/ صفحة 138/

نظرات

لحضرة الاستاذ الكبير الدكتور عبدالوهاب عزام

سفير مصر في الباكستان

لحضرة الاستاذ الكبير الدكتور عبدالوهاب عزام سفير مصر في الباكستان كتاب قدمه للطبع في احدى مطابع كراتشى سيظهر بعد ثلاثة أشهر تحدث فيه بأسلوبه السهل و تصويره البارع عن كثير من الشئون التي تعرض للناظر المفكر- و قد رأينا أن نسوق لقراء (رسالة الإسلام) تحت هذا العنوان بعض فصول هذا الكتاب الممتع. المحرر

الله و الناس:

الناس في ذكر الله مختلفون، منهم الغافلون: الذين لايذكرونه ليلا و لا نهاراً و لايتقونه في صغيرة و لا كبيرة، و أولئك يتمتعون و يأكلون كما تأكل الانعام، و هم المحجوبون.

و آخرون بين الذكر و الغفلة، تضلهم أهواؤهم و تزين لهم منكراتهم ثم يذكرون فيندمون و بنزعون الى الخير و يستغفرون، و أولئك أكثر الناس، و كثير من هؤلاء يذكر فيفيق فيندم فما يزال بنفسه حتى يعد في الصالحين.

و جماعة في ذكر دائم، و تقى مستمر، ولكن تدرك أحدهم غفلة فيهفوا، و تأخذه سنة فيغفو ثم يعود على نفسه باللوم، و على خطيئته بالندم و التوبة فتكون الزلة وسيلة الى علاج نفسه، و تقدمها في سبيل الخير، و أولئك هم التوابون، و انهم لفى الدرجات العالية.

و آخرون مصطفون، هم في ذكر لايفتر، و يقظة لا تدركها سنة، و هم في رقى دائم، و عروج مستمر، سائرون كل لمحة، عاملون للخير كل ساعة، قد خلصت سرائرهم لله، و فنيت ارادتهم فيه، فهم فيه يفكرون، و به يريدون، و له يعملون،

/ صفحة 139/

و هم في هذه الدنيا كالنجوم و الشمس و القمر، يسيرون بقوانين الله على سنة الله لايتخلفون و لا يحيدون... أولئك هداة الله في خلقه، و أمناؤه في عباده، و رسله الى الناس.

هؤلاء هم النبيون و الصديقون و المقربون، و قليل ما هم.

* * *

و ارحمتاه للنساء في هذا العصر:

المرأة جمال الخليقة، و نور الانسانية، و ملاك الشفقة، و معدن الرحمة، و ينبوع السعادة، هذه الحاملة الواضعة، الوالدة المرضعة، الساهرة الحانية، المربية العانية، المنشئة لامة أولادها، المانحة لها أكبادها، البيت من يدها روض زاهر، و معبد عامر، و جنة و نعيم، و سلام مقيم.

هل الامة الا من الام، و هل غيرها يستطيع أن يؤم؟(1) انها سر الحياة، و دليل النجاة. ان عرفت قدرها، و لم تخدع عن مكانتها.

انى لارثى للمرأة حين أجدها عاملة في المصانع، صافقة في الاسواق، و أقول ان هذا في نظام الامم خلل و في كيانها علة من العلل.

و أرثى للمرأة حين تهجر دارها، و تهمل صغارها، و تقضى النهار سائمة و شطراً من الليل هائمة. و أقول كيف يرجى للعش صلاح؟ و من يبسط على الفراخ الجناح؟

و أرثى للمرأة حين اجدها في هم دائب، و نصب ناصب، بالصبغ و الطلاء، صباح مساء، تعرض زينتها في الطريق، و تنافس بجمالها في السوق. و اقول: ضياع المال و الوقت و الراحة، و الوقار و السعادة و الصباحة.

و أرثى للمرأة و أغضب لها و اغار عليها و أحزن من أجلها حين أراها متعة المجامع، و الهية الملاهي و سلعة التاجر، و فريسة الفاجر، فهذه الملاهي الحاشدة بالليل و النهار، و المعارض الصاخبة على أسياف التجار، و تجارة الرقيق في كل

ــــــــــ

(1) يؤم: يعمل عمل الام.

/ صفحة 140/

طريق، هذه المرأة المسكينة صيدها و سلعتها، و فريستها و متعتها، تخدع عن نفسها حيناً فتضحك، و تعرف امرها حينا فتبكى. و هي بين الضحك و البكاء، مفتونة مغلوبة، مخدوعة مسلوبة، لا تجد في السوق الصاخبة و الفتنة الغاصبة وقتاً لتفكير و لانهزة لتدبير، و الناس يعجبون و يضحكون و لا يبكون انى والله لارثى للنساء و حق لهن الرثاء.

* * *

قياس الزمانة:

يقيس الانسان زمانه بالسنين و الشهور، و بالايام و الساعات فيرى الزمان سريع المر شديد الجرى، لا يكاد يجاريه حسابا وعداً، و هو في غم و كآبة من اسراع هذا الزمان و عدوه،و في هم من نفسه بما يرى مر الزمان نقصاً في عمره، و مضيا في حياته، و اقترابا الى أجله. كما قال طرفة:

أرى العمر كنزاً ناقصاً كل ليلة *** و ما تنقص الايام و الدهر ينفد

و كما روى أن الحجاج أنشأ أو تمثل بهذاالبيت حين بلغ الخمسين:

و ان أمرا قد سار خمسين حجة *** الى منهل، من ورده لقريب

و كم قال الشعراء في مضى الزمان، و سرعة الدوران، دوران الفلك و الاعوام.

ذلك لمن وعى الزمان كنهر جار، أو قطار مسرع، يسيران الى غاية قريبة أو بعيده، و الناس سائرون بسيرهما منتهون الى غايتهما; ولكن من استطاع ثباتاً في التيار و انحيازاً الى الشاطىء، و استقل بفكره و عمله، و لم يعد نفسه عوداً في نهر يجرى به غير مختار، فهذا الانسان هو الزمان، و حساب الزمان بفكره و عمله. هو لا يعد ساعات و أياماً، ولكن أفكاراً و أعمالا، و هو لايحسب سنين التوالية، ولكن آراء و أفعالا تؤرخ بها العصور و لاتحدهي بالعصور; اذ كانت أعماله قوانين يتبعها، و سنناً يسير عليها، لا نزعات وقت و أهواء ساعة.

ان من ساير التيار و استسلم للزمن فانما ينسج على نفسه شبكة الليل و النهار،

/ صفحة 141/

فهو منها في اسار. و من اعتد بنفسه، و استقل بقوله و فعله، فهو شكبة الايام و قيودها، و مسافاتها و حدودها.

* * *

دستور اسلامى:

جمعنى مجلس بصاحبين، مصرى و باكستانى. فتحدثنا في وضع دستور الاسلامى و هذا أحد مقاصد المؤتمر الاسلامى الذي اجتمع في كراجى العام الماضى، و هذا الباكستانى من أعضائه، قال الباكستانى: ان علماء باكستان متشددون، يرون أن يكون كل شىء في عصرنا كما كان أيام الخلفاء الراشدين. و من أجل هذا كان الخلاف بينهم و بين غيرهم، و قال: لابد من اجتماع علماء من بلاد اسلامية مختلفة لينظروا في هذا الشأن. و العلماء في البلاد الاخرى أوسع فكراً و صدراً، فعسى أن يغلبوا علماءنا المتشددين و يفسحوا لنا الطريق.

قلت: ينبغى أن ننظر الى مقاصد الإسلام، لا الى ما شرعه علماؤنا أو خلفاؤنا في أعصر غير أعصرنا، فإن فعلنا استع المجال و وجدنا في سعة الإسلام ما يخرجنا من ضيق عقولنا و صدورنا، و الامر ليس عسيراً، فكل دستور وضعه المسلمون لمصالحهم لايخالف أصلا من الاصول التى أجمع عليها المسلمون في كل العصور، يسوغ أن يسمى دستوراً اسلامياً، و لا يكلفنا قبول الإسلام اياه الا أن نصله بمقاصد الإسلام، و نبين ما بينها من صلات، و ندخله في سعة الإسلام و سماحته و تنفى عنه كل نص يبعده من مقاصد الإسلام، و قد وضع علماؤنا من القواعد مايعترف باختلاف الاحكام باختلاف الازمان و الاوطان، و هذا امامنا الشافعى هاجر من الحجاز الى العراق فمصر. فكتب في مصر مذهبه الجديد، و كثير من مجتهدينا رجعوا عن آراء لهم حيثما انتقلوا من مكان الى مكان أو حال الى حال، فإن أراد المسلمون أن يبينوا عن سعة الإسلام و يؤلفوا النافرين و يوحوا الامل الى اليائسين، فهذه سبلهم، و الا أفلت من أيديهم الزمام و خلفتهم وراءها الايام.

/ صفحة 142/

من آفات هذه المدنية:

لا أنقص هذه المدنية قيمتها، و لا أبخسها حقها، و لست في حاجة الى الابانة عما يسرت للبشر و ذللت، و فتحت من كنوز الارض و أسرار الكون، و ما رفهت عن المرضى، و وقت الانسان من مصائب كثيرة، و لكنى أقول: ان مع الخير شراً، و ان هذه المدنية فتحت على الناس أبواب القلق و الضجر، و أمدت لهم في الشره، و زينت لهم من الشهوات و الاهواء، و أناحت لهم من أسباب العذاب و الخراب ما أحاط بهم من فوقهم، و عن أيمانهم و عن شمائلهم.

و أدع المصائب الكبيرة التي جلبتها هذه الحضارة التي يتحدث الناس عنها كل حين و أقول في أمور تبدو صغيرة ولكن لها في حياة الانسان آثار كبيرة: هذه الضوضاء المحيطة بالناس في ليلهم ونهارهم، من القطارات و السيارات و أشباهها، و من السينما و الاذاعة و المجاهر و أشباهها.

و أخرى أذكر بها: كان الانسان في العصور الخالية لايعرف الا حوادث بلد، و لا يهتم بغيرها، فإن دامت حرب خمسين سنة في الصين فعسى أن لايسمع بها أهل مصر، و ان سمعوا بها لم يعرفوا الا قليلا من أخبارها، و الذين يعرفون لا يهمهم منها كثير و لا قليل، بل تقع الحادثات في جانب من مملكة فلا يسمع بها أهل الجانب الاخر الا بعد أيام كثيرة، و لا يهمهم أمرها كثيرا، و اليوم تقع حرب في الصين أو يفيض نهر أو تهتز أرض أو ينزل و باء فيسمعه الناس في أرجاء الارض يوم وقوعه، فلا تخفى على الانسان مصيبة على هذه الارض، و كل ما يصيب البشريهم الانسان أو يحزنه أو يقلقه.

لقد طويت المسافات فصار ما يقع في جانب من الارض يصيب من في أقصى الارض بقليل أو كثير، جمعت على الانسان مصائب الارض كلها خيرها و شرها و كان من قبل لا يهمه الا مصيبة نفسه و جيرانه الادنين.

/ صفحة 143/

من تردد تردى:

التردد و التردى من مادة في اللغة واحدة. تكرر تضعيف الدال فاعتلت. و ما أشد الصلة بين التضعيف و العلة. و هما في الاعمال قريبان، و في الشدائد حليفان. و قديماً قيل:

اذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة *** فإن فساد الرأى أن ترددا

الانسان يفكر و يدبر، و يعد عدته، فاذا تهيأت الاسباب عزم فمضى فبلغ غايته. فإن فكر فلم يجزم، و لبث ككفتى الميزان بين الخفة و الرجحان; لم يتجاوز الفكر الى الفعل.

و ان جزم، ثم ثقلت عليه الكلفة، و بعدت الشقة، فبقى يرنو الى المقصود مشتاقا، و ينظر الى الوسيلة اشفاقاً، تبلد بين الاقدام و الاحجام، و لم يتلبث له الزمان.

و ان فكر و قدر، و أعد و دبر، و تردد بين يومه و غده، و تعجيله و تأجيله، فهو حرى أن تفوته الفرصة، فتعقبه غصة.

و جماع هذا الامر قول القرآن الكريم: ((و شاورهم في الامر)) فاذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين)) و التوكل في لغة الإسلام أن تستمد من الله القوة و القدرة، و تطمح الى الغاية لا تبالى بعد المسافات، و اعتراض العقبات، كأنك نجم في حباكه أو قمر في أفلاكه، لايقف و لا يبطىء، و لا يصده شىء.

ألا ان قوام كل أمر، فكر و جزم، و همة و عزم. و ليس بعد هؤلاة الا سبل مذللة، و غاية مكتسبة، وصلة المقدمات و النتايج، و الغايات و الوسائل. و آفة الامور عقل قائم، و فكر غير جازم، و همة كليلة، و عزيمة عليلة، و تردد ينقص كل فكر، و يحل كل عزم، و يعطل المقدمات، و يحول بين الوسائل و الغايات.

* * *

العافية:

كلمة جامعة محبوبة مباركة، من ظفر بها فقد ظفر بالحظ الاوفر، بها يطيب كل شىء لمن ذكرها و قدرها، و يهون كل ماعداها. في قصص الحجاج أنه دعا

/ صفحة 144/

في برية أعرابياً الى طعامه فقال: انه صائم، فقال انه طعام طيب، فقال:

ما طيبة خبازك و لا طباخك; ولكن طيبته العافية، و سمعت من الكلام المأثور:

نعم الادام العافية، أى ان الانسان المعافي لايحتاج الى أدام الخبز، بل يلذ أكله حافّا بالعافية؟ و أشمل العافية ما جاءت في الكلمة الجامعة: أللّهم انى أسألك العفو و العافية في الدين و الدنيا و الاخرة.

و الناس لا يقدرون العافية ما داموا فيها، كالماء لايقدره الا فاقده، فهو كما قيل: أعز مفقود و أهون موجود، فمن رزق العافية الشاملة فما سواها لعب في الحياة و لهو، ان ناله لهابه و لعب، و ان لم ينله لم يكن حريا أن يأسى عليه، و اعتبر هذا بالمريض يهون عليه كل شىء الا الصحة، و كل ما يعده متاعاً في المعيشة أو جاها و سلطانا، قليل حقير في جانب صحته، و ما الصحة الا بعض العافية.

العافية هي براءة الانسان من كل ما يكره، و على الحقيقة براءة الانسان من كل ما يكره العقلاء، فإن أسى بعض الناس على مافاته من كنز الاموال، وسعة السلطان فأخل هذا بعافيته لم يخل هذا بعافية العاقل، انما يخل بالعافية فوات الصحة في البدن، أو الكفاف في القوت، أو الامن في الجماعة، أو السلامة في الخلق، أو فوات أحد هذه في الاهل و الولد و الاقرباء، فمن رزق العافية في هؤلاء لم يكن أساه بعد الا نقصا في عقله، و لم تختل عافيته الا بهذا النقص، فهو في حاجة الى أن يعافي منه.

فكرت فيما يحيط بالانسان من آلام و آمال، و ما يغريه من سمعة و بسطة في الرزق، و سعة في الجاه، و مرّت علىّ مطامع الناس و أهواؤهم و ما يعبّدهم من الاحقاد و الشهوات، فاستعذت بالله فوجدت أمنع ما أمتنع به و أعز ما ألوذ به و أعوذ: أن أسأل الله العافية في الدين و الدنيا و الاخرة، و العافية من كل ما ينقص هذه العافية من آفة في الرأى، و خلل في الفكر.

/ صفحة 145/

عارية:

كثيراً ما قلبت كتباً مخطوطة، عليها أسماء من ملكها جيلا بعد جيل; تدخل في ملك انسان فتخرج الى ملك غيره، حتى لتجد الاسماء المتوالية تاريخاً للكتاب أو عبرة للمعتبر، أو رثاء للبشر، و كنت أجد هذه الكلمة على كتب فارسية و تركية قديمة فتبلغ من نفسى، و يطول فيها تأملى كثيراً: وجدت أصحاب الكتب يتورعون عن أن يسموا أنفسهم مالكين، و يدركون حقيقة الملك في هذه الدنيا، فيكتبون: ((نوبت عاريت بما رسيد)) أى بلغتنا نوبة العارية يعنون أن الكتاب ككل شىء في هذه الدنيا عارية مستردة، كان الكتاب عارية في يد من سبق و تداوله المستعيرون واحدا بعد واحد، حتى جاءت نوبة العارية الى فلان، و هي حقيقة لا ريب فيها.

كثيراً ما أفكر في الارض يملكها الانسان و الدور يقتنيها، فأقول انها أبقى من الانسان و أقدم، كانت قبله و تبقى بعده، و يمر بها هو و يزول، فكيف يملك الانسان ما هو أثبت منه على الحادثات و أبقى. إنها عوار يبتلى الانسان بحيازتها و التصرف فيها، فليجتهد أن يتخذها وسيلة الى الاصلاح و العمران، و المواساة و الاحسان، فهى أمانة يسأل عنها، و ابتلاء يجزى به، انه مستعير لا مالك، فليس مخيراً في الاساءة و الاحسان، و الجد و الكسل، و الرعاية و الاهمال، فليتخدها فرصة لعمارة يجدها، أو مبرة يصطنعها، أو يد يتخذها عند من يستحقها من الناس، انه لايملكها فليحذر من أن تملكه هي فتستعبده، و ليذكر الاية الكريمة ((آمنوا بالله و رسوله و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)) و الاية ((هو أنشأكم من الارض و استعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا اليه)) و ليذكر الحديث: ((ليس لك من مالك الا مالبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأمضيت)) .

و الله ولى الهدى و التوفيق.