/ صفحه 6/

تَفْسِيْرُ القُرآنِ الْكَريمْ

لِحَضْرَةِ صِاحِبِ الفَضيلَةِ الاُسْتاذِ الجليل الشيْخ مَحْمود شَلتوُتْ

سُورَة المَائِدَة

ـ 2 ـ

تلخيص ما سبق ـ النداء الأول في سورة المائدة: مسئولية الالتزام التعاقدى ـ ميثاق الإيمان بين الخالق و المخلوقين ـ من مقتضيات هذا الميثاق التزام التشريع الإلهى وحده ـ التعاقد محترم إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا ـ العهد بين الحاكم و المحكوم ـ ميثاق أهل العلم ـ الحلال و الحرام و طغيان الناس في التحليل و التحريم افتراء على الله ـ التذكية المعتد بها في الذبائح ـ ماذبح على النضب ـ الإستقسام بالأزلام و ما يشبهه في عصرنا الحاضر ـ إباحة الطيبات و ما تصيده الجوارح و تدريب الحيوان ـ إباحة طعام أهل الكتاب و التزوج من نسائهم: هل تباح ذبائح أهل الكتاب مطلقا ـ رأى الجمهور ـ رأى طائفة من العلماء منهم ابن العربي ـ حكم الأطعمة المستوردة من بلاد الكتابيين ـ لجنة الفتوى تفتي برأيين مختلفين في عهدين ـ دلالة هذا على وجود روح الاجتهاد في علماء العصر ـ رأينا في الموضوع بعد المقارنة بين الفتويين ـ هل إباحة التزوج بالكتابيات مطلقة؟ ـ رأينا في ذلك ـ النداء الثاني: المحافظة على الشخصية الدينية للمسلمين بايجاب التمسك بالشعائر ـ تقديس ما قدسه الله: الشهر الحرام ـ الهدى ـ القلائد ـ قاصدوا البيت الحرام ـ تقديس بعض الأماكن و الأزمان يتيح للناس نوعا من الهدنة و التحصن ـ كلام القرطبى في هذا ـ ختام النداء الثانى و ما يوحي به من المعانى السامية.

تلخيص ما سبق:

قلنا في العدد السابق إن هذه السورة تسمى سورة ((العقود)) كما تسمى سورة

/ صفحه 7/

((المائدة)) و بينا وجه تسميتها بسورة ((العقود)) و وجه تسميتها بسورة ((المائدة)) و بمناسبة هذا عرضنا لمسألة المائدة و ما قيل في نزولها و عدمه، و ما ذكر في وصفها و تحديد مكانها، و بيّنا الرأى الذى نطمئن اليه في ذلك. كما تكلمنا على ((الحواريين)) و هل كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين و ما تدل عليه الآيات في هذا الشأن. و شرحنا الظروف التي نزلت فيها هذه السورة، و أشرنا الى أن الموضوعات التي اشتملت عليها كانت مما تقضي به حالة المسلمين التي صاروا إليها في ذلك الوقت الذى نزلت فيه. كما أشرنا إلى جملة من الظواهر التي انفردت بها هذه السورة و كانت لها دلالة و اضحة في معرفة الوقت الذى نزلت فيه، و أنها جاءت متممة للأحكام التي يحتاج إليها المسلمون بعد أن تركزت حالهم و تميزوا عن غيرهم، و صار لهم جوار من أهل الكتاب، يحتاجون إلى معرفة أسس العلاقة بهم، و بذلك كان كل ما احتوته السورة دائراً في جُملته على أمرين بارزين تشريع للمسلمين فى خاصة انفسهم من جهة دينهم و من جهة ديناهم و تشريع لهم في معاملة من يخالطون، و إرشادهم لطرق المحاجة و المناقشة التي كانت تنشب بينهم و بين أهل الكتاب في ما يختص بالعقائد و الأحكام و ذيّلنا ذلك العرض بسرد النداءات الإلهية التي وجهت من الله سبحانه للمؤمنين و للرسول عليه الصلاة و السلام، و لأهل الكتاب، و وعدنا القارىء الكريم بالتحدث عما تضمنته هذه النداءات الإلهية من تشريع و ارشاد، و ها نحن أولاء نأخذ في ذلك و بالله التوفيق.

النداء الاول:

((يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام الا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد و أنتم حرم إن الله يحكم ما يريد)) .

مسئولية الالتزام التعاقدى:

هذا النداء يقرر الأساس في مسئولية الالتزام التعاقدى، و الالتزامُ التعاقدى شأن اجتماعى خطير. و الوفاء، و الإيفاء. الإتيان بالشىء كاملا غير منقوص. و العقود، جمع عقد، و هو ما يلتزمه المرء لنفسه أو لغيره، و أساسه قد يكون شأنا

/ صفحه 8/

فطريا تدعو إليه الطبيعة، و قد يكون شأنا تكليفيا تدعو إليه العقيدة، و قد يكون شأنا عرفيا يدعو اليه الالتزام و التعاهد، و هذا يكون بين الفرد و الفرد، كما في البيع، و الزواج، و الشركة، و الوكالة، و الكفالة... الى آخر ما تعارفه الناس و يتعارفونه من وجوه الاتفاقات.

ميثاق الإيمان بين الخالق و المخلوقين:

فالفطرة التي فطر الله الناس عليها و ملأ بها الكون بالآيات، و الشواهد الدالة على وجوده و عظمته، ثم منحه الإنسان عقلا به يفكر و يستدل، و تهيئته للنظر ـ هذه الفطرة بمثابة عقد جرى بين الله و الانسان في أن ينظر، و يفكر، و يستدل حتى يؤمن بالله و لا يشرك به شيئا من دونه، و قد ذكر القرآن هذا العهد و نبه الإنسان إليه، و أقام عليه الحجة به في قوله تعالى من سورة الأعراف: و إذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون و كذلك نفصل الآيات و لعلهم يرجعون.

من مقتضيات هذا الميثاق التزام التشريع الإلهى وحده:

و الإيمان بالله، و رسله و كتبه بمثابة عقد بين المؤمنين و بين الله في أن يمتثل أو امره و يجتنب نواهيه، و يتبع ارشاداته التي تضمنها كتابه، و بينها رسوله، و ألا يحيد عنها قيد شعرة فضلا عن أن يستبدل غيرها بها، و يعتمد عليه في تنظيم حياته الخاصة أو العامة; فالمحافظة على ما شرع الله من عبادات، و أرشد من معاملات، من مقتضى عهد الإيمان، و التزام ما رسمه الله في انشاء الأسرة من الزواج إلى تربية الأبناء و العدل بينهم من مقتضى عهد الإيمان. و القيام بموجب عقود البيع و الإجارة و الرهن و المداينة و التجارة على ما وضعه الله في كتابه، و بينه رسوله، من مقتضى عهد الايمان. و هكذا يوجب الإيمان القيام بكل ما شرع الله من أحكام.

/ صفحه 9/

التعاقد محترم إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا:

و الارتباط بين الإنسان و أخيه الإنسان في ما لا يحرم شيئاً أحله الله، أو يحل شيئا حرمه الله، عقد يجب الوفاء به، و الارتباطات بين الناس ذات ألوان شتى، و أنواع مختلفة و كلها و اجبة الوفاء إلا إرتباطاً أحل حراما، أو حرم حلالا; فالعقود التي يُكره عليها الإنسان و تفقد عنصر الرضا، والعقود التي يتفق فيها على إفساد في الأرض أو استغلال حاجة الضعيف، أو الحصول على أموال من طريق غير مشروع كالقمار و الرشوة، و الاتجار في الخمر و الخنزير، و ما شابه هذا، كلها عقود يحرم الوفاء بها و تجب محاربتها و القضاء عليها و تطهير المجتمع منها.

و الآية بعمومها تتناول العقود التي تكون بين أمة و أمة، كما تناولت ما يكون منها بين الفرد و الفرد، و للقرآن الكريم موقف واضح في هذا النوع من العقود، يطلب فيه بنوع خاص ألا يمس التعاقد القانون الأساسى للإسلام، و أن يكون مبنياً على التراضى و الاطمئنان من الجانبين، و أن يكون و اضحا في تحديد الالتزامات و الحقوق و الواجبات تحديداً لا يدع مجالا للتأويل و محاولة الخروج عن العهدة، و من ذلك يرى الإسلام ان التعاقد الذى يتضمن انتهاد الحرمة الشخصيه الاسلاميه فى بلاد الاسلام كالحكم في الأعراض و الأموال بغير ما أنزل الله، و كمنح غير المسلمين في بلاد الإسلام حقوقا تفسد أخلاق المسلمين و لا تتفق و سلطانهم في بلادهم ـ تعاقد باطل يحرم الوفاء به و يجب نقضه، و كذلك يرى أن التعاقد المأخوذ بسيف القهر و سلطان الضغط و القوة، و التعاقد الذى يتخذ وسيلة للاحتيال على السلب و الاغتصاب، تعاقد باطل يجب نقضه و يحرم الوفاء به.

عهد بين الحاكم و المحكوم:

و تتناول الآية بعد هذا كله عهد الحكم بين الحاكم و المحكوم، و كثيراً ما عرض القرآن لهذا العهد ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)) . هذا من جهة الحاكم، أما من جهة المحكوم فالطاعة و تنفيذ الأحكام و القوانين ما لم تكن في معصية الله ((أطيعوا الله و أطيعوا الرسول

/ صفحه 10/

و أولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا)) .

ميثاق أهل العلم:

و تتناول عهد العلم بالبيان و الإرشاد بين العالم و الناس، و قد عرض له القرآن أيضاً، و حذر نقضه بالكتمان أو التحريف ((و إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا تكتمونه)) ((إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب و يشترون به ثمناً قليلا اولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار و لا يكلمهم الله يوم القيامة و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى و العذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار)) .

الحلال و الحرام و طغيان الناس في التحليل و التحريم افتراءً على الله:

و بعد أن وضح الله هذه ((الكلية)) العامة الشاملة لجميع أنواع العقود على النحو الذي شرحنا، أخذ يفصل بعض ما تتناوله تلك الكلية في ما يتصل بحاجة الإنسان الشخصية و هى الطعام الذي به قوام حياته، و الذى كان للناس في جميع أطوارهم بالنسبة اليه مذاهب و آراء في ما يطعمون منه و ما لا يطعمون: يحرمون منه ما شاءوا، و يحلون منه ما شاءوا، تبعاً للأهواء و الأوهام، و قد أشار القرآن كثيراً ـ في هذا الشأن ـ إلى تصرفاتهم التي كانوا بها يحللون و يحرمون و إنك لتقرأ في سورتنا هذه: ((ما جعل الله من بحيرة و لا سائبة و لا وصيلة و لا حام و لكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب و أكثرهم لا يعقلون)) .

و هذه أنعام كانوا يحرمونها بأهوائهم، و البحيرة، هى الناقة التي كانوا يبحرون أذنها. أى يشقونها شقاً واسعا. و كانوا يفعلون بها ذلك اذا ولدت خمسة أبطن أو عشرة على اختلاف الرواية في ذلك. و يقصدون بذلك الشق الدلالة على تحريم أكلها أو الانتفاع بها ركوبا، أو حملا عليها. و السائبة: هى الناقة التي كانت تسيب بنذرها للآلهة فترعى حيث شاءت. و لا يحمل عليها شىء، و لا يجز صوفها، و لا يحلب لبنها إلا لضيف، و الوصيلة: هى الشاة التي تصل الأنثى بالأنثى في النتاج،

/ صفحه 11/

ليس بينهما ذكر. و الحامي: هو فحل الضراب و التلقيح، كانوا إذا أتم عدداً مخصوصا من الضراب يحمون ظهره و يتركونه دون أن ينتفعوا به.

نفي الله مشروعية ذلك كله، و جعله من تصرف الأهواء و الأوهام، و اغتصاب حق التحليل و التحريم الذى هو لله وحده. و قد رأينا لهذه العادة الضالة بقايا حتى فيما بين المسلمين في ما ينذرونه من الأنعام للأولياء، و المقربين: و ان اختلفت صور التقليد و التعليم للمنع و التحريم، و قد عرضت لذلك سورة الأنعام في مناقشة طويلة و تهكم واضح من تصرفاتهم في التحليل و التحريم على هذا الوجه أو غيره مما كانوا يعتادون ((و جعلوا لله مما ذرأ من الحرث و الأنعام)) (( و قالوا هذه أنعام و حرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء ـ بزعمهم ـ و أنعام حرمت ظهورها و أنهام لا يذكرون إسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون)) . ((ثمانية أزواج من الضأن اثنين و من المعز اثنين، قل آلذكرين حرّم أم الأنثيين أما اشتلمت عليه أرحام الأنثيين نبئونى بعلم ان كنتم صادقين، و من الإبل اثنين، و من البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء اذ و صاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لايهدى القوم الظالمين)) .

و لعل في هذا التقريع الشديد و التهكم اللاذع لفتا لأنظار هؤلاء الذين يجعلون لأنفسهم باسم تدينهم حق تحليل ما حرم الله، و تحريم ما أحل، الى أن التحليل و التحريم التعبّدين من خصائص الألوهية وحدها، و أن التصرف في المخلوقات بالتحليل أو التحريم ليس مما فوّض أمره الى البشر، نعم هناك من الشئون و الأعمال ما يبيحه الله باعتبار ذاته و بقطع النظر عما قد يترتب عليه من أضرار و منافع، و مثل هذا قد أعطى للانسان الحق في تحريمه اذا كان حلالا متى تيقّن أو غلب على ظنه أنه سبيل لضرر أو ايذاء، كما أعطى الحق في ايجابة متى تيقّن أنه سبيل لدفع ضرر محقق أو جلب خير لا بد منه لصالح الفرد أو الجماعة، و هذا أصل عظيم في التشريع الإسلامى يجب التنبه له و الانتفاع به في ما تتوارد عليه المنفعة و المضرَّة بحسب الظروف و الأحوال.

/ صفحه 12/

و أمام هذا الطغيان في التحليل و التحريم بيّنت السورة ما أحله الله و ما حرمه، و ساقت في ذلك قوله تعالى ((أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلّي الصيد و أنتم حرم)) و معناه أن الأنعام و هى الابل و البقر و الغنم، أو هى و ما يشبهها من بقر الوحش و الظباء و نحوها حلال الا ما بينه الله بعد، و الا ما صدتموه و أنتم محرمون، فإن الأول حرام على الاطلاق، و الثانى حرام ما دمتم في الحرم أو محرمين، و قد ذكر الأول بقوله تعالى في السورة ((حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به و المنخقة و الموقوذة و المتردية و النطيحة و ما أكل السبع إلا ما ذكيتم و ما ذبح على النصب و أن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق)) . و ذكر الثانى بقوله في السورة نفسها ((يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم و من قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما ليذوق و بال أمره عفا الله عما سلف و من عاد فينتقم الله منه و الله عزيز ذو انتقام احل لكم صيد البحر و طعامه متاعا لكم و للسيارة، و حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما و اتقوا الله الذى اليه تحشرون)) .

و مما ينبغى التنبه له أن محرمات الطعام نزلت قبل هذه السورة في ثلاث سور نزلت في سورة الأنعام ((قل لا أجد في ما أوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ و لا عاد فإن ربك غفور رحيم)) . و نزلت في سورة النحل بصيغة ((انما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ و لا عاد فإن الله غفور رحيم)) . ثم نزلت في سورة البقرة على نحو ما جاء في سورة النحل، و نزلت في سورة المائدة على نحو ما رأيت، و قد جاء فيها تفصيل لم يكن في ما نزل قبلها، كما أن ما نزل قبلها، مكياً كان أو مدنياً جاء فيها تفصيل لم يكن في ما نزل قلبها، كما أن ما نزل قبلها، مكياً كان أو مدنياً جاء بصيغة الحصر الصريح الواضح، أما هى فقد استفيد الحصر فيها من قوله في صدر الآية (( أحلت لكم بهيمة الأنعام الا ما يتلى عليكم)) . و الذي تلى عليهم هو المذكور في قوله: ((حرمت عليكم الميتة)) الى آخرة، و لم يخرج في جملته عن الأربع التي سيقت

/ صفحه 13/

بصيغة الحصر الواضح في الآيات الثلاث الأخر، و للفقهاء في هذا المقام كلام كثير حول ما أذا كان و راء هذه الاربع محرمات أو لا، و قد قال الرازى في تأييد القول بالحصر. و أنه ليس في ما و راء الأربع محرم: انه الحكم المستقر في الشريعة من أولها الى آخرها، و انه ذكر في المكى و أيّد في المدنى، و ان مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ، و أن نسخ القرآن بخبر الواحد لايجوز، و ختم كلامه بقوله: ((فثبت بالتقرير الذى ذكرناه قوة هذا الكلام و حجة هذا المذهب، و هو الذى كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله)) (1)

التذكية المعتد بها في الذبائح:

هذا و قد دل قوله تعالى في آية المائدة ((الا ما ذكيتم)) على أن مالم يمت من المذكورات قبل، بالخنق و ما عطف عليه و ادرك و فيه حياة ماو ذكى كان حلالا طيب الأكل لاخبث فيه و ان كانت الاصابة في مقتل، و قد روى أن ابن عباس، سئل عن ذئب عدا على شاة فشق بطنها، ثم انتثر قصبها (( أمعاؤها)) فأدركت ذكاتها فذ كيت؟ فقال: كل و ما انتثر من قصبها فلا تأكل، و قال اسحاق بن راهويه السنة في الشاة على ما وصف ابن عباس، فإنها و ان خرجت مصارينها فإنها حية بعد، و موضع الذكاة منها سالم، و انما ينظر عند الذبح أحية هى أم ميتة؟

و لا ينظر الى الفعل هل يعيش مثلها معه أو لا؟ و قال ابن اسحاق: و من خالف هذا فقد خالف السنة من جمهور الصاحبة و عامة العلماء، و قال ابن العربى: اختلف قول مالك في هذه الأشياء فروى عنه أنه لايؤكل الا ما ذكى بذكاة صحيحة و الذى في الموطأ أنه اِن كان ذبحها و نفسها يجري و هى تضطرب فليأكل و هو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده و قرأه على الناس من كل بلد طول عمره، فهو أولى من الروايات النادرة، و قال القرطبي: أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تزكيتها و لو أشرفت على الموت اذا كانت فيها بقية حياة، وليت شعري أى فرق بين بقية حياة من مرض، و بقية حياة من سبع لو اتسق النظر و سلمت

ــــــــــ

(1) انظر الرازى في سورة الأنعام ج 4

/ صفحه 14/

من الشبهة الفكر، و قال أبو عمر: قد أجمعوا في المريضة التي لا ترجى حياتها أن ذبحها ذكاة لها اذا كانت فيها الحياة حين الزكاة و علم ذلك منها بحركة اليد أو الرجل أو الذنب أو نحوه، أما اذا صارت في حالة النزع و لم تحرك يدا و لا رجلا فإنه لا ذكاة فيها.

ما ذبح على النصب:

أما ما ذبح على النصب فهو من المحرم، حفظاً للعقيدة و ابتعاداً عن مظاهر الشرك و الوثنية، و المراد به ما كانوا يذبحونه على الأحجار المنصوبة حول مكة بنية الآلهة و ان لم يكن باسمها.

الإستقسام بالأزلام و ما يشبهه في عصرنا الحاضر:

و قد ضمت الآية الى هذه المحرمات ((الإستقسام بالأزلام)) و الأزلام هى قطع من الخشب تشبه السهام، و الإستقسام هو طلب معرفة ما قسم في مستقبل الحياة عن طريق هذه القطع الخشبية، و ذلك أنهم كانوا اذا ارادوا سفراً أو غزواً أو زواجاً أو بيعاً و ترددوا في ما يريدون. أخير هو فيقدمون عليه، أو شر في فيحجمون عنه؟ عمدوا الى هذه الأزلام فأجالوها في الأقداح فإن خرج لهم السهم المكتوب عليه ((أمرنى ربى)) أمضوا ما أرادوا مستبشرين، و ان خرج المكتوب عليه ((نهانى ربى)) أمسكوا عما يريدون، و ان خرج السهم الغفل الذى لا كتابة عليه أعادوا حتى يخرج أحد السهمين الآخرين.

و لما كان هذا الإستقسام منشؤه الوهم الفاسد، كما أن تحليل المحرم منشؤه الوهم الفاسد و الهوى الضال، نظما معاً في سلك واحد، و أخذا حكم التحريم بقوله ((حرمت عليكم)) .

و لا ريب أن الاعتماد على مثل هذا في معرفة ما يكون في مستقبل الانسان، و هو غيب لا يعلمه الا الله، اعتماد على و هم يأباه دين العقل و البرهان الذي لا يرضى أن يخضع الانسان و يقيد حياته و تصرفه بمثل هذا الوهم الباطل، و أن يلغى عقله و يتطلع الى معرفة الغيب بما لا يمت اليه بصلة، و يُلحق بهذا النوع

/ صفحه 15/

الذي حرمه الله على الانسان احتفاظا بعقله ما يشبهه من وسائل الإستقسام التي يعتادها الناس اليوم كالطرق بالحصا، وضرب الفول و الرمل، و الاستخارة بحبات السبحة، و من أقبح أنواع الاستخارة: الاستخارة بالقرآن الكريم الذى جرت به عادة بعض المسلمين و صار شأناً معروفاً حتى عند أهل العلم و الدين، و ما كان الله ليرضى أن يكون كتاب هدايته و ارشاده للتى هى أقوم في الحياة العقلية و الروحية و العملية، أداة لشعوذة أو لعبة في يد عابث أو مضلل أو محتال.

إباحة الطيبات و ما تصيده الجوارح و تدريب الحيوان:

و بعد أن بين الله المحرمات على الوجه الذى ذكر في الآية، بيّن لهم أنه أحل الطيبات، و هى ما لا تحدث ضرراً في الصحة، و لا تستقذرها النفوس، و عطف عليه صيد المعلم من الجوارح، و اشترط في حله أن يمسكه الجارح للصائد لا لنفسه و أن يذكر الصائد إسم الله عند الارسال، و لا يخفى ما في دلالة هذا من تيسير أسباب الحياة على الانسان، و من إباحة تدريب الحيوانات الكاسرة للإنتفاع بها فيما يحتاجه الانسان، و عليه فلا بأس بالحمام الزاجل، و لا بأس بالكلاب التي يدربها رجال الأمن للإنتفاع بها في معرفة المجرمين و تعقبهم.

اباحة طعام أهل الكتاب و التزوج من نسائهم:

و أباحت أيضاً طعام الذين أوتوا الكتاب من اليهود و النصارى، كما أباحت التزوج من نسائهم، و قد جمعت الآيات في هذا الشأن بين طعام أهل الكتاب و طعام المؤمنين، كما جمعت بين نسائهم و نساء المؤمنين للاشارة الى أن الجميع في حكم و احد، فالكل طيب، و الكل مباح، و أن الإسلام لا يرى مجرد المخالفة في الدين مانعاً من المؤاكلة، و لا من الاختلاظ، و التزاور، و لا من المصاهرة و التزوج، و لنا في هذا المقام كلمتان:

الكلمة الأولى في علاقة ((حل طعام أهل الكتاب)) مع شموله لبعض ما حرّم على المؤمنين في صدر الآيات كالمنخنقة اذا كانوا يأكلونها، و ما ذكر عليه إسم المسيح أو الكنيسة، و هم يأكلونه.

و الكلمة الثانية: في ما نرى بإزاء حل التزوج بنسائهم.

/ صفحه 16/

هل تباح ذبائح أهل الكتاب مطلقاً؟

رأى الجمهور:

أما الأول: فيرى فيه جمهور العلماء أن الغرض من قوله تعالى: ((و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم)) رفع الحرج عن المسلمين في تناولهم ما يصنعه أهل الكتاب من طعام و ما يذبحونه من حيوان، و قد كان المسلمون قبل نزول هذا التحليل يتحرجون من تناول طعامهم و ذبائحهم لمخالفتهم اياهم في العقيدة، فبين الله تعالى أن ذلك حلال لهم كجميع الطيبات من المآكل و المشارب و أرشدهم الى أن اختلاف العقيدة لا يمنع تبادل أسباب المعيشة فيطعم المسلم من طعام الكتابي، كما يطعم الكتابى من طعام المسلم، و بهذا يتبين أن آية احلال طعام أهل الكتاب واردة في غير ما وردت له الآية الأولى، و أن طعام أهل الكتاب الذى أحله الله للمسلمين لا يصح أن ان يتناول تناول شيئا مما وردت بتحريمه الآية الأولى من الميتة و ما اليها، و ان كانوا يستبيحونه لأنفسهم و يطعمونه، و اذن فلا تأثير لهذه الآية على آية التحريم في شىء ما، و لا يحل لمسلم أن يتناول مخنوقهم و لا ما سموا عليه بغير الله متى علم ذلك.

رأى طائفة من العلماء منهم ابن العربى:

و ترى طائفة من العلماء أن الله سبحانه و تعالى أباح أطعمتهم و هو العليم بما يقولون و العليم بما يفعلون، و أن الآية جاءت استثناء مما هو حرام على المسلمين من اللحوم اذا كان طعاما لهم، و عليه فيباح للمسلم أن يتناول أطعمتهم كيفما كان نوع ذكاتها، و بذلك صدرت فتوى ابن العربى اذ يقول: و لقد سئلت عن النصرانى يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها، هل يؤكل معهه أو تأخذ طعاما معه؟

فقلت: تؤكل، لأنها طعامه و طعام أحباره و رهبانه و ان لم تكن هذه ذكاة عندنا، و لكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا و كل ما يرونه في دينهم فانه حلال لنا في ديننا الا ما كذبهم الله سبحانه فيه.

/ صفحه 17/

حكم الأطعمة المستوردة من بلاد الكتابيين:

و في ضوء هذا الخلاف نستطيع أن نتعرف حكم الأطعمة المستوردة من بلاد أهل الكتاب فهى على رأى الجمهور حلال ما لم يعلم أنهم سموا عليها غير الله، أو ذبحت بغير الذكاة الاسلامية، كالخنق و الوقذ، و من باب أولى ما لم يعلم أنها من الخنزير أو الميتة أو الدم، و هى على الرأى الثانى: حلال ما لم نتحقق أنها من المحرم لذاته و هو الميتة و الخنزير و الدم و كل ما وراء ذلك حلال و أن تحققنا أنه قد أهل به لغير الله أو لم يذك بالذكاء الاسلامية.

لجنة الفتوى بالأزهر تفتى بالرأيين في عهدين:

هذا و قد أفتت لجنة الفتوى بالأزهر بالرايين في عهدين مختلفين، و كانت الفتوى بالرأى الأول في عهد فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم. و بالثانى في عهد فضيلة الأستاذ الأكبر المرحوم الشيخ المراغى، و قد وافق في فتواه ما سبق للأستاذ الامام الشيخ محمد عبده من الفتوى بهذا الرأى في الاسئلة الترنسفالية.

دلالة هذا على وجود روح الاجتهاد في علماء العصر:

و ما دامت الفتوى تصدر دائما عن ترجيح و اجتهاد، فهذا الذى صدر من لجنة الفتوى أقوى دليل على تركز روح الاجتهاد الترجيحى في نفوس علماء العصر و ان حاول المرجحون أنفسهم أن ينكروه. و ما دامت الحادثة تتعلق بفصل مجتهد فيه و الرأى يتبع الترجيح، و الترجيح يتبع قوة الادراك و اختلاف المدارك فإن الاجتهاد بابه مفتوح مهما قالوا و مهما أنكروا.

رأينا في الموضوع بعد المقارنة بين الفتويين:

و قد يكون من ذلك الاجتهاد، المقارنة بين هاتين الفتويين، و ان الناظر في المعنى الذى لأجلهه حرم ما حرّم على المؤمنين و هو الابتعاد عما اتصل به ما ينافي التوحيد كذكر إسم غير الله، أو الذبح على النصب، و عما كان تحريمه لمعنى في نفسه كالميتة و ما عطف عليها. ان الناظر في هذا لا يرى بداً من الحكم بأن ذلك التحريم

/ صفحه 18/

لا يرفعه أن كان الحيوان ملكا لغير المسلم، أو طعاما له، فانه لم يعهد أن يحرم شىء لمعنى على طائفة، ثم يباح لها اذا كان لغيرها مع وجود معنى التحريم فيه. و اذا نظرنا الى أن التكاليف الاسلامية و ما تضمنته من تحليل و تحريم، هى في واقعها، و فيما أراد الله من جعل الرسالة المحمديه و شرائعها عامة، لجميع الناس، و أن الناس جميعاً مكلفون بها، يظهر لهذا الرأى قوة فوق قوته. نعم جعل الشارع سبحانه، عدم ايمانهم بالرسالة مبيحا لتركهم و ما يدينون و ان كان باطلا في ذاته، و ذلك تسامح منه سبحانه قضت به محبة الأمن و الاستقرار، و عدم الاكراه في الدين. و هذه مبادىء قررها الإسلام صونا للجماعة و حفظا للنظام، أما قول المرجحين للاباحة، ان الله سبحانه اباح ((طعام اهل الكتاب)) للمؤمنين و هو ما يقولون و يفعلون، فيقابله ان الله سبحانه اباحه للمؤمنين و هو ايضاً يعلم ما حرمه عليهم، و يعلم أنهم يعلمونه، و يعلمون أن تحريمه لم يكن لأنه ملك لهم، بل لمعنى متصل به و متحقق فيه و لا تأثير لصفة المالك عليه.

هذا موقفنا بين الفتويين، و بعبارة أخرى بين الرايين، و لكل مجتهد نصيب.

هل اباحة التزوج بالكتابيات مطلقة؟:

أما الكلمة الثانية: فهى في شأن التزوج من نسائهم، و هو المذكور بقوله تعالى (( و المحصنات من المؤمنات، و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)) فقد أخذه الجمهور على عمومه، و أباحوا التزوج من أهل الكتاب و ان غيروا و بدلوا، ذميين كانوا أوحربيين. و قيده جماعة بالذميين دون الحربيين. و ذهب جماعة من السلف الى أن أهل الكتاب قد غيروا و بّدلواو عبدوا المسيح، و قالوا ان الله ثالث ثلاثة، فهم بذلك و المشركون في العقيدة سواء و قد حرم الله التزوج من المشركين، و نسب ذلك الرأى الى عبد الله بن عمر، و غيره من الصحابة، و تأولوا الآية بوجوه أقربها انها رخصة خاصة في الوقت الذى نزلت فيه، قال عطاء: انما رخص الله في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة. اما الآن ففيهن الكثرة العظيمة، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة.

/ صفحه 19/

رأينا في ذلك:

والذى نراه في المسألة أنه ليس في الآية ما يدل على انه رخصة، و لا نعلم في الشريعة ما يدل على انه رخصة، و الآية دلت على الاباحة المطلقة و لم تقيد بوقت خاص و لا حالة خاصة، و على هذا يكون القول بحرمة التزوج من نسائهم وقفاً لحكم الآية، او نسخاً لها بغير دليل. و من المعلوم من تعاليم الشريعة العامة ان الله فرق بين اهل الكتاب و المشركين في كثير من الأحكام، و ذلك نظراً لما بينهم من الاختلاف الشاسع في العقيدة الأمر الذى جعل اهل الكتاب اقرب للمؤمنين من المشركين، و من هذه الأحكام ان شرع للمؤمنين الذين يعتزون بايمانهم، و يكونون مثلا اعلى للأخلاق الاسلامية، التزوج من اهل الكتاب ليكون ذلك التزوج بمثابة رسول من رسل المحبة و الألفة، فيزول ما في صدروهم للاسلام من جفوة، و يعرفون محاسنه و فضائله عن كثب. اما قولهم: ان الله ثالث ثلاثة، و المسيح او عزيراً ابن اللهو انّ محمداً ليس برسول، فهذاكلّه ليس معناه انكارهم الوهية الله، و لا انكارهم اصل الوحى و الرسالة بخلاف المشركين في ذلك كله.

نعم أن ما نراه اليوم في بعض المسلمين من رغبة التزوج بنساء الا فرنج لا لغاية سوى أنها افر نجية تنتمى الى شعب أوربى، ثم يضع بذلك نفسه و أولاده و معيشته تحت تصرفها و رأيها، و يتخذها قدوة له، و يتخذها قائدا يسير خلفه، و لا يرى نفسه الا تابعاً لها، مسايراً لرأيها و مشورتها، فتذهب بأولاده الى الكنيسة كما تشاء، و تسميهم بأسماء قومها كما تشاء، و تربط في صدورهم شعار اليهودية او النصرانية، و ترسم في حجر منزلها ما نعلم، ثم بعد ذلك كله تنشئهم على ما لها من عادات في المأكل و المشرب و الاختلاط و غير ذلك مما لا يعرفه الإسلام و لا يرضاه، و مما يعتبر الرضا به و السكوت عليه كفراً و خروجاً عن الملة و الدين ان ما نراه من كل ذلك عكس للقضية، و قلب للحكمة التي احل الله لأجلها التزوج من الكتابيات، و لا ريب انه لمثل هذا القلب قد حرم الله على المسلمة التزوج

/ صفحه 20/

بالكتابى صونا لهاعن التأثر بسلطان زوجها، و الطبيعة مهما تخرص المتخرصون، قاضية بقضية القرآن ((الرجال قوامون على النساء)) و مركز الرجل في الزوجية يختلف عن مركز المرأة، فليبق هذا الأصل على الطبيعة، و يطرد المنع و التحريم، و اذا شذ الرجال عن مركزهم الطبيعى بحكم ضعفهم القومى، و ألقوا بمقاليدهم بين يدى المرأة وجب منعهم من التزوج بالكتابيات، و وجب على الحكومات التي تدين بالاسلام و تغار على قوميتها و شعائرها في أبنائها أن تضع لهؤلاء الذين ينسلخون عن مركزهم الطبيعى بفتنتهم الضالة حداً يردهم عن غيهم حفظاً لمبادىء الدين و القومية في البلاد، و ان العمل على تقييد هذا الحكم في التشريع الاسلامى أو منعه لألزم و أوجب مما تقوم به بعض الحكومات الاسلامية أو تحاول أن تقوم به من تحديد سن الزواج للفتاة، و تقييد تعدد الزوجات و تقييد الطلاق و ما الى ذلك من التشريعات التي ينشط لها كثير من رجال الحكم سيراً وراء مدينة الغرب المظلمة، ألا و ان انحلال الكثيرة الغالبة ممن يميلون الى التزوج بالكتابيات للمعانى التي أشرنا اليها لمّما يوجب الوقوف أمام هذه الاباحة التي أصبحت حالتنا لا تتفق والغرض المقصود منها، و هذا معنى تشهد به كليات الدين التي يتجلى بها شدة حرصه على حفظ شخصية الأمة الاسلامية و عدم انحلالها و فنائها في غيرها.

هذا ما أردنا أن نعلق به على النداء الأول و ما اتصل به من أحكام و تشريع.

النداء الثانى:

((يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله و لا الشهر الحرام و لا الهدى و لا القلائد و لا آمّين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم و رضوانا و اذا حللتم فاصطادوا و لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الاثم و العدوان و اتقوا الله ان الله شديد العقاب)) .

و كما تضمن النداء الأول تشريعاً كلياً يركز مسئولية الالتزام التعاقدى، لى ما أحله الله للانسان و ما حرم عليه من الحيوانات،

/ صفحه 21/

يتضمن هذا النداء الثانى ـ تشريعاً كلياً، يقرر المحافظة على الشخصية الدينيه لجماعة المسلمين و تشريعاً جزئيا ينص على وجوب الاحتفاظ بأشياء معينة تتصل بما قدس الله من المكان و الزمان.

المحافظة على الشخصية الدينية للمسلمين بايجاب التمسك بالشعائر:

و في الكلى يقول ((لا تحلوا شعائر الله)) : شعائر الله هى ما نصبه الله عنوانا على هديه، و هى عند التحقيق ترجع الى مظاهر ما فرض الله من فرائض، و حدّ من حدود، و شرع من تشريع، و هو بعمومه يشمل في جانب الفعل: الفرض، و المسنون، و المندوب. و في جانب الترك: المحرم، و المكروه، و ما لا ينبغى.

و احلالها، انتها كها، و تركها و اهمالها في ما طلب فعله. و فعلها و اظهارها و اشاعتها بين الناس فيما طلب تركه. و من هنا يتبين أن الشخصية الدينيه تتكون من عنصرين: فعلِ مطلوب، و تركِ منهى عنه، فاذا اجتمعا كملت الشخصية الدينية، و اذا عدما أو عدم أحدهما عدمت الشخصية الدينية للجماعة و حرمت مكانة السمو التي تحظى بها ذات الشخصية الكاملة. ((أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزى في الحياة الدنيا و يوم القيامة يردون الى أشد العذاب و ما الله بغافل عما تعملون)) .

فالأذان، و صلاة الجماعة في الأوقات الخمس، و صلاة الجمعة في كل أسبوع، و صلاة العيدين في كل عام، و أداء الحج في العمر، و زكاة المال، و الزروع في وقتها، كل ذلك و نحوه من العناصر الايجابية للشخصية الدينية.

و الابتعاد عن شرب الخمر، و أكل الخنزير، و الاتجاربها، وغلق أبواب اللهو و الفسوق، و بيوت الدعارة، و القمار، و منع خروج المرأة متزينة، متعطرة، عارية كاسية، من العناصر السلبية للشخصية الدينة، و وجودها هدم لهذه الشخصية.

تقديس ما قدسه الله:

و بعد أن ركز هذا النداء في نفوس المؤمنين وجوب المحافظة على شخصيتهم التي بها يعرفون و عن غيرهم يتميزون، و يتضح للناس مسلكهم و صراطهم الذين

/ صفحه 22/

يسلكون، عنى النداء بالنص على أشياء خاصة كانت موضع انتهاك القوم لها وقت التنزيل، و ربما كان لا حلالها في نفوس البعض ما يبرره، فحذر بوجه خاص من احلالها.

الشهر الحرام:

و من ذلك ((الشهر الحرام)) و المراد به الجنس، فيشمل الأشهر الأربعة المذكورة في قوله تعالى من سورة المائدة: ((انَّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات و الأرض، منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)) و قوله: ((انما النسىء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً و يحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله، زُين لهم سوء أعمالهم و الله لايهدى القوم الكافرين)) .

الهدْى:

و من ذلك ((الهدْى)) و هو ما يُهدى الى بيت الله من الأنعام للتوسعة على عبادالله العاكفين فيه و البادين.

القلائد:

و منه ((القلائد)) و هى ما يوضع على الهدى اشعاراً بأنه هدْى الى الله و قربان.

قاصدو البيت الحرام:

و منه ما أشار اليه بقوله ((و لا آمّين البيت الحرام)) و هم الذين يقصدون البيت يبتغون فضلا من ربهم و رضوانا.

و احلال الأشهر الحرم، يكون باستباحة الاماء و القتال و ارتكاب المظالم فيها. و احلالُ الهدى، حبسه عن أن يبلغ محله، و هو بيت الله الحرام أو ذبحه قهراً عن أصحابه. و احلال القلائد، يكون بانتزاعها من الهدْى فيجهل الناس أنه هدْى، و يتعرضون له بالغصب أو النهب. و احلال قاصدى البيت، التعرض لهم بسوء، وهم لا يريدون السوء بأحد، و انما يريدون فضل الله و رضوانه، فهم اذن ضيوف الله و في جواره فلا يقاتلون، و لا يساءون، و لا يُعنف عليهم

/ صفحه 23/

في معاملة أو بيع و شراء و قد عرض القرآن الكريم للبيت الحرام و بيّن قدسييته القديمة و مناسك الحج و شعائره في سورة البقرة، و آل عمران، و المائدة، و سورة الحج، و بيّن في كل ذلك أنه شأن دينى قديم نزلت به شريعة السماء، و دانت به الأمم من عهد ابراهيم و اسماعيل الى عهد محمد خاتم الأنبياء الى يوم الدين ان شاء الله. و مما جاء بشأنه و شأن احترامه و تقديس ما يتصل به أو يدخل فيه حتى الصيد و الأنعام قوله تعالى في سورتنا هذه ((يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد و أنتم حُرم و من قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق و بال أمره عفا الله عمّا سلف و من عاد فينتقم الله منه و الله عزيز ذو انتقام، أحل لكم صيد البحر و طعامه متاعا لكم و للسيارة و حرم عليكم صيد البر مادمتم حرما و اتقوا الله الذى اليه تحشرون، جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس و الشهر الحرام و الهدى و القلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات و ما في الأرض و أن الله بكل شىء عليم)) .

تقديس بعض الأماكن و الأزمان يتيح للناس نوعا من الهدنة و التحصن:

و مبدأ احترام بعض الأماكن، و بعض الشهور مبدأ سام، شرعه الله في القديم و أقره في الإسلام، كيف لا و هو فرصة تهىء المتخاصمين على حسن التفاهم و اقرار الأمن و السلام. هو بمثابة هدنة الهية يُغرس الاعتراف بها في قلوب الناس جميعاً و يمنحونها حقها من الكف عن المظالم و العدوان، فتشعر بلذة الأمن و الطمأنينة وتسعى في ازالة أسباب التدابر و التقاتل والخصام بوازع دينى تمتلىء به القلوب، و تخشى في مخالفته سطوة المالك للرقاب، المهيمن بقدرته و جبروته على القوي المتجبر، و برحمته و عطفه على الضعيف المستعبد.

و من غريب أمر هذه الهدنة أنها أقرت الأمن في هذه الأماكن حتى بالنسبة للأشجار الصامتة و للحيوان الأعجم الذى يغشاها و يتنقل في أرجائها و يطير في أجوائها ((و حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما)) .

/ صفحه 24/

كلام القرطبى في هذا:

قال القرطبى في تفسيره (( و الحكمة في جعل الله تعالى هذه الأشياء قياما للناس، و سبيلا لأمنهم أن الله تعالى الخلق على سليقة التحاسد و التقاطع و التدابر والسلب و الغارة و القتل و الثأر، فلم يكن بد في الحكمة الالهية من كاف يدوم معه الحال، و وازع يحمد معه المآل. و من هنا جعل الخليفة و الامام لتجرى على رأيه الأمور و يكف الله به عادية الأمور، وعظم في قلوبهم البيت الحرام، و أوقع في نفوسهم هيبته، و عظم حرمته فكان من لجأ اليه معصوما به، و كان من اضطهد محمياً بالكون فيه ((أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا و يتخطف الناس من حولهم، و لما كان البيت الحرام في مكان مخصوص لا يدركه كل مظلوم، و لا ينال حظه من الأمن فيه كل خائف، و لا يمكن أن يجتمع سكان المعمورة فيه، جعل الله الأشهر الحرم ملجأ آخر، تنشر على الناس، و هم في أقاليميهم و أقطارهم ألوية الأمن و الاطمئنان، و يدخلون بها في هدنة الرحيم المنان، فقرر في القلوب حرمتها: لا يروع فيها سرب، و لا يطلب فيها دم و لا يتوقع فيها ثأر، و فيها تسكن السيوف في أغمادها، و تتجه القلوب الى ربها، فيفيض عليهم من رحمته ما يطهرها من النوازع المادية التي بتسلطهاعلى الانسان يهلك الحرث و النسل، و يعرض الكون للخراب و الدمار)) .

و لا ريب أن الانسان اذا استمر في هذه الهدنة و عالج نفسه في ظلها و هى أربعة أشهر من اثنى عشر شهراً، ثلث الحياة، كان ((في فسحة و راحة و مجال للسياحة و الاتصال و تسوية الحال)) مما يجعله في حصن و وقاية من الرجوع الى طرق باب الشرور و التنازع و الخصام، و بذلك يصير مع اخوته بنى الانسان اخوانا متعاونين على البر و التقوى، بعيدين عن الاثم و العدوان.

ختام النداء الثانى و ما يوحى به من المعانى السامية:

هذا تشريع الله لعباده المؤمنين، و قد ذيله بقوله: ((و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الاثم و العدوان و اتقوا الله ان الله شديد العقاب))

/ صفحه 25/

ليأخذبهم الى السمو عن مواطن الأهواء و النزاعات، و الترفع عن معانى الأثرة و الأنانية، و سبل الشّر و الفساد، و يجعل منهم قوة موجهة الى الخير، متعاونة على البر.

فمتى يخضع المسلمون لتعاليم ربهم و ارشاده و هو يأمرهم أن يكونوا جميعاً أمة واحدة لا تعرف النزاع و لا الشقاق و لا التقاذف، و لا التقاطع، و لا العصبية الجنسية، و لا العصبية المذهبية؟ و فيم هذه الخلافات المستحكمة التي لفتتهم عن قصدهم، و لوَتْهم عن سبيلهم، و فرقت كلمتهم و جعلتهم شيعاً و أحزابا، و فيم هذه التفرقة و هم على كلمة سواء في توحيد الله و الايمان بوحيه و رسله، و الايمان بيوم البعث والجزاء، و الايمان بأصول الأحكام التي قررها كتاب الله الخالد، و جعل منها معتصما للجميع، اذ يقول: ((و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا)) ((و ان هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاتقون)) .

ألا ان هذه الخلافات قد صرفتنا عن النافع العملى، و استغرقت جهودنا الفكرية في مختلف الأزمان و الأوطان، ولو أن المسلمين كانوا قد تخففوا منها، أو هوّنوا شأنها فلم يضخموه و لم يحرصوا على تلقينه لأجيالهم جيلا بعد جيل; لوجدت العقول مجالا غير مجاله فأثمرت ثمرات طيبات مباركات، و لوِّطدت أواصر المحبة و التعاون بين أهل الدين الواحد و الأصول الأساسية المتفق عليها، و لما وجد أعداؤنا منفذاً الينا لا في افكارنا و عقولنا، و لا في أو طاننا و أعمالنا.

انه لو حُسبت الأوقات التي ضاعت و تضيع في الخلافات النظريه، والجهود التي بذلت و تبذل في كل شعب قديماً و حديثا لدراسة موقف كل طائفة من الأخرى فيما تقول به من كذا، أو فيما تنكره من كذا، لهالتنا كثرتها، و لعز علينا أنها ذهبت هباء لم تفد منها الأمة شيئا الا ابقاء العدوات و الأضغان، بل تثبيتها و تنميتها، فاللهم هىء لنا من أمرنا رشدا، و ألف بين قلوبنا، و احمنا من نفوسنا و أهوائنا، و اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين، آمين.