/ صفحه 361/

محنة التراث الخالد
على أيدي أهل الجديد

لحضرة صاحب السماحة العلامة الأستاذ محمد تقي القمي

السكرتير العام لجماعة التقريب

لا أدري بالضبط، هل هي فكرة الأخ بالجديد تشق طريقها إلى علم الحديث، أم يد النقد والتحليل الذي يتشدق به الأدباء المستغربون أو الغربيون المستشرقون، تمتد إلى عيون كتب الحديث التي بقيت سليمة طوال القرون الماضية، لا يمسها الكتّاب والأدباء التحليليون.

ولا أحسب القارئ يطالبني بمزيد من الإيضاح حول الموضوع وصيحات النقاد تصك سمعه بمناسبة وبغير مناسبة ـ ومن ورائها مصالح بعض الكتاب أو الناشرين ـ ينادون بتصفية الكتب التي سموها من قبل بالصحاح، بدعوى تصفيتها من الإسرائيليات واسقاط ما لا يقبله العقل، واستبعاد ما يتنافي ودعوة التوحيد.

فكاتب يأخذ على الأحاديث أن فيها ما يخالف قواعد الصحة، وثان يزعم أن الإكثار من أكل ما حثت الأحاديث على تناوله يسبب مرض كذا، وثالث يجزم أن ما ورد في الصحاح لا يوافق ما وصل إليه العلم الحديث، ورابع بحسب نفسه تخلص من الأرض والأرضيات، فيحلق في أقطار السموات ويؤكد أن ما جاء في الأحاديث لا يتفق وما ثبت في علم الفلك والنجوم، وربما يتجاوز الأمر هذه الحدود، فيدعي كاتب دعاوي مضحكة لا وجود لها في صحيح من كتب الحديث، ولا تدل إلا على قوة في الاختلاق وإغراق في الخيال السقيم.

 

/ صفحه 362/

أذكر أن محدثا تكلم معي في جلسة خاصة وبحماس شديد في وجوب التخلص من الإسرائيليات وضرب مثلا لذلك خلق السموات والأرض في ستة أيام، وبعد أن فرغ من محاضرته الطويلة، وظن أنه أقنعني، قلت له: (ولكن هذا في القرآن يا أخي، وليس من الإسرائيليات في الحديث كما تعتقد). فبهت واستولي عليه الوجوم.

ولا يحسب القارئ أني أريد الدفاع عما بين أيدينا من كتب الحديث، وما اختلفنا أو اتفقنا في تسميته صحاحا، وأزعم أنها خلو من الإسرائيليات أو مما يخالف الحق، أو أجزم بأن كل مال في الصحاح صحيح ـ أخذا بكلمة صحيح فلان كلا، بل يحتمل ـ في رأيي ـ أن كثيراً من الدوافع لعبت دورها في خلق ما ليس بواقع، وأن جبروت الحكم والسلطان جعل الرواة لا يظهرون كل ما عندهم، وأن بعض ذوى الأهواء قالوا عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما لم يقله ـ ومن ينكر ما للطغاة وحكام السوء من أثر على تراث له القداسة بعد القرآن؟ لست أنكر أن هناك دسا وخلفا، ولكني مع ذلك أعارض أشد المعارضة في أن نمس كتب الحديث، ونستبيح لأنفسنا حق التصرف فيما نراه ـ نحن ـ من دس الدساسين كان لدى القدماء مقاييس وموازين للحكم على الأحاديث، استعملوها فيما سجلوه لنا. وربما كانوا على شئ من حسن الظن ببعض الرواة لمكانتهم وحسن القبول عنهم لما خفى من أحوالهم، وكيفما كان الأمر، فمما لا شك فيه أن الذين جمعوا هذا التراث الضخم، وكانوا أقرب منا إلى زمن مصدر الأحاديث، وأعرف منا برجاله، قد بذلوا غاية جهدهم وأرهقوا أنفسهم في التحري، والتزموا الأمانة والدقة. ولا اعتراض عليهم، وإنما الكلام ينصب على أن ما جمعوه فيه إسرائيليات وفيه ما ينافي الدعوة والعقل أو العلم الحديث. وهذه نقطة استميح القارئ أن أقف عندها لأقول: إن هذا التراث تراث إسلامي خالد وملك للمسلمين عامة، لا لطائفة دون طائفة، وإنه ـ بما له وعليه ـ مصدر كثير من الحركات الفكرية، وحجة للآراء المذهبية، ومبعث للعقائد الكلامية، وما ليس ملكا لفرد لا يتصرف

 

/ صفحه 363/

فيه فرد، ثم إن الأفكار تتغير بتغير الزمن،بل تختلف في زمن واحد حول موضوع واحد، ربما يظن من البديهيات، فإذا أردنا أن نعالج النقص بحذف ما نراه ـ نحن ـ أنه من الإسرائيليات، ورأى غيرنا أنه من صميم الإسلام أو العكس، فأينا يكون على الحق؟ وما هو المقياس الصحيح؟.

إن الذين أوصلوا إلينا هذا التراث بذلوا غاية جهدهم في تسجيله وتحقيقه وتصحيحه، فلا يجوز أن نقطع بتخطئتهم، فإن ما يخالف عقولنا اليوم كان يوافق عقلية أبناء العصور السابقة، ومن واجبنا أن نحمل هذا التراث إلى من بعدنا، وقد يصل رجال الغد في أمره إلى ما لم نصل إليه ـ ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

أما مسألة معالجة ما ينافي التوحيد: فإن المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام بفضل دعوته الصريحة لا شك أنهم موحدون وليسوا بمشركين.

والقرآن الكريم الذي هو عصب الدعوة الإسلامية، والذي لا يختلف اثنان في قداسته والأخذ به، والذي هو نسخة موحدة لا تختلف في حرف ولا رسم في العالم الاسلامي كله، هذا القرآن وحده كفيل بتربية الموحد، ومن يجرؤ أن ينكر هذا؟ ومع ذلك هناك مسائل تراها طائفة أنها شرك كالتوسل بأصحاب القبور أو الشفاعة مثلا، فهل نعالج هذه المسائل على أساس التوحيد الخاص بتلك الطائفة؟ أو نعالجها بما يتفق ورأي كثير من المسلمين الذين لايرون في ما يمس فكرة التوحيد؟ وهناك مسائل كلاميه ليست وليدة اليوم، وإنما ورثناها عن أقطاب الفكر والبحث وغواصي المعرفة في كل طائفة ممن كونوا لنا مدارس فكرية نعتز بها إلى اليوم. فعلى أي أساس نعالج هذه المسائل وماذا يكون المقياس؟.

وهناك مسائل ترتبط بالعصبيات إلى حد بعيد، كتفضيل صحابي على صحابي، فربما رأى باحث غير هذا، أو رأى أن يسجل بعض المآخذ على بعض الأصحاب،

 

/ صفحه 364/

مما ينافي رأى الآخرين في الصحابة، الذين يرون كل ذلك من دس الدساسين ووضع الواضعين، فإذا جرى البحث فيما يحذف وفيما يبقى بين هؤلاء وهؤلاء، فعلى أي أساس يكون ذلك، ومن الذي يؤخذ برأيه، ومن الذي يهمل؟ أم نحذف هذا وذاك مضافا إليه ما لا يتمشى ومذاهب أصحاب المعارف الكلامية، وما لا يقره الطب الحديث بشأن الصوم أو ما وصل إلى خلافه علماء الفلك، أو لا يتفق مع الذوق!! ولو اقتحم هذا الميدان اثنان أو ثلاثة فلن يبقى لنا بفضلهم من هذا التراث شيء.

ونحن إذا نظرنا إلى الحديث من ناحية القداسة الدينية، وأنه كلام فوق كلام البشر، فليس لنا أن نقيسه بالمقاييس العادية، أو نحكم عليه بعقولنا البشرية المحدودة، وإذا نظرنا إليه نظرة عادية فليس لنا حق التصرف فيه، فالكلام العادي قد يتفق مع بعض الأمزجة ويختلف مع بعضها الآخر، فواجبنا إذن أن نبقى عليه، مع ملاحظة أن من سبقونا غربلوا ما وصل إليهم، وسجلوا ما ثبت عندهم، وإن كان يخالف مذهبهم، حفظا لهذا التراث واحتراما لقداسته، وبلغ الحرص ببعضهم أن جمعوا ما نقله رواة اشتهر عنهم الكذب في كتب خاصة، وذكروا أنهم لم يأخذوا بها، ورغم ذلك جمعوها لئلا تضيع فقد يصدق الكاذب أحيانا في حديثه ويكون هذا الذي رواه صادقا فيه.

وقد يكون للأحاديث المكذوبة أو المعلولة فوائد أخرى في غير الأحكام الشرعية، كأن يستدل بها بعض الباحثين على شيوع فكرة معينة في وقت الراوي الذي رويت عنه، أو على تأثر هذا الراوي بثقافة خاصة، أو على غير ذلك، فليس الاستدلال بالأحاديث مقصوراً على استنباط الأحكام الشرعية منها، ولذلك يرى بعض اللغويين أن يستشهد بنصوص الأحاديث الموضوعة في اللغة، إذا عُلم أن تاريخ وضعها يرجع على العهد الذي يجوز الاستشهاد بكلام أهله، لأنها وإن كانت كذباً على الرسول في حكم شرعي، فإنها نص عربي.

 

/ صفحه 365/

إن الباب ليس مقفلا أمام الباحث، وله إن أراد التحري الدقيق أن يمحص تلك الكتب ويبحث حال الرواة، ويستعمل أساليب البحث العلمي الحر، ويأخذ بما في تلك الكتب أو لا يأخذ به، ويحكم على ما صححوه بأنه لا يعتمد عليه لكذا، وعلى ما نبذوه بالصحة بدليل كذا، وأمامه كتاب الله وهو الحكم المحكم يطرح ما يعارضه. أما أن يتصرف في كتاب أو أثر على هواه فلا يجوز، نعم لكل امرئ أن يؤلف كتاباً من عنده ولكن ليس له أن يتصرف فيما ليس ملكا له بل هو لصاحبه أولا، وبالتالي للمسلمين عامة، والأمانة العلمية تحتم علينا أن نوصله إلى أسلافنا كما تسلمناه.

ثم ماذا يكون الحال لو جاءت طبقة أخرى من المولعين بالنقد والتحليل والغربلة فزعمت أن في القرآن ما لا يوافق العلم، أو أن فيه ما يجافي الذوق أو يخالف الطب أو ما لا يعرفه علماء الهيئة، أتراهم أيضاً يحاولون غربلة للقرآن وقصره على ما يوافق عقولهم؟

وأكرر ما قلته وهو أن من المحتمل أن يكون فيما نتداوله ونقل عنه ونستند إليه من كتب الصحاح شيء من الاسرائيليات أو ما املته شهوات الحكام وميولهم أو ما حكمت فيه بعض الاتجاهات، ولكني أعارض أشد المعارضة في حذف كلمة مما وصل الينا، وأكرر ما سبق أن ناديت به وهو أن الثقافة الإسلامية والتراث الاسلامي على اختلاف الطوائف والمذهب ملك للمسلمين جميعاً.

 

/ صفحه 366/

من اجتهادات الشيعة الامامية

لحضرة صاحب الفضيلة

الأستاذ الشيخ محمد جواد مغنية

رئيس المحكمة الشرعية الجعفرية العليا ببيروت

ــــــــ

منذ سنوات، وأنا أنشر بين حين وحين مقالات رجوت فيها شيوخ المسلمين من سنيين وشيعيين أن لا يحصر كل فريق دراسته الفقهية في مذهب آبائه وأجداده.

ولم يكن الباعث لي على تأكيد هذا الرجاء الرغبة في التقريب بين المذاهب الإسلامية فحسب، وإن كنت من المتطوعين في هذى السبيل، وإنما غرضي الأول أن يرتكز درس الشريعة الإسلامية على أساس إسلامي صرف، لا مذهبي، كي لا تكون الشريعة بلون يخفى جمالها وحقيقتها، وتجنس بجنسية تقيم الحدود والسدود بين بني الإنسان، بل بين أبناء الدين الواحد.

لقد نشأت المذاهب، وتعددت بعد الإسلام ونبي الإسلام، نشأت في ظروف سياسية، لعاية دنيوية، ليست دينية تهدف إلى التفريق والشتات، ونشأ الإسلام في طرفه الطبيعي، لغاية انسانية تهدف إلى الإخاء والمساواة؛ فالتعصب لفقه مذهب خاص تعصب للسياسة المحرفة التي تمخضت عن ذلك المذهب.

إن الشريعة الإسلامية لم تستخرج من الوهم والخيال، بل لها أصول مقررة لا يختلف عليها مسلمان، مهما كان مذهبهما، وإنما الخلاف والجدال بين المذاهب حصل فيما يتفرع عن تلك الأصول، وما يستخرج منها، فالعلاقة بين اقوال المذاهب الإسلامية هي العلاقة بين الفرعين المنبثقين عن أصل واحد.

 

/ صفحه 367/

ونحن إذا أردنا معرفة أن هذا المذهب على حق في أسلوبه واستخراج الحكم من مصدره دون سائر المذاهب، فعلينا أن نلاحظ جميع الأقوال المتضاربة حول الحكم، وندرسها بطريقة حيادية، بصرف النظر عن كل قائل وعن منزلته العلمية والدينية، ثم نحكم بما يؤدي إليه الأصل والمنطق على نحو لو اطلع معه أجنبي على حكمنا لاقتنع بأنه نتيجة حتمية للأصل المقرر، وبهذا نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

أما من يطلع على قول مذهب من المذاهب، ويؤمن به ويتعصب له، لا لشيء إلا لأنه مذهب آبائه، ويحكم على سائر المذاهب بأنها بدعة وضلالة فهو مصداق الآية الكريمة (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألقينا عليه آباءنا، أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون).

وأي فرق بين رجل أفتى العمر في حفظ معتقدات أبيه ودرسها، لا يتجاوزها قيد أنملة، ورجل لم يقرأ، ولم يكتب، ولم يدرس شيئا، ولكن تكونت له من بيته وبيئته عادات ومعتقدات؟ أي فرق بين الرجلين حتى يقال: ذاك عالم، وهذا جاهل؟!.

ليس العالم من وثق برأيه ومعتقد آبائه، كانت له المقدرة التامة على المحاورة والمداورة، وإنما العالم من فصل الواقع عن ذاته وعاطفته، وفكر تفكيراً حراً مطلقا، لم يتعصب لرأي على رأي، بل يقف من كل قول موقف الشك والتساؤل، وإن كثر به القائلون، وآمن به الأقدمون.

إن احترام العالم يقاس باحترامه للحقيقة، فهي ضالته الحقيقية أينما وجدت.

لقد أثبتت التجارب أن الاختصاص بعلم من العلوم يحتاج إلى ثقافة عامة، ومعرفة نظريات ومبادئ علوم شتى، فكيف يكون الإنسان متخصصاً بعلم، وهو لا يعرف عنه إلا قول عالم يخالفه فيه كثير من العلماء؟ وأستطيع التوكيد أن من الأجانب من يعرف عن الإسلام وتاريخه وشريته ورجاله وعقائدهم ما لم يعرفه كثير من متخرجي الأزهر والنجف، وإنه لغريب أن تقوم جامعتان،

 

/ صفحه 368/

لهما تاريخهما وعظمتهما، إحداهما في العراق، والثانية في مصر، يبحثان في موضوع واحد، ويهدفان إلى شيء واحد: إلى نشر الشريعة الاسلامية، ثم لا يكون بينهما أي نوع من أنواع التعارف والتعاون.

إن في كتب الشيعة الامامية اجتهادات لا يعرفها الخواص من علماء السنة، ولو اطلعوا عليها لقويت ثقتهم بالشيعة وتفكيرهم، وكذا الشأن بالقياس إلى كتب السنة وعلماء الشيعة، إن اطلاع كل فريق على ما عند الآخر من أقوى البواعث على تمهيد السبيل للتقريب بين الأخوة، من حيث يدرون أو لا يدرون.

وبعد هذا التمهيد الطويل الممل أنتقل بالقارئ الصبور المحتسب إلى بعض الأمثلة من اجتهادات الشيعة الامامية.

شهادة أهل المذاهب والملل:

قال الشهيد الثاني في كتاب المسالك باب الشهادات (1): (اتفق أصحابنا على أنه لا تقبل شهادة غير الشيعي الاثنى عشري، وإن اتصف بالإسلام، وفيه نظر، لأن الشرط في قبول الشهادة أن لا يكون للشاهد فاسقا، والفسق إنما يتحقق بفعل المعصية، مع العلم بكونها معصية، أما مع اعتقاد أنها طاعة، بل من أهم الطاعات، فلا يكون عاصيا، ومن خالف الحق في الاعتقاد لا يعتقد المعصية، بل يزعم أن اعتقاده من أهم الطاعات، سواء أكان اعتقاده صادرا عن نظر أم تقليد، وبهذا لا يكون ظالما، وإنما الظالم من يعاند الحق مع علمه به، وهذا لا يكاد يتحقق في جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم).

وهذا القول يتفق مع أصول الشيعة، حيث يثبتون أحكام الشريعة بحديث من خالفهم في الاعتقاد، إذا اجتنب الكذب، ففي كتاب نهج المقال للبهبهاني

 

ــــــــــ

(1) هذا الكتاب مجلدان كبيران جمع أبواب الفقه بكاملها، وطبع مرات عديدة في إيران بالطبع الحجري، وهو للشهيد الثاني زين الدين العاملي الحيفي، استشهد سنة 966 هـ، وله مؤلفات كثيرة، يرجع الشيعة إليها ويعتمدون عليها.

 

/ صفحه 369/

(ص 5) وغيره من كتب الرجال (إن مشايخ الإمامية يوثقون المخطئين في الاعتقاد، كما يوثقون المصيبين من غير فرق، فيقبلون حديثهم، ويسمونه الموثق).

إن هذا الاجتهاد ا لذي خالف فيه الشهيد الثاني علماء مذهبه أجمعين مع علمه واعترافه بوجود هذا الإجماع لهو خير شاهد على أنه باستطاعة الإنسان أن يتحرر من قيود البيت والمدرسة، وتقاليد الآباء والأجداد، وعلى أن سلطان العقل النير أقوى من كل سلطان.

بهذا الروح الكريم وهذا العقل الخصب، يجب أن تفسر الشريعة السهلة السمحة.

والعدالة التي يشترطها الشيعة في الشاهد والقاضي ومرجع التقليد وإمام الجماعة في الصلاة هي العدالة في الظاهر، لا في الواقع، قال الإمام الصادق: (لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الأنبياء والأوصياء، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا، ولم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنبا) (1).

لا يجب التدين بقول الرسول في غير الأمور الدينية:

قال الشيخ محمد حسن الاشتياني في كتابه بحر الفوائد في شرح الفرائد ج 1 ص 267: (إن الرسول قد يخبر عن الشئ باعتبار كونه شارعا ومبلغاً عن الله سبحانه ومأموراً بتبليغه عن العباد، وقد يخبر لا من هذه الحيثية، بل يخبر عن شئ لا دخل له بشريعة سيد المرسلين، مثل كيفية خلق السموات والأرض والحور والقصور، وما إلى ذلك مما لا يرجع إلى الإخبار عن الأمر الديني، فما كان من هذا النوع فلا إشكال أنه لا يجب التدين به بعد العلم به ـ أي بعد العلم بصدوره عن الرسول ـ فضلا عن الظن به) (2)

 

ــــــــــ

(1) كتاب آيات الأحكام للشيخ أحمد الجزائري ص 309، طبع سنة 1337 هجرية.

(2) كان هذا الشيخ الجليل من علماء القرن الثالث عشر الهجري، وهو من كبار مراجع الشيعة الامامية، وكتابه هذا بحر الفوائد المعروف بحاشية الاشتياني على الرسائل، يقع في مجلدين، طبع في إيران بالطبع الحجري سنة 1315 هجرية، وموضوعه الأصل الرابع من أصول الفقه، أي الأدلة العقلية على الأحكام الشرعية.

 

/ صفحه 370/

كان هذا الشيخ العظيم مشهوراً بالتقوى ورسوخ الإيمان، فاجتهاده هذا أقوى برهان على أن الإنسان يمكنه أن يكون ذا عقيدة ثابتة، وعقل نير في آن واحد، وأن العقيدة مهما بلغت من القوة والرسوخ فمن الممكن أن تبقى ضمن حدودها وصلاحيتها، لا تطغى على العقل في شيء، بل تدعه وشأنه يتكلم طغته الطبيعية.

وقبل أن أدع الكلام، أقدم للقارئ صورة أسلوب الشيعة الامامية بوجه عام في استخراج الأحكام الشرعيةن وتفهمهم لروح الإسلام، وشريعته السمحة.

شهادة أرباب الصنائع:

قال بعض الفقهاء من غير الشيعة (1): إن أرباب الصنائع الدنيئة لا تقبل شهادتهم، وجاء في كتاب الجواهر والمسالك وغيرهما من كتب الفقه الشيعة: إن أرباب الصنائع تقبل شهادتهم، مهما كان نوع الصنعة، لقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) والصنعة لا تتنافي مع التقوى، ولا مع المروءة، خاصة لمن يتخذها مهنة دائمة، وإن المجتمع في حاجة إلى الصنائع، ولو تركت لاختل النظام، وعم الضرر. أجل إن الشيعة لا يقبلون شهادة من يسأل الناس، لأن السؤال يتنافي مع المروءة وعزة النفس التي أمر بها الدين، وقال الشهيد الثاني في المسلك: الطفيلي بحكم السائل لا تقبل شهادته.

ومتى فهم المسلمون الشريعة على هذا الأساس، أساس التحرر من تقاليد البيت والمدرسة، وعدم طغيان العقيدة على العقل، أساس المساواة والأخوة في الإنسانية المطلقة، لا في التقاليد الموروثة، ولا البيئة المحدودة، ولا الصنعة والاحتراف متى فهم قادة الدين الإسلام على هذا الأساس يكون الإسلام دين الحياة بحق يقهر كل متمرد، ويفحم كل جاحد، وإلا فإن النتيجة هي ما انتهينا إليه الآن، وما يشكو منه الشيوخ والرهبان.

______________________________

(1)كتاب المغني لدبن قدامة ج9ص169، الطبعة الثالثة.