/ صفحه 3/
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيِم
كلمة التحرير
اللّهم إنا نبرأ إليك من الحول و الطول، و نسألك التوفيق لما ترضاه من العمل و القول، و نعوذ بك أن نتكلف ما لا نحسن، أو نقول ما لا نعلم، أو نمالىء في الحق، أو نجادل عن الباطل، أو نتخذ العلم صناعة، أو الدين بضاعة، أو نجارى السفهاء، أو نمارى الحكماء، أو نحفل بلغو الجاهلين، أو خوض الخائضين، أو نَفْث المصدورين، أو سعى الحقَدَة الموتورين.
ربنا و لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركا فيه، و على رسولك المصطفي و آله و صحبه الهداة أزكى السلام و التحيات و الصلوات، أللّهم اهدنا بهداهم، و اجعلنا أولياء من والاهم، و أعداء من عاداهم، و أحينا على سنتهم، و احشرنا في زمرتهم، و اجمع بيننا و بينهم في رضوانك و جنات خلدك.
ربنا آمنا بِما أنزلت و اتبعنا الرسول فكتبنا مع الشاهدين.
لقد مضت أربع سنين، و هذه المجلة قائمة بأمر الله تدعو إلى كلمة سواء بين أهل إلاسلام، و تذكرهم بأنهم جميعاً إخوة في الله، بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، و يقيمون الصلاة، و يؤتون الزكاة، و يطيعون الله و رسوله، و ها هى ذي بحمد الله تدخل في عامها الخامس و قد دوّى صوتها في الخافقَيْن لأنه صوت المنطق و العقل، و قرت دعوتها في القلوب لأنها دعوة الألفة و المحبة، و أمِر أمرُها على كرْه من أهل الضرار و التفريق لأن الله متمّ نوره و لوكره الكافرين.
/ صفحه 4/
إن التقريب بين المسلمين، و العمل على جمع كلمتهم، و لمّ شعثهم، و تطهير قلوبهم مِن الأضغان التي أورثتهم إياها الخلافات النظرية، لواجب من أهم الواجبات التي يسأل عنها المؤمنون، فإنما تقوم الأمم على الوحدة، لا على التفرق، و إنما تكون العزة و المنعة و المهابة للذين اجتمعت قلوبهم، و ائتلفوا مخلصين، و تعاونوا تعاوناً صادقاً على بلوغ قصدهم، و نجاح سعيهم، و قد قام الإسلام في أول أمره على قلوب أربعة، قلب الرسول
(صلّى الله عليه و سلّم) و قلوب الثلاثة السابقين إلى الإيمان: خديجة و علي و أبي بكر، فكانت هذه القلوب المؤمنة المتفاهمة التي لا تقصد إلا وجه الله دعامات أربعاً لأقوى بناء إصلاحي عرفه البشر، ألم يكن جو العالم يومئذ مليئاً بسحب متراكمة و ظلمات بعضها فوق بعض من الشرك و الفساد و الظلم و البغى و الأوهام و الأباطيل، فاستطاعت هذه القلوب ان تبدّد السحب، و تشق الظلمات، و تهدم صروح الجاهليه صرحاً بعد صرح، فأدال الله للحق من الباطل، و للعلم من الجهل، و للفضيلة من الرذيلة، و للتوحيد من الشرك، و للهدى و الرشاد، من الضلال و الفساد، ألم تخر الأصنام من عليهائها ذليلة محطمة لم يغن عنها أصحابها كما لم تغن عنهم؟أما ورب العزة إنه لو ائتلفت قلوب المسلمين في جميع شعوبهم و طوائفهم، و آمنوا حقاً بأنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسدَ بالسهر والحمى، و عملوا على إصلاح شأنهم بالعلم الصحيح، و الخلق الكريم، و إعداد العدة للجهاد; لقذف الله هيبتهم في قلوب أعدائهم، و لمنحهم من القوة الروحية و المادية، مثل ما منح آباءهم الأولين، و لفرت أمامهم جيوش المستعمرين كأنهم حمر مستفره فرّت من قَسوره، و لكنهم شغلوا عن هذا فلم يذكروه: شغلهم عنه النظريات الكلامية، و الخلافات المذهبية، و القضايا التاريخية. و أفرادٌ في كل طائفة لا همَّ لهم إلا اَن ينبشوا عن الهنات، و يضخموا الهفوات، و يأخذوا أرباب المذاهب بأقوال عامتهم ضاربين صفحا عن تحقيق خاصتهم، كفعل ذوى المآرب من المستشرقين يحكِمون على الإسلام عامة بما يرونه من الآراء الشاذة
/ صفحه 5/
في بعض الكتب، و لو أنصفوا لا ستطاعوا أن يفرقوا بين ما هو حكم الدين قطعاً أو ظناً، و ما هو رأى فيه عُهْدتُه على صاحبه.
و إذا كنا نحمد الله على ما بلغته هذه المجلة من منزلة مرموقة بين أهل العلم و الرأى في كل شعب من شعوب الأمة الإسلامية إيماناً بفكرتها، و اعترافا بجهودها، و رضاء عن سلوكها; فلسنا بغافلين عن ذوى القلوب الجاحدة، و العقول الجامدة، و الأقلام الشاردة، و النفَّاثين في العقد، و المصدرين عن اضغينة و الحسد، و لكنا عاهدنا الله من قبلُ ألا نضيق بشىء من ذلك و لا نألم له، و لا يساورنا ضعف أو تردد حين نَظهر عليه، فانا لنعلم أن الأفكار الصالحة لا بد أن تجد شيئاً من المقاومة، و لعلها أن تشمئز منها بعض القلوب، و لو كنا حسبنا أن فكرتنا ستجد من الناس إجماعا حتى لا يشغب عليها شاغب، و لا ينعب عليها ناعب، و لا تختلف فيها موازين النقد، و مقاييس الرأى، و لا تنوشها بين ذلك سهام و سهام، لكنا عن سنة الله غافلين، أو لكان زعمنا أن هذه الأمة في حاجة إلى إصلاح تجنيا عليها، و سوء ظن بها، فإنما هى إذن من الصلاح و النضج بحيث لا تحتاج إلى دعوة، و لا تفتقر إلى إنذار و تبشير.
فليعلم الناس إذن أننا بعَرَض استقبال عدو قبل أن نكون بعَرَض استقبال صديق، فإن الداء عصىّ، و العدوّ قوىّ، و إن أخطر الأمراض و أحقها بالعلاج ما خُيِّل للمريض أنه السلامة و الصحة.
أما بعد، فمرحباً بالصديق ننصحه، و بالعدو نصلحه ((و من أحسن قولا ممن دعا إلى الله و عمل صالحا و قال إننى من المسلمين، و لا تستوى الحسنة و لا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك و بينه عداوة كأنه ولى حميم، و ما يلقاها إلا الذين صبروا، و ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم
)) .