/ صفحة 324 /
النظام الإسلامي أسمى النظم
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ محمود فياض
أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية أصول الدين بالأزهر
طربت للبحث الممتع الذي كتبه في مجلة رسالة الإسلام أخونا الأستاذ محمود اللبابيدي عن الاقتصاد الإسلامي ومقامه بين النظم الاقتصادية المعاصرة (1) فقد جلى بوضوح استقلال الاقتصاد الإسلامي وسموه على غيره (من النظم)، وكم كان جميلاً إصراره على كلمة (من طراز خاص) دون أن يصفه بصفة (بشرية) كما يفعل المخدوعون، وإني في هذه الكلمة أضيف إلى ذلك بعض ملاحظات عامة عن النظام الإسلامي بصفة تأكيد الاستقلال في مختلف النواحي سياسية واجتماعية واقتصادية. استقلالاً يحرم علينا أن نصفه بغير صفة (الإسلام). وليست هذه الملاحظات غير مميزات يمتاز بها النظام الإسلامي عن كافة النظم الإنسانية وغير الإنسانية، ونحن نجملها يلي:
1 ـ الإسلام بعد أنه دين للبشرية الرشيدة يتعبدها الله به، وينظم به سلوكها العام، ويحدد به العلاقات بين العبد وخالقه، وبين الفرد والفرد، والفرد والجماعة والجماعة والجماعة، هو نظام عقدي قصد به صلاحية البشرية كلها في شتى عصورها، ومن هنا كان الإلزام فيه عقدياً منبعثاً من القلب، ومدى قوة إيمانه بهذه العقيدة لا ناتجاً من ضغط السلطان أو سطوة القانون! أو إكراه الحاكم. وهذا هو
/ صفحة 325 /
مغزى تفرد الإسلام في كل تنظيماته بالعنصر الخلقي ـ كما قلت غير مرة في رسالة الإسلام ـ وهذا أيضاً هو معنى القول بأن النظام السياسي للإسلام يقوم على الشرع الذي جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وهو معنى القول بأن الحكم الإسلامي حكم ديني، يعني يستند إلى مقررات وضعها الخالق سبحانه ليدين بها الناس، ولم يضعها أحد من البشر، مثل المقررات التي يثور عليها الناس في شتى عصور التاريخ! وليس في ذلك ـ تسليط ولا شبه تسليط ـ لرجال الدين كما يفهم ذلك ـ بغير حق ـ بعض الناس: فالمسلمون جميعاً (رجال دين) وكلهم مدعو إلى الإيمان والمعرفة، وحق الفهم، والبحث والنظر يستوي فيه الجميع؛ وليس معنى ذلك أن حكم الإسلام يثوقراطي، كحكم البابا المسيحي المستند إلى حكم القديس بطرس الذي يعتمد على تفويض من الله في الحل والربط بين عباده. زعموا أن الله قال للقديس بطرس: (إن ما تحله في الأرض فأنا أحله في السماء وما تربطه في الأرض فأنا أربطه في السماء) فأعطاه بذلك سلطة الحل والربط في الأرض والسماء، يعني سلطة الأمر والنهي والتشريع وتوزيع أو تحديد الجزاء الأخروي، والبابا خليفته فله ما له، وهو يضفى من سلطانه على من دونه من رجال الأكليروس، وليس معنى ذلك أيضاً أن حكم الإسلام هيروقراطي. وهو أسوأ حكم عرضه التاريخ لرجال الكنيسة الرومانية في عصور الانحلال وهو ما يخيف الناس من كلمة (حكم ديني) هذا المعنى لا يعرفه الإسلام، وليس لأحد ـ ولو كان رسولاً ـ سلطة الحل والربط والتشريع في الأرض فضلاً عن السماء! وإنما ذلك الحل والربط والتشريع لله سبحانه، وهو واضح في الإسلام، له قواعده ومقرراته ونصوصه. التي يستوي في فهمها مجملاً ومفصلاً جميع الناس.
2 ـ الإسلام أول نظام سياسي واجتماعي عالمي. قرر وحدة الإنسانية، وعقد الأخوة بين بني الإنسان، ونظم وسائل الوصول إلى هذه الوحدة على أساس المحبة والأخوة، والتعاون والسلام؛ تنظيماً يضمن للمجتمع الإنساني الأمن والاستقرار، وقد أقام مقرراته في ذلك على العقيدة، على الإيمان بألوهية الله
/ صفحة 326 /
الواحد القهار خالق الجميع، وتحطيم ألوهيات البشر، والتسليم المطلق لأوامر الله وأخذها بالرضى دون تردد أو شك، والاحتكام إليه سبحانه في كافة الأمور، لأنه الحاكم الحقيقي، ووصف (الحاكمية) ثابت له وحده سبحانه (إن الحكم إلا لله أمراً لا تعبدوا إلا إياه) (قل إن الأمر كله لله) وذلك انتزع الإسلام من أيدي البشر سلطة التشريع تحقيقاً للمساواة بينهم في نسبتهم إلى الخالق الحاكم، فليس لفرد، ولا لأسرة أو طبقة، حق التحكم في الناس، أو استعبادهم بأمر أو نهي أو تشريع لم يأذن به الله، وليس لإنسان ـ ولو كان رسولاً ـ أن يتعبد الناس بشيء من ذلك إلا بسلطان من الله مبين (وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا) بوصفه رسولاً يبلغ عن الخالق المالك الحاكم ما أنزله إلى عباده، وبهذا قضى الإسلام تماماً على التحكم الفردي والاستبداد الأسري(1)، وأنصف البشرية وأكرمها غاية الإكرام.
3 ـ النظام الإسلامي يقرر الحرية المطلقة والمساواة التامة بين الناس، والأخوة الإنسانية والإسلامية، والتضامن الجماعي بين الفرد والجماعة، في سبيل صالح الفرد والجماعة، والرقابة الشعبية على قادة الشعب وحكامه، ويقرر أن الأمة مكلفة مسئولة ويمنحها من السلطان على حكامها، ما لا يسمح به أي دستور حديث، فلها حق التولية وحق العزل وما هو فوق العزل. ويوجب أن يكون الحكم مستنداً إلى شورى الأمة، ويعطي كل فرد مسلم حق اختبار الحاكم وحق الشورى ما دام عاقلاً عالماً خبيراً بالأمر الذي يبحث، ولا يقيد هذا الحق بقيد غير هذا فلا يشترط سناً ولا نصاباً مالياً، ولا صفة عنصرية أو طبقية، ولا يهدر أهلية الفرد إلا بجريمة موجبة لذلك.. ومن هنا يقع بعض الناس في الخطأ فيقول: النظام الإسلامي (السياسي) جمهوري أو ديمقراطي. ويتناسى أن الجمهورية تعني حكم الجمهور (أغلبية الشعب) بوساطة من يختارونه بالانتخاب العام (على درجة
__________
راجع بحث عناصر وجود الأمة الإسلامية في العدد الثاني من السنة الثانية لمجلة (رسالة الإسلام) وكتابنا عصر الراشدين ـ الخلافة.
/ صفحة 327 /
أو درجتين) وأن حق الانتخاب مقيد بسن خاصة، وربما بقيود مالية خاصة(1)، والنائب مقيد بسن خاصة أيضاً، ونصاب مالي خاص، وفي بعض الدساتير بنسب طائفية خاصة.
4 ـ أقر الإسلام الملكية الفردية. بوصفها حقاً طبيعياً للإنسان، توجبه غرائزه، ويبعثه على النشاط، ويكبحه من العدوان، وهي بمثابة تمرين عملي على العدل. إذ يحرص الفرد على ألا يظلم أحداً من حريته وملكيته، حتى لا يظلم أحد في حريته وملكيته، فيسود العدل، ويعم السلام، فإذا رآها بعض الناس دافعاً إلى المزاحمة والمنافسة فالعدوان، فإنما جاء ذلك من طريق الإلحاد، والبعد في المعاملة ونظم الاجتماع عن مقررات الخالق سبحانه وتعالى، عن نظام الإسلام.
ترك الإسلام النشاط الفردي حراً غاية الحرية، ولم يشأ أن يحدد الملكية الخاصة بكم خاص، ولكن المشرع الخبير بتركز الشح في نفس الإنسان (وأحضرت الأنفس الشح) وتفاوت قدرة الأفراد علىالكسب، وقصور قوى بعضهم. الأمر الذي يوجد الغنى والفقر، وضع إلى جانب ذلك نظاماً يكفل التوازن بين الناس، وهو إذا لم يقض تماماً على (الغنى والفقر) فإنه على الأقل يبسط الفارق بينهما، وذلك في وقت كان الغنى فيه يريد أن يمتلك السماء، والفقير لا يملك نفسه فحرم الإسلام وسائل الكسب الممقوت: (الربا والميسر ـ والمقامرة) وفرض الزكاة، وهي نسبة مئوية تؤخذ سنوياً من قدر خاص مما يملكه الانسان (نقداً أو مقوماً بالنقد) وجعل ذلك دعامة من دعائم العقيدة لا تصح بدونها، ولا يسمى مسلماً من يمنعها أو يجحدها، أو يتحلل منها بحيلة من الحيل؛ ولم يكتف الإسلام بهذا. بل إنه فرض على المؤمنين (الإنفاق في سبيل الله) وما سبيل الله غير حاجات الدولة وصوالح المسلمين! وقد لا تفى الزكاة بها، وأومر الإنفاق في القرآن عامة أو مقيدة بسبيل الله. هي أوامر حقيقة قائمة ملزمة للمسلمين، وهي مغايرة تمام المغايرة لأوامر الزكاة، ولا سبيل إلى التحايل على الخلوص منها بحملها على الزكاة إلا بظلم كبير وتبديل لكلمات الله، ولم يحدد الإسلام في هذا الباب
__________
الانتخاب الثلاثيني في مصر وفي دستور سنة 1930.
/ صفحة 328 /
نسبة مئوية على قدر خاص كما حدد في الزكاة، بل جعل الإنفاق واجباً وترك تحديد (ما ينفق): النسبة للمؤمن وفق ما يمليه عليه إيمانه وأمانته امتحاناً لإيمانه وأمانته ووعد بحسن الجزاء من ينفق طيبة نفسه، وتوعد من يحبس مال الله عن عباد الله بعذاب أليم.
وشاء الله سبحانه أن يؤكد معاني العزة والكرامة التي ألزم المؤمن بها، في نفس المؤمن الفقير حتى لا يشعر بذلة أو مهانة، وحتى لا يسمح لغني بأن يُشعره بذلك، فأكد أن المال هو مال الله استخلف فيه عبداً من عبيده لينميه، وينفق منه فيما أمر به، فقال سبحانه: (وأنفقوا من مال الله الذي آتاكم). (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) وسمى ما يأخذه الفقير (حقاً معلوماً) ولم يسمه: (أوساخ الناس، أو منحة منهم، أو شحاذة وتوسلا) كما يقول مرضى العقول الذين خدعتهم ثقافتهم، وهنا يقول الاشتراكيون من قبل (كارل ماركس) ويردد الشيوعيون اليوم: إن الإسلام نظام رأسمالي احتكاري لأنه يقر الملكية الفردية والتوسع فيها، ويتجاهلون ما وضعه الإسلام من وسائل تضمن للناس ألا يكون المال دولة بين الأغنياء منهم، ونظرته إلى رأس المال والعمل (1).
ويقول الرأسماليون اليوم لما شعروا بيقظة الروح الأسلامي في الشرق يقظة يتوقعون من ورائها القضاء على استعمارهم للشرق واستغلاله: إن الاسلام نظام شيوعي أو مثله، لأنه يجعل مال الأفراد مال الله: (الدولة) ويجعل العمل صنواً لرأس المال، ويعطي العامل حصته من أرباح عمله، ويسوي بين الناس في كل شيء، حتى إنه ليسلط الفلاح البسيط على الحاكم يراقبه ويحاسبه، ويقترح عزله الخ ما نشرته بعض الصحف السويسرية اليهودية في الشهور الأخيرة. وفات هؤلاء أن الإسلام إنما شرع ما شرع ضماناً للحريات العامة، وتحقيقاً للعدل الاجتماعي والمساواة، وتوفيراً لأسباب السلام.
ــــــــــ
(1) راجع بحث الأستاذ اللبابيدي (الاقتصاد الإسلامي) في العدد الثالث من السنة الثالثة لهذه المجلة.
/ صفحة 329 /
5ـ يدعو الإسلام إلى إلغاء الفواصل والحدود بين الشعوب وجمعها تحت لواء واحد، فيما يسمى (بالوطن الإسلامي) لأنه يدعو إلى عالمية سياسة توجهها مبادؤه. في الحرية والأخوة والمساواة والعدالة والمحبة التعاون ومنهجه الخلقي القويم، ويقرر أن أساس العلاقات بين الناس كافة: أفراداً وجماعات هو السلام (يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) وأوجب على المؤمن إذا دُعي إلى خطة سلم أن يتبعها ويدخل في السلم غير ذليل ولا مخادع (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم، وإن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) وليست الحرب إلا طارئاً (من خطوات الشيطان) الذي يوقع الناس في البغضاء، ويصدهم عن سبيل الله، ولا يلجأ إليها المسلمون إلا عند تعذر الاستمساك بالسلام والأخذ بأسبابه، حين يكون السلام استسلاماً وجبناً ومذلة، وهي لن تكون من جهة المسلمين عدواناً بحال من الأحوال (ولا تعتدوا انالله لا يحب المعتدين) وإنما هي دائماً لرد عدوان يقع على المسلمين أو دعوتهم، أو ظلم نازل بالمسلمين في مكان ما، أو لحماية الدعوة وتأمينها، أو لصيانة الحدود والدفاع عنها. ولهذا أوجب الإسلام الجهاد.
ورغم أن عالمية الإسلام القويمة المسالمة قد سلمت من استعباد الشعوب، واستغلال مواردها، وحرمانها من حقوقها الفطرية، وهي أمور اقترنت بالعالمية التي دعت إليها الفلسفة اليونانية، إذ حاولت جمع أكثر من شعب واحد في نطاق حضارة واحدة، ولكنها كانت تتسم بكلمة أرسطو عن الرقيق: (هم من غير اليونانيين. لأن اليوناني لا يمكن أن يسترق لأن ذلك يعطل مواهبه، ولذلك يجب أن يكون الرقيق من غير اليوناني. من البرابرة (الافريقيين والسيويين) لأن استرقاق غير اليوناني لليوناني. يرقيه وينمي مواهبه.. الخ).
وقد اتبع الرومان ذلك أيضاً، ودعوا إلى عالمية استعمارية على نمط نظرية شيخ الفلاسفة، ويتبع المستعمرون من الغربيين اليوم هذه النظرية الأرسطية)
/ صفحة 330 /
فيما يدعون إليه من عالمية تظلها (عصابة أممهم المتحدة) باسم: الحماية. الانتداب. الوصاية. الإشراف والتدريب، ترقية المتأخرين وإصالهم إلى درجة تؤهلهم للتحضر والحكم الذاتي الخ.. ومع هذا يقول المغرضون: إن الإسلام نظام عدواني استعماري، يكره الناس بالسيف على اعتناق مبادئه، وقد لا يعلمون. أو يتجاهلون. أن الأصل في العلاقات الإنسانية كلها ـ في الإسلام ـ هو السلام (أدخلوا في السلم كافة) (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)؟!
* * * *
وبعد. فهذه كلمة سريعة نقصد من ورائها أن نعرف (المخدوعين) مزايا الإسلام ونظامه. الإسلام تنظيم عام لسلوك الإنسان في مختلف نواحيه، ونظامه في السياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق، نظام فريد، لم يسبق به، ولم يلحقه ما يدانيه، هو النظام الإسلامي فحسب؛ ليس جمهورياً، ولا ديمقراطياً، ولا ملكياً ولا ديكتاتوريا، كما أنه ليس شيوعياً ولا اشتراكياً ولا رأسمالياً، ليس شيئاً من ذلك كله إطلاقاً، ولا يشرف الإسلام أن يوصف بشيء مما استحدثه البشر.
أيها الكتاب من أهل العلم والعزة والغيرة. رددوا دائماً كلمة (النظام الإسلامي) في كل ما تكتبون عن الإسلام، وحذار أن تنزلوا به إلى مصاف المستحدثات البشرية التي أملها الشهوات والحاجة.
إن النظام الإسلامي يجمع محاسن كل النظم العالمية، وهو بنجوة من شرورها وعيوبها، لا يدانيه في تنظيماته في السياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق والتجرد نظام آخر. فلنهتف بالنظام الإسلامي والنظام الإسلامي فحسب.
والسلام على من اتبع الهدى.