/ صفحه 30/

بَيانٌ للمُسْلِمينْ

عن حضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الاكبر الشيخ عبد المجيد سليم

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و االسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبى الأمين، و على آله و صحبه الطيبين الطاهرين.

أللّهم انا نسألك التوفيق الى ما فيه الخير و الصلاح، و نستعين بك في أمرنا كله، ربنا عليك توكلنا و اليكم أنبنا و اليك المصير، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدلك رحمة الك أنت الوهاب، ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ربنا و لا تحمل علينا اصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا و لا تحملنا مالا طاقة لنا به، و اعف عنا و اغفر لنا و أرحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

أما بعد: فانى بمناسبة دخول مجلتنا العزيزة (رسالة الإسلام) في عامها الخامس أوجه الى اتخوانى و أبنائى المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها، هذه الكلمة، تبصرة و ذكرى لقوم يؤمنون، و تجديداً للعهد بين ((جماعة التقريب)) و اخوانهم في كل طائفة على الايمان و عمل الصالحات و التواصى بالحق و التواصى بالصبر.

يأبناء الإسلام:

ان الله قد اصطفي لكم هذا الدين، و جعله خاتمة الرسالات التي بعث بها أنبياءه، و خصكم بالرسول الأكرم الذى بشر به الأنبياءُ من قبله، يأمركم بالمعروف و بنهاكم عن المنكر، و يحل لكم الطيبات و يحرم عليكم الخبائث، و يضع عنكم الآصار و الأغلال.

/ صفحه 31/

لقد كان الناس قبل بعثة هذا الرسول الكريم يتخبطون في ظلمات الجهل و التعصب لغير الحق، و يتقلبون في أودية الفساد و الشر، و يكتوون بنيران الظلم و الغى، لا ألفة تجمعهم، و لا سلطان يردعهم، و لا نظام بعتصمون بحبله، و لا عدل بفي ئون الى ظله، شريعتهم القوة، و رائدهم الشهوة، و الههم الهوى، ظلمات بعضها فوق بعض ((و من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور))

فلما تأذن ربنا الرحمن لينقذنهم من أنفسهم و أهوائهم، و ما ارتطموا فيه من حمأة الشرك و الرذيلة و الفساد و الشر، بعث فيهم هذا النبى الأمى الذى يومن بالله و كلماته فأخرجهم به من الظلمات الى النور، و هداهم صراطه المستقيم، و وجه قلوبهم و أعمالهم الى الخير و الصلاح و التعاون على البر و التقوى، و أعلمهم أنه خاتم النبيين، و رسوله الى الناس أجمعين، لا يختص به جنس من الناس انى رسول الله اليكم جميعاً الذى له ملك السموات و الأرض لا اله الا هو يحيى و يميت)) . ((و ما أرسلناك الا كافة للناس بشيراً و نذيراً)) و أنزل عليه كتاباً عزيزاً ((لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه)) ربط به الفلاح في الدنيا و الآخرة، و جعله الهدى و الشفاء لمن آمن (( قل هو للذين آمنوا هدى و شفاء و الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر و هو عليهم عمى أولئك ينادَوْن من مكان بعيد)) .

و بهذا كان نبينا محمد (صلّى الله عليه و سلّم) هو الرحمة المهداة والنور المبين، و كان الكتاب الذى أنزل عليه من ربه هو العصمة و الحبل المتين.

و لقد أتى على المسلمين حين من الدهر كانوا فيه عاملين بشريعتهم، معتصمين بكتاب ربهم، سائرين على سنة رسولهم، فكانت لهم القوة و المنعة، و كانوا أعزة بعزة الايمان، ترفرف عليهم أعلام السعادة و الطمأنينة، وتنظر اليهم الأمم نظرة المهابة و التجلة، و لا يفكر أحد في الاعتداء عليهم، و لا يطمع طامع في أن يهتضم حقا من حقوقهم، بل فتحت أمامهم الآفاق، و كانوا يغزون القلوب و الأفكار بعدلهم و مبادئهم، قبل أن يغزوا البلاد و الديار بسيوفهم و كتابهم.

/ صفحه 32/

كانوا يومئذ أمة واحدة يؤمنون بالله و رسوله، و لا يؤثرون شيئاً و لا أحداً على الله و رسوله.

كانوا اخوة متصافين متعاونين ليس أمامهم الا هدف واحد، اليه جميعاً يرمون: أن تكون كلمة الله هى العليا، و كلمة الذين كفروا السفلى.

كان الايمان في قلوبهم حقيقة ثابتة تظهر آثارها في الأقوال و الأعمال، لا يقولون الا الحق، و لا يسعون الا في الخير، و لا يأمرون الا بالمعروف، و لا ينهون الا عن المنكر، و لا يحبون الا في الله، و لا يبغضون الا في الله.

كانوا كما و صفهم ربهم ((أشداء على الكفار رحماء بينهم)) .

كانوا محبين للحق، مبغضين للباطل، يكرهون المراء و الجدال، و لا يشغلون أنفسهم بما لا فائدة فيه من البحوث المتكلفة، و الظنون المتخوفة، و التأويلات المحرفة، فسلمت عقولهم من الشكوك، و برئت صدورهم من الأوهام، و ظل ايمانهم بالله و رسوله قوياً لاتشوبه الشوائب، و لا تداخله الريب.

هكذا كان المسلمون الأولون من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه و سلّم) و هذا هو سر نجاح الأمة في أول أمرها، و قوة شوكتها، و اتساع رقعتها، و شدة هيبتها، فلما أصيبتت بالتفرق واتباع الهوى، و لم يعد صوت الدين فيها ملء الأسماع و القلوب كما كان، أردكها الضعف و التزلزل، و طمع فيها الأعداء، و رأوا الفرصة سانحة ليأخذوا منها بثأرهم، فجعلوا يسددون لها السهام تلو السهام، و كلما أصيب بسهم من سهامهم ازداد فيها طمعهم، و اشتدت في القضاء عليها رغبتهم، و ازدادت هى بذلك ضعفا، وازداد أهلها جزعا و هلعا.

و لقد طال عليها الأمد و هى في هذه المحنة، و لو لا قوة بنائها، و سلامة أسسها لهدِّم ذلك البنيان، و لنهارت تلك الأركان، و لكن الله جلت حكمته يريد بذلك تمحيصها، و انه لأرحم من أن يسلمها للذين يبغون اهلا كها و افناءها، و معاذ الله أن يأس المؤمنين من رَوْح الله، فإن الله يحى الأرض بعد موتها، و ان الباطل و الفساد

/ صفحه 33/

مهما طال عليها الأمد فهما الى فناء و زوال، و ها هى ذى دلائل من الخير تبدو في آفاق الأمة الاسلامية، و تؤذن بأن شعوبها قد ملت حياة عزيزة كريمة تليق بمجدها السالف، و ما لها من غاية شريفة في هذا العالم، و أنها قد أدركت أنْ لا شفاء لها من دائها، و لا نهوض لها من عثارها الا اذا عادت الى شريعتها، و اعتصمت بحبل الله كما أمرها الله، و تخلصت من آثار الخلاف البغيض و العصبية الجاهلة، فائتلفت على الحق قلوب أبنائها، و تعاونت على الخير و البر شعوبها، و بدت أما الطامعين فيها أمة واحدة يشعر قاصيها بما يشعر به دانيها، و لاتترك في صفوفها ثغرة ينفذ منها أعداؤها، و إنا لنرجو أن تكون هذه بوادر خير و نهضة و تباشير فجر جديد لعهد سعيد، و ما ذلك على الله بعزيز.

و لقد سرنى ما اتجه اليه زعماء المسلمين و صفوة مفكريهم من الدعوة إلى عقد مؤثمرات للنظر في أحوال الأمة الاسلامية من جميع نواحيها، و العمل على توحيد كلمتها ومناهج الاصلاح فيها، و جهادها في سبيل حريتها و رفاهية شعوبها، والتخلص من غاصبيها ومستعمرى بلادها. فإن ذلك من أهم ماتعنى به (جماعة التقريب)، و إن المسلمين اذا تعارفوا تكاشفوا، و اذا تكاشفوا تواصفوا علاج أدوائهم، و علموا أن الفرقة ضعف، و أن الخلاف المثير للأحقاد مَشْغلة و مَضْيعة، و أن حسن الظن شرط في التعاون الصادق، و يؤمئد يعملون على أن يكونوا أمام أعدائهم و مشكلاتهم صفاً واحدا، كشأنهم في صلاتهم و اتجاههم نحو قبلهم.

إنى لأرجو التوفيق والنجاح لهذه الدعوات، و أسأل الله تعالى أن يهىء للمسلمين من أمرهم رشدا، و أن يوفق زعماءهم و رجال التوجيه فيهم الى أن ايماناً له آثاره العملية، بأن صلاح أمتهم إنما يكون بالعود إلى شريعتهم، والذود عن دينهم، والاعتصام بكتاب ربهم، و التزام هدى نبيهم.

و السلام عليكم و رحمة الله؟