نصحها (حرية الاعتقاد مطلقة) وشرح اقتراحه بقوله: (وبغير ذلك يباح لكل شخص أن يترك دينه ويعتنق ديناً آخر دون أن يتحمل مسئولية ذلك من جزاء مدنى وغير مدنى، مع أنه لا نزاع في أنه يترتب على تغيير الدين نتايج هامة في الميراث وغيره، ويكفي أن يكفل النص حرية الاعتقاد لأن ذلك هو كل الغرض المقصود من المادة على ما أعتقد.

أما الفقرة الثانية من المادة، فقد جعلت اقامة الشعائر الدينية مطلقة من كل قيد، وهذا يؤدي إلى الإخلال بالنظام) وهنا تسائل إبراهيم الهلباوي بك قائلاً في حالة ما إذا أخذ بالاقتراح الأخير وأصبحت الفقرة الأولى (حرية الاعتقاد

/ صفحة 271 /

مطلقة) فأي اعتقاد يقصد المقترح؟ وهل الاعتقاد الديني يدخل ضمن النص المقترح بحاله؟ فرد فضيلة الشيخ بخيت بقوله: (الاعتقاد شيء والدين شيء آخر فالمسلمون افترقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة، لكل فرقة اعتقاد خاص، مع أن لهم ديناً واحداً).

صحيح أن جلسة 15 من أغسطس سنة 1922 قد انتهت بموافقة أغلبية الحاضرين من لجنة الدستور على الإيفاء على النص الأصلي للمادة العاشرة الذي أعدته لجنة وضع المباديء العامة إلا أن ذلك كان عقب ما قرره حضرة عبد العزيز بك فهمي حيث قال: (ألفت نظر اللجنة إلى أن هذا النص مأخوذ بحروفه من مشروع اللورد كرزون، وقد اتفقنا على أن نأخذ هذه النصوص في دستورنا حتى لا نرغم على وضعها عند المفاوضات).

وهذا القول واضح الدلالة على أن لجنة الدستور لم تكن مختارة حين قبلت أغلبيتها هذا النص، بل فرض عليها فرضاً، وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم من تلك السلطة الأجنبية الغالبة، استطاعت الاتصالات خارج اللجنة الوصول إلى تعديل المادة على النحو الذي اقترحه الشيخ خيرت راضي بك، وكان ذلك بعد فترة، إذ في جلسة 28 من أغسطس سنة 1922 قال فضيلة الشيخ بخيت: (حسماً للنزاع الذي قام بشأن المبدأ الخاص بحرمة الأديان، أقترح أن تحذف كلمة الديني من صدر المادة لتكون عبارتها حرية الاعتقاد مطلقة، بدلاً من عبارة حرية الاعتقاد الديني مطلقة) ـ فوافق الجميع على ذلك.

ومفاد ذلك في ضوء المناقشات التي جرت حين قدم هذا الاقتراح لأول مرة في الجلسة السابقة على لسان الشيخ محمد خيرت راضي بك، أن قصر عبارة المادة على حرية الاعتقاد مع حذف كلمة الديني مقصود منه ما قرره الشيخ بخيت، أن الاعتقاد شيء والدين شيء آخر، وأصبح النص بحاله يحمي المسلم الذي يغير مذهبه من شافعي إلى حنفي مثلاً، والمسلم الذي يترك فرقة أهل السنة وينضم إلى فرقة أخرى كالشيعة أو الخوارج أو المعتزلة ـ كما يحمي النص المسيحي الذي يدع

/ صفحة 272 /

الكثلكة ويتمذهب بالبروتستنتية، ولكنه لا يحمي المسلم الذي يرتد عن دينه من أن يتحمل مسئولية تلك الردة مدنية كانت تلك المسئولية أو غير مدنية ـ كما لا يبيح النص لأي شخص أن يدعى أنه المسيح نزل إلى الأرض أو المهدي المنتظر أو أنه رسول جديد يهبط عليه الوحي من السماء، أو أنه صاحب كتاب سماوي، كما يزعم البهائيون في شأن رأس نحلتهم بهاء الله. إذ لا حماية لهذا الدعي من الدستور بحسب النص الحالي للمادة 12 منه.

على أنه مما يزيد هذا الأمر جلاءً ووضوحاً ما نص عليه الدستور في المادة 149 من أن (الإسلام دين الدولة الرسمي) فعبارة مطلقة كهذه تقطع بأن أحكام الإسلام لها السيادة التامة في هذه البلاد، ترفع كل ما يعترضهاوتزيله، وكل تشريع يصدر مناقضاً لها هو تشريع غير دستوري ويؤيد هذا النظر التاريخ التشريعي لهذه المادة، وذلك أنه في جلسة 3 من مايو سنة 1922 وضعت لجنة المباديء العامة للدستور هذا النص بناء على اقتراح من فضيلة الشيخ بخيت (أريد أن أعرض بعض قواعد تضاف إلى أحكام الدستور فاطلب أن ينص على أن الدين الرسمي للدولة المصرية هو الإسلام) فاقترح دولة حسين رشدي باشا أخذ الآراء على هذا الاقتراح فوافق عليه بالإجماع دون أي اعتراض أو تعليق ثم تكررت تلاوته وتكررت الموافقة الإجماعية عليه في أربع جلسات متتابعة، وهذا النص من الإطلاق والشمول والعموم مما لا يسمح بأي تدخل لريبة المستريب أو لظن المتظنن المسرف في التظنن، ولا حجة فيما قاله صاحب الدعوى البهائية تعليقاً على هذه المادة من أنه لا يقصد منها التدخل في ديانات ومعتقدات الأفراد الشخصية بقدر ما سلف إيراده، ولا ما يقوله من أن ماقصد إليه واضعوا الدستور وعنوه هو الرسميات التي تتعلق بالدولة كشخص معنوي، إذ أن ذلك أقرب إلى الهزل منه إلى الجد الذي يعني به في مقام الرد، هذا مع ملاحظة أن المادة 149 من الدستورتالية للمادة 12 ولجميع مواد حقوق الأفراد، ونظام الإدارة والقضاء وغيره فهي بذلك ناسخة لكل ما يناقضها أو يناقض أسس الإسلام من مواد الدستور السابقة، إن صح أن هنا: تناقضاً، إذ القاعدة الأصولية أن اللاحق ينسخ السابق.

/ صفحة 273 /

ومتى تقرر ذلك كانت أحكام الردة في شأن البهائيين واجبة التطبيق جملة وتفصيلاً بأصولها وفروعها، ولا يغير من هذا النظر كون قانون العقوبات الحالي لاينص على عقوبة إعدام المرتد، وليتحمل المرتد (البهائي) على الأقل بطلان زواجه ما دامت بالبلاد جهات قضائية لها ولاية القضاء بهذا البطلان بصفة أصلية أو بصفة تبعية، كما لا يغير من هذا النظر أيضاً نص المادة 13 من الدستور وهو (تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقاً للعادات المرعية في الديار المصرية، على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب) وواضح أن وضع هذا النص بدلاً من الفقرة الثانية للمادة السابقة حسب نصها في المشروع الأصلي وفي مشروع كرزون وهو:

(ولجميع سكان مصر الحق في أن يقوموا بحرية تامة علانية أو غير علانية بشعائر أي ملة أو دين أو عقيدة أو مذهب) هذه المغايرة بعد المناقشات التي أشرنا إليها واضحة الدلالة على الأخذ بفكرة المعارضين من رجال الأديان، فحذف النص على شعائر الملة وأصبح النص مقصوراً على شعائر الأديان المعترف بها إذ ذاك، وهي الإسلام والمسيحية واليهودية، وعلى شعائر العقائد على أنها فروع وفرق لتلك الأديان المعترف بها من قبل، وقيد كل ذلك بالعادات المرعية في الديار المصرية، وما من شك في أن العادات المرعية في الديار المصرية هي ربيبة الشريعة الإسلامية وحدها خلال ثلاث عشر قرناً، وشرط لكل ذلك عدم الاخلال بالنظام والآداب. (يتبع)