/ صفحه 371/

الآداب والعلوم العقلية
أو
صلة الأدب بالفسلفة

لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد الجواد رمضان

أستاذ الأدب العربي في كلية اللغة العربية

ـ 4 ـ

من الأدب ـ وبخاصة الشعر ـ ما جاء مقرراً لنظرية فلسفية، أو متأثرة بالفسلفة تاثراً وثيقاً، كقول محمد بن هانئ الأندلسي، في المعز لدين الله الفاطمي:

هو علة الدنيا ومَنْ خُلقِت له                              ******                      ولِعِلعةٍ مّا كانت الأشياءُ

ـــــ

هذا ضمير النشأة الأولى التي                   ******                      بدا الإله، وغيبُها المكنون

من أجل هذا قُدَّرَ المقدور في                   ******                               أم الكتاب، وكُوّن التكوين

ذلك، بأن من عقائد الاسماعيلية (الفواطم). (أن الدنيا بجميع المخلوقات التي فيها خلقت للإمام، وهو علتها؛ فكما أن الجسم خلق للنفس، فكذلك الدنيا خلقت للإمام، وهو سببها، يعني أن العالم بأسره كشخص واحد، نفسه وروحه هو الإمام، وهذا هو المراد بقول الحكماء: (العالم إنسان كبير، والإنسان عالم صغير) (1).

وكقوله فيه أيضاً.

ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار                          ******                      فاحكم فأنت الواحد القهار

بناء على عقيدتهم من أن: (الإمام قائم مقام الأمر، أو الكلمة في هذا العالم جميع صفات الباري واقعة عليه، ولا يصح اتصاف الباري بها، لأن ذلك يستلزم الكثرة في ذات الواحد الأحد. فالمعز عندهم واحد قهار على حسب عقيدتهم، لا على المبالغة والادّعاء (2).

 

ــــــــــ

مقدمة روح المعاني للدكتور زاهد علي طبعة أوربة.

المرجع السابق.

 

/ صفحه 372/

ومن هنا يقول في وصف مظلته:

و علي أمير المؤمنين غمامة               ******                               نشأت تظلل تاجه تظليلا

نهضت بثقْل الدر ضوعف نسجُها             ******                      فجرت عليه عسجدا محلولا

أمُديرَها من حيث دار لشذّ ما                  ******                      زاحمت حول ركابه جبريلا

ذَعَزتْ مواكبه الجبلَ فأعلت                           ******                      هضباتُها التكبيرَ والتهليلا

يقول: يا مدير المظلة من حيث دار الخليفة، لشَدّ ما ضايقت جبريل الذي يمشي حول ركابه مع سائر الملائكة (1).

وكقول المتنبي في بعض ممدوحيه:

يأيها المَلكُ المصفّي جوهرا             ******                      مِنْ ذات ذي الملكوت أسمى مَن سما

نور تظاهر فيك لا هُوْ تِيُّهُ             ******                      فتكاد تعلم علم ما لن يعلما

ويهمّ فيك إذا نطقت فصاحة               ******                      من كل عضو منك ان يتكلما

أنا مبصر وأظن أني نائم                ******                      مَنْ كان يحلم بالإله فأحلما؟

كبر العِيانُ عليَّ حتى أنه           ******                      صار اليقين من العيان توهما

يقول: إن ممدوحه مَلكٌ، قد صُفِّى جوهره من ذات ذي الملكوت، أي أن روحه قبس من ذات الله؛ وأن هذا القبس نور لا هوتي قد استقر فيه فكاد يظهره على العيب. والمتنبي يكبر ما يرى، فهو يقظان يرى الله، وهو يظن أنه نائم، ثم ينكر أن يكون نائماً لأن الله لا يرى في الأحكام، وهو يكبر هذا العيان، ويرى أنه أعظم وأجل من أن يثبت له أمثاله، فيرتاب فيما يرى، ويكاد يتهم نفسه بالخيال والوهم.

وهذا صريح في الحلول الذي هو مذهب القرامطة الذين كان يحطب في حبلهم وينشد الجد على حسابهم في صدر شبابه (2)، وهو قريب من فلسفة ابن هانئ.

وكالزوميات، لأبي العلاء المعري، فقد نظمها على أصول من الفلسفة، وضمنها

_________________________

(1)روح المعاني ص175

(2) مع المتنبي للدكتورطه حسين ص68

 

/ صفحه 373 /

كثيراً من المعاني الفسلفية، التي تتصل بخلق العالم ونظامه وعلاقته بالله؛ وبالوجود وفساده؛ وبالعقل وسلطانه، وبالنبوات وغيرها، فجاءت كأنها فلسفة منظومة وقد أسلفنا شيئا منها، وليرجع إليها وإلى (ذكرى أبي العلاء المعري) للدكتور طه حسين، من أراد المزيد.

ومن الشعر ما جاء متأثراً تأثراً حضارياً ثقافياً متدرجا تدرجا طبيعياً هادئاً، كما في عصر صدر الإسلام وبني أمية،أو تدرجا ثورياً جارفاً كما في دولة بني العباس بدأ هذا التأثر باسلوب القرآن، وبانسياح العرب من قلب جزيرتهم في ممالك الروم والفرس، ووقوع حواسهم على مشاهد لم يألفوها، وحضارات لم يعرفوها تم باتجاه بني العباس إلى غزو الفلسفات والعلوم والعرفان، كما غزوا الممالك والأوطان، ففتحوا باب الترجمة والتعريب على مصاريعه، وفتحوا به أبواباً واسعة من المعاني والأساليب والأفكار على الأدباء والشعراء والباحثين والعلماء، استطاعوا بها أن يعوضوا مافاتهم من فساد الملكة واضطراب اللسان، واختلاط الذوق؛ مما قضى به الاجتماع، وفرضه انضواء العجم والعرب تحت لواء الإسلام العام.

أجل، كان تأثر الأدب بالعلوم رفيقاً ساذجاً في العصر الإسلامي؛ ويملثون له بوصف (العناق) الذي بدأ امرؤ القيس فوصفه بقوله:

تقول وقد مال الغببط بنا معا               ******            عقرت بعيري ـ يا مرأ القيس ـ فانزل

فيأتي العرْجيّ، فيصفه بقوله:

بانا بأنعم ليلة حتي بدا                 ******            صبح تلوح كالأغر الأشقر

فتلازما عند الفرق صبابة              ******            أحذ الغريم بفضل ثوتالمعسر

ثم يأتي على بن الجهم، فيصفه بقولة             

فبتا جميعاً لو تراق زجاجة             ******            من الخمر فينما بيننا لم تسرّب

حتى إذا جاء البحتري قال:

ولم أنس ليلننا في العنا                ******            قِ، لفَّ الصبَّا بقضيب قضيبا

ثم عصف به المتنبي، فقال:

دون التعانق ناحِلينِ كشكلَيْ           ******            نَصْبٍ، أدقّهما وضمّ الشاكل

 

/ صفحه 374/

ولعل إمامه في ذلك بكر بن خارجة (1) إذ يقول:

إني رأيت في نومي تعانقتى                                كما تعانق لام الكاتب الألف

وأخيراً تناوله (شيخ الشعراء) اسماعيل صبري المصري فقال:

ولما التقينا قرب الشوق جُهْدَهُ                          شجيّيْن فاضا لوعة وعتابا

كأن حبيباً في خِلال حبيبه                                     تسرّب أثناء العناق وغايا

وهو ـ على أنه بالغ الجودة ـ يشبه قول أبي اسحق الفارسيِّ (2):

ضممته ضمة صرنا بها وحَدَاً(3) فلو رأتنا عيونٌ ما خشيناها

أنظر كيف تدرج المعنى في رفق وهدوء طيلة العصر الإسلامي؛ حتى إذا أظلل العصر العباسي بعلومه ومصطلحاته وصناعاته أخذ يعلو ويهبط في جلجلة واصطخاب

*  *  *

ونظرة إلى قول أبي تمام:

أقول لقُرحان من البَينْ لم يَصفْ          ******                      رَسيْسَ الهوى بين الحشا والترائب

أَعِنِّي: ابَدِّد شملَ دمعي، فإنني                 ******            أرى الشمل منهم ليس بالمتقارب

تهديك الىأنه فى معناه لايخرج عن قول امرىء القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل                ******            بسقط اللوى بين الدخول فحول

إذا اسقطنا أسماء المنازل من بيت امرئ القيس، والزخارف والتهاويل من بيتي أبي تمام.

فهو يقول: أقول لصاحبي الذي لم يدخل الغرام قلبه، ولم يذق لواعج الهوى في حياته (وهو معنى قرحان) أسعدني في البكاء على أحبابي الذين تفرق شملهم وتبدد جمعهم؛ وهل أراد امرؤ القيس من صاحبيه إلا هذا؟ ولكن ما قيمة الفسلفة العباسية والعلوم العباسية والصناعات العباسية؛ إن لم تجعل الصاحب (قرحانا

_________________________________

(1)توفى سنة226.

(2)توفىسنة447.

(3)وحدابفتحتين=واحدا.

 

/ صفحه 375/

وتكنِّ عن القلب بأنه بين الحشا والترائبن وتبدد شمل الدمع، كما تبدد شمل أحباب أبي تمام، الذي لا إخاله أحب في حايته أحداً على الإطلاق؟

هذا التأثر الثقافي الحضاري، الذي برز بوضوح في العصر العباسي، والذي ظهرت آثاره في الأساليب، وفي المعاني والأخيلة جميعاً، هو همزة الوصل بين الآداب وبين الفلسفة بمعناها العام الذي يشمل الكلام والمنطق ومصطلحات العلوم، وغير ذلك من كل ما تناولته الترجمة والتعريب من ضروب الثقافات، وقد كان هذا التأثر غامراً، فلمّا سلم منه أديب في المشرق، وإن تفاوتت حظوظ الأدباء منه؛ على حين أنه لم يكن للأندلس منه نصيب حينئذ، لخضوعها لسلطان الفقهاء، الدين حرمَّوا الفسلفة وما إليها تحريماً باتا، لا هوادة فيه، ولا خلاص منه

وأبو تمام والمتنبي أشهر من تأثروا في أشعارهم بالفسلفة، حتى مضى فيهم قول حكيم المعرة: أبو تمام والمتنبي حكيمان والشاعر البحتري، وأبرز مظاهر هذا التأثر تبدو في حكمهم التي انتقلوا بها من التجارب الفطرية، مَدْرَجها ومرباها، إلى النظريات العلمية، والحقائق الفسلفية؛ حتى قيل إن المتنبي نقل حكم أرسطو ونظمها شعرا.

والدراس لأشعار العباسيين دراسة الناقد المتثبت، يدرك في سهولة ووضوح معالم الثقافة المجتلبة في نواحيها المختلفة، كما يدرك ما أفاد الأدب من هذه الثقافة من محاسن، وما جرت عليه من ضعف.

وإذا أخذنا (البحتري) طَرَفا، وهذا العَلُم فيمن لم يتأثروا بالفلسفة لنشأته البدوية، وأخذنا صريع الغواني وأبا تمام والمتنبي وأبا العلاء، مثلا، طرفا آخر، سهل الأمر جداً في التمييز بين شعر الملكة البدوية المطبوعة، وبين شعر الثقافة المصنوعة، وإني لأتخيل البحتري يثور في وجوه هؤلاء الشعراء المتعالمين من معاصريه، صائحاً:

كلفتمونا حدود منطقكم                     ******            في الشعر يغني عن صدقه كذُبهْ

ولم يكن ذو القروح يلهج بالمنـ              ******            طق، ما نهجه، وما سببه

والشعر لمح تكفي إشارته                       ******            وليس بالهزر طوّلت خطبه