/ صفحة 274 /

الآداب والعلوم العقلية
صلة الأدب بالفلسفة

لحضرت صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد الجواد رمضان

استاذ الأدب العربي في كلية اللغة العربية

ـ 3 ـ

ويتصل الأدب بالتصوف اتصالاً مترامي الأطراف، عميق الأغوار؛ فكلاهما نفحة وجدانية، تبعثها قوة خارجية، هي الإشراق الرباني أو الوحي الشيطاني، أو الجنون السماوي، وكلاهما عماده الذوق المضنون به على غير أهله؛ فلا يصدق في الحكم على الصوفي من ليس صوفياً، ولا يصدق في الحكم على الشاعر من ليس شاعراً، وكما أن للصوفي شطحات من السكر والتواجد تطير به في آفاق الروحانية، تسمو عن كل ما يحيط به من مظاهر الحياة، فإن للشاعر سبحا في أجواء الخيال، يوهن الصلة بينه وبين حقائق الوجود، ويباعد بينه وبين ما ألف من مظاهر الحياة؛ فترى الشاعر في حياته العادية كما ترى سائر الناس، مألوف المظهر، طبيعي الشمائل والحركات، حتى إذا خالطه شيطانه اضطرب شعوره، وزاغت نظراته، فتقلبت في السماء مرة، وفيما حوله أخرى، تبحث عن شيء لا وجود له هنا، ولا وجود له هناك؛ أو ـ بالاحرى ـ تبلدت متحيرة تحير الولهان بين آثار الديار، وهذل عن السمار والمخالطين، فربما وضع نعم موضوع: لا، أو وضع لا موضع نعم، من غير وعي ولا إدراك.

فإذا أنشد: (تطور) وتشنج، وجحظت عيناه، وانتفخت أوداجه، وعلا صوته، وقويت حنجرته، واشتدت حركاته، وكثرت إشاراته … الخ.

/ صفحة 275 /

وهو عاقل كل العاقل، ولكنه: الشطح، الذي يعود منه محطم الأعصاب، متخاذل الأطراف، يطرق خجلاً كما يطرق المذنب الأثيم.

وكما تشاكل التصوف والشعر في المصدر وفي المظهر؛ تسايرا في الأغراض، وبخاصة المدائح، والخمر، والغزل؛ فكما مدح الشاعر، ووصف الخمر، وتغزل؛ مدح الصوفي، ووصف الخمر وتغزل؛ ومبلغ الفرق بين الشاعر العادي والشاعر الصوفي، أن الشاعر في مدحه ووصفه وغزله؛ يقصد شيئا له وجود حسي، يضفي عليه من خياله صوراً وتهاويل، تكسر حدوده الشخصية المحسة، وتخرج به إلى منطقة الكمال الأفيح، أو إلى المثل العليا، وهو ـ على كل حال ـ من العالم المحسن. فأما الصوفي فإنه في مدحه ووصفه وغزله يتخذ من الألفاظ الحسية رموزاً وإشارات إلى المعاني الروحية، ومن هنا سميت الأشعار الصوفية: بالأشعار الرمزية؛ فالخمرة عند الشاعر الصوفي هي خمرة الحقيقة، أو هي المعرفة، وليلى هي الذات الإلهية، أو الذات المحمدية، وعلى أنها أول مظاهر الذات الإلهية ـ على ما يأتي ـ وكذلك المدح رموز وإشارات إلى ضروب العظمة التي تطالعها الأرواح في سمات هذه الذوات.

وحرصاً من الصوفية على هذه الرمزية، ومبالغة فيها، ضموا إليها الأساليب المعقدة، والمعاني المغلقة؛ ولذلك تميزت أشعارهم بأسلوب خاص، باعد بين الكثير منها، وبين المنهج الشعري المأثور، وجعل حظها من الإجادة محدوداً، كما جعل فهمها، متعذراً في كثير من الأحيان.

قيل: ان بعضهم كتب إلى أبي القاسم سمنون بن حمزة الزاهد، يسأله عن حاله: فكتب إليه هذين البيتين، وينسبان للحلاج (1)

أرسلت تسأل عني: كيف كنت، وما

                             لاقيت بعدك من هم ومن حزن

 

ــــــــــ

(1) وفيات الأعيان ترجمة الحلاج ص147 ج 2.

 

/ صفحة 276 /

لا كنت، إن كنت أدري كيف كنت، ولا

                             لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن

ومثل هذا كثير في أشعارهم.

وقد قلدهم في هذا المذهب ـ على ضعفه ـ بعض الشعراء الفحول؛ وعده الثعالبي على المتنبي من المعايب، وعقد له فصلاً خاصاً؛ قال (1)

ومنها أمتثال الفاظ المتصوفة، واستعمال كلماتهم المعقدة، ومعانيهم المغلقة، في مثل قوله:

                             سبوح لها منها عليها شواهد

وقوله:

وبه يضن على البرية لا بها          ****          وعليه منها لا عليها يُوسَى

وقوله:

كبر العيان علي حتى أنه            ****          صار اليقين من العيان توهما

وقوله:

نال الذي نلت منه منى      ****               لله ما تصنع الخمور!

قال الصاحب: ولو وقع قوله:

نحن من ضايق الزمان له فيـــ  ****  ـــك، وخانته قربك الأيام

في عبارات الجنيد والشبيلي، لتنازعته المتصوفة دهراً بعيداً. ومن أشد ما قاله في هذا المعنى قوله:

ولكنك الدنيا، إلى حبيبة                        فما عنك لي إلا إليك ذهاب

                                       ****                         اهـ

أقول: وقد غاب عن الثعالبي، همزيته في مدح أبي علي الأوراجي المتصوف، التي مطلعها:

أمن ازديارك في الدجى الرقباء          ****          إذ حيث كنت من الظلام ضياء

 

ــــــــــ

(1) يتيمة ح1 ص171.

/ صفحة 277 /

قلق المليحة وهي مسك هتكها          ****               ومسيرها في الليل وهي ذكاء

أسفي، على أسفي، الذي دلنهتني          ****          عن علمه، فيه على خفاء

وشَكيتي فقد السقام لأنه                                     قد كان لما كان لي أعضاء

ومقطها قوله:

لو لم تكن مِن ذَا الورى الذ منك هو

عَقِِمت بمولد نسلها حواء!

فقد أكثر فيها من اصطناع هذا الأسلوب، رجاوة أن ينزل من رضا الممدوح حيث يشاء إذ يخاطبه باللغة التي تلذ في أذنه، وتعذب في مذاقه؛ ولا غرور فلكل مقام مقال.

*  *  *   *

وقد ندر للصوفية ـ من غير هذا المسلك ـ أشعار، تفعل بالنفوس، ما تفعله الكؤوس، بالرؤس؛ فمن ذلك: الأبيات المشهورة، التي تنسب للشبلي:

رب ورقاء هتوف بالضحى           ****          ذات شجو، صدحت في فنن

ذكرت إلفا وعهداً ماضيا              ****          وبكت حزنا فهاجت حَزَنى

وبكائي ربما أرقها                      ****          وبكاها ربما أرقني

ولقد تشكو فما أفهمها             ****          ولقد أشكو فما تفهمني

غير أني بالجوى أعرفها             ****          وهي أيضاً بالجوى تعرفني!

وقول ابن الفارض في الخمر:

يقولون لي: صِفها، فأنت بوصفها          ****          خبير، أجل: عندي بأوصافها علم

صفاء ولا ماء، ولطف ولا هوا          ****          ونور ولا نار، وروح ولا جسم

تقدم كل الكائنات حديثا              ****          قديما، ولا شكل هناك ولا رسم

وقالوا شربت الاثم، كلا وإنما           ****          شربت التي في تركها عندي الأثم

هنيئاً لأهل الدير، كم سكروا بها          ****          وما شربوا منها، ولكنهم هموا!

/ صفحة 278 /

مثل هذا الشعر يفضح غروره كل من يتعرض لبيان نواحي السمو فيه، لأنه يجمع الجمال من أطرافه: جمال اللفظ، وجمال المعنى، ويتبجح من ذلك في الذرا والمقدم؛ ومن لأهل الأرض بأن يصعدوا إلى السماء!

*  *  *   *

ولم يكتف الصفوية بنظم الأشعار التي تعبر عن وجداناتهم وأذواقهم وإحساساتهم، بل تغنوا بها في محافلهم ومجالسهم، وطربوا بسماع ألحانها الرقراقة ونغماتها المشعشعة، وكان لسماع الغناء عندهم منزلة تسامي منزلة الشعر، أو تفوتها بمراحل، وأكثر ما كان تواجدهم عند السماع، وقد تغنوا بشعر غيرهم، كما تغنوا بشعرهم، بعد أن فسروا ألفاظه الحسية على ما يوافق أذواقهم.

روى ابن عبد ربه (1): أن شيخاً من أهل المدينة صحب شاباً في سفينة، ومعهم جارية تغني؛ فقال الشاب للشيخ: إن معنا جارية تغني، ونحن نجلك، فإذا أذنت لنا فعلنا. قال: فأنا أعتزل، وافعلوا ما شئتم؛ فتنحى؛ وغنت الجارية:

حتى إذا الصبح بدا ضؤه     ****          وغابت الجوزاء والمرزم

أقبلت والوطء خفي كما          ****          يناسب من مكمنه الأرقم

فرمى الناسك بنفسه في الفرات، وجعل يخبط بيديه طربا، ويقول: أنا الأرقم فأخرجوه وقالوا: ما صنعت؟! فقال: إني أعلم من تأويله ما لا تعلمون!.

وروى ابن خلكان في ترجمة ذي النون المصري، قال: كان بأربل مغن موصوف بالحذق والمهارة في صنعته يقال له: جبريل … سمعه ذو النون يوما يغني من قصيدة سبط بن التعاويذ في مدح الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء التي مطلعها:

سقاك سار من الوسمى هتان           ****          ولا رقت للغوادي فيك أجفان

قوله:

ولى إلى البان من رمل الحمى وطر          ****          فاليوم، لا الرمل يصيبني ولا البان

وما عسى يدرك المشتاق من وطر          ****          اذا بكى الربع والاحباب قد بانوا

وليلة بات يجلوا الرح من يده                 ****          فيها أغن خفيف الروح جذلان

____________

العقد ج4 ص124 ط أزهرية.

 

/ صفحة 279 /

يذكى الجوى بارد من ثغره شيم          ****          ويوقظ الوجد طرف منه وسنان

إن يمس ريان من ماء الشباب فلى          ****          قلب إلى ريقه المعسول ظمآن

بين السيوف وعينيه مشاركة              ****          من أجلها قيل للأغماد أجفان

فلما انتهى إلى هذا البيت، قام بعض الحاضرين وقال له: يا شجاع، أعد ما قلته مرتين أو ثلاثاً، والشيخ في أثناء ذلك متواجد، ثم صرخ صرخة هائلة، سقط على أثرها ميتاً؛ فقال المغني: هكذا جرى في سماعي مرة أخرى، مات فيه آخر. وهذا أمر متعالم مشهور. ولا عجب فقد قالت الحكماء: إن للغناء فضيلة يتعذر على المنطق إظهارها، ولم يقدر على إخراجها بالعبارة فأخرجها بالعبارة فأخرجها النفس لحناً موزونا، فلما سمعتها الطبيعة استلذتها وفرحت وسرت بها، فاسمعوا من النفس حديثها ومناجاتها.

وأكثر أخيلة الصوفية ومعانيها، تدور في محيط (وحدة الوجود) و(الحلول) وهما نظريتان تضربان في صميم الفلسفة بأعراق، وليست أعرض لهما بالشرح والنقد فذلك مجال زميلي الكريم الأستاذ الفيلسوف: دكتر محمد الهي مراقب البحوث بالأزهر.

ولا أروم ـ بحمد الله ـ منزلة           ****          غيري أحق بها مني إذا راما

بل أنا أول العاملين بقول الأخضري:

                    فابن الصلاح والنواوي حرما

وإنما أرمقهما من زاويتي الخاصة: (صلة الأدب بالفلسفة).

ووحدة الوجود ـ وقريب منها الحلول ـ يفسرها بعضهم بأن الله تعالى روح وأن العالم جسم لذلك الروح.

ويفسرها آخرون بأنه لا موجود إلا الوجودذذذذذذذالواحد، وجميع الموجودات تعينات لذلك الوجود، ومظاهر له، فكل شيء في الوجود هو الله تعالى.,

وقد يشير إلى هذا قول ابن الفارض:

وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها           ****          وذاتي بذاتي إذ تجلت تحلت

وما زلت إياها وإياي لم تزل                ****          ولا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبت

/ صفحة 280 /

وعلى كل حال، فسيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو أول التعينات، وليس فوقه إلا الذات الأحدية؛ والحقيقة المحمدية عند الصوفية، هي العماد الذي قامت عليه قبة الوجود. (وإن شئت فقل أنه (صلى الله عليه وآله وسلّم)، العقل الأول عند الفلاسفة).

لهج الصوفية بهذه المعاني مستورة تارة، مكشوفة أخرى في منثورهم ومنظومهم فأعجب ذلك الأدباء غير الصوفية من الكتاب والشعراء، فتأثروهم فيه (وضربوا على أوتارهم، فتغلغلت هذه الروح في شعابه، وانسابت في أعصابه؛ فترى الناثر يقول: لولاه ما خلق الله سماء ولا أرضا ولا لوحا ولا كرسيا الخ الخ.

وترى البوصيري يقول في البردة:

دع ما أدعته النصارى في نبيهم          ****          واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم

فكل شرع أتى الرسل الكرام به          ****          فأنما اتصلت من نوره بهم

ويقول في الهمزية:

كيف ترقى رقيك الأنبياء   ****               يا سماء ما طاولتها سماء

لن يدانوك في علاك وقد حا  ****          ل سنا منك دونهم وسناء

إنما مثلوا صفاتك للنــا  ****          س، كما مثل النجوم الماء

وبالنظرة العابرة، في قصائد المدائح النبوية بخاصة؛ وفيما يتغنى به القراء والمنشدون في ذكرى مولده ـ (صلى الله عليه وآله وسلّم) ـ ترى وحدة الوجود سافرة وضاحة؛ تجليها معالمها وآثارها.

حتى أميرنا المغفول له شوقي بك، دب إليه أثرها في (نبوياته) الرائعة المعجزة؛ اسمع ما يقول في نهج البردة:

ألقى رجائي ـ إذا عز المجير ـ على           ****          مفرج الكرب في الدارين والغمم

محمد صفوة الباري ورحمته             ****          وبغية الله من خلق ومن نسم

وأنا أيضاً ـ يا أميري ـ ألقى رجائي إذا عز المجير، على محمد صفوة الباري ورحمته، عليه الصلاة والسلام. (يتبع)