/ صفحه 87/

في ميدان التقريب:

ادب الدعوة الى الحق

لحضرة المجاهد الاسلامى الكبير السيد محيى الدين القليبى التونسى

في الحفل الذي أقامه المركز العام للاخوان المسلمين بالقاهرة تكريما لسمو الامير سيف الإسلام الحسن رئيس وزراء اليمن، سمعت هذا الامير الوزير يقول في كلمة الشكر التي أجاب بها خطباء الحفل الذين نوهوا بشأنه، و تمنوا لبلاده على يديه كل خير، و وضعوا أصابعه على كثير من نقط هذا الخير الذي تمنوه لليمن و أهل اليمن، سمعته يقول في جوابه: ان التناصح واجب بين المسلمين يؤديه بعضهم لبعض، ولكنى أرى أن أداء النصيحة في لين و لطف و دون تحمس و شدة مما يودى الى الاخذ بها، و العمل بمقتضاها.

كلمة صريحة صحيحة أدلى بها هذا الامير لا تختص بالموضوع الذي قيلت فيه، ولكنها تعم كل الناصحين و الهداة، فالمسلم الداعى الى الخير و الناصح لاخيه هو مدفوع بالحب الذي يملا قلبه، و الذي صيره يحب لاخيه ما يحب لنفسه من السير على الصراط السوى للوصول الى الهدف الاسمى، و الحب عادة لا تصحبه الشدة و لا القسوة، و ان مظهره اللطف و العطف و اللين، و ليس بعد أدب الله أدب، و لا وراء هداية كتابه هداية: ((ادع الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة)) .

فلو التزم المسلمون في تناصحهم و هداية بعضهم لبعض، هذا الادب العالى ما وقعت الخصومة بينهم، و لا اتسع نطاق الفتنه و الخلاف حتى أضحت مهاترة

/ صفحه 88/

و حرباً انهار بها الكيان الاسلامى دولة و عقيدة، فلقد رأيت و سمعت في رحلتى الاخيرة التي قمت بها في الشرق العربى من أقوال و أعمال بعض العلماء الذين يلبسون لباس الهداية و النصح ما يبرأ منه الإسلام، و حتى أبسط مظاهر الخلق الكريم، رأيتهم يدعون للدين بما يهدم الدين، و ينصحون للمسلمين بما يثير الفتنة بين المسلمين، و يحمل كل منهم من الحقد الذي يفيض به قلبه و لسانه للطائفة المخالفة له ما لا يحمله للمستخفين بالدين و لاعداء الإسلام و المسلمين من المستعمرين و كأن هؤلاء معاول الاستعمار تعمل لهدم ما بقى من كيان هذا العالم الاسلامى، و تفريق ما تجمع من شتاته بايقاظ الفتنة المذهبية و النعرات الطائفية بين المسلمين و الاحتجاج بتخريف العامة والدهماء و تزييف وتحريف من على شاكلتهم من أشباه العلماء، و ما كان أغنى المسلمين و هم اليوم فريسة بين براثن الاستعمار عن هذا الاستهتار، و رأيت لو أننى نصحت لهؤلاء و هؤلاء بعنف، و حاولت صدهم عما هم فيه بشدة لفروا، و لاصبحت طرفا ثالثا في الخصومة، ولكننى أخذت بأدب الله في الدعوة الى ما أمر من أخوة و اتحاد، فاستجاب الناس الى ما دعوتهم اليه و كفوا عن التقاذف بالتهم، و أخذوا في التقارب بصفاء وود، و تلك مهمة المسلم خصوصا في هذه الحالة و هذا الزمان.

* * *

لقد افترق المسلمون في فجر تاريخهم، و اكتووا بنار تلك الفتنة. افترقوا في السياسة، و اخلتفوا في نظام الحكم، ولكن لارتباط السياسة بالدين، انتقل الخلاف من نظام الدولة الى العقيدة، و تطور التباين في الرأى الى مهاترة و خصومة، ثم الى حروب سالت فيها الدماء و أهدرت كرامات و انتهكت حرمات تفككت بها وحدة، و انهارت بها قوة، و لا نتجاوز الحقيقة اذا قلنا ان السبب الاكبر في كل ذلك هو الخروج عن الادب الذي أدبنا الله به في الدعوة الى الله و الى ما أنزل من الحق، و الاخذ بما تمليه الشهوة و العاطفة اللتين هما مرتع الشيطان من الاعتداد بالنفس و العصب للرأى، و أخذ المخالف بالشدة، و التسرع في رميه

/ صفحه 89/

بالضلال، بل بالفسوق و العصيان و الكفر، فيقوم بذلك بين المختلفين سد من العداوة و البغضاء يحول بين الهداية و وصولها الى القلب فينعدم أثر التناصح.

و لقد وجد على مر العصور علماء انتهازيون حول كل حكومة قامت على نظرية من نظريات الحكم المختلف فيها، كانوا يخدمون ركابها، و يتقربون اليها بتدعيم مذهبها الذي قامت عليه، و ابتكار صور له من نصوص الدين، طمعا في مالها و جاهها، و في الوقت نفسه يتقربون الى العامة بمجاراتهم في اشاعة الفتنة وقالة السوء ضدّ مخالفيهم، فاستحكم بعملهم هذا الخلاف بين الحكومات واشتعلت نار الفتنة بين الطوائف، ولا يمكن ان يكون غير هذا اذا تولّى العامة و من في منزلة العامة من العلماء التحدث في الدين بالشهوة لا باليقين، و لو رجعنا الى المكتبة الاسلاميه مثلا و أحصينا الكتب التي ألفت في تغذية الخلاف بين المسلمين الى جانب الكتب التي تعمل على اصلاح ذات البين، لاتضح لنا كيف كانت عوامل الشر أقوى و أعظم بكثير من عوامل الخير، و لعلمنا علم اليقين السر في بقاء الخلاف بين المسلمين على أشده الى اليوم ككائن حى، ينمو و يقوى خصوصا اذا احتضنته أيدى أعداء الإسلام رغم أن المسلمين فقدوا الدولة التي اختلفوا على نظامها، و السلطان الذي تنازعوا عليه، وضعف الدين الذى نقلوا اليه الخلاف و تفرقوا فيه، و أخيرا فقدوا وجودهم و تخطفهم الناس، فهم على كثرتهم العددية غثاء كغثاء السيل، لايملك أحدهم حرية ادارة بيته فضلا عن بلاده و أمته و المسلمون هم الذين هيأوا أنفسهم لهذا المآل بمضيهم في الخلاف و محافظتهم عليه و تغذيتهم لاسبابه، و لقد شعر غير واحد من المسلمين الصادقين بخطورة الحالة التي آل اليها العالم الاسلامى أمة و دولة و عقيدة، فأجمعوا و تجمعوا لوضع حد للماضى بما فيه، و استئناف حياة جديدة تبتدى بتوحيد قلوب أهل التوحيد حول الاصول العليا للاسلام، و أن تكون الدعوة للحق بالحق، و بما أدبنا به الحق تعالى، و هدانا اليه في محكم آياته من وسائل تتفتح بها القلوب، و تقبل عليها النفوس، و أن ما عدا ذلك من تراث كل طائفة من طوائف المسلمين لها أن تحتفظ به، و ليس لها أن تجادل أو تجادل فيه، و أن يكون الخلاف في الرأى خلافا

/ صفحه 90/

علمياً طاهراً نقياً لايدعوا الى الخصومة، و لا يورث الحقد و البغضاء بين المتخالفين يجب اليوم أن نتحد و نتعاون لبناء الوحدة التي أرادها الله و الامة التي شهد الله لها بالخير، و أن نبرز الاخوة الاسلامية في أجلى مظاهرها، و قد أمرنا الله بالمحافظة عليها، و أنذرنا عواقب تركها، و أن نعمل بقلوب مخلصة على انقاذ الكيان الاسلامى من الاستعباد، و نقيم الدولة التي تحمى العقيدة، و تؤدى رسالتها لخير الانسانية.

يجب أن نعمل جاهدين على توحيد القلوب في الاجيال الحاضرة بالدعاية و بكل و سائلها، و في الاجيال المقبلة بالتعليم و على الخصوص في المعاهد الدينية الاسلامية، و هنا تتجلى مهمة القائمين عليها في هذا الامر و ما يجب عليهم من انتقاء الكتب و تطهيرها من لوثة الخلاف المفرق، و الجدل و الاتهامات التي تورث الاحقاد بين أهل الدين الواحد الموحد، و أن تلهم الذين وكل اليهم أمر تربية هذا الجيل أن ينشئوه على التسامح و سعة الصدر و احترام الاراء، و تقدير العقائد، و ان الدين الاسلامى الذي أمرنا أن نحسن و نقسط و نبر بأهل الاديان الاخرى، لا يمكن، بل لا يسمح لنا أن نكون حربا على اخواننا في الدين، و هذا التوجيه يكون له بدون شك الاثر الفعال في البعث الاسلامى الجديد الذي أصبحنا نلمسه في وعى المسلمين العام، و حسن اتجاه كثير من قادتهم.

و انى كما ابتدأت هذا الحديث بكلمة الامير الوزير اليمنى أختتمه بكلمة الزعيم الاسلامى العظيم أبى القاسم آية الله الكاشانى التي سمعتها منه في مجلس جمعنى و اياه بدمشق، و قد سأله أحد الحاضرين عن رأيه في الخلاف بين السنة و الشيعة، و كان الحاضرون في هذا المجلس عددا كثيرا من الطائفتين، و ظن السائل أنه أحرج الزعيم بهذا السؤال ولكنه أفحمه اذ قال له: أنا مسلم، لا أعرف الا الإسلام الذي جاء به محمد من عند ربه و هو الذي يجب أن يتحد عليه المسلمون، أما ما عدا ذلك فلكل أن يحتفظ بما عنده لنفسه، و ان كل المسلمين يجب أن يتحدوا اليوم لمقاومة الاستعمار بقلب رجل واحد، و أن يعتصموا بحبل الله كما أمرهم الله، و ألا يتفرقوا، فحالة المسلمين أخطر مما نتصور و وجوب اتحادهم للانقاذ و الخلاص هي أو كد من كل شىء الان.

تلك هي آرائى التي اكتسبتها من مدرسة القرآن.