/ صفحه 343/
لحضرة صاحب الفضلية الأستاذ الجليل الشيخ محمود شلتوت
سورة المائدة
ـــــ
إجمال لنقط البحث ـ وجه تسمية السورة بسورة العقود ـ وجه تسميتها ـ بسورة المائدة (استطراد: الحواريون ـ اختلاف المفسرين في إيمانهم ـ رأينا في ذلك ـ درجات الإيمان ـ نظر لطيف للإمام الرازي في الفرق بين إيمان عيسى وإيمان الحواريين) ـ المائدة وما يذكر في شأنها من الأساطير ـ هل نزلت فعلا؟ ـ آراء السافين والمثبتين وأدلتهم ـ الاستدلال بأن النصارى لا يعرفون هذه القصة ـ هيمنة القرآن على الكتب السابقة ـ ما يجب الإيمان به في شأن المائدة ـ رأي بعض المنفلسفة العصريين في القصص القرآني ـ فساد هذا الرأي ومنافاته لقدسية القرآن ـ الحكمة في أن الله قص علينا هذه قصة ـ الظروف التي نزلت فيها السورة ومناسبة موضوعاتها لها ـ ظواهر تنفرد بها السورة ـ النداءات الإلهية للمؤمنين في هذه السورة واعتبار كل نداء منها قانوناً منظماً لشأن من الشوؤن ـ نداءان من الله لرسوله ـ نداءان لأهل الكتاب.
إجمال لنقط البحث:
سورة المائدة هي السورة الخامسة من سور القرآن الكريم في الرتيب المصحفي وتسمي أيضاً سورة العقود، وسيتناول حديثنا عنها في هذا العدد إن شاء الله تعالى: وجه تسميتها بسورة العقود، وتسميتها بسورة المائدة وفي هذا الجانب سنتناول معنى (الحواري) في اللغة، (والحواريون) في القرآن، وآراء العلماء في إيمان حواريي عيسى مع حجج تلك الآراء، ورأينا في الموضوع. ثم يتناول الحديث آراء العلماء في نزول المائدة واختيارنا فيه، كما يتناول موقف بعض الناس في قصص القرآن وبخاصة ما لم يوجد في كتب أهل الكتاب إلى آخر ما يستدعيه الحديث في هذا الشأن.
* * *
وجه تسمية السورة بسورة العقود:
أما وجه تسميتها بسورة العقود فهو أنها السورة الوحيدة التي افتتحت بطلب الإيفاء بالعقود من المؤمنين (يأيها الذين آمنوا أوفا بالعقود) وقد برزت فيها لذلك عناية خاصة بالتحدث عن ميثاق الله للمؤمنين والحث على الوفاء به شكراً لله على نعمه (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقلكم به إذا قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور). وعن مثقال الله لمن كان قبلهم من أهل الكتاب (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل). وقد أرشدت المؤمنين بذلك إلى أن النقص الديني والفساد الخلقي والانحلال الجماعي، والارتطام في الشهوات والأهواء والخروج عن حدود الله وشرائعه إنما أصاب أهل الكتاب بسبب نقضهم لهذه المواثيق وعدم وفائهم بعقود الله معهم وتكاليفه لهم والإخلال بما وثقوه بينهم من التزامات الخير والأصلاح (فيما تقضهم ميثاقهم لعاهم وجعلنا قلبوهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به) (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) (لقد أخذنا ميثاق بني
/ صفحه 345/
إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون).
وهكذا تبني السورة من أولها إلى آخرها على حرفين واضحين:
أحدهما: حث المؤمنين على التزام المواثيق والعهود وتحذيرهم عاقبه إهمالها، أو الإخلال بشئ منها.
والآخر: النعي على أهل الكتاب نقضهم مواثيق الله. وأن هذا كان شأن جميعهم، تلقاه خلفهم الحاضر عن سلفهم الغابر، وأن الحاضرين إذا كانوا نقضوا ما بينهم وبين الله من مواثيق وبدلو كتبه، وخانوا رسله، فان فيما أصاب سلفهم من عقاب على نكث العهودعبرة لهذا اخلف إذا استمر على خطة السلف، ولابد أن يصيبهم جزاء نقضهم للعهود كما أصاب آباءهم وأجدادهم من قبل، وتلك سنة الله في خلفه ولن تجد لسنة الله تبديلا.
هذا إلى ما عرضت له السورة من عقود جزئية سنمر بها إن شاء الله تعالى.
وجه تسميتها بسورة المائدة:
أما وجه تسميتها بسورة المائدة فهو أنها السورة الوحيدة أيضاً التي تحدثت عن مائدة طلب الحواريون من عيسى (عليه السلام) أن يسألها ربه، وذلك في قوله تعالى: (إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء. قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين، قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين، قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين. قال الله إني منزِّلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحداً من العالمين).
استطراد:
هذه هي الآيات التي عرضت لمسألة المائدة، ويجدر بنا تعجيلا للفائدة
/ صفحه 346/
أن نستطرد بتعليق وجيز على هذه الآيات لبان ما تدل عليه فيما يختص بالحواريين وبالمائدة وضعاً للحق في نصابه، وقطعاً لألسنة تحاول تحريف الكلم عن مواضعه ابتغاء شهرة زائفة، أو فتنة جامخة.
الحواريون:
الحواريون: هي جمع حواري، والحواري لعيسى (عليه السلام) كالأنصاري لمحمد (عليه السلام)، وأصل الحواري في اللغة: الأبيض النقي اللون، وكانت العرب تسمي نساء المدن حواريات لبياضهن ونقائهن من قشف البدو. ثم استعمل الحواري بمعنى النقي الخالص في غير اللون، وبهذا اطلق اللفظ على خلصاء عيسى الذين صفت قلوبهم من الكفر والنفاق، وخلصت لنصرته وتأييده، وبادروا إلى الإيمان به فتلقوا عنه التعاليم وبثهم في القرى للقيام بدعوته، وقد جاء ذكرهم في الأناجيل باسم (التلاميذ) أما القرآن فقد ذكرهم باسم (الحواريين) في أربعة مواضع، هذا أحدها. والثاني في الآيات التي قبل هذه الآيات: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون). والثالث في سورة آل عمران، وذلك حيث يقول وهو بصدد الحديث عن إرسال عيسى إلى بني إسرائيل: (فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال من انصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين). والرابع في سورة الكهف، ولك حيث يقول: (يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريون من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين).
اختلاف المفسرين في إيمانهم:
هذه هي الآيات التي عرضت لذكر الحواريين في القرآن الكريم، وهي مع وضوحها في أن الحواريين كانوا مؤمنين مذعنين بربهم وبقدرته، ومخلصين لعيسى في تلقي رسالته والعمل على بشرها، وصدقهم في نصرته ـ مع هذا ـ يحكي
/ صفحه 347/
المفسرون اختلافا بين العلماء في أنهم: هل كانوا مؤمنين؟ فيرى بعضهم أنهم كانوا غير مؤمنين، ويرى آخرون أنهم مؤمنون، ولعل منشأ هذا الاختلاف هو ما جاء في كلامهم لعيسى (عليه السلام) وهم يسألونه المائدة من قولهم (هل يستطيع ربك) وهو يشعر بشكهم في قدرة الله على إنزال المائدة، وفي إضافة كلمة (رب) إلى خصوص عيسى إشعار واضح بتبرّيهم من ربوبيته لهم، وهو نظير إضافة فرعون كلمة إله إلى موسى في قوله: (لعلى أطّلع إلى إله موسى) ومن قولهم: (ونعلم أن قد صدقتنا) وهو واضح في أن قلوبهم لا يزال مرض التكذيب يلعب بها. وما جاء في كلام عيسى (عليه السلام) لهم: (واتقوا الله إن كنتم مؤمنين) فإنه يدل على عدم وثوقه بإيمانهم. ثم ما جاء في الآيات الأخرى التي ذكر فيها الحواريون وقد أوردناها بنصها آنفا، وهي صريحة في إيمانهم وإخلاصهم في الإيمان وواضحة في نصرتهم لعيسى.
اتخذ فريق من العلماء ما جاء في آية السؤال، أصلا في معرفة حالهم، وقال إنهم كانوا كافرين، شاكين في قدرة الله، شاكين في صدق عيسى، وعيسى شاك في إيمانهم قالوا: دلت آية السؤال على هذا، ولم يرد في شيء من الآيات الأخرى أن الله شهد بإيمانهم أو قرر أنهم مؤمنون).وانما جاءت كلها تحكي ادعاءهم أنهم امنوا بالله:(قالوا امنا، وأشهد بأننا مسلمون). (قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين). وقد أظهر سؤالهم لعيسى في شأن المائدة حقيقة ما تنطوي عليه قلوبهم من شك في ربهم، وشك في قدرته، وشك في أن عيسى صدقهم كما ظهرت حقيقتهم من جواب عيسى لهم. وبهذا كله رأى هذا الفريق من العلماء أن الحواريين كانوا كافرين.
أما الفريق الآخر فقد اتخذ الآيات الأخرى أصلا في معرفة حالهم، وقالوا إنهم كانوا مؤمنين، فقد أمتنَّ الله بإيحاء الإيمان إليهم، واعتبره نعمة يذكرّ بها عيسى ضمن نعمه الأخرى عليه: (وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا
/ صفحه 348/
بي وبرسولي) والسياق امتنان الله على عيسى وعلى والدته بنعم الله عليهما: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذا علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني) إلى أن قال بطريق العطف على ما عد من نعم: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي). فالسياق كما ترى امتنان بالنعم، وما كان الله ليمتن بشئ وهو يعلم عدم حصوله، وقد امتن الله بإيحاء الإيمان إليهم، وإيحاء الإيمان هو إلهامهم إياه، وما ألهمه الله عبده لابد أن يكون (وأوحى ربك إلى النحل). (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه). (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) وهذا من ذاك، ولو كانوا غير مؤمنين، والله يعلم منهم عدم الإيمان،والتظاهربالأيمان لكانوا من المنافقين الذين يسرون الكفر ويلعنون الأيمان وما كانت سنة الله مع أنبيائه إلا أن يظهر لهم نفاق المنافقين، ويكشف عن حقيقة نواياهم، وليس من سنته ولا من المعقول أن يكون من سنته أن يجاريهم فيماي يدعون دون أن يفضح لأنبيائه تفافهم ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب).
هذا وقد ضرب الله وراء ذلك إخلاصهم لعيسى (عليه السلام)، ونصرتهم إياه مثلا للمؤمنين، وطلب منهم أحتذاءه، وأن يكونوا من محمد كما كان الحواريون من عيسى، وما كان الله ليضرب إخلاصهم مثلا للمؤمنين، ويطلب منهم أن يكونوا مع محمد كما كان الحواريون مع عيسى إلا وهو يعلم صدقهم في الإيمان، وإخلاصهم في النصرة (يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحورايون نحن أنصار الله).
رأينا في ذلك:
وفي رأيي أنه لا تعارض بين ما يفهم من الآيات جميعا، فآية السؤال قد يؤخذ منها أنهم شاكون، والايات الآخرى يؤخذ منها أنهم مؤمنون، وليكن كل هذا، فإن من المعلوم أن الدعوات تبتدئ دائماً بمرحلة من التردد في نفوس
/ صفحه 349/
المدعوين، تختلف باختلاف الأفراد في الاستعداد لإدراك الحق وقبوله؛ فمنهم من يبادر بالايمان، ومنهم من يمتد به التردد حتى يرى ما يطمئنه فيطمئن، وليست أمة عيسى في هذا بدعا من الأمم، فقد رأينا مثل ذلك في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) إذ سارع منهم من سارع، وتأخر من تأخر، وصدف منهم من صدف، وما كان تأخر مثل عمر وخالد بالذي يبعدهم عن مرتبة النصرة للحق، والصدق في الإيمان بمحمد ودعوته، وعلى هذا فمن الجائز القريب أن يكون الحواريون ممن تريثوا في بادئ الدعوة وناقشوا فيها، وطلبوا الآيات عليها مرة بعد مرة حتى يطمئنوا ويصلوا إلى الإيمان بعد الشك، فإن دل كلامهم في آية السؤال على شيء من الشك فإنما كان ذلك في مرحلة النظر والاستدلال. وإذا دلت الآيات الأخرى على إيمانهم فإنما كان بعد انتهاء هذه المرحلة وتقرر الإيمان في نفوسهم) على أنه إذا فرض إيمانهم من أول الأمر وعدم ترددهم في صدق عيسى، فليس في آية السؤال ما يترجح به شكهم على إيمانهم، ذلك أن (استطاع) تأتي أحيانا بمعنى أطاع كما قالوا (استجاب) بمعنى أجاب، ويكون المعنى على هذا (هل يطيعك ربك إن سألته إنزال المائدة، وقد تلتقي مع هذا المعنى قراءة: (هل تستطيع ربك) أي هل تستطيع أن تسأله وأنت على اطمئنان من أنه يستجيب لك، وهذه القراءة مروية عن علي وعائشة وابن عباس وغيرهم، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها كان القوم أعلم بالله عزوجل من أن يقولوا (هل يستطيع ربُّك) ولكن (هل تستطيع ربك) وعن معاذ بن جبل قال أفرأني النبى صلى الله عليه وسلم: (هل تستطيع ربك)وقال (سمعته مراراً يقرأ بالتاء (هل تستطيع ربك) وإذا كانت هذه القراءة بتلك المكانة في الرواية ومعناها واضح في عدم شكهم فلتحمل عليها القراءة الأخرى جمعا بين القراءتين، وعملا بالآيات الواضحة في إيمانهم وصدق قدمهم في تصديق عيسى (عليه السلام)، على أن مجرد السؤال لا يدل على المكابرة وعدم الإيمان، وها هو ذا إبراهيم (عليه السلام) يسأل: (رب أرني كيف تحيي الموتى)؟ فيجاب: (أولم تؤمن)؟ فيقول: (بلى، ولكن ليطمئن قلبي) وليس من شك في أن سؤال إبراهيم لم يكن عن شك، وإنما كان طلباً لطمأنينة القلب بعلم المعاينة
/ صفحه 350/
التي لا يطوف حولها خيال من الريبة أو الشبهة، بعد أن علم بالنظر والاستدلال، وهذه مرتبة فوقها مرتبة، وقد قال الحواريون في بيان غرضهم من المائدة: (نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا، ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين) فذكروا طمأنينة القلب، وعلم الصدق عن طريق المشاهدة والمعاينة. ومن هنا نرى رجحان القول بإيمان الحواريين.
درجات الإيمان:
وإذا كانت درجات الإيمان متفاوتة وكان الشخص ينتقل من درجة إلى أسمى منها فإن لعامة المؤمنين درجة أو درجات، ولخصوص الأنبياء والمقربين درجة أو درجات، وكثيراً ما تلمح مظاهر التفرقة بين درجة إيمان المقربين، ودرجة إيمان غيرهم، وبالنظر في بيان الغرض من المائدة حسب ما قدر الحواريون، والغرض منها حسب ما رأى عيسى، ندرك شيئاً من مظاهر الفرق بين درجات القرب من الله والايمان به.
نظر لطيف للرازي:
وفي هذا المقام قال الرازي في تفسيره الكبير: (تأمل في هذا الترتيب فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضها، فقدموا ذكر الأكل، فقالوا: نريد أن نأكل منها. وأخروا الأغراض الدينية الروحانية؛ فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة، وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية، بعد أن توجه باخطاب إلى الله بوصف الربوبية بالإضافة إلى ضمير المتكلم، وفيه التمهيد بحاجة المربوبية إلى غني الربوبية، فقال: (تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك). وأخّر غرض الأكل حيث قال: (وارزقنا). وعند هذا يلوح لك مراتت درجات الأرواح في كون بعضها روحانيةوبعضها جسمانية، ثم إن عيسى (عليه السلام) لشدة صفاء دينه، وإشراق روحه، لما ذكر الرزق بقوله: (وارزقنا) لم يقف عليه، بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال (وأنت خير الرازقين). فقوله (ربنا) ابتداء منه بذكر الحق سبحانه، وقوله (أنزل علينا) انتقال من
/ صفحه 351/
الذات إلى الصفات، وقوله (تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا) إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة بل من حيث إنها صادرة عن المنعم وقوله (وآية منك) إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال وقوله (وارزقنا) إشارة إلى حصة النفس. قال الرازي. فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدنى، ثم قال (وأنت خير الرازقين) وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، ومن غير الله إلى الله، ومن الأخس إلى الأشرف، وعند ذلك تلوح لك شمَّة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النوارنية الإلهية، ونزولها. وهذا سبح لا يحد شاطؤه، بسبح في أجوانه وآفاقه الأرواح الصافية، والقلوب المتعلقة بحضرة مالك القلوب، وليس ذلك مما يمكن تحديده بالعبارات ولا رسمه بالكلام، وإنما هو إيمان وذوق، فآمن وتأمل وتنقل في درجات الإيمان ومراتب التعلق، تحظ بإدراك الخير كله، ويملك قلبك عز المعرفة، وسمو الجلال.
* * *
المائدة وما يذكر في شأنها من الأساطير:
هذا وقد تكلم العلماء أيضاً في هذا المقام على المائدة التي سألها الحواريون عيسى، هل نزلت أم لا؟ وتكلموا على أوصافها وما احتوت عليه من ألوان الطعام والشراب، وحسبك في معرفة ما قالوه في هذا الأخير، أن ترجع إلى أي كتاب من كتب التفسير المتداولة لتقرأ في أوصافها وأوصاف ما وضع عليها الشئ الكثير مما يجعلك تؤمن أن كل ما قيل حولها: من افتراء المفترين، أو أساطير الاسرائيليين، وقد سبق لنا في العدد الثالث من السنة الأولى لهذه المجلة أن سقنا في ذلك ما كتبه أبو السعود في تفسيره، وكان ذلك بمناسبة الكلام على قصة البقرة ومناهج الناس في القصص القرآني فارجع إليه إن شئت.
هل نزلت فعلا؟ آراء النافين والمثبتين في ذلك وأدلتهم:
أما نزولها فقد ذكرت كتب التفسير أن العلماء اختلفوا فيه، وأن الجمهور على
/ صفحه 352/
أنها نزلت وقد تعددت الروايات على هذا الرأي فيما كان عليها من أصناف الطعام وألوانه، وعن كيفية نزولها ومكانة، وكيفية استقبالها وكشف غطائها، والأكل منها، والباقي عليها عبد الأكل إلى غير ذلك مما نضرب عنه صفحا. وأن الحسن ومجاهداً وقتادة قالوا. إنها لم تنزل وذكروا في ذلك أنه لما قيل لهم: (إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحداً من العالمين). وهو واضح في التوعد بالعذاب الشديد عند عدم إيمانهم بعيسى ودعوته ـ استعفوا واستغفروا الله وقالوا: لا نريدها. وقد أنبأنا القرآن الكريم أن سنة الله فيمن يقترحون الآيات على أنبيائهم: أنه إذا أجابهم إليها ثم لم يؤمنوا عاجلهم بالعذاب (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) (وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون).
الاستدلال بأن النصارى لا يعرفون هذه القصة:
هذا وقد استدل بعض الكاتبين على عدم نزولها بأن النصارى لا يعرفونها وليس لها ذكر في كتبهم ولم يكن لهم عيد يعرف بعيد المائدة، وبأن نزول مائدة من السماء خارق عظيم للعادة من شأنه أن تتوافر الروايات على نقله وتواتره لغرابته، فلو كانت المائدة قد نزلت لكان خبرها موجوداً في كتبهم، وكان متواتراً، مع أنها لم توجد حتى ولا برواية الآحاد، ولنا أن نقول إن هذا الاستدلال إن كان يعني عدم نزولها فقط، فقد يكون له شئ من الوجاهة، وإن كان يعني أنها لم تنزل ولم تسأل، فهو محل نظر كبير؛ لأن السؤال ما لم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس، ويرونها بأعينهم، ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعي على نقله، لا سيما وعيسى في بيئة محصورة: جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا، فعدم تواتر سؤالها في كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا، وأكلوا منها، وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شئ.
هيمنة القرآن على الكتب السابقة:
وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب، ولا
/ صفحه 353/
يلزم أن يكون كل ما قصه الله تعالى في القرآن قد قصه في غيره من الكتب المتقدمة ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شئ حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التي لم تنته بحادث كوني حتى يكون عدم ذكرهم إياها في أناجيلهم التي وضعوها دليلا على عدم سؤالها، فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين، ومن الجائز أن تكون مما ورد في الإنجيل، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب، أوضاع منهم علمه بسبب ما، والقرآن كما وصف نفسه مهيمن على كتبهم التي وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيراً منها، وأنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون.
ونذكر بهذه المناسبة كلمة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فيما يختص بنسبة القصص القرآني عامة إلى كتب العهد القديم، قال رضي الله عنه: (وإذا ورد في كتب أهل الملل أو المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص علينا أن نجزم بأن ما أوحاه الله إلى نبيه وثقل الينا بالتواتر هو الحق، وخبره الصادق، وما خالفه هو الباطل، وناقله مخطئ أو كاذب فلا نعده شبهة على القرآن، ولا نكلف أنفسنا الجواب عنه، فإن حال التاريخ قبل الإسلام كانت مشتبهة الأعلام، حالكة الظلام، فلا رواية يوثق بها في معرفة رجال سندها، وقد انتقل العالم بعد نزول القرآن من حال إلى حال، فكان بداية تاريخ جديد للبشر، كاني جب عليهم لو أنصفوا أن يؤرخوا به أجمعين).
ومما سبق يتبين أن الرأي في المسألة دائر بين رأى الجمهور القائلين بالنزول، ورأى الحسن ومن معه القائلين بعدم النزول، وأن الفريقين متفقان على أن الحواريين سألوا عيسى المائدة، وأن عيسى سألها ربه، وأن الله أجاب بما أجاب وأن الجمهور يرون أن قوله: (إني منزلها) وعد ووعد الله لا يتخلف، فلابد أن تكون قد نزلت، وأن الحسن وأصحابه يرون أنه وعد مقيد بما رتب عليه من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها، وأن القوم أشفقوا على أنفسهم بثقل هذا الشرط فرجعوا واستعفوا من طلبها مخالفة أن يحل بهم العذاب على فرض كفرهم، أو كفر أحد من معاصريهم بعد نزولها، وعليه فلم يعد هناك مبرر لإنزالها فلم نزل
/ صفحه 354/
ما يجب الإيمان به في شأن المائدة:
وسواء علينا أقلنا بنزولها كما يعزي إلى الجمهور ويرجحه ابن جرير، أم قلنا بعدم نزولها كما يعزي إلى الحسن ومجاهد وقتادة ما دمنا نؤمن بأن الحواريين سألوا عيسى أن يسأل ربه المائدة، وأن عيسى (عليه السلام) سألها ربه بناء على سؤالهم، وأن الله تعالى أجاب بما أجاب به وعداً غير مقيد كما يرى الجمهور، أو مقيداً كما يرى الحسن ومن معه، سواء علينا هذا أو ذاك ما دمنا نعتقد ما قصه القرآن علينا، والله لم يكلفنا باعتقاد واحد من الأمرين، وليس في القرآن ما يقطع بأحدهما عيا حتى تكون مخالفته مخالفة لقطعي في ثبوته ودلالته، والآيات كما ترى محتملة للرأيين فلكل من اطمأن إلى أحد الاحتمالين: النزول أو عدمه ان يعتقده، أما أن يقال إن الحواريين لم يسألوا، وإن عيسى لم يسأل ربه، وإن الله لم يجب بما أجاب، اعتماداً على أن خبر المائدة لا تعرفه النصارى، ولا هو موجود في كتبهم، فهو قول يخرج بصاحبه إلى إنكار صريح القرآن البين في سؤال المائدة وإجابة الله عنه، وقد علمت من كلمة الإمام الشيخ محمد عبده منزلة ما قصة القرآن علينا مما لم يرد في كتب القوم.
رأي بعض المتفلسفة العصريين في القصص القرآني:
بقي أن جماعة من متفلسفة هذا العصر حاولوا أن يعيدوا بعض آراء قوم حكموا عقولهم فيما قصه الله فقالوا: إن مثل هذا القصص لا يلزم أن يكون صادقاً يحكي واقعاً صحيحاً، وإنما يجوز أن يكون القرآن جاري فيه معلومات عامة إشتهرت على تعاقب العصور من غير أن يكون لها أصل كوني، وإن القرآن حدث القوم بما يتناقلون من معارف مأثورة وإن لم يكن لها واقع صحيح، قالوا ومن الجائز أن يكون القرآن هو الذي وضعها ابتداء بقصد التخييل لغرض صحيح وهو التأثير على القوم في سبيل اعتناق الحق الذي يُدعَون إليه، وعليه يكون سؤال الحواريين افتراضاً وتخييلا، وإجابة عيسى لهم افتراضا وتخييلا، وإجابة الله لهم على النحو الذي أجاب به افتراضاً وتخييلا، وكل ما تضمنته هذه الآيات نسب
/ صفحه 355/
هي حكايات عن مفروض متخيل، لا واقع له تنطبق عليه وإنما هي تخييل في تخييل، واختراع في اختراع (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).
فساد هذا الرأي ومنافاته لقدسية القرآن:
وهذه آراء فضلا عما لها من نتائج سيئة تذهب بقدسية القرآن من النفوس، وتزيل عنه روعة الحق، وتزلزل قضاياه في كل ما تناوله من عقائد وتشريع، وأخيار ماضية، وأحوال مستقبلة، وتفتح لكل إنسان أن يقول في كل هذا: ليس له مدلول ولا واقع يدل عليه، وإنما هو إما مجاراة لخطأ أو تخييل سيق لمجرد بعث الرغبة أو الرهبة أو العظة، وتقويم النفوس وإصلاح المجتمعات، ولا يلزم أن يكون لما سيق لهذا الغرض واقع صحيح ينطبق عليه.
هذه الآراء فضلا عما لها من تلك النتائج السيئة هي فاسدة في قلبها لأن القرآن عربي، نزل بلغة العرب، وقانون اللغة المتواتر يقضي بحمل الكلام على ظاهره، وما تدل عليه ألفاظه من المعاني المعروفة لها عد المخاطبين، ما لم يمنع من ذلك الحمل مانع، فيصار تحت ضغط هذا المانع إلى التأويل كالمتشابه، أو التخييل كما في رءوس الشياطين، وكما في (قالتا أتينا طائعين) وعندئذ فقط يصرف الكلام عن ظاهره. ولترجع إلى ما شرحنا به مناهج الناس في فهم القصص القرآني لتشييع نفسك مما كتبناه هناك (1)
هذا ما أردنا التعليق به في شأن الحواريين، وفي شأن المائدة، ونرجو أن تكون قد لفتنا به أنظار المؤمنين بالله وبما أنزل على رسوله ـ من كتاب يهدي إلى الحق، ويقص الحق ـ إلى ما يقتحمه أراب الهوى في فهم القرآن وتحريفه، ونسبة التخييل إليه بمحاولة إخراجه في أسلوب روائي لمعان مخترعة لا تتصل بالواقع، ولا تصف ما أظله الوجود.
ــــــــــ
العدد الثالث من السنة الأولى، من ص 222 ـ 230
/ صفحه 356/
الحكمة في أن الله قص علينا هذه القصة:
بقي أن نتساءل عن الحكمة في أن يقص القرآن علينا هذه القصة، والجواب عن هذا ـ إذا أخذنا برأي الجمهور وأن المائدة نزلت ـ واضح بيِّن وهو أنها آية ونعمة لبني إسرائيل يمتن بها الله على خلفهم الذين كانوا في عهد النبي، وأن عناية الله بإجابة مطالب سلفهم، توحي إليهم بمعرفة ذلك الفضل والإيمان بمن أوحى إليه وظهر على يديه وهو محمد عليه الصلاة والسلام. أما إذا أخذنا برأي القائلين بعدم نزولها فالحكمة في ذكر هذه المحاورة هي تنبيه أمة محمد إلى أنه لا ينبغي أن يحكموا الآيات التي يقترحونها في إيمانهم بمحمد، وأن لهم فيما يظهره الله من البينات وبراهين الحق بلاغا وكفاية (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلي عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) وجدير بهم إذا سمعوا مثل هذه المحاورة وما قيدِّ به نزول المائدة على بني إسرائيل: أن يخشوا عاقبة الآيات المقترحة وأن يقدروا النتائج التي تترتب على الكفر بعد إجابتهم إليها، كما خاف الحواريون ذلك وقدروا النتائج فرجعوا عما اقترحوا، فليتخذوا الحواريين أسوة لهم في ذلك إذ طلب الله منهم أن يكونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار الله.
الظروف التي نزلت فيها هذه السورة ومناسبة موضوعاتها لها:
هذا وفي السورة ما يرشد إلى الوقت الذي نزلت فيه، والى الحالة التي صار إليها المسلمون في ذلك الوقت، فقد جاء فيها بعد أن فصل الله محرمات الطعام قوله تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) والاية الأولى (اليوم يئس لذين كفروا من دينكم) تقرر أن المشركين الذين كانوا يعملون دائماً على قر المسلمين وإذلالهم وتشتيتهم وتفريق كلمتهم وفتنتهم عن دينهم صاروا من كل ذلك في عجز وضعف واستولي عليهم اليأس في الوصول إلى شئ من أغراضهم، وعليه فيجب على المسلمين وقد عصمهم الله من أعدائهم وبدل بضعفهم قوة وبخوفهم أمنا وبفقرهم غنى: أن يشكروا رب هذه النعمة وألا يكترثوا في تنفيذ أوامره وإقامة دينه وتنفيذ أحكامه بأحد سواه.
/ صفحه 357/
ولا ريب أن هذا القهر الذي حلق بالمشركين كان أثراً للقوة التي صارت إليهم في ذلك الوقت وتقرر الآية الثانية (اليوم أكملت لكم دينكم الخ) بشارة عظيمة هي في الواقع بمنزلة البيان أو التعليل لما استفيد من الآية الأولى من وقوع المشركين في اليأس وحصول المسلمين على النصر والقوة. ذلك إن إكمال الدين على الإطلاق يتناول إكماله بالبيان والتشريع وإكماله بالقوة والتركيز، وإن أكبر النعم التي يمتن بها العظيم ويضيفها إلى نفسه تفخيما لها لهي النعمة التي بها يستتب النظام وتوضع القوانين وتبين الحقوق والواجبات وتقضي على نوازع الشر ومنافع السوء وتقهر العدو، وتدك صرح باطنه، وتجعله في يأس من عودة القوة إليه؛ نعم إنها لأكبر النعم. ويكشف عن هذا ما روى أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال: إن في كتابكم آية تقرأونها لو علينا أنزلت ـ معشر اليهود ـ لاتخذنا اليوم الذي أنزلت فيه عيداً، قال عمر: وأية آية؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فقال عمر: إني والله لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله عشية عرفه في يوم جمعه والحمد لله الذي جعله لنا عيدا. واليوم الثاني يوم الحر.
من هذا كله نأخذ أن سورة المائدة لم تنزل إلا بعد أن قلمت أظفار المشركين وانزوي الشرك في مخابئه المظلمة، وصار المسلمون في قوة ومنعة كانوا بهما أصحاب السلطان والصولة في مكة وفي بيت الله الحرام يحجون آمنين مطمئنين وقد نكست أعلام الشرك وانطوت صفحة الإلحاد والضلال. ولا ريب أن هذه الحالة لم تصل إلى المسلمين إلا بعد أن فتح الله مكة للإسلام، والا بعد أن نزل قوله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وهذا يقرب لنا صحة ما يروي من أنا لنبي قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال: (يأيها الناس إن سورة المائدة آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها) وقد روى عن السيدة عائشة أنها قالت (إن المائدة من آخر ما أنزل الله، فما وجدتهم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتهم فيها حرام فحرموه) ويتبين من هذا أن سورة المائدة كانت آخر ما نزل أو على الأقل من آخر ما نزل.
/ صفحه 358/
ظواهر تنفرد بها السورة:
وهذه النتيجة تفسر لنا جملة من الظواهر نجدها في المائدة ولا نكاد نجد شيئاً منها في غيرها من السورة المدنية حتى في أطوال سور القرآن وهي سورة البقرة، ذلك أنها لم تتحدث عن الشرك ولا عن المشركين على النحو الذي ألف في القرآن من محاجتهم وتسفيه أحلامهم وتحقير شركائهم، وأنها لم تعرض في قليل ولا في كثير إلى ماعهد في أكثر السور المدنية التي نزلت قبلها من الحث على القتال والتحريض عليه ورسم خطط النصر والظفر بأعداء الله المشركين كما نراه في سورة البقرة وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة، لأن المسلمين في ذلك الوقت لم يكونوا بحاجة إلى شئ من هذا الحديث فقد انقشعت عن سمائهم سحابة الشرك ورسخت أحكام الله فيما يختص بالجهاد في قلوبهم وأصبحوا لا يخشون أحداً غيره في أحكامه، وصار المشركون في قهر وذلة ويأس ولكن إذا كان المشركون قد انقضى عهدهم فإن للمسلمين أنفسهم شئونها هم في حاجة إلى إكمال التشريع المنظم لها والسياسة التي تديرها، على وجه يضمن لهم دوام السعادة، ويحفظ لهم السيادة. ولهم بعد ذلك صلات خاصة بطوائف من أهل الكتاب يعيشون في ذمتهم وعهدهم ويخالطونهم في حياتهم ومعاملاتهم، ومن ذلك لا يسلم الأمر من الخوض معهم في أحاديث تتصل بدينهم وكتبهم.
ومن هنا يتبين أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في حاجة إلى ما يغنيهم في الجانبين؛ جانب أنفسهم، وجانب علاقتهم بأهل الكتاب. وبذلك دار كل ما تضمنته سورة المائدة ـ كما قلنا ـ على أمرين بارزين: تشريع للمسلمين في خاصة أنفسهم وفي معاملة من يخالطون، وإرشاد لطرق المحاجة والمناقشة وبيان الحق في المزاعم التي كان يثيرها أهل الكتاب مما يتصل بالعقائد والأحكام. وفي سياق هذه المحاجة تعرض السورة لكثير من مواقف الماضيين من أسلاف أهل الكتاب مع أنبيائهم تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من جهة، وتديداً بهم عن طريق أسلافهم من جهة أخرى.
/ صفحه 359/
النداءات الإلهية للمؤمنين في هذه السورة:
واعتبار كل منها قانونا منظما لشأن من الشئون:
تحدثت السورة عن ذلك كله ونادى الله عباده المؤمنين بما شرع لهم من أحكام وأرشد إليه من أخلاق في مواضع لم نر عددها في أطول سورة وهي البقرة ويجدر بنا أن نضعها أمام القارئ الكريم ليكون على ذكر منها ويسير معناً في شرحها وبيان ما يتيسر من أحكامها وها هي ذي على الترتيب:
(يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود).
(يأيها الذين آمنوا، لا تحلوا شعائر الله).
(يأيها الذين آمنوا، إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم...).
(يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط...).
(يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم).
(يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة).
(يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء).
(يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه).
(يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء).
(يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا).
(يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه).
(يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم).
(يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم).
(يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).
(يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم).
(يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية).
/ صفحه 360/
هذه ستة عشر نداء وجهت إلى المؤمنين خاصة يعتبر كل نداء منها قانونا ينظم ناحية من نواحي الحياة عند المسلمين فيما يختص بأنفسهم، وفيما يختص بعلاقتهم بأهل الكتاب.
نداءان من الله لرسوله:
وقد وجهت السورة النداء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بصفة الرسالة خاصة مرتين اثنتين، ولم يوجد نداء له عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف في غير هذه السورة؛ هذان النداءان هما:
(يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم).
(يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس).
نداءان لأهل الكتاب:
ووجهت السورة أيضاً النداء إلى أهل الكتاب مرتين اثنتين هما:
(يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب).
(يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل).
وأمرت الرسول ثلاث مرات أن يوجه إليهم النداء في موضوعات ثلاثة في شأن ما يثيرون به الخلاف بينه وبينهم.
(قل يأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل).
(قل يأهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم).
(قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل).
هذه جملة النداءات التي وجهت إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وإلى المسلمين وإلى أهل الكتاب، أو أمر النبي بتوجييها إليهم في هذه السورة، وموعدنا بالتحدث عما اشتملت عليه العدد المقبل إن شاء الله تعالى.