/ صفحه 39/

تعلبوا على مقال:

فى الالِهيّاتْ

بَيْن ابْن سينَا وَ ابن رُشْد

لفخامة السيد محسن صدر (صدر الأشراف) بايران

بسم الله الرحمن الرحيم، و له الحمد، و الصلاة و السلام على رسوله و على آله و صحبه الهادين المهديين.

أما بعد: فانى لما تشرفت بمطالعة العدد الثانى من السنة الرابعة لمجلة (رسالة الإسلام) و قفت على مقال لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى، موضوعه بيان مذهب ابن سينا في مبدأ الوجود و خالق ما سواه من الموجود، و طريق استدلاله، و اجتهاده في التوفيق بين الدين والفلفسة في هذه المسألة الهامة، و ما كان من نقد حجة الإسلام الغزالى استدلال ابن سينا بأنه لا يثبت المقصود أصلا، و نقد ابن رشد هذا الاستدلال أيضا بأنه جدلى لا برهانى، و قاصر عن اثبات المبدأ الأول. لقد أجاد الدكتور فيما أفاد، و أوضح مقاصد هؤلاء المفكرين الأعاظم، و بيّن نظرياتهم، و لكنى تأملت فيما حُكى عن الآمامين الغزالى و ابن رشد فعجبت من انتقادهما ابنَ سينا فيما استدل به مع دقة هذين الرجلين العظيمين في العلوم الفكرية، و براعتهما في المعارف الالهية، و مع أن الشيخ الرئيس قد أو ضح البيان تكراراً، و شيد بنيان استدلاله مراراً، كما نقل الدكتور عنه فيما أورده من عبارات كتبه المختلفة.

/ صفحه 40/

و قد خطر ببالى أن أكتب ماسنح لى في حقيقة هذا الأمر على نحو من الاختصار مؤيداً الغرض الذى كان الدكتور يرمى اليه ثم لمى يجعل نفسه في مقام الحاكم و يحكم بما هو الحق و مقتضى الانصاف.

و انى و ان كنت قليل البضاعة من العلم و القوة في الأداء بعيد العهد عن دراسة الحكمة، لا أحد بداً من اظهار ما بدالى حين صرفت فكرى وبذلت جهدى في تحقيق أصل هذه المسألة التي هى أول الدين و التعمق في دلائل أهل النظر من صحة استدلال ابن سينا الذى رضى به و اتكاً عليه.

وجدت استدلاله على طريقين. طريق أهل النظر و طريق الخواص و أهل الحق، و كلاهما في غاية الاتقان. أما الأول فهو أن العقل اذا نظر في الوجود يحكم بأن الموجود بما هو موجود اما أن يكون الوجود ضرورياً له بمعنى أن وجوده بذاته و لذاته و لا مدخل لغيره في وجود بوجه من الوجوه، وهو واجب الوجود بذاته. و اما ألا يكون كذلك، أى وجوده ليس من جهة ذاته بل بسبب الغير، و ليس من ذاته اقتضاء الوجود، كما ليس منها اقتضاء العدم أيضاً، و الا لم يوجد بتأثير الغير، لأن الذاتى لا يتخلف عن الذات و هو ممكن الوجود ـ واحتمال الأولوية في ذات الممكن بالنسبة الى الوجود أو الى العدم و مشاركة ذات الممكن من جهة الأولوية مع الغير في الوجود أو العدم كما قال بعض المتكلمين فلا تنحصر القمسة لمكان تصور القسم الثالث; مدفوع بالأدلة المذكورة في محله ـ فالاستدلال مركب من مقدمتين، الأولى: حصر الموجود في الواجب بالذات و الممكن بالذات. و الثانية لزوم انتهاء العلل الى علة ليس فوقها علة دفعاً للدور و تسلسل العلل الى غير النهاية المحالين ـ و ظاهر أن انتقاد ابن رشد ليس في المقدمة الثانية، بل في المقدمة الأولى و هى الحصر المذكور بأن من الممكن ما هو حقيقى أى قد يوجد و قد لا يوجد، و منه منا هو ضرورى الوجود بسبب غيره. و القسمان و ان كانا مشتركين في عنوان الامكان و في الحاجة الى علية الوجود، الا أن وجود الممكن الضرورى يمنع انتهاء العلل الى علة ليس لها علية، لأن اللازم في تمامية الدليل انتهاء العلل الى ضرورى

/ صفحه 41/

الوجود ولو بعلة. فالدليل قاصر عن اثبات المطلوب ـ و أنت ترى أن اشتراك لفظ الممكن في الممكن الحقيقى باصطلاح ابن رشد، و في الممكن الضرورى الوجود بغيره غير قادح في الحصر المذكور يحسب النتيجة، لأن الممكن بأى معنى كان لا يسلب عنه عنوان الامكان أى الفقر الذاتى و استواء الوجود و العدم بالنسبة اليه. فكلا القسمين مشتركان في الاحتياج الى المؤثر، فلا محصل لهذا الايراد أصلا ـ على أن الممكن لا يخلو عن ضرورة ما قط، لأنه في حال الوجود ضرورى الوجود بسبب الغير، و في حال العدم ضرورى العدم بغيره أى عدم علة الوجود ـ و الظاهر أن مراد ابن رشد من الممكنات الضرورية الممكنات القديمة على رأى الحكماء، و مع التسليم بوجود الممكنات القديمة لا يتطرق القدح في الدليل، لأن القدم صفة الوجود، و ما كان وجوده يسبب الغير لا معنى لانتهاء العلل، اليه لنقل الكلام اليه من جهة الامكان و الاحتياج الذاتى.

و أما الامام الغزالى فلاعتقاده حدوث العالم بأسره ـ أى وجوده بعد العدم السابق ـ خطّاً ابن سينا، و قال أن استدلاله لا يثبت المقصود أصلا، نظراً الى أنه كسائر الفلاسفة يعتقد بوجود الممكنات القديمة، كالعقول و الطبائع الكلية بل أجرام الأفلاك، و اذا كانت قديمة لا تحتاج الى العلة فينسد باب إثبات العلة الأولى.

و الانصاف أن هذا الاستنتاج خطاً، فإن وجود الممكنات القديمة على فرض ثبوته لا يخرجها عن حقيقة الامكان، و لا يغنيها عن العلة الموجودة كما بينا آنفا، فلا يكون في الوجود موجود ممكن غير محتاج الى العلة الموجودة، و الا لم يكم ممكنا.

ثم إن قول الشيخ، بأن مناط حاجة الممكن الى الواجب بالذات هو الامكان لا الحدوث; حق و صدق، و هو مذهب جمهور الحكماء و المحققين من متأخرى المتكلمين. و التحقيق كما قال المحقق الطوسى شارح الاشارات: أن هذا الحكم ضرورى لا حاجة الى تجشم الاستدلال عليه لأنا إذا نظرنا إلى ماهية الممكن و استواء الوجود و العدم بالنسبة اليه; نحكم بداهة بأنه محتاج في وجوده الى مرجح

/ صفحه 42/

لاستحالة الترجيح بلا مرجع، و ليس كذلك تصور الحدوث لأن الحدوث أمر وجودى لا يتصف الحادث به الا بعد وجوده، فتعقل الحدوث إنما هو بعد الوجود، و فرع له، و الوجود بعد لاعلة، وهى بعد المكان، فالحدوث متأخر عن الإمكان بمراتب.

على أنه لو كان مناط الحاجة الحدوث لا الإمكان; للزم أن يكون عدم الممكن بلا مرجح من غيره، فيكون العدم ضروريا له، و هذا خلف و خروج عن فرض أنه ممكن، و بعبارة أخرى: الحدوث صفة اعتبارية ينّزعها العقل من الوجود المسبوق بالعدم المقابل له، إن أريد به الحدوث الزمانى أو المسبوق بعلة الوجود الذى يعبرون عنه بالحدوث الذاتى. فمنشأ انتزاع صفة الحدوث ليس الا الوجود و لا يعقل تقدم الصفة على الموصوف، و يجب التنبه في هذا المقام الى أن المستفاد من كلمات الشرع المروية عن النبى صلّى الله عليه و آله و الأئمة الراسخين في العلم حدوث العالم كله، مثل: ((كان الله و لم يكن معه شىء)) و غير ذلك من المأثور، و ظاهرها الحدوث الزمانى، و لكها ليست بحيث لا تحتمل التأويل، بأهل التحقيق يؤولونه بأن الله لم يكن معه شىء أزلا و أبدا، و الحكماء أيضا قائلون بحدوث ما سوى الله، الا أنهم يقولون بحدوث الزمانى في الزمانيات، و حدوث الذاتى فيما فوق الزمان، و من المعلوم أن تأويل بعض الآيات و الأحاديث التي يأبى العقل معناها الظاهرى كقوله تعالى: ((الرحمن على العرش استوى)) و قوله تعالى: ((و جاء ربك و الملك صفا صفا)) المشعر في الظاهر بالجسمية تعالى الله عن ذلك، و كما ورد في الحديث: ((ان الله تبارك وتعالى ينزل في آخر الليل (ليلة الجمعة) الى سماء الدنيا و ينادى هل من داع و هل من مستغفر)) ـ أن تأويل أمثال ذلك بما يوافق العقل و محكم الآيات جائز بل واجب. و لكن لا ينبغى الاجتراء في هذا الأمر و فتح باب التأويل في جميع المتشابهات الا ماورد عن المعصوم.

و لنرجع الى المسألة المبحوث عنها و بيان طريق أهل الحق في اثبات المبدأ الأولى و وجود الحق تعالى الذى بينه الشيخ في كتبه، و منه ما في الاشارات الذى نقله الدكتور (تأمل كيف لم يحتج بياننا الى آخرة) و الحق أن هذا الطريق هو

/ صفحه 43/

الذى لا يتطرق الخلل اليه، و لا سبيل للشك و التردد فيه، و هو الذى تطمئن به النفس و تستريح من الشبهات و الصعوبات النظرية، و هو قريب المسافة من المطلوب بشرط تعمق النظر و التأمل التام في حقيقة الوجود، و أن لهذا المفهوم البديهى الذى يعرفه كل أحد حقيقة أحدية صرفة هى محض الوجود لا يشوبه شىء من شوائب الأعدام، و لوازم الامكان، كما أن لكل مفهوم حقيقة صرفة هى منشأ انتزاع المفهوم الكلى، الا أن مفاهيم الممكنات لا يتثور منها غير ماهياتها التي ليست من حيث هى الا هى، و تصور وجودها أمر آخر ملازم ((لتصور العلة يخلاف حقيقة الوجود، فانها نفس الوجود الظاهر بنفسه المظهر لغيره، غير أنه لا يعرف بالكنه، لأنه لا حد له يعرف به، فإن الحد عبارة عما به الاشتراك، و ما به المتياز، و ليس للوجود اشتراك مع الغير، لأن غيره عدم صرف، و اذ لا حد له فلا ماهية له، بل ماهيته انيته، فهو الموجود بالحقيقة، و هو الواحد الحق، و ليس كمثله شىء، و اذ هو الموجود بالحقيقة ـ فهو الدليل على نفسه، كما في الدعاء المعروف بدعاء الصباح، المنسوب الى أمير المؤمنين على (عليه السلام): ((يا من دل على ذاته بذاته، و تنزه عن مجانسة مخلوقاته)) و في دعاء الامام الحسين السبط (عليه السلام) في يوم عرفة ((كيف يُستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ عمِيتْ عين لا تراك و لا تزال عليها رقيبا)) و في دعاء الامام على بن الحسين (عليه السلام) الذى كان يقرؤه في أسحار شهر رمضان: ((إلهى بك عرفتك، و أنت دللتنى عليك، و دعوتنى اليك)) .

فاذا كان هو منشأ وجود الماهيات، فهو الدليل على كل شىء، كما قال تعالى شأنه:

((أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد)) ؟