/ صفحه 26/

روح جديد

في شعوب الشرق و الإسلام

لحضرة الاستاذ الجليل محمد على علوبة

رئيس جماعة التقريب

لا شك أن الشعوب الاسلامية و الشرقية يسري فيها الآن روح قوي مبارك يرمى الى التحرر من العبودية، و التخلص من آثار الضعف و الذل التي أوجدها الاستعمار، والتمتع بحياة حرة كريمة في ظل الاستقلال و الكرامة القومية.

و لا شك أن هذا الروح هو الآن أقوى منه قبل أربعين أو خمسين عاما حين كانت الدعوات الوطنية أشبه بصيحات يطلقها أصحابها في بيداء مترامية الأطراف فسيحة الأرجاء، فلا تلبث أن تتبدد، و حين كان الدعاة أفراداً يسهل على الطغاة و المستعمرين أن يضطهدوهم و ينكلوا بهم، و يجعلو هم مثلا لكل من تحدثه نفسه أن يفعل فعلهم أو يمضى في طريقهم.

و قد أصبح الاستعمار الآن بفضل هذا الروح القوى مهمة شاقة على المستعمرين تحتاج الى ضروب من الحيلة و السياسة، و الى كثير من النفقات و الجهود، و بدأ أربابه يشعرون بأن ضرره عليهم أكبر من نفعه لهم، و أن ما يجلبه لهم من الفوائد المادية و الأدبية لايكاد يفى بما يبذلونه في سبيله، و قام في الدول الاستعمارية من ينادى بالتفاهم مع الشعوب المرغمة، و استبدال العلاقات القائمة على الصداقة و المودة من العلاقات القائمة على الضغط و الاكراه و سلب الحقوق استنادا الى القوة.

و يعتقد كثير من الخبراء في أحوال العالم و شئونه السياسية المرتبطة إرتباطاً و ثيقاً بنفسيات الشعوب أن الاستعمار قد دخل بعد الحرب العالمية الثانية في دور

/ صفحه 27/

التصفية، و أنه لم يعد من الممكن أن يطول عمره أكثر من سنوات قليلة مهما بُذل في سبيل ذلك من الجهود و اتخذ من ألوان العلاج.

وقد يظن بعض الناس أن هذا إسراف في التفاؤل، أو تعجل في تصور عالم أمثل من هذا الذى أنهكته المطامع، و أفسدته الشرور، و لكن الدلائل تدل على أنه ليس أملا بعيداً، فإن الامبراطورية البريطانية التي لم تكن الشمس تغرب عن أملاكها الى عهد قريب، قد عانت من جراء الاحتفاظ بهذه الأملاك ألوانا من المشاق، حتى انحلت قبضتها انحلالا ظاهراً في كثير من المواطن التي كانت تتشبث بها، و لا تقبل في شانها عدلا و لا صرفا، و اذا كلت يد الاستعمار في بريطانيا فانها في غيرها أشد كلالا، و أسرع انحلالا.

يقابل هذا الاحساس حركة عنيفة من أهل الاستعمار الحريصين على بقائه أو طول أمده، و هذه الحركة و ان كانت تشبه حركة الجريح الذى أنفذت مقاتله فهو يتمسك بأهداب الحياة، و لا يرضى بأن يستسلم للموت في يسر و رضا; لكنها حركة مخيفة، و قد تصبح خطيرة اذا لم يتنبه لها المكافحون للاستعمار، الراغبون في القضاء عليه، ذلك أن المستعمرين يعملون الآن على أن يفتُّوا في عضدنا من ناحيتين:

أولاهما: أننا لم نعد العدة للاستغناء عنهم في صناعاتنا و أسلحتنا واقتصادنا و كثير من حاجاتنا التي لا بد لنا منها، فهم يلوّ حون لنا دائماً بهذه الحاجة، و يحذروننا الفراغ الخطير الذى يهدد حياتنا و مجتمعنا لو تركونا أو حاصرونا، وَقد يجدون منا من يستمع اليهم، و يتخوف نتائج معاداتهم، و القطيعة بيننا وبينهم، و لعل من الانصاف ألا نلوم هؤلاء المتخوفين، أو نرميهم بالضعف أو بالاستماع الى تحذير المحذرين، فقد يكون لهم بعض العذر في ذلك، و قد أظهرت أزمة المغرب أن التفكير في مقاطعة فرنسا علمياً أو تجارياً أو صناعيا من جانب المسلمين و الشرقيين تأييداً لأهل تونس و مرا كش، قد اصطدم بما هو متوقع

/ صفحه 28/

من الفراغ الذى يحدثه ذلك في شئون الشعوب الشرقية و الاسلامية التي هى في أمسِّ الحاجة الى مال الغرب و اسلحة الغرب و منتجات الغرب، مما قد يؤدى الى كارثة أو على الأقل الى محنة شديدة ليست هذه الشعوب الآن على استعداد لتحملها.

و الرأى أن يبادر المسلمون و الشرقيون الى علاج هذه الناحية علاجا سريعاً فعالا، فيتخذوا جميع الوسائل التي تجعل منهم شعوباً عالمة عاملة منتجة مرباة تربية خلقية و طنية، مستعدة لأن تصبر و تصابر وتزهد و تتقشف وتعيش على ما تنتجه هى لا على ما تستجلبه من بلاد أعدائها، و أن يعملوا في الوقت نفسه على أن يكون لهم مُتَنَفّس من الشعوب الحرة التي ليست لها نزعات استعمارية، و هى بحمد الله كثيرة في الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب، فيعقدوا معها المعاهدات الاقتصادية، و يتبادلوا و إياها المنافع و المصالح. ان الشعوب الشرقية و الاسلامية تستطيع حينئذ أن تقاطع أو تهدد بالمقاطعة فلا يكون ذلك منها هزؤا و لا لعبا.

لقد قاوم الشعبُ الألمانى الموتَ الذى فرضه عليه غالبوه أكثر من مرة ذلك لأنه شعب ينطوى على حيوية انتاجية عملية هى من أثمن ما تنطوى عليه الشعوب، انه اذا حاقت به أزمة تلقاها صابراً، و احتال لها فابتكر و اثمر واقتصد و كد و تعب و زهد، و صال و جال في المجتمع الدولى باحثا عن عملاء و حرفاء، فاذا هو بعد بضع سنين يعود الى القوة، و يعرف كيف يفرض ارادته على الذين قهروه في ميادين الحرب، و سرعان ما يكون له بين الشعوب شأنه و كرامته.

فهذه هى السبيل التي يجب على الشعوب الشرقية و الاسلامية أن تسلكها لو أرادت أن تلزم خصومها بالاعتراف بها و الاذعان لها، و أن تضيع حجتهم عليها بالحاجة اليهم، و عدم الاستغناء عنهم. الناحية الثانية: ما يعمل له المستعمرون من تقطيع الأواصر بين هذه الشعوب، و ذلك باحياء النزعات الشعوبية، واستغلال الخلافات المذهبية و الطائفية فانهم لا يطيقون سياسة موحدة بين شعوب الشرق والإسلام، و قد حسبوا

/ صفحه 29/

في وقت من الأوقات أن جامعة الدول العربية ستكون عاملا ميسراً للاتفاق معهم على البر نامج الذى رسموه للشرق، فلما رأوا أن هذه الجامعة قد أحيت الأواصر بين أهل العروبة، وذكرتهم بأنهم أخوان في الدم و التقاليد، و جيران في الديار، و شركاء في المصالح و المنافع; غضبوا عليها و جعلوا يحاربونها، و يدسون بين أعضائها.

لهذا كان من أوجب الواجبات على الشعوب الشرقية و الاسلامية أن تسلك كل سبيل تؤدى الى سياسة واحدة بين جميع حكوماتها، والى تفاهم تام بين جميع أبنائها، و الى تبادل عام المنافع و المصالح، و أن يكمل كل شعب بحاصلاته و ثرواته الطبيعة و كفاياته البشرية ما عند الآخر، و أن تكون البلاد كلها سوقا لهم جميعا، و ميدان نشاط لهم جميعاً، لا في دائرة العروبة فحسب، و لكن في دائرة الشرق و الإسلام، فإن الغرب لا يعادى هذه الشعوب من حيث كونها شعوبا عربية فقط، و لكن يعاديها أيضا من الفرقة و الاختلاف على حذر شديد، و لينزع أرباب المذاهب الاسلامية عن اثارة المسائل الخلافية التي توغر صدور بعضهم على بعض، و تطفيء الحماسة التي يجب أن يقوم عليها تعاونهم و تآزرهم، و ليأتلفوا في ظل ما يؤمنون به جميعاً من أصول دينهم، و ليذكر الشرقيون عامة أنهم أبناء أوطان متقاربة متشاركة، يعود عليهم جميعا عزها بالخير و السعادة، و ذلها بالشر و الفساد و الشقاء.

أما بعد: فانى أحى (رسالة الإسلام) بمناسبة دخولها في عامها الخامس و أرجو لها اطراد التوفيق و التقدم في نشر رسالة المحبة و التآلف و الدعوة الى ما دعا اليه رسل الله أجمعون من الإسلام لله، و السلام بين الناس؟