/ صفحه 91/
قال شيخى
لحضرة الكاتب الفاضل الاستاذ أحمد محمد بريرى
لقد لامنى عند القبور على البكا *** رفيقى لتذارف الدموع السوافك
و قال أنبكى كل قبر رأيته *** لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك؟!
فقلت له: ان الشجا يبعث الشجا *** فدعنى فهذا كله قبر مالك
* * *
ان الشجايبعث الشجا: تعبير صادق عن حال طبعية، لقد بكى حين رأى القبور فلامه صاحبه، لان قبر مالك بن نويرة شقيق الشاعر الثاوى بين اللوى والدكادك
)) ليس من القبور التي بدت لهما. أفهو - من أجل ذلك القبر - باك كل قبر يراه؟ و لم لا؟ أفليس الحزن يبعث الحزن؟قلت: ليس القبر ذاته حزنا و انما هو صورة مادية.
قال: أفليست صورة محزونة باكية، أم تريدنى على أن أترك هذه المعانى الواضحة الفصيحة للاشكالات الشكلية فأقول، مثلا: الكلام على حذف مضاف تقديره علامة الشجا أو صورته أو دلالته؟ ان الرجل الامى لحرى أن يفهم كلام متمم بن نويرة متى كشف له عن معنى اللفظ الذي لا يعرفه دون ما حاجة الى تقدير مضاف أو التعليل بوجه من أوجه المجاز، نعم فهذه القبور جميعها أو هذا كله قبر مالك.
/ صفحه 92/
قلت: هذا كله قبر مالك مجازا لاحقيقة.
قال: لو سمعك متمم لاعياء فهم ما تعنى بالمجاز و الحقيقة.
قلت: فما خطبه حتى لايعرف الحقيقة و المجاز؟
قال: خطبه أن أصحاب
((البيان)) الاصطلاحى لم يكونوا قد خلقوا حين قتل أخوه أيام الردة. فصلى ذات يوم الصبح مع أبى بكر رضى الله عنه ثم أنشد:نعم القتيل اذا الرياح تناوحت *** تحت العضاة قتيلك ابن الازور
أدعوته بالله ثم قتلته *** لو هو دعاك بذمة لم يغدر
فقال(رضي الله عنه): والله ما دعوته ولا قتلته. فقال متمم:
لا يضمر الفحشاء تحت ردائه *** حلو شمئله عفيف المئزر
ولنعم حشو الدرع أنت وحاسرا *** و لنعم مأوى الطارق المتنور ألا تراه برا طاهرا هذا
((العفيف المئزر)) الذي لايطوى الفحشاء تحت ردائه؟انه لشجاع سواء أكان دارعا أم حاسرا. ثم هو قبل هذا جواد اذا تناوحت الرياح و هي انما تتناوح أو تتقابل، حين الجدب و البأساء، فكيف تراه اذن حين الخصب و الرخاء.
قلت: أفكان بالله ابن نويرة مرتدا حين قتله خالد بن الوليد مع غيره من أسرى قومه؟
قال: مسألة فيها قولان. بل ان أصحاب الخبر و السير جمعوا اليهم أصحاب اللغة في أمر مالك.
فلقد زعموا أن خالدا لم يزد على أن قال: أذفئو أسراكم. و كانت ليلة قر، و ما كان ادفاء الاسير في لغة القوم الا قتله، و كان مالك بين الاسرى فلذلك قتل.
و لعلك قرأت أو سمعت أن عمر كان على غير مذهب أبى بكر رضى الله عنهما في قضية مالك.
قلت: أو كان في الامكان أن يكون لابى بكر و عمر رضى الله عنهما، مذهبان في مسألة كائنة ما كانت؟
/ صفحه 93/
قال: لوقلت: أو كان في الامكان ألا يكون لابى بكر و عمر مذهبان في مسألة؟
انه لفطرى أن تختلتف آراء الناس و يذهبوا مذاهب شتى، و لو أبناء شريعة واحدة.
دع الشرائع السماوية و انظر في النظم الوضعية، أترى أصحاب الفقه الفرنسى، مثلا قولا واحدا؟
قلت: بل أقوالا و مذاهب كثيرة. ففى الفقه الدستورى أرى
((اسمان)) و ((ديجى)) و غيرهما، و لكل مذهب، و في فقه القانون المدنى أرى ((بلانيول)) و ((كاپيتان)) و ((حوسيران)) و غيرهم، و لكل مذهب، و هكذا في سائر فروع القوانين العامة و الخاصة. و ان الامر لفطرى وجد مفهوم في الشرائع الوضعية. أفكذلك هو في الشريعة الاسلامية؟قال: لعله كان حقيقا بى أن أسألك: ان الامر فطرى وجد مفهوم في الشريعة الاسلامية، أفكذلك هو في الشرائع الوضعية؟ ذلك بأن الإسلام دين الفطرة،
((فطرة الله التي فطر الناس عليها)) . و تالله لقد فطرهم مختلفين صورا و فكرا، فلا جرم يختلف الرأى بينهم و تتعدد مذاهبهم. ولكن الشارع الوضعى يستطيع أن يصد عن سبيل الفطرة فيعرج أو يلتوى حيث شاء أو شاءت له الصناعة.قلت: في وسع الشارع الوضعى أن يسلك غير منهاج الفطرة... و لست أشك في أن الغرور قد خامره أحيانا فوضع نصوصا حسبها بينة بيانا يعصمها من خلاف المفسرين، و تأويل المتأولين، الا أنهم مع هذا، اختلفوا فيما بينهم، و ذهبوا كل مذهب
قال: و اذ تركت الفقهاء و أصحاب المقالات النظرية لم تعدم الخلاف و المذاهب في دور القضاء، بل في المجالس النيابية.
أفليس لانجلترا دستور واحد، في حين ترى الذين يقدسونه و يدينون به منقسمين الى
((عمال)) و ((أحرار)) و ((محافظين)) الى آخر ما هنا لك فاذا تجاوزت/ صفحه 94/
انجلترا الى فرسنا هالك كثرة المذاهب.. أنها لامثلة نضربها فلا استرسل، و لا أذهب بك كل مذهب، فأجرك الى آمريكا و غيرها، و حسبك ما ذكرنا.
قلت: لو حاولت عد المذاهب الفقهية أو غيرها في أى بلد من أوربا أو أمريكا فقد أخطىء أو يخطئنى الحصر، فعساى أن أنسى بعضها، أو عساها أن ينشأ منها جديد، و لما نره أو نسمع به. بيد أن اختلاف الرأى هناك لم يؤد الى أن يختصموا و يتقطعوا أمرهم شيعا بينهم. ذلك بأنهم، مهما ذهب الرأى بهم، يؤمنون بنظام أصيل أو أصلى، و يعلمون أن هذا النظام لايدعوهم الى الفرقة أو الاختصام انهم ليذهبون ما شاءوا من المذاهب، و ينسبون الى ما أرادوا من الاحزاب، ولكنهم لا يتقطعون أمرهم شيعا بينهم.
قال: مؤدى كلامك أنهم يختلفون في الفروع لا في الاصول.
فقلت: و مؤدى هذا المؤدى أنهم لايختصمون و لا يبتعدون بعضهم عن بعض.. أفليسوا أمة واحدة؟ و مذاهبهم: اليست أباء أصل واحد ان قسنا قرابة الرأى بمقياس قرابة الدم...؟
قال: ان منطقك هذا لا ينطبق انطباق تاما الا على الشرعية الاسلامية و فقها و مذاهبها. فإن مصادر النظم الفرنسية أو الانجليزية أو الاميركية قد تتعدد.
قلت: ان تعدد المصادر لا يعنى تعدد النظام. فالدستور الفرنسى هو هو مهما تعددت مصادره.
قال: فما بالك بنظام هو هو، كما تقول،، ثم هو، فوق كونه هو هو، غير متعدد المصادر؟
قلت: انه للمثل الاعلى لجمع الكلمة مع اختلاق المذهب أو الرأى.
قال: فذلك هو النظام الاسلامى.
قلت: المذاهب الاسلامية، اذن، قريبة بعضها من بعض، إنها لذرية أب واحد، أو فروع أصل واحد، بل ان أباها جميعا أو أصلها - على خلاف النظم
/ صفحه 95/
الوضيعة - واحد المصدر، أفليس الامر كذلك؟
قال: هو كذلك فماذا بعد؟
قلت: أما بعد: فما للمسلمين قد ذهبت بهم
((المذاهب)) الى حيث ألقت رحلها أم قثّهم؟ما بالهم تقطعت بهم الاسباب، فخرجوا من حيز أبناء الاصل الوحيد المصدر الى مجاهل الفرقة و الانقسام، حتى لكأنهم أمم لايجمعها نسب و لا يربطها سبب؟
قال: اذا كانوا كذلك فقد خرجوا على حكم الله
((ان هذه أمتكم أمة واحدة)) هكذا قال أصدق القائلين و رب العالمين.انه لجد معقول أن يذهب المسلمون مذاهب مختلفة على أن الاصول مؤتلفة، فتلك سنة الله، أما أن يفترقوا، و قد جمعتهم كلمة الله فذلك هو الخسران المبين.
قلت: أسأل عن العلة فيما فعلت فيهم المذاهب من أفاعيل.
قال: العلة بسيطة بساطة الجهل.
قلت: كيف هي بسيطة بساطة الجهل؟
قال: لانها - أعنى العلة التي نسأل عنها - هي الجهل عينه.
قلت: الجهل غمة يكشفها العلم.
قال: يبدو أن
((الجهل)) ليس شيئا بسيطا.قلت: أتعنونه مركبا؟
قال: بل أعنى أن الجهل ليس ضد العلم فقط، ارجع الى اللغة و الى القرآن الكريم تجد كلمة
((جهل)) تفصح عن معان أخرى غير عدم العلم أو المعرفة و تتبين أنك لا تخطىء التعبير اذا تحدثت عن علم الجهلاء أو جهل العلماء.