/ صفحة 146/
نقط على الحروف
أو
مزيد من الايضاح
لحضرة صاحب السماحة العلامة الاستاذ محمدتقى القمى
السكرتير العام لجماعة التقريب
طبيعى جداً أن يهتم المسلمون بفكرة التقريب هذا الاهتمام، و يؤيدوها هذا التأييد، أليسوا هم أول من جربوا أن الفرقة ضعف، كما أن التكتل قوة؟
و طبيعى أيضا لفكرة اتسعت دائرتها، و امتدت آثارها، وذاع صيتها في كل البلاد الاسلامية، و بين الطوائف المختلفة، أن تتساءل بعض الاقلام عنها، و تستوضح نقطا منها، كما أنه من الطبيعى أن تجد أية فكرة في أولى خطواتها شيئا من التحامل، من قلة اعتادوا التسرع في الحكم، و في فكرتنا بالذات لعل الداعى مع التسرع هو التعصب الموروث ضد طائفة من الطوائف.
و طبيعى كذلك أن نسر بكل من هذا و ذاك لاننا لسنا عن سنة الدعوات بغافلين، و نرى أن في كل هذا لفتا للانظار الى دعوة هي في الواقع دعوة الفطرة و الى فكرة هي فكرة الإسلام السليمة، و أن شأن دعوة كهذه أن تتقبل بأقل تنبيه.
فكيفما كان فنحن نرحب بكل ما يكتب حول الفكرة، و نفيد منه، فإن كان سؤالا سقنا جوابه، و ان كان استيضاحا أتينا ببيانه، و ان كان تحاملا على طائفة اسلامية من الطوائف الذين شملتهم جماعتنا، أحس المسلمون شدة الحاجة الى فكرة التقريب، و أحسسنا نحن ضرورة مضاعفة الجهد لنبين للناس ما غمض، و نوضح من الامور ما استبهم.
/ صفحة 147/
و لئن تبارى أصحاب الاقلام المخلصة في تأييد فكرة التقريب - و ما أكثرهم - ينصرونها و يشرحون أهدافها، فانها لاتزال بحاجة الى مزيد من الايضاح، أو وضع النقط على الحروف كما يقولون.
و هذا ما قصدنا اليه في هذا البحث.
* * *
قال قائل منهم: ما دعوة التقريب هذه؟ و كيف يمكن التقريب بين المذاهب؟ أيريدون من كل طائفة أن تنزل عن بعض ما تراه لتقرب من الاخرى، و هل ترضى الشيعة بأن تنزل للسنة عن كذا و كذا، أو ترضى السنة بأن ترى رأى الشيعة في كيت و كيت؟
و انى أقول لهذا القائل و أضرابه ما قلناه من قبل، و ما أعدنا فيه و أبدأنا مراراً: لا يأخى، فما هذه دعوتنا، و لا الى هذا قصدنا.
انما دعوتنا أن يتحد أهل الإسلام على أصول الإسلام التي لايكون المسلم مسلماً الا بها، و أن ينظروا فيما وراء ذلك نظرة من لايبتغى الفلج و الغلب، ولكن يبتغى الحق و المعرفة الصحيحة، فاذا استطاعوا أن يصلوا بالانصاف و الحجة البينة الى الاتفاق في شىء مما اختلفوا فيه; فذاك، و الا فليحتفظ كل مهم بما يراه، و ليعذر الاخرين و يحسن الظن بهم، فإن لخلاف على غير أصول الدين لا يضر بالايمان، و لا يخرج المختلفين عن دائرة الإسلام.
* * *
و قال قائل منهم: ان الطوائف الاسلامية مختلفة في بعض المسائل الجوهرية التي تجعل البعد بينهم شاسعاً، و التقارب بينهم يكاد يكون مستحيلا.
و انى أقول له: على رسلك، ان الطوائف التي نعمل على التقريب بينها هي السنة بمذاهبا، والشيعة الامامية و الشيعة الزيدية، فهل المسائل التي اختلف فيها هؤلاء مما كفّرت به طائفة صاحبتها؟ و لا بد من
((لا)) فإن أحداً من علماء هذه الطوائف لم يرم طائفة منها بالكفر، و لم يقذفها بالمروق عن الإسلام، و ما ذلك/ صفحة 148/
الا لان الخلاف انما وقع في غير الاصول، فليس صحيحاً أنه خلاف في مسائل جوهرية.
و لعل قائلا يقول: ما هذه الاصول التي تجعلونها الحد الفاصل بين المسلمين و غيرهم؟ فاذكر له بعضها على سبيل التمثيل، لا على سبيل الحصر: فنحن جميعاً نؤمن بالله ربا، و بمحمد صلّى الله عليه و آله نبياً و رسولا، و بالقرآن كتاباً، و بالكعبة قبلة و بيتاً محجوجاً، و بزن الإسلام مبنى على الخمس المعروفة، و بأنه ليس بعده دين، و لا بعد رسوله نبى ولا رسول، و بأن كل ما جاء به محمد صلّى الله عليه و آله حق، فالساعة حق، و البعث حق، و الجزاء في الدار الاخرة حق، و الجنة حق، و النار حق،... الخ، و ما اختلفنا فيه من شىء فحكمه الى الله و رسوله، اي أننا متفقون على اسلوب الخلاف، فليس منا من يقول: هذا امرأ أمرَ به الله او رسوله، ومع ذلك لا نلتزمه ولا نقول به، وليس منا من يقول: كلفنا الله ورسوله ان نؤمن بكذا ومع هذا لا نؤمن به، وليس من ينكر معلوماً من الدين بالضرورة، وإنما يقول المختلفون، هذا امر به الله أو هذا لم يأمر به الله و لا رسوله، أو هذا من المواضع التي يسوغ فيها الاجتهاد، فالخلاف انما هو في اثبات أن الله أو رسوله أمراً بهذا الشىء أو لم يأمراً به، مع الاتفاق على أن أمرهما واجب الطاعة على المسلم، و أن شريعة الله انما ترجع الى كتاب الله و سنة رسول الله
و قد قلت اننى لست الان بصدد استقصاء أصول الإسلام، فإن كان أحد يعرف شيئا من أصول الإسلام أنكرته احدى هذه الطوائف فليدلنا عليه، و ان كان أحد يعرف أن احدى هذه الطوائف زادت في أصول الإسلام، ما ليس منها على سبيل اليقين، مما تعد زيادته كفرا و خروجا على الملة، فليأت ببرهانه على ذلك ان كان من الصادقين.
بهذا يتبين أنه ليس من أغراضنا أن يتشيع سنى، أو يتسنن شيعى، بل لو نظرنا الى أصل التسمية في هذين الاسمين لوجدنا المسلمين كلهم شيعة لانهم جميعا يحبون
/ صفحة 149/
أهل بيت الرسول صلوات الله و سلامه عليه و عليهم، ثم لوجدنا هم كلهم أهل سنة لانهم جميعا يوجبون الاخذ بسنة الرسول متى وردت من طريق معتمد عليه، فنحن جميعاً سنيون، شيعيون، قرآنيون، محمديون.
* * *
و قال قائل منهم: ان جماعة التقريب تريد أن تقرب بين المذاهب الفقهية، و ذلك غير ممكن فإن الشافعية اذا اختلفوا مع الحنفية مثلا في أن كذا من نواقض الوضوء أو ليس منها، لم يمكن حمل أحد المذهبين على الرجوع الى الاخر، و اذا حكمنا بينهما فرجحنا رأى هؤلاء في مسألة و رأى أولئك في أخرى و هكذا، لم نفعل أكثر من أننا زدنا مذهباً على المذاهب الموجودة فهو تشعيب لاتقريب.
و انى أقول لهذا القائل: اننا لم نجعل من أهدافنا ادماج المذاهب الفقهية بعضها في بعض، فإن الخلاف أمر طبيعى، و هو في الفقه مبنى على أصول و مدارك كلها في الدائرة التي أباح الله الاجتهاد فيها، فلا ضرر منه، بل فيه خير وسعة، و تيسير و رحمة.
و هبنا قصدنا الى التوفيق فما ضرره؟ ألم يقل الشافعى مثلا: هذا قولى و ما رأيته، و اذا صح الحديث فهو مذهبى، و اضربوا بقولى عرض الحائط، أو لم يرد مثل ذلك عن كل مجتهد؟ بل أليست هذه هي القاعدة التي أوجبها الله علينا في كتابه اذ يقول
((فإن تنازعتم في شىء فردوه الى الله و الرسول ان كنتم تؤمنون بالله و اليوم الاخر ذلك خير و أحسن تأويلا)) فطلب الينا عند الاختلاف أن نرد الامر الى الله و رسوله، و الرد الى الله هو العمل بكتابه، و الرد الى رسوله هو العمل بسنته.و هل لذلك من معنى الا أن يعدل أحد المختلفين عن قوله المخالف لما تبين أنه قول الله أو رسوله الى قول صاحبه الموافق لهما، و هل هذا الا سبيل المؤمنين
((و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و ساءت مصيراً)) ./ صفحة 150/
ان كل مجتهد يرى أن مذهبه الفقهى صواب يحتمل الخطأ، و مذهب غيره خطأ يحتمل الصواب، و هذا أعظم ما يتصور من الانصاف: انصاف المرء لنفسه، و انصافه لغيره.
بيان ذلك أن المجتهد اذا غلب على ظنه بعد البحث في الادلة أن حكم الله هو كذا و جب عليه الفتوى و العمل به، لانه هو الراجح في نظره، و غيره هو المرجوح و صريح العقل أن يتمسك بالراجح على المرجوح، ولكنه مع هذا الانصاف لعقله و نظره، لايفوته انصاف غيره، فيقول: ان ما رأيته و قلت به ليس هو اليقين الذي لا محيص عنه حتماً، و انما هو ظنى و ما رجح لدى، و هو محتمل للخطأ احتمالا ضعيفاً، و يجوز أن يكون غيرى قد تبين أنه الراجح القوى فيجب عليه الاخذ به. فهذه هي خطة الانصاف و السماحة، و عليها كل المجتهدين في الشريعة الاسلامية، و معنى هذا أن هناك أملا كبيراً في أن يتفق فقيهان في بعض ما اختلفا فيه حين يدلى كل منهما بما عنده لصاحبه، فيتكاشفان و يتراجعان.
و هل هذا الا التقريب؟
و قال قائل منهم: لقد سمعنا أن من غايات التقريب أن يدرس مذهب الشيعة في الازهر.
و انى أقول له: ان من غايات التقريب أن يعرف المسلمون بعضهم بعضا، و ان أول من يجب عليهم التعارف هم العلماء و أهل الفكر في كل طائفة، و العلم لايصادر و لا يكتم، فلا بأس على الشيعة أن يعلموا علم السنة، و هم يدرسونه فعلا، و كثير من مجتهديهم يتوسع في درسه. و يتعمق في بحثه، و لا بأس على أهل الازهر أن يعلموا علم الشيعة بل ذلك واجبهم الذي يدعوا اليه الاخلاص العلمى، و لا يكون النظر تاما الا به، أليس الازهر جامعة علمية أعدت للدرس و البحث، و شعارها الدليل و ما يثبته النظر السليم، أو ليست مقارنة المذاهب تدرس بالازهر منذ عهد المغفور له الاستاذ الاكبر الشيخ المراغى، و هي لاتتقيد بالمذاهب الاربعة و لا بمذاهب أهل السنة، و لو تقيدت بذلك لما كانت مقارنة
/ صفحة 151/
تامة، بل أليس الازهر يدرس في احدى كلياته أقوال الفلاسفة و المعتزلة و الجبرية و غيرهم فيحكم في آرائهم الحجة و البرهان، و يأخذ بما يراه حقاً، و يبطل ما يراه باطلا، فهل يكون الفقه الشيعى الامامى أو الزيدى أخطر من هذه المذاهب حتى يتحفظ في شأنه هذا التحفظ؟
ثم ألم تأخذ لجنة الاحوال الشخصية في مصر بأحكام من هذا الفقه، و فيها صفوة من رجال الازهر و كبار علمائه؟
* * *
و في الوقت الذي يقف فيه هؤلاء من التقريب هذا الموقف، فيرونه أملا بعيداً، و يتخيلون في طريقه ما شاء لهم الخيال من عقبات و أهوال، لايخلوا التقريب من أفراد آخرين يقفون على طرف النقيض من هؤلاء، فيقولون: لماذا تكتفون بالتقريب؟ و كيف تبذلون في سبيله ما تبذلون من جهود؟ هلا كانت دعوتكم الى الاندماج و التوحيد؟ أليست الاصول واحدة، و قواعد البحث و النظر واحدة؟
و لسنا الان بصدد الرد على هذه الفكرة، و بيان ما فيها من خطأ، و ما يدعونا الى رفضها و ابعادها - فقد نفرد لذلك فيما بعد مقالا - و انما نذكرها لنسجل هذا الاختلاف الواضح بين طرفي النقيض من الفريقين: هل التقريب جرأة و اقتحام، أو تقصير و احجام؟
* * *
الحق كل الحق أنه لا ضرر على المسلمين في أن يختلفوا، فإن الاختلاف سنة من سنن الاجتماع، ولكن الضرر كل الضرر في أن يفضى بهم الخلاف الى القطيعة و الخروج على مقتضى الاخوة التي أثبتها الله في كتابه العزيز لا على أنها شىء يؤمر به المؤمنون، ولكن على أنها حقيقة واقعة رضى الناس أم أبوا:
((انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم، و اتقوالله لعلكم ترحمون)) .