/ صفحه 73/
مدى الوحدة السياسية بين المسلمين
لفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ عبد المتعال الصعيدى
المدرس بكلية اللغة العربية
من أغراض جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية: السعى في ازالة ما يكون من نزاع بين شعبين أو طائفتين من المسلمين و التوفيق بينهما، و قد وضعت الجماعة أساسا للتوفيق بين المسلمين من الناحية الدينية، و ألقت على السياسة تبعة ما حصل بينهم من نزاع و تفريق، و قد أردت في هذه الكلمة أن أعالج الناحية السياسية التي كان لها اثرها في هذا التفريق، ليقوم الخلاف فيها على اساس التسامح السياسي،
كما يقوم الخلاف بينهم من الناحية الدينية على أساس التسامح الدينى، و هو بحث جديد أرجو من الله التوفيق فيه، و الهداية الى الاساس الصحيح للتسامح السياسى بين المسلمين.و يجب أن نرجع في بحث هذا الموضوع الجديد الى القرآن الكريم أولا، ثم الى السنة الشريفة ثانياً، ليكون بحثا دينياً دقيقاً، و يهتدى فيه الى أساس للتسامح السياسى مستنبط من هذين الاصلين الكريمين، فلا يسعنا الا الاخذ به، و السير في الطريق الذي يهدى اليه.
لقد قال الله تعالى في الايتين - 9 و 10 - من سورة الحجرات
((و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفىء الى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينها بالعدل و أقسطوا إن الله يحب المقسطين، انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم و اتقوالله لعلكم ترحمون)) ./ صفحه 74/
فأفاد أن النزاع بين المسلمين لا يؤثر في عقيدتهم الدينية و إن وصل الى حد التقاتل، اذا يقول: ((و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما))
فجعلهما من المؤمنين مع اقتتالهما، فأفاد بهذا أن اقتتالهما لا يؤثر في عقيدتهما، و لم يستثن من هذا طائفة منهما، مع أن لا بد أن واحدة منهما تكون على حق في هذا التقاتل، و تكون الاخرى على باطل، ولكنه باطل في السياسة لا يؤثر بشىء في الدين، و لا يقدح في أصل العقيدة.ثم أفاد أن ذلك التقاتل بين الطائفتين لا يؤثر في أخوتهما لنا، فأبقى بيننا و بينهما هذه الاخوة، كما أبقى لهما عقيدتهما، و لم يفرق في هذا أيضا بين محق و مبطل فكل منهما تبقى أخوته لنا، و لايؤثر فيها خصومتهما، بل قد يفيد ذلك بقاء هذه الاخوة بين الطائفتين، كما تبقى بين أخوين في النسب يقاتل أحدهما الاخر.
و قد أمر في الايتين بالصلح بين الطائفتين، فإن أبت احداهما الصلح و بغت على الاخرى وجب قتالها الى أن تفىء الى الصلح، و ترضى بما يقضى به بينهما بالعدل، و ما أسمى القرآن الكريم حين يأمرنا بالصلح أولا بين الطائفتين المقتتلتين، مع أن فيهما محقة و مبطلة، و ما أكثر ما تندفع الطبيعة البشرية الى الانضمام في التقال الى الطائفة المحقة، ولكن القرآن أسمى من أن يندفع مع هذه الطبيعة البشرية، لان مثل هذا يزيد في الخلاف بين الطائفتين، و انما الواجب السعى في الصلح بينهما أولا، فإن بغت احداهما على الاخرى عوملت بالقوة، حتى تفىء الى أمر الله، و ترجع الى طاعة ولى الامر، فيكون قتالها مشروعا يدعو اليه نظام الدولة، و وجوب طاعة المحكوم للحاكم.
و لا شك أن القرآن يدعونا بهذا الى الاخذ بالتسامح في خلافنا السياسى، لانه لم يصل الى قطع ما بيننا من رابطة الايمان، و لم يؤدّ به الى قطع أخوة الإسلام، ليمكن الوصول الى الصلح فيه بسهولة، فاذا انتهى بالصلح لم يكن له أثر فيما يتعلق بالعقيدة الدينية، بل ينتهى بانتهائه كل أثر له، و لا يبقى منه ما يكدر ما حصل من صلح بل يرجع كل من الطائفتين الى الاخرى كما يرجع الاخ الى
/ صفحه 75/
أخيه، لم يقطع نزاعهما ما بينهما من صلة النسب، و لم يوهن ما بينهما من رابطة القرابة.
و اذا كان القرآن قد وضع بهذا أصل التسامح في اختلاف السياسى بين المسلمين و اذا كان قد حكم بأن هذا الخلاف لا يؤثر في العقيدة الدينية و لا في الاخوة الاسلامية، فإن السنة النبوية قد زادت في هذا التسامح، و جعلت لكل طائفة من المسلمين الحق في أن تراعى ظروفها السياسية، فلم تبالغ في أمر الوحدة السياسية بينهم الى الحد الذي لا تراعى فيه هذه الظروف، و لا تعطى فيه كل طائفة من المسلمين الحرية في توجيه سياستها توجيها يلائمها.
فقد عقد النبى
(صلّى الله عليه و سلّم) قبيل الهجرة معاهدة مع الانصار أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم و أبناءهم اذا هاجر اليهم، فكانت معادهة دفاعية لا تكلفهم الا الدفاع عنه اذا قصده أحد بأذى، و لم تكلفهم أن يشاركوه في الهجوم على أحد من أعدائهم.فلما هاجر الى المدينة و أراد أن يحاسب قريشا على اخراجها لهم من مكة، و على ما نهبته من دورهم و أموالهم، و على تعذيبها للمستضعفين من المسلمين الذين بقوا فيها، ترك أولئك الانصار على معاهدتهم الدفاعية، و لم يشأ أن يحملهم على مشاركته في الهجوم على قومه، لان ظروفهم لم تكن تتحمل أن يشاركوه في هذا الهجوم، لحداثة عهدهم بالاسلام، و لانه لم يكن بينهم و بين قريش ما كان بينها و بين المهاجرين.فمضى هو و المهاجرون وحدهم في ذلك الهجوم، عقب هجرتهم الى المدينة، و قد بدأ هجومه على قريش في شهر رمضان من السنة الاولى للهجرة، فأرسل عمه حمزة ابن عبدالمطلب في ثلاثين رجلاً من المهاجرين، ليعترض عيراً لقريش آيبة من الشام فلما تصافوا للقتال حجزبين الفريقين مجدى بن عمرو الجهنى، فأطاعوه و انصرفوا، و قد شكر له النبى صلّى الله عليه و سم عمله، لما كان من قلة عدد المسلمين و كثرة عدوهم.
/ صفحه 76/
ثم أرسل في شوال من هذه السنة عبيدة بن الحارث ابن عم حمزة في ثمانين راكبا من المهاجرين، ليعترض عيراً أخرى لقريش فيها مائتا رجل، فكان بينهم الرمى بالنبل، ثم خاف المشركون أن يكون للمسلمين كمين، فانهزموا و لم يتبعهم المسلمون.
ثم كانت غزوة ودّان في السنة الثانية للهجرة، لاثنتى عشرة ليلة خلت منها، و قد خرج فيها النبى
(صلّى الله عليه و سلّم) و معه أصحابه من المهاجرين، فلما بلغ ودّان وجد عير قريش التي كان يقصد الاستيلاء عليها قد سبقته، فرجع من غير حرب.و قد خرج بعدها في شهر ربيع الاول من هذه السنة لعير لقريش آيبة من الشام، و كان معه مائتان من المهاجرين، فسار حتى بلغ بواط، فوجد العير قد فاتته، فرجع أيضا من غير حرب.
ثم كانت غزوة بدر الاولى في جمادى الاولى من هذه السنة، فسريّة عبدالله ابن جحش في رجب من هذه السنة. فلم يخرج فيها أيضا لقتال قريش الا المهاجرون من المسلمين، و بهذا كان المسلمون في هذه المدة الطويلة فريقين: فريق في حالة حرب مع قريش، و هو فريق المهاجرين، و على رأسهم النبى
(صلّى الله عليه و سلّم)، و فريق لم يكن في حالة حرب مع قريش، و هم الانصار من أهل المدينة، و لم يكن لاختلاف حالهما في ذلك أثر في علاقتهما الدينية و السياسية، بل كانت العلاقة بينهما على أحسن ما يكون، و كأنه لم يكن هناك حالة حرب يصلى نارها المهاجرون وحدهم و لا يلقون فيها مساعدة من اخوانهم الانصار، و قد كان المهاجرون في ذلك الوقت قلة، فكانوا في أشد حاجة الى مساعدة أولئك الاخوان، و كانت كثرة قريش تقضى بانضمامهم اليهم في حربها، لتكون هناك موازنة بينهم و بينهم، ولكنهم آثروا أن يمضوا في حربها وحدهم، و لم يشاءوا أن يلجئوا اخوانهم من الانصار الى مشاركتهم في حربها، مراعاة لما سبق من ظروفهم، و الإسلام دين يسر و تسامح، فلا يأخذ أموره بالشدة، و انما يأخذها بالتأنى و التدبر./ صفحه 77/
فلما كانت غزوة بدر الثانية في شهر رمضان من تلك السنة، خرج النبى
(صلّى الله عليه و سلّم) لعير لقريش آيبة من الشام، و كان معه ثلاثة عشر و ثلثمائة رجل، و كان منهم نيّف و أربعون و مائتان من الانصار، و الباقون من المهاجرين، فخرج الانصار فيها من أنفسهم، بعد أن قدم عهدم بالاسلام، و بعد أن تمكنت عقيدته من قلوبهم، و قويت رابطتهم باخوانهم المهاجرين، فلم يكتف النبى (صلّى الله عليه و سلّم) برخروجهم معهم من أنفسهم، لانهم قد يكونون متورطين في خروجهم و هو لا يحب أن يأخذهم بهذا الشكل، و انما يريد أن يأخذهم بشكل صريح، ليكونوا معه بنية خالصة، و ليشاركوه بعزم صادق.فلما دنا وقت القتال و أخذ المسلمون يتشاورون فيه، أقبل على الانصار فقال لهم: أشيروا علىّ أيها الناس، يريد أخذ رأيهم في قتال قريش، لان بيعتهم له قبيل الهجرة لم تكن تلزمهم بالاشتراك في مثل هذا القتال، فقال سعد بن معاذ سيد الاوس من الانصار: كأنك تريدنا يا رسول الله. فقال: أجل. فقال سعد. قد آمنا بك و صدقناك و أعطيناك عهودنا، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذاالبحر فخضته لنخوضنه معك، و ما نكره أن تلقى بنا العدو غدا، انا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، و لعل الله يريك منا ما تقر به عينك:
و قد أخذ المسلمون بعد النبى
(صلّى الله عليه و سلّم) بهذه السماحة في أمورهم السياسية، فاختلفوا فيها اختلافا سمحا كريما حين كان الإسلام لايزال غضا طريا، و حين كان المسلمون من السابقين الاولين، لهم سماحتهم الدينية، و لهم مرونتهم السياسية، و كان أول خلاف لهم فيمن يلى الحكم بعد وفاة النبى (صلّى الله عليه و سلّم)، فرأى الانصار أنهم أولى به لانهم أهل دار الهجرة، و رأى المهاجرون أنهم أولى به لانهم قوم النبى (صلّى الله عليه و سلّم)، و رأى على بن أبى طالب أنه أولى به لاسباب قامت عنده، فلما تم الامر لابى بكر مكث علىّ نحو ستة أشهر من خلافته ثم بايعه بها و هو يرى أنه أحق منه بالحكم، لانهم لم يكونوا يغالون في الاختلاف في الرأى الدينى أو السياسى./ صفحه 78/
فكان علىّ يرى هذا حقا له لا حرج عليه في الاغضاء عنه، جمعا للكلمة، و حذراً من الفرقة، و قد تخلف أيضا سعد بن عبادة الانصارى عن بيعة أبى بكر، و مضى على رأيه في أنه أحق بها منه لانه من الانصار، فلم يجبره أبوبرك على بيعته، و لم ير في تخلفه عن بيعته ما يقدح في دينه، لان هذا خلاف سياسى لا شأن له بالدين، و كذلك لم ير سعد في استئثار أبى بكر بالخلافة دونه مطعنا في دينه، فلم يتغال في خلافه، و لم يتجاوز به حد ما عرفوا به من السماحة، و لم يكن منه الا أن خرج الى الشام فأقام بها، و قد مكث بها الى أن توفي بحوران سنة خمس عشرة من الهجرة، و قيل انه توفي ببصرى.
و كذلك كان على بن أبى طالب مع من خرج عليه في خلافته، لانه قبل التحكيم مع معاوية، فرأى أن خلافته الثابتة لا يؤثر فيها قبوله التحكيم فتسامح بقبوله قطعا لحجة مخالفيه، و كان يقول لهم: ان لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، و لا نمنعكم الفىء ما دامت أيديكم مع أيدينا، و لا نقاتلكم حتى تبدءونا.
فكان على بن أبى طالب يرى في أولئك الخوارج هذا الرأى السمح الذي يليق بالمسلمين الاولين، مع أنهم يرون فيه رأيهم الباطل لرضاه بالتحكيم، فكانوا أول من سنّ بدعة التنطع في الدين و أول من خرج على أخوة الايمان، و بعد عن أخذ الامور بالمرونة و السماحة، لان الواحد منهم كان يرى الرأى و السيف في يمينه، يحاول به حمل الناس عليه، و يقاتل به من يخالفه فيه.
و لم تزل بدعتهم تنتشر بين المسلمين حتى تمكنت من نفوسهم جميعا، و صاروا أقرب الى التنطع في الدين و الساسية منهم الى المرونة و السماحة فيهما، و قد آن لنا أن نرجع في أمورنا الى سماحة سلفنا الصالح، لتصلح أحوالنا، و تتطهر بالمحبة نفوسنا، و تصفو بالمودة قلوبنا.