/ صفحه 376/

نظام الإسلام السياسي
وعلاقة الدّين بالدّولة في هذا النظام

للكاتب الكبير الأستاذ محمود اللبابيدي ـ حلب

ــــــــ

لقد استرعى انتباهي في الأونة الأخيرة، ظهور كتابين متناقضين في الاتجاه نحو مفهوم الإسلام السياسي في وسطين كبيرين من أوساط المسلمين:

أحدهما في مصر وعنوانه: (من هنا... نبدأ) للأستاذ خالد محمد خالد، يمثل من حيث النتيجة الفكرة القديمة التي ظهرت قبل ربع قرن في مؤلف للشيخ علي عبد الرازق (علي عبد الرازق باشا) أعنى كتاب: (الإسلام وأصول الحكم) الذي قرر فيه أن نظام الخلافة ليس من أركان الدين، وأن رسالة المصطفى بريئة من أن تنطوي على معنى الدولة، وبعبارة أخرى من عباراته: الإسلام رسالة لا حكم، ودين لا دولة.

وقد عقد الأستاذ خالد في كتابه المشار إليه فصلا عنوانه: (قومية الحكم) لم يشأ فيه أن يدخل في معالجة الموضوع القديم هل الحكومة جزء من الدين أو ليست جزءاً منه، ولكنه أبان أن العرب قد أقاموا فيما مضى حكومات دينية، هي أصل بلاء المسلمين فيما صاروا إليه، وأنه لن يسمح في هذا العصر بإقامة دولة من هذا النوع كما يطلبها فريق من الناس. وفي تعليل مذهبه هذا يقول: إن الحكومة الدينية في تسع وتسعين في الماية من حالاتها جحيم وفوضي... وأنها إحدى المؤسسات التاريخية التي استنفدت أغراضها، ولم يعد لها في التاريخ الحديث دور تؤديه (ص 162 الطبعة الرابعة).

 

/ صفحه 377/

ثم يستدرك على قوله هذا، بأن التوفيق الذي صادف أبابكر وعمر وجعل لحكومتهما تأريخاً مفرداً مجيداً، لا ينهض دليلا مناقضاً لرأيه في فساد الحكومة الدينية، لأن هذا الطراز الرفيع من الحكم ـ فضلا عن ندرته ـ يعتمد على الكفاية الشخصية، والكمال الذاتي اللذين كان يتمتع بهما رؤساء تلك الحكومات (ص 166 ـ 167).

ويتجلى مذهب المؤلف صريحاً واضحاً في قوله متسائلا: أنخرج الدين بالدولة فنفقد الدولة ونفقد الدين، أم يعمل كل منهما في ميدانه فنربحهما معاً، ونربح أنفسنا ومستقبلنا؟ (ص 159) أي أن نذهب إلى الفصل بين الدين والدولة تماما على نحو ما حدث في أوربا سنة 1905، عند ما وضع الفرنسيون حداً لتدخل رجال الكنيسة في توجيه الدولة، وأمروا كنيستهم أن تعلق أبوابها على الكهنوت ورجال الاكليروس، وأن تعمل لوحدها روحياً فقط.

والثاني كتيب ظهر في الهند، وعنوانه: (نظرية الإسلام السياسية) للأستاذ أبو الأعلى مودودي، وفي الأصل كان خطابا ألفاه المؤلف في مسجد شاه تشيراغ بمدينة لاهور بالبنجاب في شهر تشرين الأول سنة 1939، قال في مستهله: كثيراً ما سمعنا في الأندية السياسية والعلمية قولهم: (الإسلام نظام جمهوري) وهذه الكلمة ما تزال تعاد وتكرر منذ أواخر القرن الماضي، وفلما يكون بين الذين يلهجون بها من درس الإسلام دراسة علمية، واجتهد أن يتفطن إلى أوضاعه السياسية، ثم نسمع في الأوساط الأقل شأنا من تدفعه سذاجته لأن يرى في الإسلام صورة لكل ما يروج في أسواق العالم من مذاهب، فإنه لما راجت في الناس الشيوعية رواجها، قام من ينادي بأن ليست الشيوعية إلا طبعة جديدة للإسلام، وحينما استفحل شأن الدكتاتورية أخذوا بصيحون بأن نظام الإسلام الاجتماعي كله قائم على الدكتاتورية (ص 3 ـ 4 الطبعة العربية الثانية) ثم ينتهي من هذا الاستهلال ليقول: إن الحاجة ماسة الآن للكشف عن وجه (نظرية الإسلام السياسية) رجاء أن ينقشع هذا الظلام الفكري، وتلجم أفواه من أعلنوا سفهاً (أن الإسلام ما جاء للمجتمع الإنساني بنظام اجتماعي ولا سياسي أصلا).

 

/ صفحه 378/

ثم راح يشرح نظرية الإسلام السياسية ويقول: إن دعامة النظرية السياسية في الإسلام) ومبدأها الأساسي أن تنزع جميع سلطات Powers الأمر والتشريع من أيدي البشر منفردين ومجتمعين، ولا يؤذن لأحد منهم أن ينفذ أمره في بشر مثله فيطيعوه، أو ليسن قانوناً لهم فينقادوا له ويتبعوه، فإن ذلك أمر يختص بالله وحده، لا يشاركه فيه أحد غيره كما قال هو في كتابه: (إن الحكم إلا لله) (يقولون هل لنا من الأمر من شئ؟ قل إن الأمر كله لله). (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام). (ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الظالمون) (ص 29 ـ 30).

ثم يلخص الخصائص الأولية للدولة الإسلامية فيقول إنها في ثلاث:

ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطين في الدولة نصيب من الحاكمية، فإن الحاكم الحقيقي هو الله، والسلطة الحقيقية مختصة لذاته تعالى وحده، والذين من دونه في هذه المعمورة إنما هم رعايا في سلطانه العظيم.

ليس لأحد من دون الله شئ من أمر التشريع، والمسلمون جميعاً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، لا يستطيعون أن يشرعوا قانوناً ولا يقدرون أن يغيرو شيئا مما شرع الله لهم.

إن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون المشرع الذي جاء به النبي من عند ربه مهما تغيرت الظروف والأحوال، والحكومات التي بيدها زمام هذه الدولة لا تستحق طاعة الناس إلا من حيث إنها تحكم بما أنزل الله وتنفذ أمره تعالى في خلقه (ص 31 ـ 32).

ثم يستنتج من ذلك، أن هذه الخصائص ليست ديمقراطية ولا جمهورية لأن الديمقراطية والجمهورية، منهاج للحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب جميعاً فلا تغير فيه القوانين ولا تبدل إلا برأي الجمهور. وعلى هذا لا يصح إطلاق كلمة الجمهورية أو الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية. بل الأحرى أن يقال الحكومة الإلهية Thio-cracy.

 

/ صفحه 379/

ويستدرك أخيراً، فيرى أن يبتدع اصطلاحا جديدا لهذه الحكومة فيقول أن الأصدق أن تسمى الحكومة الإلهية الجمهورية Thio-democracy لأنه قد خول فيها للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة، تحت سلطة الله القاهرة، وذلك فقط، في الأحوال التي تستدعي إيضاح نص من نصوص الشريعة.

وقد أبان الأستاذ أبو الأعلى مودودي الأسباب التي تدعو في رأيه إلى حرمان الدولة أو جمهور المسلمين من حق التشريع قائلا: إن الإنسان لا يستطيع أن يكون شارعا لنفسه بنفسه، لأنه إن نجا من شرور عبوديته للآلهة الكاذبة، فإنه غير ناج من عبوديته لشهواته. وقد ضرب مثلا على ذلك بالأمة الأمريكية التي أصدرت قانونا بمنع تعاطي الخمر لثبوت ضررها بالصحة من الوجهتين العقلية والعلمية، ثم عادت فأباحتها. وقد تساءل عن سبب هذه الاباحة، هل عادت الضارة عندهم نافعة بدليل علمي أو عقلي؟ (ص 38 ـ 39).

والغريب أن نجد الأستاذ مودودي يسمح بعبارة خاطفة أن يضع جمهور المسلمين قوانين فرعية أو أنظمة ولوائح ضمن المبادئ العامة لما يعرض لهم من الحوادث بعد تلك التقريرات الشديدة في منعهم من التشريع. على أنه لم ينس أن يستدرك على هذه الحال بقوله: أما إذا تعدوا هذه الحدود فلا بد أن يختل نظام المجتمع البشري اختلالا تاما (ص 39).

ثم يشرح رأيه في نظرية الخلافة فيقول إن الله هو الحاكم الحقيقي في الإسلام وكل من تبوأ مركز الحاكم في دولة لإسلام فهو خليفة لله. بل عنده أن المؤمنين كلهم خلفاء لله، على اعتبار أن هذه الخلافة التي أوتيها المؤمنون خلافة عمومية Populor Vicegerency وقد بنى نظريته هذه على نصوص الكتاب والسنة وهو قول الكتاب: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وقول السنة (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) (ص 49 ـ 51).

 

/ صفحه 380/

مما تقدم بتضح أننا أمام اتجاهين متناقضين تمام المناقضة في مفهوم الإسلام السياسي وفي علاقة الإسلام بالدولة، ونحن من جانبنا، لا نرى وجهاً لتعليل هذا التناقض سوى القول بأن كلا من هذين الفريقين كان قد انتهى سبقاً إلى نظرية خاصة استمدها من بعض الوقائع في تاريخ الإسلام والمسلمين قبل أن يقدم على دراسة الإسلام السياسي دراسة صحيحة، وإلا لا التقي بزميله. لأنه ليس في مواقع الإسلام من الغموض ما يبرر مثل هذه النتيجة المتباينة.

نظر الأستاذ خالد محمد خالد إلى ما صار إليه الإسلام والمسلمون من الركود والخمول وفساد الحال وسوء المنقلب، فظن أن الداء في الحكومة التي مزجت بين الدين والسياسة فنصب نفسه محارباً لهذا النوع من الحكومات في كتابه (من هنا... نبدأ).

ونظر الأستاذ أبو الأعلى مودودي إلى ما صار إليه الإسلام والمسلمون من الضعف وفقد الثقة بانفس حتى صاروا يتعلقون بكل نظام سياسي مهما كان متعارضاً مع نظام الإسلام، فيقولون إن الإسلام ديمقراطي أو اشتراكي أو شيوعي الخ، فأراد أن يكافح هذه النزعة من الاستخذاء والتعلق بالأنظمة الأجنبية وقام بدراسة سطحية لبعض النصوص فقرر أن الإسلام دولة إلهية ديمقراطية في بعض الوجوه، حاكمها خليفة الله، لا تعديل في أنظمتها وقوانينها، ظناً منه أن الدواء في إحاطة شريعة الإسلام بأسوار من الحماية تفيها شر التعديل والتحوير.

وذهب آخرون وفي جملتهم الشيخ علي عبد الرازق (1) إلى أن الإسلام ما جاء للمجتمع الإنساني بنظام سياسي أصلا، بل كانت دعوته دعوة روحية محصة.

بعد هذه المقدمة التي كان لابد منها، لتوضيح الموقف المضطرب الذي يقفه نخبة من علماء المسلمين تجاه مفهوم الإسلام السياسي، أرى أن أقوم بدراسة وجيزه للنظرية السياسية في الإسلام في خطوطها الرئيسية.

ولتسهيل هذه الدراسة نوزعها على المباحث الآتية: ـ

 

ــــــــــ

لا أدري هل بقي الأستاذ علي عبد الرازق علي رأيه السابق؟.

 

/ صفحه 381 /

المبحث الأول: هل للإسلام نظرية سياسية؟

المبحث الثاني: ما مصدر السلطة السياسية في الإسلام؟

المبحث الثالث: هل يربط الإسلام بين الدين والسياسة؟

المبحث الرابع: إلى أي مدى يربط الإسلام بين الدين والدولة؟

وسنحاول الخوض في كل مبحث من هذه المباحث، كل على حدة، لنصل من وراء ذلك إلى تحديد موقف الإسلام الحقيقي من الدولة.

المبحث الأول:

هل للإسلام نظرية سياسية؟

ــــ

إن الغرض من هذا السؤال، هو معرفة ما إذا كان الإسلام قد ترك للمسلمين نظاما للحكم أو أشار عليهم باتباع نظام سياسي معين. والذي أعرفه عن طبيعة الإسلام، أنه نظام سياسي كامل. وليس لأحد أن يدعي فهم الإسلام على وجه صحيح، إذا لم يدرك أن الإسلام ليس نظاما سياسيا كاملا فحسب بل نظام سياسي عالمي أيضا ونحن إذا أردنا أن ندلل على وجهة نظرنا هذه لم نحتج إلى جلب الدليل من مكان بعيد، بل الدليل في متناول أيدينا. فالنظام السياسي لكي يكون حقيقة راهنة لابد أن يسبقه وجود دعامتين يزتكز عليهمأ.

الدعامة الأولى: وجود نظرية للحكم مستمدة من نص صريح في دستور الأمة يعين أو يشير إلى نوع هذا الحكم، ملكي إرثي هو، أو جمهوري انتخابي مثلا

الدعامة الثانية: وجود نواة التشريعية لمؤسسات الدولة.

أما الدليل الذي يؤيد قيام الدعامة الأولى في موضوعنا، فدستور الإسلام، إذ نجد فيه سورة اسمها (الشورى) هي الثانية والأربعون في ترتيب السور. وقد انتزع اسمها من الآية الثامنة والثلاثين، دلالة على أهمية المبدأ الذي ورد فيها، لأنه

 

/ صفحه 382/

يشير إشارة واضحة إلى نظرية الحكم التي ارتضاها الإسلام لنظامه السياسي، ألا وهو الحكم الشورى المنطوي على حق الترشيح وحق الانتخاب وحق المعارضة بقوله (وأمرهم شورى بينهم).

يعزز مذهبنا في ذلك، صيغة الخطاب لرسول الله الوارد على وجه الأمر في هذا الدستور في الآية 159 من سورة آل عمران إذ يقول فيه (وشاورهم في الأمر).

ولا شك أن رسول الله لا يؤامر واحداً من المسلمين ولا يشاورهم في شأن من شؤون الدين، فلم يبق إلا أن تكون مشاورته لأهل المشورة منهم، مقصورة على الشئون المدنية والسياسية. فإذا كانت الشورى في الشئون المدنية والسياسية واجبة على رسول الله فهي على المسلمين دستور مفروض بلا ريب.

أما الدليل الذي يؤيد الدعامة الثانية وهي وجود نواة تشريعية لمؤسسات الدولة، ففي القرآن أيضاً مفتاح ذلك، إذ فيه كل المبادئ القانونية التي تحتاج إليها هذه المؤسسات، فضلا عن تقنينه أهم القوانين وأشدها اتصالا بالمجتمع، كقانون (الأحوال الشخصية) الذي ينطوي على أحكام الزواج وأحكام الطلاق وأحكام الإرث وأحكام الوصية وأحكام النفقات. (كقانون العقوبات) الذي نص فيه على أحكام الجرائم الأصلية وعقوباتها كالقتل والسرقة والزنا والخروج على الدولة. وكقانون الجهاد الذي انطوى على مبادئ الحقوق الدولية وأحكام المعاهدات وأصول احترامها وكيفية معاملة الذميين والأجانب. وإذا لم تجد نصاً للقوانين الأخرى فانك واجد فيه بعض أبوابها كما هو الحال في بعض أبواب (القانون المدني) إذ نص فيه على حل البيع وتحريم الربا، كما نص فيه على أصول المداينة والرهن وصندوق التكافل الاجتماعي. وغير ذلك من القوانين. وهذا بقطع النظر عن سنة رسول الله التي تكفلت تفصيل ما أجمله القرآن من أحكام ومبادئ.

ويقيني أنني بعد هذا، أستطيع أن أقرر بكثير من العزيمة والثقة: أن الإسلام

 

/ صفحه 383/

دولة. وأن للإسلام نظرية سياسية واضحة المعالم، هي نظرية الحكم الدستوري النيابي القائم على حق الترشيح وحق الانتخاب وحق المعارضة.

وقد دلت أولى الوقائع بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام على أن المسلمين قد فهموا بوضوح نوع الحكومة المقررة في دستورهم، فكان انتخاب الخليفة الأول خليفة للرسول لا خليفة لله (1) انتخابا شوريا لا غبار عليه، إذ تحققت فيه المبادئ المذكورة، حق الترشيح وانتخاب الأصلح وافساح المجال للمعارضة.

فقد ذكر الطبري (2) وابن قتيبة (3) أنه عقب وفاة الرسول مباشرة، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في مدينة الرسول حيث اعتاد القوم الاجتماع فيها للداولة في الأمور العامة، كما اجتمع نفر من المهاجرين وعلى رأسهم أبو بكر وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فخطب أولا رئيس جماعة الأنصار وهو يومئذ سعد بن عبادة، وإذ كان مريضاً كان يتكلم بصوت خافت، ويبلغ عنه ابنه قيس، فكان مما ذكر دفاعا عن حق حزبه في تولى الخلافة من دون الناس كافة قوله:

(يا معشر الأنصار! إن لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام، ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل. والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا يعزوا دينه ولا يدفعوا عن أنفسهم، حتى إذا أراد الله تعالى لكم الفضيلة، ساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسول الله (صلى الله عليه وسلم)

 

ــــــــــ

وقد منع الجمهور من هذا الاستعمال وقالوا: يستخلف من يتغيب أو يموت وقد نهي عنه أبو بكر لما دعى به وقال لست خليفة لله ولكني خليفة رسول الله (ابن خلدون. المقدمة ص 159 طبعة سنة 1930).

الطبري. تاريخ الأمم والملوك. ج3 ص 207 ـ 209.

ابن قتيبة. الإمامة والسياسة. ص 5 ـ 9.

 

/ صفحه 384/

والمنع له ولأصحابه، والإعزاز لدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على منت تخاب عنه منكم، وأنقله على عدوكم من غيركم، حتى استقاموا لأمر الله تعالى طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيد المقادة صاغراً داحراً، حتى أثخن الله لكم في الأرض ودنت بأسيافكم له العرب. توفاه الله تعالى وهو راض عنكم قرير العين، فشدوا أيديكم على هذا الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاهم به.

وعندما أنهى سعد كلامه، أمّن الأنصار على ما قال.

ولما هم عمر بن الخطاب أن يفتتح الكلام دفاعا عن حق حزبه وهم يومئذ المهاجرون، أخره أبو بكر وافتتح الكلام متشهداً فانتصب له الناس بوجوههم فقال: (إن الله جل ثناؤه بعث محمداً (صلى الله عليه وسلم) بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الإسلام فأخذ الله بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما والناس لنا فيه تبع، ونحن عشيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة).

ولم ينس أبو بكر أهمية الاعتراف بحق الحزب الثاني في قوى الحكم، طالما أن الحكم الشورى وإن كان يرى لحزبه فضل التقدم فقال متابعاً:

(وأنتم أيضاً والله الذي آووا ونصروا، وأنتم وزراؤنا في الدين، ووزراء رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأنتم إخواننا في كتاب الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عزوجل، وفيما كنا فيه من سراء وضراء، والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا، وأحق الناس بالرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمر الله عزوجل لما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين).

ثم تابع أبو بكر كلامه طلباً إلى جماعة الأنصار إفساح الطريق لجماعته بانتخاب نفر سماهم قائلا:

(فلا تحسدوا إخوانكم وأنتم المؤثرون على أنفسكم حين الخصاصة، والله ما زلتم تؤثرون إخوانكم من المهاجرين، وأنتم أحق الناس أن لا يكون هذا

 

/ صفحه 385/

الأمر واختلافه على أيديكم، وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم، وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر، وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر، وكلاهما له أهل).

فقام عمر وابو عبيدة فرفضا ترشيحهما للخلافة، وأصرا على ترشيح أبي بكر وكان مما قالاه:

(ما ينبغي لأحد من الناس أن يتقدم عليك يأبابكر، أنت صاحب الغار، ثاني اثنين، وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالصلاة، فأنت أحق الناس بهذا الأمر).

ويظهر أن الأكثرية في حزب الأنصار قد دخلت في طور القناعة بما قاله أبو بكر، فأرادت أن ترد على ما عرّض بهم من الحسد، وأن تظهر حسن النية بعرض حل وسط، فقام أحدهم فقال:

(والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، وإنا لكما وصفت يأبابكر والحمد لله، ولا أحد من خلق الله أحب الينا منكم، ولا أرضى عندنا ولا أيمن، ولكنا نشفق مما بعد اليوم ونحذر على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا، على أنه إذا هلك اخترنا آخر من (الأنصار) فإذا هلك اخترنا آخر من (المهاجرين) أبداً ما بقيت هذه الأمة كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)).

في هذه المرحلة رأى أبو بكر كبير حزب المهاجرين أن يد الحزب الثاني (الأنصار) وإن تراخت عن حصر الخلافة في حزبهم، إلا أن الأمر ما زال بحاجة إلى مرحلة أخرى للإقرار بأفضلية حزبه في تولي الحكم مباشرة بعد انتقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فنهض وردد ما كان قاله قبلا من سابقة المهاجرين، وأنهم أول من عبد الله في الأرض، وما كان من تحملهم أذى قومهم وصبرهم على الشدائد ثم راح يؤكذ أنهم أحق الناس بالأمر بعد رسول الله، وأنه لا ينازعهم فيه إلا ظالم، ثم أكد فضل الأنصار فقال: (رضيكم الله تعالى أنصاراً لدينه ولرسوله، وجعل إليكم مهاجرته، فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم).

وختم كلامه قائلا: (فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نفتات دونكم بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور).

ويظهر أن حزب الأنصار قد بلغ فيه الانقاسم أشده، وأحس سعد بن عبادة والحباب بن المنذر بهزيمة رأيهما بعد أن بان ميل الأكثرية في حزبهما إلى التسليم بحجة حزب المهاجرين فنهض الحباب فقال بلهجة الحانق المشفق:

(يا معشر الأنصار ‍ املكوا على أيديكم، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم ولن يجير مجير على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة، وأولو العدد والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تسنعون، فلا تختلفوا فيفد عليكم رأيكم، وتقطعوا أموركم، أنتم أهل الإيواء، واليكم كانت الهجرة ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، وأنتم أصحاب الدار والإيمان من قبلهم، والله ما عبدوا الله علانية إلا في بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم).

وأنهى الحباب كلامه بهذا المقطع:

(فأنتم أعظم الناس نصيباً في هذا الأمر، وإن أبي القوم فمنا أمير ومنهم أمير).

وإذ لم يأت الحباب بجديد وانتهى إلى هذا الرأي الهزيل الذي يجعل أمر المسلمين إلى دولتين، انتهزها عمر الخطاب فرصة مناسبة للإجهاز على رأي المعارضة فنهض وقال:

(هيهات، لا يجمع سيفان في غمد واحد ‍ إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم وفيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولى هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم، وأولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خلفنا من العرب الحجة الظاهرة والسطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشرته، إلا متعد بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة).

 

/ صفحه 387/

وتتابع الخطباء على الكلام، فرد الحباب على عمر وحذر أصحابه أن يسمعوا له ولأصحابه فتفوتهم الرياسة، وتبعه أبو عبيدة بن الجراح فوعظ الأنصار بأن لا يكونوا أول من بذل وغيّر بعد أن كانوا أول من نصر.

ثم قام قيس بن سعد سيد الأوس وأحد كبار حزب الأنصار، فأقر بحق المهاجرين في تولي الخلافة، وحق تقدمهم على من سواهم وكان مما قاله:

(يا معشر الأنصار ‍ أما والله، لئن كنا أولى الفضيلة في جهاد المشركين، والسابقة في الدين، ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا، وطاعة نبينا، والكرم لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس، وما نبتغي به عرضاً من الدنيا، فإن الله تعالى ولي النعمة والمنة علينا بذلك، وإن محمداً رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه وتولي سلطانه، وايم الله، لا يراني أنازعهم هذا الأمر أبدا، فاتقوا الله ولا تخالفوهم، ولا تخادعوهم).

لا يهمنا تفصيل ما جرى بعد ذلك، من مبايعة أبي بكر، وما حدث قبيل ذلك من معاودته الخطابة وترشيحه أبا عبيدة وعمر مرة ثانية، ورفضهما وإسراع قيس بن سعد بمبايعة أبي بكر، وتناول الحباب بن المنذر لسيفه وأخذهم على يده، ثم ضربه وجوه الناس بثوبه من غيظه إلى أن فرغت البيعة.

كل ذلك لا يهمنا. ولكن الذي يهم، هو هذا الاجتماع على أمر انتخاب رئيس للدولة. وهذه الخطب السياسية المتبادلة بين حزبين، يدافع كل منهما بالحجة والدليل على أنه أحق من الآخر بتولي هذه الرياسة، حتى تم تسليم أحدهما بحق الآخر، تسليما أيدته الأكثرية الحزبية، على صورة رجحت فيها كفة حزب على حزب، بطريقة حرة، أفسحت المجال للمعارضة أن تنطق انطلاقاً لا معوق له.

هذه الصورة المستمدة من وقائع اجتماع يوم السقيفة الاثنين 12 من ربيع الأول سنة 11 للهجرة (8 حزيران 623 م) نراها قد استجمعت كل أركان الحكم الديمقراطي في وضعه الجوهري.

ولا يعنينا في كثير ولا قليل ألا يكون هذا الاجتماع، قد اتبعت فيه بعض

 

/ صفحه 388/

الإجراءات الشكلية المتبعة اليوم في اجتماع كهذا، ليصح القول فيه إنه لم يكن انتخابا ديمقراطيا. لا، فإن الإجراءات مما يختلف بين قوم وقوم، وبين عصر وعصر، وحسْبُ الواقعة الانتخابية لتكون ديمقراطية: أن تسير في جو مشبع بالحرية يتسنى فيه لصوت المعارضة أن يطلق، فيعبر عن نفسه بلا معوق من خوف أو فزع أو إغراء. وقد كان صوت المعارضة يوم السقيفة ـ كما رأينا ـ قوياً مجلجلا لا يجرؤ أحد أن يخنقه أو يعوقه، كأقوى ما تكون المعارضة.

إن تاريخ المعارضة في العالم، يدل على أن هذه المعارضة قد أصيبت في كثير من بلاد الديمقراطية بالمعوقات والخنق على تنازت يتسق ومقدار وعي الشعوب وحبها للحرية. وما يزال في أكثر بلاد العالم ديمقراطية، يجري فيها تعويق المعارضة عن طريق الغش وإفساد الضمائر بالمال وغيره. وهذه الطرائق ليست في الحقيقة أقل شراً من الطرائق الأخرى التي تعتمد على الضغط والإرهاب. أما انتخاب يوم السقيفة فلم يعرف تعويق المعارضة بلون من الألوان.

نخلص من كل ذلك للقول، بأنه قد ثبت ثبوتا قاطعاً، أن للإسلام نظرية سياسية واضحة المعالم، هي الحكم الشورى المنطوي على حق الترشيح وحق الانتخاب وحق المعارضة، وقد عرفها المسلمون وطبقوها في صدر دولتهم، تنفيذاً للقاعدة الدستورية الواردة في الآية الثامنة الثلاثين من سورة الشورى القائلة: (وأمرهم شورى بينهم) (1)

ومن الجدير بالذكر، أن نلاحظ أن نظرية الحكم هذه، قد أفرغت في قالب يعبر عن حالة واقعية تسود الحياة العربية أكثر مما يعبر عن مبدأ جديد، انظر إلى هذه القاعدة الدستورية: (وأمرهم شورى بينهم) تجد أنها وإن انطوت على

 

ــــــــــ

من المستغرب أن يقول الدكتور حسن ابراهيم أستاذ التاريخ الاسلامي بجامعة فؤاد الأول في كتابه (النظم الإسلامية) ان القرآن ـ في الواقع ـ لم يشر إلى نظام الحكم الذي يصح أن يتبعه المسلمون بعد النبي (النظم الإسلامية. ص23 الطبعة الأولى سنة 1939).

 

/ صفحه 389/

مبدأ خطيرا في الحياة السياسية عند العرب، الا أنك تلمس في الوقت نفسه أن الصياغة فيه جاءت على أسلوب حكاية حال على خلاف ما عودنا القرآن في التشاريع الأخرى، فإنه لما فرض الجهاد أي نظام لجندية قال (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) فعبر عنه بصيغة الفرض والإلزام. كذلك لما شرع نظام الصيام عبر عنه بالصيغة نفسها فقال (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم).

ولا عجب في ذلك، فإن من أول مبادئ الإسلام مراعاة حال الأمة واستعدادها، وطبقاً لهذا الاستعداد نأتي صيغة التشريع على حسب مقتضي الحال. ولما كان العرب شديدي الشعور بشخصياتهم، لا ينقادون لرؤسائهم إلا طواعية وعن طريق الإقناع، وكانت المعارضة طبيعة فيهم، فقد وجد نظام الشورى أليق بهم، لأنه يساير طبائعهم، ويتمشى مع سجاياهم، ولما كان هذا النظام عميق الجذور في الطبيعة العربية جاء النص عليه كحكاية الحال، على خلاف ما ذهب إليه الأستاذ عباس محمود العقاد، حين قرر في كتابه (الديمقراطية في الإسلام) أن العرب لم يعرفوا الديمقراطية إلا في عصر الإسلام.

المبحث الثاني:

ما مصدر السلطة السياسية في الإسلام؟

ــــــ

لم يبلغ على أن أحداً من الباحثين تعرض لموضوع مصدر السلطة السياسية في الإسلام من قريب أو من بعيد، وأفضل ما بين يدي من مراجع لا تشير إلى هذا الموضوع إلا إشارات غامضة لا تغني أبداً.

فالدكتور حسن إبراهيم حسن يقول في كتابه (النظم الإسلامية) صفحة 63 إن الخلافة العباسية أوجدها الفرس الذين يقولون بنظرية الحق الملكي المقدس The Divine Right of Kings بمعنى أن كل رجل لا ينتسب إلى البيت

 

/ صفحه 390/

المالك، ويتولى الملك يعتبر مغتصباً لحق غيره، لذلك أصبح الخليفة العباسي بحكم بتقويض من الله، لا من الشعب، كما يتجلى ذلك من قول أبي جعفر المنصور (1) (إنما أنا سلطان الله في أرضه) وذلك يخالف ما كانت عليه الخلافة في عهد الخلفاء الراشدين الذين استندوا سلطانهم من الشعب، يدل على ذلك قول أبي بكر عقبت توليثه الخلافة: (إن أحسنت فشجعوني وإن أسأت فقوموني بحد سيوفكم).

وعبد الرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة يقول (الملك الطبيعي، هو حمل اكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي، هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المصار. والخلافة، هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي).

ثم أوضع رأيه قليلا في الحكومات الإسلامية فقال: إن الخلافة الخالصة كانت في الصدر الأول إلى آخر عهد على، ثم صار الأمر إلى الملك، وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ومذاهبه والجرى على منهاج الحق. ولم يظهر التغيير إلا في الوازع الديني. كان (الوازع) ديناً ثم انقلب عسبية وسيفا. وهكذا ان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك والصدر الأول من خلفاء بني العباس إلى الرشيد وبعض ولده، ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها، وصار الأمر ملكا بحتا وجرت طبيعة التعلب إلى غايتها (فصل انقلاب الخلافة إلى ملك من المقدمة).

فيرى القارئ من هذا، أن مصدر السلطة السياسية في دولة الراشدين في رأي الأول (الشعب) وفي دولة العباسيين (الخليفة) بتفويض من الله. بينما يذهب ابن خلدون إلى أن القانون وحده كان مصدر السلسة في دولة الراشدين. وأما في دولة الأمويين وصدر من دولة العباسيين إلى عهد الرشيد وبعض ولده،

 

ــــــــــ

نحن لا نوافق الدكتور حسن على هذا الرأي، فقد كان المنصور من كبار العلماء بشهادة الإمام مالك، وقولته هذه لا بدل على اعتناقه نظرية الحق الإلهي، وإن كان المستشرقون قد حدعوا بها.

/ صفحه 391/

فكان القانون أيضا، ولكن باستثناء الوازع الديني فيهما إلى وازع من العصبية والسيف.

والذي يظهر أن الخلاف بين هذين الرأيين إجمالا، لفظي أكثر منه حقيقي، ولو ظهر ابن خلدون أدق في تعبيره، ذلك لأن حكومة الراشدين التي يقول الدكتور حسن ابراهيم حسن إن سلطانها مستمد من الشعب، قد بايع رؤساؤها الأربعة على أساس العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وهذا يعني أن مصدر سلطانها هو القانون ليس إلا، وفيما يتلعق بدولة الأمويين وصدر من دولة العباسيين لا يعدو الأمر كذلك، ولم يظهر التغيير إلا في الوازع الديني: كان ديناً ثم انقلب عصبية وسيفا.

فإذا كان الأمر كذلك، فهل يعني هذا أن مصدر السلطة السياسية في الإسلام بوجه عام هو القانون؟.

لا أكاد أتردد في الإجابة على هذا السؤال، بأن نعم. لا يعدو الأمر ما ذكر ففي الحقيقة وواقع الأمر، إن القانون الاسلامي كان مصدر سلطان الدول العربية والدول التي ورثت سلطانهم في الإسلام، سواء تغير الوازع الديني أو لم يتغير. وما لم يتغير هذا القانون بقانون مكتوب آخر، لا يمكن أن نعتبر هذا القانون إلا قائما.

أما وقوع بعض الحوادث المنافية لهذا القانون المكتوب، فتعتبر من قبيل الشذوذ والانحراف وارتكاب المخالفة، وهذا لا يمكن تسميته بالقانون.

إن التاريخ بين أيدينا، يقرر أن العمل بكتاب الله وسنة رسول الله كان الدستور المكتوب الذي كان يستلهمه الخلفاء والملوك والأمراء والولاة والحكام في كافة الممالك التي أظلها دول العرب أو دول الإسلام، ولا أعرف متجرناً تجرأ على أبطال العمل بهما، وإجلال قانون آخر محلهما، لأن المسلمين لم يرضوا عنهما بديلا، ولكن الذي أعرفه أن كثيراً من الحوادث قد انطوت على مخالفات لهذا القانون، والمخالفات كثيرة تقع في كل بلد وإزاء كل قانون على نحو ما نعرف في يومنا هذا، ولكن هذه المخالفات لا يمكن أن تبطل عمل القانون.

 

/ صفحه 392/

ورب معترض يقول أن نقل معاوية بن أبي سفيان الدولة من نظام شورى إلى نظام ملكي، وصمت الأمة واستمرار هذا الصمت زمناً طويلاً على نظام الملكية، يجعل هذا التحول بحكم القانون، لأن سكوت الأمة يعتبر رضاه ضمنياً منها بما وقع، ولكن هذا الاعتراض مدفوع بما سلف أن قررناه من أن دولة العرب في ظل الإسلام تعتبر من الدول ذات الدستور المكتوب، فلا يصح اتخاذ سكوت الأمة على المخالفة التي ارتكبها معاوية، واستمرار هذه المخالفة بمثابة تعديل لقاعدة دستورية مكتوبة.

نعم إن هذا الوضع يصح في الدول ذات الدستور غير المكتوب أي في الدول ذات الدستور العرفي المبني على التطور التاريخي، بحيث إن كل انقلاب يعدل في أوضاع الدولة يأخذ شكل قانون واقعي يخفي السوابق التي تقدمته، دون حاجة إلى إصدار تعديل كتابي (1).

لهذا لا يمكن اعتبار الأحداث التي أحدثها معاوية ومن جاء بعده من الخلفاء والأمراء بمثابة تعديل للقاعدة المكتوبة، إلا إذا كان أحد هؤلاء قد ألف مجلساً وأصدر هذا المجلس تعديلا لهذه القاعدة، ولا نظر أن التاريخ قد وعى شيئا من ذلك.

فلم يبق والحالة هذه، إلا أن نقرر أن حكم القاعدة الدستورية المكتوبة:

(وأمرهم شورى بينهم) ما يزال قائماً مستمراً.

وتبعاً لهذه القاعدة المكتوبة، فإن مصدر السلطة السياسية يكون في يد جمعية تشريعية ينتخبها المسلمون بمحض اختيارهم من أهل المشورة فيهم، أي أن الأمة هي مصدر السيادة والسلطان بنص الدستور.

أما القول بأن شريعة الإسلام، شريعة إلهية فلا تقبل التعديل كغيرها من الشرائع السماوية، فأعتقد أن هذا القول لا ينسحب على الإسلام، لأن دستوره قد قال بقاعدة النسخ (ما ننسخ من آية أو ننسها، نأت بخير منها، أو مثلها). *

 

ــــــــــ

(1) راجع إيمن Eismcn في مؤلفه: (الحقوق الدستورية) وأمثالة.

(*) التحرير: لعل السيد الكاتب يتفضل بتوضيح رأيه في النسخ وجواز أن يكون في القرآن، وأن يقع بحكم من الأمة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم).

 

/ صفحه 393/

ولا يتوهمن أحد أن هذه الآية قد انتهى حكمها بوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، كما تبادر إلى ذهن بعضهم. كلا، فإن القرآن قد نص على أن الأمة وحدها هي مصدر السيادة والسلطة وليس الله. نعم كان الله هو المشرع ابتداءاً، ثم غدا التشريع إلى الأمة انتهاء. لان الله سبحانه ـ رحمة بالناس ـ هو الذي رد هذه السلطة إلى الأمة حين قال (وأمرهم شورى بينهم). ثم ألا ترى أن حق الله يفسره الفقهاء دوماً بأنه حق الجماعة (1).

إنه لمن فخر العرب على الأمم أجمع، أن كان لهم منذ الربع الأول من القرن السابع الميلادي دستور يعترف للأمة بالسيادة وبأنها مصدر السلطات؛ بينما كان ظهور هذه الفكرة، قد تأخر في أوربا إلى القرن الثامن عشر، وعد ذلك ضرباً من الجسارة والخيال (2).

المبحث الثالث:

هل يربط الإسلام بين الدين والسياسية؟

ــــــ

لابد لنا قبل المضى في هذا المبحث، من أن نحدد أولا ما يقصد بالدين، لتتضح العلاقة بين الدين والسياسة على وجه معلوم.

هناك سوء فهم لما يقصد بالدين. فالدين في أذهان كثير من الناس عبارة عن كل ما يصدم العقل ويتنافي مع الحكمة. وقد خلع الناس عليه هذا الوصف

 

ــــــــــ

هذا من الوجهة النظرية. أما إذا سألني سائل عما إذا كنت أرى إدخال تعديل على ما نصب عليه الشريعة، فإني أصرح مخلصاً، بأنني لم أجد حتى الآن ما يوجب أي تعديل في هذه الشريعة الكريمة. وأضيف إلى ذلك أن المسلمين ليسوا في حاجة إلى اقتباس القوانين عن غيرهم ولكنهم في الواقع بحاجة قصوى إلى من يصوغ لهم هذه الشريعة صياغة جديدة تنفق والمفاهيم الحديثة.

وزير الخارجية الفرنسية بارتلمي سنت هيير في مقدمته لكتاب (السياسة) لارسطو ص 79 الطبعة العربية.

 

/ صفحه 394/

المفجع، نتيجة انقراض جيل رشيد من علماء الدين ومفكريه وظهور طبقة من المقلدين الجهلاء الذين ألصقوا بالدين ما ليس منه، وخرجوا به من الحكمة إلى السخف، فنفر منه حتى أصحاب الفطر السليمة.

وقد ازداد الناس سوء ظن بالدين وكراهية لرجاله، لما اطلعوا على تاريخ الكنيسة الغربية، ذلك السجل الأسود الطانح بصفحات كريهة من اضطهاد العلم والعلماء، وبطريق التداعي أسئ فهم الدين في الإسلام ايضاً.

وهنا أود أن أستعيد ما قلته في مقدمة بحثي (الاقتصاد الاسلامي) (1) في هذا الصدد إذ عالجت المشكلة نفسها وقلت:

(ولم يقتصر سوء الفهم هذا ـ فهم الدين في الإسلام ـ على الأجانب، بل شمل كثيراً من أبناء الإسلام الذين لم يدرسوه دراسة علمية، الأمر الذي استلزم أن يقعوا في أخطاء ما كان لهم أن يقعوا فيها، لو لا سوء الفهم هذا.

(وأول هذه الأخطاء، سوء التقدير لعلاقة الإسلام بالدولة، ثم سوء التقدير لعلاقته بالعلوم الكونية، ولذا رأينا أن بعضهم راح ينادي بفصل الدين عن السياسة مأخوذاً بما فعله أمم كانت تدين للكنيسة بالطاعة، لأنه يظن خطأ أن السياسة في الإسلام أو الاقتصاد الاسلامي، كلاهما ذو رائحة دينية من النوع الذي خاصم العلم والعلماء).

وكلمتي إلى هؤلاء في توضيح ما عنيته بمفهوم الدين في الإسلام، أنه إذا كانت الكنيسة في يوم من الايام، قد استبدت في توسيع سلطاتها إلى بعض عبارات الكتاب المقدس، حتى صارت تتدخل باسم الدين في الصغيرة والكبيرة، فقد حرر الإسلام اتباعه من مثل هذه السلطة ومن أي سلطة أخرى مهما علا شأنها.

حتى أن الله سبحانه وتعالى خاطب رسوله الكريم في كتابه العزيز محدداً وظيفته بقوله (إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر) محرماً وجود هيئات كهيئات الإكليروس.

 

ــــــــــ

العدد الثالث من السنة الثالثة لمجلة رسالة الإسلام ص 258 ـ 280.

 

/ صفحه 395/

(ولهذا لم بعد من الممكن أن يرى في تاريخ الإسلام قصة كقصة الخصام بين الدين والعلم، ولا قضية كقضية الفصل بين الدين والدولة، ولا مذاهب تتضافر على القول بضرورة استبعاد الدين عن حرم العلم.

(ثم إن الدين في الإسلام، ليس له مصلحة في أن يقف في وجه العلم، بعد أن امتنع أن يكون له رجال وهيئات كهيئات الإكليروس، يحلون ويعقدون على نحو ما يجري إلى اليوم (1).

(من أجل هذا، كان سوء السمعة الذي اكتسبته بعض الأديان لما صاحب تاريخها من قتل الناس صبراً في غرف التعذيب، وتقديم نوابع العلماء طعمة للنيران في ساحات المدن الكبرى باسم الدين، يجب أن لا ينسبح على الإسلام بوجه من الوجوه.

على أن مفهوم الدين في الإسلام، على ما أعتقده كمسلم، ليس ـ في جوهره ـ سوى تحقيق قوله تعالى (اتقوا الله) وما تقوى الله في واقع الأمر، سوى توفير العنصر الأخلاقي في شئون الحياة.

(فإذا كانت السياسة في الإسلام يجب أن تخضع لإطار الدين، فالمقصود من ذلك، أن تخضع لمبدأ أخلاقي، ينفي عنها الظلم والعدوان، سواء في داخل البلاد أو خارجها. وإذا كان الاقتصاد يجب أن يظل في أطار الدين أيضاً، فلأن العرض في ذلك أيضا، هو ترسيخ اقتصاد البلاد على قاعدة أخلاقية، هي عدم إفساحه المجال لمظلمة، بحيث يسود نظام التكافؤ في المغرم والمغنم بين جميع الفرقاء المتعاملين سواء كانوا عمالا أو رأسماليين.

(فالدين في الإسلام إذن، عبارة عن العنصر الأخلاقي، وتحقيق وجوده في كل مرفق من مراق الحياة، وليس شيئاً آخر. وهو ما عبرت عنه الكلمة المأثورة (الدين المعاملة) أي المعاملة الحسنة الحالية من الظلم بأنواعه. وهو

 

ــــــــــ

في 2 مايو سنة 1949 أصدر البابا منشوراً حرم فيه زواج الكاثوليكية من الأورتودكسي والبروتستنتي و... الخ (الاب بولس كوسا. دليل الزواج المسيحي. ص32).

 

/ صفحه 396/

ما حققه العرب في فترة من فترات تاريخهم السياسي، استلزمت أن يشهد به مؤرخ أوروبي عظيم فيقول: (إن العرب أول من علم الناس، كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين).

(من أجل هذا، لم يعد يستقيم النظر إلى الدين في الإسلام، من خلال الكوة التي ينظر منها إلى غيره من الأديان، ولا أن ننفيه عن شئون الحياة، إلا إذا أردنا أن ننفي العنصر الأخلاقي عنها.

هذا هو تحديد الدين في الإسلام كما أفهمه، فإذا أردت بعد ذلك أن أجيب على السؤال الذي وضعته وهو: هل يربط الإسلام بين الدين والسياسة؟ فلا أتردد في الإجابة بقول: نعم، إنه يربط بينهما على نحو ما رأيت، على خلاف ما تفعل المذاهب السياسية الحديثة.

وليس قولنا إن الإسلام يربط بين الدين والدولة، مجرد مذهب نقول به على الجراز، بل إن الإسلام ليحتم هذا الربط ويفرضه فرضا، لأن الدين في الإسلام ـ على الحقيقة ـ ليس إلا هذا الهرمون الأخلاقي الذي بدونه يفقد النظام السياسي وكل نظام آخر، عنصري الخير والصلاح الواجب توفرهما فيه.

وعلى هذا الأساس، لا يمكن فصل الدين عن الدولة بحال من الأحوال، إلا إذا أردنا أن نفي الأخلاقي إلى ركن مظلم.

أما فصل الدين عن الدولة كما وقع في أوربا، فقد نشأ عن ادعاء الكنيسة أنها تلك السلطتين الدينية والمدنية، الممنوحتين للبابا بالحق الإلهي، وأن الأباطرة ومن دونهم من الحكام المدنيين يجب أن يكونوا تبعا له، وألا يقطعوا بأمر دون أمره (1)، ومن المعلوم أن للكنيسة أسراراً وقوانين تجعل لها وحدها حق تخليص الناس من الخطيئة الأولى، وقد عبر أحد الآناء عن ذلك بإيجاز فقال: (ليس من خلاص خارج الكنيسة) ولما كانت الكنيسة تعتبر أن كل طفل بولد مزوداً بهذه الخطيئة، فقد نظمت سلسلة من الإجراءات دعتها (الأسرار)، على

 

ــــــــــ

هذا إلى أن الباب معصوم عن الخطأ والغلط.

 

/ صفحه 397/

المسيحي التقي أن يخضع لها لتخليص نفسه وإلا ذهب للجحيم، وإذ ليس لأحد أن يقوم باجراءات هذه الأسرار غير أفراد من الإكليروس، فقد صاروا بالإضافة لدعاويهم العريضة الأخرى يتدخلون في الصغيرة والكبيرة، فتقلوا على الناس وعلى الدولة حتى أفسدوا الحريات، فرأت السلطات المدنية في أوروبا أن تتخلص منهم نهائياً فقررت فصل الدين عن الدولة، لا سيما والمسيح (عليه السلام) يقول: (مملكتي في السماء).

إن رجال (1) الدين في الإسلام، أناس لا سلطان لهم على أحد، ولا ينقطعون لشئون الدين كما ينقطع أمثالهم في الديانات الأخرى، بل يعيشون كما يعيش الناس يعنون بشئونهم الدنيوية، فيفتحون الحوانيت، ويؤسسون المتاجر، ويمتهنون الحرف، ويتعاطون أسباب الرزق، ويأكلون لقمتهم بكدهم وعرق جبينهم. وينشئون الأسر فيتزوجون ويربون البنين والبنات، إذ لا رهبانية في الإسلام، وينغمسون في الأمور الدنيوية إلى أذقانهم، إنما عليهم كغيرهم من الناس الذين ظفروا بنصيب من العلم، أن يرشدوا إخوانهم في الدين إلى أوامره ونواهيه بطريق التذكير، لا على وجه الأمر والاستعلاء حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (إذا أمرتم بمعروف، فليكن أمركم بمعروف).

وعليه، فإن الإسلام وهو خلو من (الأسرار) وليس له كهنوت يحتكر تفسير الكتاب المقدس، ويصدر أحكاماً تعتبر معصومة (2) عن الخطأ والغلط، ليس من طبيعته أن يؤلف حكومة دينية بالمعنى الذي عرف عن دولة الكنيسة، تلك الدولة التي بالاستناد إلى نصوص من الكتاب المقدس وتفسير، حطمت مصباح العلم وأطفأت جذوة المعرفة، وقذفت بالعلماء إلى وسط المحارق.

 

ــــــــــ

مع العلم أنه ليس في الإسلام رجال دين بالمعنى المعروف في الأديان الأخرى، ولكنا وضعنا هذا التعبير لإيضاح المسألة.

من تعاليم الكنيسة، أن البابا معصوم عن الخطأ والغلط حين يمارس تعليم العقائد التي يجب الإيمان والعمل بها (التعليم المسيحي. ج 8 الدرس 4 طبعة عريضة ـ لبنان 19 تموز سنة 1949).

 

/ صفحه 398/

وإذ كان ارتباط الدين بالدولة في الإسلام، لا يعني ـ كما قررنا ـ سوى ربط السياسة بمكارم الأخلاق، عرفت إلى أي مدى ظلم، يريد أن يقذف بالمجتمع الاسلامي أولئك الذين ينادون بفصل الدين عن الدولة! وقد علمت أنه لا يمكن أن يتم هذا الفصل دون أن ينقلب مجتمعنا إلى مجتمع من الذئاب المفترسة، لا تعرف له شرعة إلا شرعة المادة والا خداع الناس عن حرياتهم وأعراضهم وأموالهم:

ومن نافلة القول أن نقرر أنه قد أصيبت المجتمعات الإسلامية بجراح بالغة في عرفها وتقاليدها الكريمة، نتيجة للتيارات الخبيثة التي رافقت غزو الدول المستعمرة لبلاد العرب، حيث انتقلت إلى هذه المجتمعات عادة استبعاد العنصر الأخلاقي عن شئون الحياة والقائه في قعر مظلمة، وهو الأمر الذي لا رال يسود الحضارة الغربية إلى اليوم.

إن مشاكل الحضارة الغربية في راينا تعود بالدرجة الأولى إلى استبعاد العنصر الأخلاقي عن شئون الحياة، فلا نحب أن نزيد مشاكلنا، مشاكل جديده، أو نضيف إليها بالأصح مشكلة المشاكل.

المبحث الرابع:

إلى أي مدى يربط الإسلام بين الدين والدولة؟

ــــــ

بعد أن قررت في المبحث السابق، أن حقيقة ما يقصد بالدين، هو العنصر الأخلاقي، وأن توفيره في كل مرفق من مرافق الحياة، وفي كل ما يتعامل به الناس، أفراداً وجماعات ودولا، واجب محتوم يفرضه الإسلام، أرى لزاما عليّ أن أقرر تبعاً لذلك وتوضيحاً لما سلف: أن الجانب الأخلاقي في الإسلام يقوم على أساس يقظة الضمير الإنساني تحت مراقبة الله وحده. وما العبادات في الإسلام على اختلاف أنواعها وكيفياتها إلا وسائل ـ لا غايات ـ قصد بها وعن طريقها جعل ضمير الإنسان في يقظة مستمرة.

 

/ صفحه 399/

وعلى هذا الأساس أظن أنه قد وضح معنى الدى الذي ينتهي إليه ربط الإسلام بين الدين والدولة. بمعنى أن يتعدي هذا الربط، ربط الأخلاقي بالسياسة، وبعبارة أخرى، إن الإسلام لا يجرد السياسة من المبدأ الخلقي بل يثبته فيها، لتكون أداة خير وعنصر سلام، لا وسيلة شر ودسار، كما أوصلها إليه الديبلوماسية الغربية، تحت وصاية تعاليم ميكيافيليّ.

على أن يجب أن ننبه إلى أن هذا المبدأ ليس على إطلاقه، بل فيه فسحة، تجعل المبدأ السياسي في الإسلام على شئ كبير من المرونة مع المحافظة على أصوله وهذه المرونة تضيق ونتسع تبعاً لمصلحة المسلمين وخطط عدوهم.

ففي الحقل الديبلوماسي مثلا وإن كان الدستور القرآني يوصي بحفظ العهود الدولية ـ (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) ـ كأصل من أصول الديبلوماسية الإسلامية. إلا أننا نجدد يجيز فسخ العهود إذا بدا من الحليف ما يعد مخالفة لما تم الانفاق عليه (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين... وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله... إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا، ولم يظاهروا عليكم أحدا، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين).

هذا في حالة المخالفة الظاهرة، أما في حالة المخالفة المستترة، والنقض المبيت فقد وضع مبدا جواز الفسخ بمجرد توقع هذا النقض فقال: (وإما تخافن من قوم خيانة، فانبذ إليهم على سواء) وقد قرر فقهاء المسلمين في مثل هذه الحال أنه لابد من أن يعطي العدو مهلة كافية لبلوغ غلبة بهذا الفسخ ليتقي الغدر.

ونستطيع أن نقدر مرونة الديبلوماسية الإسلامية مع خضوعها إلى المبدأ الأخلاقي، في القاعدة التي وضعها الدستور القرآني في هذا الشأن وهو قوله: (فما استقاموا لكم، فاستقيموا لهم) أي أن علاقة المسلمين السياسية مع أعدائهم علاقة سياسية مرنة كل المرونة، تستهدف مصلحة المسلمين بالدرجة الأولى، دون

 

/ صفحه 400/

أن تعني بمبدئها الأخلاقي، وهي كما قلنا، تتكيف حسب مصلحة المسلمين وخطط عدوهم.

وعلى ضوء ما تقدم تكون علاقة الدين بالدولة من الوجهة الديبلوماسية علاقة مصلحة لا أكثر ولا أقل، وبذلك يزول وهْمٌ آخر من بعض الأذهان التي تفترض أن ربط السياسة بالأخلاق ربما يشل حركتها ويوقعها في العجز.

أما من ذهب إلى أن شريعة الإسلام لا تنفصل عن عقيدته بمعنى يغاير هذا المعنى: (أبو الأعلى مودودي. نظرية الإسلام السياسية) فقدوهم وأما من ذهب إلى أن الإسلام ما جاء للمجتمع الإنساني بنظام سياسي أصلا، وأن رسالة الإسلام لا تنطوي على معنى من معاني الدولة: (على عبد الرازق. الإسلام وأصول الحكم) فقد أمعن في الوهم، وشط في الغلط، لأن من ينظر إلى الإسلام يراه في حقيقة الأمر (دولة) ما الدين فيها إلا (العنصر الأخلاقي).

إن من ينظر إلى الاجراءات التي اتخذها الرسول يوم الخندق حيال موقف أخلاقه من بني قريظة حين رجح لديه احتمال انحيازهم إلى أعدائه، يكفيه ذلك وحده للقول بأن تلك الاجراءات كانت إجراءات دولية بحتة، فقد ذكر المؤرخون أنه ما إن علم الرسول باحتمال مظاهرة أخلاقه لأبي سفيان حتى أرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ليستيقن الغدر، وأرسل بعدهما نعيم بن سعد ليخذل عن المسلمين وكان فيما قاله له: (خَذل عنا فإن الحرب خدعة) ولم يكتف بذلك، بل أرسل إلى قائدي غطفان يفاوضهما على قبول ثلث غلة المدينة على أن يرجعا بمن معهما، وكتب نص المخالفة خلواً من أسماء الشهود لأنه وضعها على سبيل المراوضة.

وحين تم له ما أراد، أذن على الفور بدون تأخير (من كان سميعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة) وهناك أنزل بهم أشد العقاب، إذ ساق رجالهم، وكانوا يبلغون سبعمائة فأطاح برءوسهم ورماها في الخندق، واصطفى لنفسه من بين السبايا ريحانة بنت عمرو، فدخل بها خيمته، وظل أبو لبابة طول الليل متوشحاً سيفه يحرس الخيمة.

 

/ صفحه 401/

نعم إن الرسول ترك مصير أخلاقه الذين نقضوا المعاهدة بين يدي حليفهم سعد بن معاذ بناء على طلبهم، إذ لا يسعه أن يرفض طلباً كهذا كما عرف عن أخلاقه، فلما حكم سعد أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبي الذراري والنساء وتكون الدور للمهاجرين دون الأنصار جزاءً وفاقاً لمن خانوا العهد، قال: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة طباق) ثم أرسلت بعض السبايا فبيعت في أسواق نجد، واشتري بالثمن الخيل والسلاح كما أشار عمر. أفبعد هذا يقول الشيخ علي عبد الرازق إن رسالة الرسول رسالة روحية محض لا تطوي على أي معنى من معاني الدولة، وإن الإسلام لم يأتي نظام سياسي!.

ومع ذلك فقد انطوت اجراءاتهم الدولية على كثير من مكارم الأخلاق، حتى قال أحد مؤرخي حضارتهم من الأجانب: (ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب) وما ذلك إلا لأنهم أخضعوا قواعد سياستهم إلى مثل أخلاقية عليا.

ومن أمثلة ذلك، أن خالد بن الوليد دخل دمشق فاتحاً من جانب ودخلها أبو عبيدة بن الجراح صلحاً من جانب آخر، فأجرى الفاتحون الفتح كله صلحا. وقد اشتكى أهل سمرقند أن القائد قتيبة دخل مدينتهم غدراً، فأقام لهم واليهم (القاضي جميع بن حاضر الباجي) بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، فقضى بإخراج عسكر المسلمين، ثم انظر إلى مواقف صلاح الدين الأيوبي من الحروب الصليبية، كيف كان العنصر الأخلاقي يجد من صرامته العسكرية فيجعله فوق مستوى ما ينتظر من قائد عسكري قاسي من توحش الصليبيين وبربريتهم ألواناً تستنفز نفوس الأنبياء مما جعل الصليبيين أنفسهم يقدرون بأعجاب هذه المزايا فيه.

إن مدى ربط الدين بالدولة، يجب أن ينتهي إلى هذا الحد، وهو الحد الذي يجعل الأعمال الدولية في مأمن من الخروج على شريعة الخلق النبيل. فلا تكون السياسة الدولية مثلا وسيلة لاستثمار دنئ، يفضي إلى القضاء على حرية شعب في سبيل رفاهية شعب آخر. وهو ما أمنته الشعوب التي خضعت لسيوف العرب في ظل قانون يربط بين الدين والدولة في المفهوم الذي قررناه، ولم تأمنه

 

/ صفحه 402/

الشعوب التي خضعت لقانون يفصل بين السياسة والأخلاق كما هو معلوم من أحداث عصرنا الحاضر، وهذه قضية فلسطين وقضية نفط إيران.

*  *  *

النتيجة:

لقد عرفا مما تقدم أن للإسلام نظرية سياسية، هي أرقى اشكال الحكم الذي لم يصل إليه العالم إلا بعد أحد عشر قرنا، أعنى أن الإسلام قد سبق العالم مدة هذه القرون، حين قرر الحكم الشورى المنطوي على حق الترشيح أو حق الانتخاب وحق المعارضة واعترف للأمة بحق السيادة والسلطان. كما عرفنا أن الإسلام يربط بين الدين والدولة، لا على أساس تأسيس حكومة دينية، فقد ظهر أن الإسلام يحرم وجود هيئات دينية كهيئات الإكليروس، بل يربط الدين بالدولة على أساس ربط السياسة بمكارم الأخلاق في حدود مرنة تحفظ كيان الدولة. ويأمن معها المغلوب خروج الغالب على إنسانية الإنسان.