/ صفحة 119/
تفسير القرآن الكريم
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ محمود شلتوت
سورة المائدة
-3-
خلاصة ما سبق ذكره عن الندائين الاولين - النداء الثالث - مقدمة في الصلاة - مكانة الصلاة من الدين و كونها عنصرا من العناصر المكونة لشخصية المؤمن - أثرها في تهذيب النفوس - كونها أقدم عبادة عرفت مع الايمان في جميع الشرائع - عناية الإسلام ببيان صفتها و أحكامها و جميع ما يتصل بها - هل يؤخذ عدد الصلوات المفروضة من القرآن - فضل صلاة الجماعة - دلالتها على أن الصلاة ليست مجرد عبادة شخصية - اشتمال الصلاة على جميع أساليب التعظيم - تيسير الله على عباده في الصلاة - توحيد الاتجاه الى القبلة و حكمته - شرح آية الطهارة - الوضوع و الاختلاف في أركانه و شروطه - رأينا في المسح بالرأس - و في النية - و فى التدليب - و في الترتيب - و في الاذنين و المرفقين و الكعبين - رأى الجمهور في فريضة ((الرجلين))
- حجة من قال ان الفرض مسحهما لا غسلهما - رد الامام الرازى عليهم - رأينا في ذلك - دلالة هذا الخلاف على سعة الشريعة و يسرها - الغسلخلاصة ما سبق ذكره عن النداءين الاولين:
قرر النداء الاول من النداءات الالهية في هذه السورة الكريمة:
((يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)) . الاساس في مسئولية الالتزام التعاقدى، و هو تشريع كلى يتناول الالتزام التعاقدى بين الله و عباده سواء أكان منشؤه الفطرة التي خلقهم عليها، أو التكليف الذي بعث به الرسول و أنزل به كتابه، و يتناول الالتزام التعاقدى بين الافراد بعضهم مع بعض، و بين الجماعات و الامم بعضهم مع بعض.و خلاصته أن الوفاء به واجب، و هو على اطلاقه يتناول كل تعاقد ما لم يتضمن أو يشتمل على تحريم ما أحل الله، أو احلال ما حرم.
و قرر النداء الثانى:
((يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله)) : وجوب المحافظة على الشخصية الدينية لجماعة المؤمنين، و هو تشريع/ صفحة 120/
كلى أيضا، يتناول أشياء كثيرة كما يشمل جانب الفعل فيما طلب، و جانب الترك فيما نهى عنه، و قد أردف كل من النداءين بالنص على بعض الجزئيات التي يتناولها، و سيق بيان ما عن لنا بيانه مما يتصل بهذين التشريعين الكليين.
النداء الثالث:
و هذا هو النداء الثالث، قال الله تعالى:
((يأيها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق و امسحوا برءوسكم و أرجلكم الى الكعبين و ان كنتم جنبا فاطهروا، و ان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم و أيديكم منه، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم و ليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون. و اذكروا نعمة الله عليكم و ميثاقه الذي واثقكم به اذ قلتم سمعنا و أطعنا و اتقواالله ان الله عليم بذات الصدور)) .و هو تشريع جزئى يتعلق ببيان ما تتوقف عليه صحة الصلاة من جهة الطهارة و ضوءاً و غسلا.
مقدمة في الصلاة:
و يجدر بنا أن نعرض في هذا المقام قبل أن نتناول الاية بالشرح و البيان، لمكانة الصلاة من الدين و لاثرها في نفوس المؤمنين على ما جاء في القرآن الكريم فنقول:
/ صفحة 121/
مكانة الصلاة من الدين و كونها عنصراً
من العناصر المكونة لشخصية المؤمن:
عرض القرآن الكريم للصلاة من جهات متعددة: عرض لها في أول سورة و أطولها من سوره، على أنها من أوصاف المتقين، الذين ينتفعون بهذا الكتاب الكريم، و الذين كانوا بتلك الاوصاف على هدى من ربهم و كانوا هم المفلحين، اقرأ:
((الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون، و الذين يؤمنون بما أنزل اليك و ما أنزل من قبلك و بالاخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم المفلحون)) .و بهذا الوضع كانت الصلاة هي العنصر الثانى من عناصر الشخصية الايمانية.
و عرض لها باعتبارها عنصرا من عناصر البر والحق الذي رسمه الله لعباده، و دعاهم اليه و جلعه عنواناً على صدقهم في الايمان و على أنهم المتقون، و اقرأ في ذلك:
((ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب ولكن البر من آمن بالله و اليوم الاخر و الملائكة و الكتاب و النبيين و آتى المال على حبه ذوى القربى و اليتامى و المساكين و ابن لسبيل و السائلين و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة و الموفون بعهدهم اذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون)) .عرض لها هكذا، ثم جعل اقامتها أول عمل بعد الايمان يدل على صدقه و يستحق بها صاحبها أخوة المؤمنين
((فإن تابوا و أقاموا الصلاة فاخوانكم في الدين )) كما جعلها عنواناً على التمسك بالكتاب و سبيلا للحصول على أجر المصلحين ((و الذين يمسكون بالكتاب و أقاموا الصلاة انا لا نضيع أجر المصلحين)) .أثرها في تهذيب النفوس:
و كما بين منزلها في تكوين الشخصية الايمانية هكذا، بيّن أثرها في تهديب النفوس و وقايتها من الفحشاء و المنكر، و تطهيرها من غرائز الشر التي تفسد على الانسان حياته ((و أقم الصلاة ان الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر)) ان الانسان خلق
/ صفحة 122/
هلوعا اذا مسه الشر جزوعا، و اذا مسه الخير منوعا الا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون))
.و في مقابلة هذا كله جعل تركها عنوان الانغماس في الشهوات، و سبيل الوقوع في الغى و الضلال و سببا من أسباب الخلود في النار
((فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا)) ((كل نفس بما كسبت رهينة، الا أصحاب اليمين، في جنات يتساءلون، عن المجرمين: ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين، و لم نك نطعم المسكين، و كنا نخوض مع الخائضين، و كنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين.)) .كما جعل الغفلة عنها و عن معناها و روحها آية من آيات التكذيب بيوم الدين
((أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتمى و لا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون و يمنعون الماعون)) .و لعلنا ندرك أن في الاتيان بها بين ما ذكر في هذه السورة ايحاء قويا الى أن السهو عن روح الصلاة - الذي يجعلها صورة جافة لايؤدّى حق الله فيها من خشوع و مراقبة و استشعار عظمة - سبب قوى في التكذيب بيوم الدين و اهانة اليتيم، و اهمال حق المسكين، كما هو سبب في غرس شجرة الرياء في القلوب، و انصراف الانسان عن فضيلة التعاون و البر بأخيه الانسان.
و قد قرنها الله بعد هذا كله بالصبر و جلعهما عدة المؤمن في التغلب على مشاق هذه الحياه.
ان الصلوات الخمس لخمس رحلات إلهية أوجبها الله على عباده في أوقات متفرقة من اليوم و الليلة، يخلص فيها المؤمن من دنياه و يفرغ لربه بالتكبير و المناجاة و طلب المعونة و الهداية و يلقى فيها بنفسه في كفالة الربوبية الرحيمة، متمثلا العظمة المطلفة التي تصغر أمامها كل عظمة في هذه الحياه، و ان تلك الرحلات لجديرة أن تفرج همه، و ان تخفف ويله، و أن تحقق رغائبه الخيرة، و قد كان من سنة النبى
(صلّى الله عليه و سلّم) اذا حزبه أمر أن يفزع الى الصلاة، و كان يقول: ((جعلت/ صفحة 123/
قرة عينى في الصلاة)) ((يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة)) ((و استعينوا بالصبر و الصلاة و آنهالكبيرة الا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم و أنهم اليه راجعون))
.كونها أقدم عبادة عرفت مع الايمان في جميع الشرائع:
و قد كانت الصلاة لما لها من هذا الاثر العظيم في تهذيب النفوس، و تقريبها الى ملا الطهر أقدم عبادة عرفت مع الايمان، و لم تخل منها شريعة من الشرائع، و قد حكيت عن الانبياء و المرسلين:
فابراهيم
(عليه السلام) يسكن ذريته بواد غير ذى زرع عند بيت الله المحرم و يقول: ((ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى اليهم و ارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون)) .و يجىء في عهد الله اليه و الى ولده اسماعيل:
((أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين و الركع السجود)) .و تنادى الملائكة أم عيسى
(عليه السلام): ((يا مريم ان الله اصطفاك و طهرك و اصطفاك على نساء العالمين، يا مريم اقنتى لربك و اسجدى و اركعى مع الراكعين)) .و عيسى
(عليه السلام) يحدث بنعمة الله عليه فيقول: ((و جعلنى مباركا أينما كنت و أوصانى بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا)) .و ينوه الله بشأن اسماعيل فيقول:
((و كان يأمر أهله بالصلاة و الزكاة و كان عند ربه مرضيا)) .و لقمان يعظ ابنه بالايمان، و الاحسان الى الوالدين، و بمراقبة الله في السر و العن، فيقول:
((يا بني أقم الصلاة و أمر بالمعروف و انه عن المنكر و اصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الامور)) .و يأخذ الله الميثاق على بني اسرائيل، فتكون اقامة الصلاة من أهم مواده و عناصره:
((و اذ أخذنا ميثاق بني اسرائيل لاتبعدون الا الله و بالوالدين احساناً و ذى القربى و اليتامى والمساكين و قولوا للناس حسناً و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة)) ./ صفحة 124/
((و لقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل و بعثنا منهم اثنى عشر نقيبا و قال الله انى معكم لئن أقمتم الصلاة و آتيتم الزكاة و آمنتم برسلى و عزرتموهم و أقرضتم الله قرضا حسناً لاكفرن عنكم سيئاتكم و لادخلنكم جنات تجرى من تحتها الانهار، فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل))
.و هكذا نجد مكانة الصلاة عند الله و في دينه عنصرا تالياً لعنصر الايمان في جميع الرسالات و على ألسنة جميع الرسل، و قد جاء الإسلام فنسج على منوال الرسالات المتقدمة، و جعلها ركنا من أركان الدين، و أفاض في ذكر فوائدها ما أفاض، وأمر بالمحافظة عليها و بالقيام فيها لله مع القنوت و الخشوع، و كمال التوجه اليه و التفرغ له، و قال:
((حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و قوموا لله قانتين)) .عناية الإسلام ببيان صفتها و أحكامها و جميع ما يتصل بها:
نعم لم يتصل الينا من طريق موثوق به كم كان عدد الصلاة في السابقين، و لا كيف كانت صفتها و أحكامها، و قد جاء في الإسلام الذي أكمل الله به دينه: جميع ما يتعلق بالصلاة من هذا الجانب، فبين أنها خمس صلوات في اليوم و الليلة، و أنبأت الاحاديث القولية الصحيحة، و السنة العملية المتواترة منذ عهد النبى
(صلّى الله عليه و سلّم) الى يومنا هذا عن: عددها، و كيفيتها، و أوقاتها، و قد ذكر منها في القرآن الكريم صلاة الفجر، و صلاة العشاء، و ذلك حيث يقول في آية الاستئذان من سورة النور: ((من قبل صلاة الفجر)) . ((و من بعد صلاة العشاء)) .و ذكر صلاة الظهر بذكر وقتها في قوله تعالى من سورة الاسراء:
((أقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل)) و دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء، و هو أول وقت الظهر، و قد قال كثير من المفسرين أخذا من الاحاديث التي صحت عندهم: ان الصلاة الوسطى المذكورة في آية المحافظة على الصلوات هي صلاة العصر.هل يؤخذ عدد الصلوات المفروضة من القرآن:
و أخذ بعضهم من عطفها على
((الصلوات)) مع ملاحظة أن الصلوات جمع و أن/ صفحة 125/
المعطوف غير المعطوف عليه أن الصلوات المأمور بها هي خمس لان أقل جمع يكون له وسط يتحقق الجمع بدونه هو خمس.
و الواقع أننا لسنا في حاجة الى تكلف مثل هذا الاستدلال على أن الصلوات المفروضة خمس فإن التواتر العملى الذي طبق الافاق الاسلامية منذ عهد الرسالة الى يومنا هذا من أقوى الادلة اليقينية القطعية على أن الصلوات التي فرضها الله في الإسلام هي
((خمس)) و ما كان اجماع المسلمين في جميع العصور على أن من جحد صلاة منها يكون كافرا و خارجا عن الملة لا يجرى عليه شىء من أحكام الإسلام، الا أثراً من آثار تلك القطعية التي تعلو عن مرتبة الاستدلال عليها بمثل هذا الطريق الذي سلكه بعض العلماء في آية المحافظة على الصلوات. و من هنا صح لنا كما صح لغيرنا أن نحمل الصلاة الوسطى في الاية على أنها الصلاة التي يحضر فيها القلب، و تنزاح عنه فيها الوساوس، و يتجه بها الى الله وحده، مستشعرا عظمته، مستمطرا رحمته، و بذلك تكون الوسطى، لابمعنى التي تقع في الوسط، بل بمعنى ((الفضلى)) و هي ذات الخشوع و التمثل لعظمة الله كما ينبىء عنه قوله بعدها (( و قوموا لله قانتين)) .فضل صلاة الجماعة:
هذا و قد طلب الله من المؤمين تحصيلا لفوائد الصلاة الاجتماعية أداءها بجماعة، كما طلب منهم تسوية صفوفهم فيها خلف الامام. و قد جاءت في ذلك عدة أحاديث صحيحة منها قوله عليه الصلاة و السلام فيما يرويه عنه ابن عمر رضى الله عنه:
((صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع و عشرين درجة)) و فيما يرويه عنه أبو هريرة: ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته و صلاته في سوقه بضعا و عشرين درجة)) . و فيما يرويه أبى بن كعب: ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، و صلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، و ما كثر فهو أحب الى الله عزوجل)) . و قد حرص المسلمون على أدائها بجماعة منذ العصر الاول للاسلام، و صح عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لقد رأيتنا و ما يتخلف عنها الا منافق معلوم النفاق، و لقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين/ صفحة 126/
حتى يقام في الصف. و الاحاديث الواردة في فضل الجماعة و الحث عليها كثيرة صحيحة و من أرادها فليرجع اليها في كتب الحديث.
دلالتها على أن الصلاة ليست مجرد عبادة شخصية:
و الذي يهمنا من هذا أن الصلاة ليست كما يظن كثير من المسلمين مجرد عبادة شخصية يقوم بها المؤمن فيما بينه و بين ربه، تقتصر فائدتها على تهذيب النفس و انما هي مع ذلك جعلت عن طريق الاجتماعى لها - فرضا كان الاجتماع أم سنة أم فضيلة - سبيلا لتعارف المؤمنين و تفاهمهم فيما يحتاجون اليه من خير في دينهم و دنياهم، و بذلك كان مكان اجتماعهم في الصلوات الخمس اشبه بالنوادى التي يهرع اليها أهل الحى الواحد في أوقات متعددة معينة على وجه منظم محدد، و فيها يتعارفون و يتبادلون المنافع و الاراء فيما يحتاجون اليه جماعات و أفرادا. و تحقيقا لهذه الغاية أوجب الجماعة في نطاق أوسع على أهل البلدة الواحدة، أو ما هو في حكم البلدة الواحدة كل أسبوع، و جعل ذلك شرطا في صحة الصلاة التي تؤدى في ذلك الاجتماع و هي صلاة الجمعة، يجتمعون فيها للتعارف و التعاون، و استماع الوعظ و الارشاد، و بيان أحكام الله فيما يحل و ما لا يحل، و بذلك أخذت هذه الصلاة لون المحاضرات و الدروس الدينية يجتمع لها المؤمنون لتلقى أحكام الله و معرفة دينه. و صارت اجتماعات تعاوينة ثقافية. و لم يقف الدين الاسلامى في الحث على الاجتماع عند هذا الحد الاسبوعى. بل أوجبه بصفة أعم و أوسع في كل عام لاداء صلاة العيدين ثم أوجبه بصفة جامعة للمسلمين من كافة الاقطار في أداء ركن من أركان الدين و هو الحج الذي يفد له المسلمون من كل فج الى بيت الله الحرام في مكة منبع الهدى و النور. و هناك يجتمعون لاداء المناسك، و رؤيه المشاهد، و تذكر أماكن الوحى و آثار النبى و صحبه الذين قاموا بتركيز هذا الدين و نشره على عباد الله في كافة المعمورة.
اشتمال الصلاة على جميع أساليب التعظيم:
و لا يفوتنا في هذا المقام لفت الانظار الى ما احتوت عليه أفعال الصلاة
/ صفحة 127/
و كيفيتها التي دلت عليها أفعال الرسول و أقواله - من مظاهر التعظيم التي عرفت مفرقة في أساليب التعظيم التي يقوم الناس بها بعضهم لبعض; فالناس يعظم بعضهم بعضا برفع الايدى، و بالقيام و بالانحناء، و بالسجود، و بالدعاء، و بترديد أقوالهم... يفعل الناس ذلك كله في تعظيم بعضهم لبعض، و في تعظيمهم ملوكهم و رؤساءهم و أرباب الجاه و النفوذ فيهم. ولكن لم تجر عادة للناس أن يجمعوا كل تلك الاساليب في تعظيم أحد منهم; فشرع الله الصلاة اعترافا بنعمته و عظمته، و جمع في كيفيتها جميع ما تفرق عند الناس من أساليب التعظيم، فجعل افتتاحها باعلان أن الله أكبر من كل ما يرون تعظيمه، مصحوبا ذلك برفع اليدين معا على وجه يمثل فيه وضعهما المعنى الذي فسر في القلب حينما ينطق اللسان بكلمة التكبير ثم جعل من أركانها القيام المصحوب بتلاوة آيات من كتابه. و أوجب في كل صلاة، و على كل مصل قراءة ((الفاتحة)) التي تعتبر أم الكتاب، و قد جمعت كل ما تفرق فيه نصا و اشارة. ثم الانحناء المعروف باسم ((الركوع))
مصحوبا بالتكبير في الانخفاض و الرفع. ثم يجىء السجود نهاية لما يتصور من وجوه التعظيم، و بذلك يكون العبد قد وقف من ربه في موضع العبودية الحقة، و كأن الله بتنظيم أسلوب تعظيمه على هذا الوجه يلفت نظر المؤمنين الى أن تعظيمه يجب بمقتضى الايمان بربوبيته و ألوهيته أن يكون فوق كل تعظيم عرفه الناس في تعظيم بعضهم لبعض. و أن هذه الصورة من التعظيم التي رسمها الله لنفسه لايصح أن يعظم بها غيره كما لايصح أن ينتقصها المؤمن أو أن يغير شيئا من أوضاعها; أو أن يزيد فيها، فهو سبحانه المعبود، و هو المعظّم، و قد شرع لنا طريق عبادته و أسلوب تعظيمه، و ليس لاحد من خلقه أن يفكر أو يستظهر شيئاً غير ما رسم في تعظيمه بزيادة أو نقص.و لعل هذا هو الاساس الذي بني عليه حظر الابتداع في الدين و في سبيله كثرت الاحاديث الصحيحة في التحذير من البدع التي ينساق اليها الناس بناء على ما يتصورون من الزيادة في معنى العبودية.
/ صفحة 128/
تيسير الله على عباده في الصلاة:
و قد كان من رحمة الله بعباده و هي رحمة تعم الخلق و التشريع أنه في الصلاة - مع هذا الرسم الذي رسم - راعى التيسير على عباده فأدخل كثيرا من وجوه اليسر على هذه الفريضة، و قد رأينا أن اليسر تناولها من جهات: تناولها من جهة أوقاتها، فأباح للمؤمن أن يجمع بين صلاتين في وقت واحد. و قد اتفق الائمة على هذا المبدأ غير أنهم اختلفوا في مدى تطبيقه فاقتصر بعضهم فيه على الجمع بين الظهر و العصر جمع تقديم في وقت الظهر بعرفه، و بين المغرب و العشاء جمع تأخير في وقت العشاء بمزدلفة، و منعوه في غير هذين المكانين، و غيرهم أجازوه في غير المكانين المذكورين، و أجازه بعضهم للسفر و المطر، و زاد بعضهم جوازه للمريض الذي تلحقه المشقة بالتفريق، و للمرضع و المستحاضة، و لمن خاف ضررا يلحقه في معيشته بترك الجمع، و توسع بعضهم في جواز الجمع مطلقا بشرط الا يتخذ ذلك خلقا وعادة، و حكى ذلك الشوكانى عن جماعة من العلماء، و قال صاحب فتح البارى: ((و ممن قال به ابن سيرين، و ربيعة، و أشهب، و ابن المنذر، و القفال الكبير، و حكاه الخطابى عن جماعة من أصحاب الحديث، و حكاه غيره عن غيرهم و في هذا من السعة و اليسر ما يتفق مع أساس اليسر الذي بنيت عليه الشريعة الاسلامية، و من شأن المومن أن يضع العزائم في محلها، و الرخص في محلها، و ألا يتخذ الرخص سبيلا وعادة بها يتحلل من أمر الله و تكليفه، و الحكم في هذا هو ((الايمان، و الاطمئنان))
فليرجع المرء فيما يريد من رخصة أو عزيمة الى ايمانه و الله عليم بذات الصدور.و كما دخل اليسر الصلاة من جهة أوقاتها، دخلها أيضاً من جهة عدد ركعاتها، و في هذا الجانب اتفق الائمة أخذا من نصوص التشريع على أن للمسافر أن يقصر الصلاة الرباعية، فيصليها ركعتين، ولكنهم اختلفوا: أهذا القصر فرض و واجب حتم على المسافر، أم سنة و فضيلة؟ و الى كل من الرأيين ذهب فريق من الائمة.
/ صفحة 129/
و كما دخل اليسر في عدد الركعات للمسافر دخل أيضا في كيفيتها على وجه عام، فأبيحت من قعود لمن عجز عن القيام، و بالايماء لمن عجز عن القعود، كما أبيحت في حالة الحرب من ركوب و أبيح فيها حمل السلاح و ما يقتضيه الحذر من الاعداء و قد تكفلت كتب الفقه ببيان صلاة الحرب و آراء الائمة فيها بعد أن اتفقوا على تقرر مبدأ التيسير على المحاربين في أدائها، و اذكر في هذا المقام قوله تعالى عقب الامر بالمحافظة على الصلوات: ((فإن خفتم فرجالا أو ركبانا، فاذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون)) و قوله تعالى: ((و اذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ان الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا، و اذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك و ليأخذوا أسلحتهم فاذا سجدوا فليكونوا من ورائكم و لتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك و ليأخذوا أسلحتهم ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم و أمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، و لاجناح عليكم ان كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم و خذوا حذركم ان الله أعد للكافرين عذاباً مهينا، فاذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً و قعوداً و على جنوبكم فاذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا))
.هذه هي الصلاة في أركانها وكيفياتها و رخصها، و ماينبغى فيها.
توحيد الاتجاه الى القبلة و حكمته:
و قد طلب الله من المؤمنين أن يتجهوا فيها على اختلاف أقطارهم، و تباين آفاقهم الى مكان واحد من المعمورة، فيه بيت المعبود، تاركا في ذلك الجهات الاصلية الطبيعية كالشرق و الغرب، و الشمال و الجنوب لخلوها عن المعانى الخاصة التي تثير عندهم عاطفة الايمان، و توحى اليهم بذكريات هدايته و انعامه عليهم بها، و بذلك كان البيت الحرام قبلة تتجه اليه الابصار و ترتبط به القلوب و تتجمع فيه الاشعة المنبعثة من اتجاهات المؤمنين مهما اختلفت جهاتهم بالنسبة اليه، فمن في شرقيه يتجه غربا، فتلتقى أشعة بصيرته بأشعة بصيرة من هو في غربيه و يتجه.
/ صفحة 130/
اليه شرقا، و يتجه من في جنوبه الى الشمال فتلتقى أشعة بصيرته بأشعة بصيرة من هو في شماله، و يتجه اليه جنوبا، و تلتقى موجات تلك الاشعة المنبعة من جهات العالم كلها في مركز الهداية الالهية و تكون كتلة و وهاجة قوية من أشعة الايمان المنبعثة من القلوب المؤمنة في كافة المعمورة، و يكون لها قوة الاشعاع الاضاءة على العالم كله فتبصّره بطريق الهدى و تهديه الى صراط الله المستقيم، و هذا معنى يبعد غوره، و يعظم أثره في نفوس المصلحين من خلق الله الذين اصطفاهم ربهم للاخذ بيد الانسانية من حمأة الشهوات الفاسدة عن طريق طهر القلب، و صفاء النفس، و قوة الايمان و اليقين، و اذكر في هذا المقام قوله تعالى: ((قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطرالمسجد الحرام و حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره))
قيدهم في الصلاة بالاتجاه هكذا اشعاراً بوحدة المعبود و جمعا للقلوب على تعظيمه، و ربطا بمساقط رحمته و هديه، و أطلق سراحهم في أدائها، لم يقيدهم فيه بمكان معين، بل جعل لهم الامكنة كلها من حول تلك البقعة الطاهرة مسجداً يقيمون فيه الصلاة: في البناء، في العراء، في الصحراء، في الماء، في الهواء، في أى مكان حول المركز استطاع أن يؤدى فيه الصلاة فهو مكان للصلاة، و من هنا تتجلى بساطة الإسلام الذي لم يتخذ رسما مخصوصا، و لا مكانا معينا لاداء الصلاة، فالصلاة لله، و الامكنة لله، و الانسان عبدالله.هذه هي المقدمة التي رأينا أن نبين بها مكانة الصلاة، و تطهيرها للقلوب، قبل أن نتحدث عن النداء الثالث من نداءات سورة المائدة الذي جاء ليرشد الى مايجب على الانسان أن يقوم به تطهيرا حسيا لكله أو بعضه ليجتمع له اذا دخل في الصلاة طهارة جسمه، و طهارة قلبه، و طهارة باطنه، و طهارة ظاهرة، فيكون طهرا كله كما أراد الله.
شرح آية الطهارة:
وقد تضمنت هذه الاية طهارة الوضوء، و طهارة الغسل كما تضمنت طهارة التيمم التي جعلت تيسيراً على العباد خلفا عن طهارة الماء، و التي دل اعتبارها طهارة
/ صفحة 131/
على أن تزكية النفس ترجع في الواقع الى تلبية التكليف و امتثال الامر أكثر مما ترجع الى الصورة الحسية و ما يحدثه التكليف من أثر في الجسم.
طلبت الاية من المؤمنين اذا اتجهت نياتهم الى الصلاة و عزموا عليها أن يغسلوا وجوههم و أيديهم الى المرافق، و أن يمسحوا برءوسهم و أرجلهم الى الكعبين، و أن يطهروا ان كانوا جنبا، ثم أباحت لهم - ان كانوا مرضى أو على سفر، أو قضى أحدهم حاجته الطبيعية أو الجنسية، و لم يجدوا ماء يتوضئون به أو يغتسلون: أن يتيمموا صعيدا طيبا فيمسحوا بوجوههم و أيديهم منه، ثم ذيلت الاية بما يدل على أن ارادة الله من هذا التكليف انما هي تطهير عباده و اتمام نعمته عليهم.
تلك هي رءوس الموضوعات التي احتوى عليها هذا النداء، و هي: الوضوء و الغسل و التيمم.
الوضوء و الاختلاف في أركانه و شروطه:
أما الوضوء، فلم تذكر الاية فيه سوى غسل الوجه و اليدين الى المرفقين، و المسح بالرءوس و غسل الارجل الى الكعبين أو مسحهما. و اذا نظرنا الى أن الاية لم تعرض للاذنين، و أنها ذكرت المرافق في اليدين على أنها غاية، و أنها عدت المسح الى الرءوس بالباء، ثم جاءت الارجل فيها بقراءتى النصب و الجر، و ذكر فيها الكعبان على أنهما غاية. و نظرنا بعد ذلك الى أنها لم تعرض الى حكم النية في الوضوء، و لا الى حكم الترتيب و الموالاه و التدليك، و نظرنا الى أن عباراتها فيما عرضت له ليست قطعية في معنى معين و انما هي عبارات قابلة لوجوه من النظر; اذا نظرنا الى هذا كله استطعنا أن نقول: ان أركان الوضوء و شروطه لم ينل منها شىء اتفاق الائمة و اجماعهم سوى غسل الوجه فيما تقع به المواجهة، و اليدين دون المرفقين، و أصل مسح الرأس لاكلها و لا بعضها، أما الارجل فقد دار فرضها بمقتضى القراءتين بين الغسل و المسح و فيما وراء ذلك اختلف الائمة.
اختلفوا في أن الاذنين من الرأس فتكون وظيفتهما المسح، أو من الوجه فتكون وظيفتهما الغسل أو هما عضو مستقل لم يفترض غسله و لا مسحه و اختلفوا
/ صفحة 132/
في أن المرفقين يفترض غسلهما بناء على دخول الغاية، أو لايفترض بناء على خروجها.
و اختلفوا في أن الرأس فرضها مسح الجميع أو مسح بعض معين، أو مسح أى جزء منها، و ذلك بناء على مكانة الباء في قوله
((برءوسكم)) هل هي زائدة أو هي للالصاق، و اذا كانت للالصاق فهل يتحقق بمسح أى جزء أو هناك ما يدل على أن المطلوب الصاق المسح بجزء معين.و اختلفوا في أن وظيفة الارجل هي الغسل عملا بقراءة النصب عطفا على الوجوه المغسولة، أو وظيفتها المسح عطفا على الرءوس عملاً يقراءة الجر. و هل يدخل الكعبان في وظيفتها غسلا أو مسحا كما قيل في المرفقين.
و اختلفوا في فرضية ما لم يذكر بنصه في الاية من النية و ما اليها.
اختلفوا في كل ذلك، و قد عنيت كتب الفقه ببسط الاراء و الادلة في كل مسألة من هذه المسائل، و كان أوسعها قولا، و أشدها خلافا مسألة
((المسح بالرأس)) و ((غسل أو مسح الرجلين)) . وقد عرضنا في كتابنا ((مقارنة المذاهب)) في الفقه لمسألة الرأس، و مسألة النية، و الدلك، و الترتيب، و الموالاة.رأينا في المسح بالرأس:
و كانت نتيجة نظرنا في المسح بالرأس أن الاية من قبيل المطلق، و أنها لا تدل على أكثر من ايقاع المسح بالرأس و ذلك بتحقق بمسح الكل، و بمسح أى جزء قل أو كثر ما دام في دائرة ما يصدق عليه إسم المسح و هو امرار البلّة بالعضو الممسوح. و أن مسح شعرة أوما يتناوله وضع الاصبع من الشعرات لايصدق عليه عنوان ((المسح بالرأس))
.و في النية:
و كانت نتيجة نظرنا في
((النية)) رجحان القول بفرضية النية في الوضوء، و أن انغماس الاعضاء في الماء بدون قصد رفع الحدث، أو بقصد التبرد ليس غسلا/ صفحة 133/
لصلاة حتى يؤدى مهمته الشرعية و يحقق المأمور به، و المقصود أن يحقق المكلف، ما أمر به لا أن يتحقق.
و في التدليك:
و كان نتيجة نظرنا في مسألة ((التدليك)) فرضية الدلك في الوضوء، و في غسل الجسم كله في الغسل، و قد بنينا ذلك على الفرق اللغوى بين معانى الالفاظ الاتية: أسال، صبّ، غمس، غسل.
و في الترتيب:
و كانت نتيجة نظرنا في مسألة ((الترتيب))
اختيار القول بالفرضية و بينا ذلك على أسلوب الاية حيث لم تذكر الاعضاء مرتبة كمواقعها في الجسم، و لا كوظيفتها في الغسل أو المسح، و انما وسطت ممسوحا بين مغسول و مغسول. و على ما تواترت به الاخبار الصحيحة من مواظبة النبى (صلّى الله عليه و سلّم) و أصحابه من بعده على الترتيب، و كان ذلك بياناً مؤكداً لما تدل عليه عبارة الاية، و كذلك كان رأينا في الموالاة.و في الاذنين و المرفقين و الكعبين:
أما مسألة الاذنين فرأينا فيها مع الجمهور القائلين بأنهما عضو مستقل ليس من مسمى الرأس و لا من مسمى الوجه، و بذلك لم يفرض فيه غسل و لا مسح و انماكانت وظيفته أخذا من الوارد عن الرسول المسح على وجه النية، و كذلك رأينا في
((المرفقين و الكعبين)) بناء على دخول الغاية في مثل ذلك، و قد بسط الفقهاء وجهة نظر الجمور في كل مواضع الخلاف فليرجع اليها من شاء.رأى الجمهور في فريضة
((الرجلين)) :أما وظيفة
((الرجلين)) فرأى الجمهور أنها الغسل، و كان أساسهم في هذا قراءة النصب التي عطفت بها الارجل على الوجوه المغسولة فتأخذ حكمها و هو الغسل، و قالوا: ان قراءة الجر محمولة على قراءة النصب و ليس الجر بمقتضى العطف/ صفحة 134/
على الرءوس الممسوحة حتى تشاركها في المسح و انما كان الجر بحكم المجاورة الذي عرف كثيراً في اللغة العربية.
حجة من قال أن الغرض مسحهما لا غسلهما:
و يجدر بنا هنا أن نسوق عبارة الفخر الرازى في الاحتجاج لمن قال بوجوب المسح. قال: حجة من قال بوجوب المسح مبنية على القراءتين المشهورتين في قوله و أرجلكم، فقرأ ابن كثير و حمزة و عاصم في رواية أبى بكر عنه بالجر، و قرأ نافع وابن عامر و عاصم في روياة حفص عنه بالنصب، فنقول:
أماالقراءة بالجر فهى تقتضى كون الارجل معطوفة على الرءوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الارجل، فإن قيل: لم لايجوز أن يقال هذا جر على الجوار كما في قوله
((جحر ضبّ خرب)) و قوله ((كبير أناس في بحاد مزمّل)) قلنا هذا باطل من وجوه:الاول: أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لاجل الضرورة في الشعر، و كلام الله يجب تنزيهه عنه.
و ثانيها: أن الكسر انما يصار اليه حيث يحصل الامن من الالتباس كما في قوله
((جحر ضبّ خرب)) فإن من المعلوم بالضرورة أن الخرب لايكون نعتاً للضب بل للجحر، و في هذه الاية الامن من الالتباس غير حاصل.و ثالثها: أن الكسر بالجوار انما يكون بدون حرف العطف، و أما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.
و أماالقراءة بالنصب فقالوا إنها أيضا توجب المسح، و ذلك لان قوله و امسحوا برءوسكم. فرءوسكم في محل النصب، و لكنها مجرورة بالباء، فاذا عطفت الارجل على الرءوس جاز في الارجل النصب عطفاً على محل الرءوس، و جاز الجر عطفاً على الظاهر و هذا مذهب مشهور للنحاة. اذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله
((و أرجلكم)) هو قوله: ((و امسحوا)) و يجوز أن يكون هو قوله ((فاغسلوا)) لكن العاملين اذا/ صفحة 135/
اجتمعا على معمول واحد كان اعمال الاقرب أولى فوجب أن يكون عامل النصب في قوله ((و أرجلكم)) هو قوله ((و امسحوا)) فثبت أن قراءة ((و أرجلكم)) بنصب اللام توجب المسح أيضا. فهذا وجه الاستدلال بهذه الاية على وجوب المسح، ثم قالوا: و لا يجوز دفع ذلك بالاخبار لانها بأسرها من باب الاحاد و نسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.
رد الامام الرازى عليهم:
ثم قال و اعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا الا من وجهين:
الاول: ان الاخبار الكثيرة وردت بايجاب الغسل، و الغسل مشتمل على المسح و لا ينعكس، فكان الغسل أقرب الى الاحتياط فوجب المصير اليه، و على هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها.
و الثانى: أن فرض الرجلين محدود الى الكعبين، و التحديد انما جاء في الغسل لا في المسح.
رأينا في ذلك:
و الذي نفهمه أن الغسل غير المسح، و أن الاتيان بأحدهما لا يحقق الامر بالاخر، فالله إذا أمر بالمسح، و هو غير الغسل، لا يعد ممتثلا للامر من أتى بالغسل و بالعكس، و اقامة أحدهما مقام الاخر تحتاج الى دليل شرعى، و ليس هناك من دليل على ذلك، فجوابه الاول غير مقبول في نظرنا. نعم لجوابه الثانى وجهة نظر قوية، و يضم اليها أن الكعبين قد عرف في اللغة، و في العرف أنهما العظمان النائتان في جانبى الساق، و منشأ القول بغير ذلك افتراض أن وظيفة الرجل المسح، و هو أصل الدعوى فلا ينهض دليلا على أن هذا هو معنى الكعب.
بقى أن عمل الاخبار التي تكاد تبلغ حد التواتر في أن وظيفة الرجل
((الغسل)) ليس هو نسخ الكتاب بالاحاد، و انما هو بيان و ترجيح لاختيار أن قراءة النصب مبنية على اعتبار الارجل معمولة لقوله ((اغسلوا)) و ليس واجباً أن تكون معطوفة على المحل في قوله: ((و امسحوا برءوسكم)) و ما دامت الاحاديث/ صفحة 136/
تلتقى مع وجه محتمل في الاية فانها لاتكون ناسخة للاية، و انما تكون مبنية و مرجحة لهذا الاحتمال.
بقى علينا أن نشير الى النكتة التي من أجلها وسط الممسوح بين المغسول، و هي افادة وجوب الترتيب بين أعمال الوضوء على الوجه الذي ذكر في الاية، و دلت على اعتباره أخبار وضوئه
(صلّى الله عليه و سلّم) و وضوء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. و الذي نراه في هذا الموضوع هو غسل الرجلين لا مسحهما، عملا بالاحاديث الكثيرة الواردة في هذا الشأن، و عملا بالتحديد الوارد في الاية، و بتحكيم معنى الكعبين المعروف لغة و عرفا، و ليس من شك في أن أحاديث ((غسل الرجلين)) أكثر و أقوى من روايات مسحهما; فليكن الغسل هو الرأى أما الجمع بين القراءتين أو بين الاحاديث بالتخيير بين المسح و الغسل، أو بجمعهما أو بحمل المسح على حالة لبس الخف فكل ذلك تكلف ظاهر لايستند الى جانب قوى من النظر.دلالة هذا الخلاف على سعة الشريعة و يسرها:
هذا ما أردنا أن نسوقه للقراء فيما يختص بالوضوء، و مواقف الائمة بالنسبة للاية الكريمة، و هي مواقف تدل دلالة واضحة على أن الإسلام لم يرد في تشريعه حتى في العبادات أن يرهق أتباعه أو يقيدهم بحكم معين فيما يرى أن القصد منه يحصل على أي احتمال ذهب اليه الفقيه جريا و راء مايظهر له من قرائن و أدلة، فمن ترجح عنده الغسل وجب عليه الغسل، و من ترجح عنده المسح وجب عليه المسح لا يحال بينه و بين ما اطمأن اليه قلبه ما دام الحق مطلبه و الدليل رائده، أما المخالفة عن طريق التشهى، أو طريق التعصب المذهبى فليست من الإسلام و لا يعرفها الإسلام و هذه كلمتنا و رأينا في كل الموضوعات الخلافية المبنية على النظر و ارادة الحق، و مراد الله تعالى، و لكل مجتهد نصيب.
الغسل:
ثم أردفت الاية بيان الوضوء و هو المعروف بالطهارة الصغرى بطهارة الغسل
/ صفحة 137/
و هو المعروف ((بالطهارة الكبرى)) فقال: ((و ان كنتم جنبا فاطهروا)) و التطهر هنا مراد به المبالغة في الطهارة، و تلك لا تكون الا بغسل البدن كله، كما دل عليه قوله تعالى: ((حتى تغتسلوا)) من قوله: ((يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون و لا جنبا الا عابرى سبيل حتى تغتسلوا)) و قد أفادت صيغة المبالغة في آيتنا وجوب غسل جميع ما أمكن غسله من الجسم دون ايذاء أو ضرر و من ذلك افرتضت المضمضة، و الاستنشاق في الغسل عند من لم ير فرضيتهما في الوضوء، و قد دل اعتبار الجنابة في وجوب الغسل على اعتبار الحدث في الوضوء كما دل اعتباره أيضاً قوله بعد: ((أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا))
حيث اعتبر في وجوب التيمم الذي جعل خلفا عن الوضوء والغسل وجود الحدث الذي عبر عنه بالمجىء من الغائط و ملامسة النساء.و كان هذا و ذاك مع الاحاديث الواردة في هذا الشأن أدلة ظاهرة على أن قوله في صدر الاية
((اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا)) مبنى على وجود حالة الحدث التي يزيلها غسل الوجه و ما عطف عليه.و الى هنا تم ما أردنا سوقه لقراء رسالة الإسلام فيما يختص بطهارة الوضوء و الغسل و موعدنا في الكلام على
((التيمم و رخصه)) العدد المقبل ان شاءالله.