/ صفحة 167/
قال شيخى
لحضرة الكاتب الفاضل الاستاذ أحمد محمد بريرى
قال شيخى:
عفاريتأ علىّ و أكل مالى *** و حلماً عن أناس آخرينا
فهلا غير عمكمو ظلمتم
*** اذا ما كنتمو متظلمينافلو كنتم لكيّسة أكاست *** و كيس الام أكيس للبنينا
و كان لنا فزارة عم سوء *** و كنت له كشر بني الاخينا
يجهلون على عمهم و يأكلون ماله و اذا عداً عليهم أناس آخرون فحلم و مغفرة: لله در أمكم هلا تظلمتم غير عمكم ان كنتم لابد متظلمين؟ لقد ولدتكم أم غير كيّسة فكيف تكونون أكياساً؟
قلت: لنقف عند
((عم السوء)) و ((شربني الاخينا)) فهو يعنى: ((شربني الاخ)) فمد الكسرة مداً بالغاً حتى أنجبت الياء، و لم يكفه هذا بل أضاف نوناً فتحها مطلقاً الفتحة اطلاقاً، أو قل هو ((طلق)) - تمخض عن ألف ((الاخينا)) .و اذا كانت الضرورات تبيح المحظورات، فما كنت أحسبها بالغة هذا الحد: لقد يستباح أن يقصر الشاعر أو يمد أو يستبدل فتحة بكسرة: أما أن يخلق النون خلقا ليسوق الاخ أو
((الاخينا)) مع ((البنينا)) و ((متظلمينا)) و ((آخرينا)) فقبيح.قال: حسبك سرخرية غير متبصرة، فما ثم ضرورة قبيحة أو مليحة، و انما هي طريقة من طرائق القول عندهم، شعراً كان أو نثراً; و الا فما قولك في قوله
/ صفحة 168/
تعالى: ((سلام على الياسين...)) أفلم تستبدل بفتحة ((الياس)) كسرة تمد فتنجب ياء تلحق بها هذه النون المفتوحة التي رأيتها - على غير علم - ضرورة في ((الاخينا))
؟انى لاحسبها قاعدة عامة في مثل هذه الاحوال، و ان للنون و منها - التنوين - لمكاناً ملحوظا في لغة القرآن المبين، أعنى لغة العرب، فهو مثلها الاعلى فيما يرى الكافرون و المؤمنون.
اذن لا تثريب على القائل
((كشرّ بني الاخينا)) أو كما قال الاخر:أقلى اللوم عاذل و العتابن *** و قولى ان أصبت لقد أصابن
ألم تسمع الاعلام
((حسنين)) و ((محمدين)) و ((عوضين)) و أشباهها. لقد يكون الاصل فيها أن الاسم ((حسن)) أو ((محمد)) أو ((عوض)) جاء في نثر أو شعر و به ((نون)) متبعه كنون ((الياسين)) فتوهم اسماً هكذا وضعه، فجرت التسمية كما هي الان، و تنوسى الاصل. لقد كان الوهم منشأ أسماء كثيرة منها ((ياسين)) فيما أرى، فهى بداية احدى سور القرآن كما تعلم، ولكنهم توهموها اسما و درج الناس على أن يسموا أبناءهم ((ياسين)) و لعلك تذكر ((الحواميم)) في لغة ((الكتاب)) فهى علم على مجموعة من السور تبدأكلها بـ ((حم)) . لقد كان ممكناً أن تسمى الناس ((حم)) فيكون عندنا الشيخ ((حم)) كالشيخ ((يس)) مثلا.قلت: في قول الشاعر
((اذا كنتمو متظلمينا)) نظر، فهو يعنى بالمتظلمين الظالمين أو المعتدين، في حين أن التظلم في اللغة الرسمية، بل في لغة بعض الكرام الكاتبين من الصحفيين، هو الشكوى.فنحن نقول:
((تظلم فلان من كذا)) أى رفع ظلامته منه، و لقد قرأت اليوم في احدى الصحف ((فتح باب التظلم)) و ليس المقصود بطبيعة الحال ((فتح باب الظلم أو الاعتداء)) .قال. لو سمع قائل
((اذا ما كنتمو متظلمينا)) عبارة ((فتح باب التظلم)) فربما حسبها اذناً في الاعتداء. ألا فلتقلعوا عن هذ التعبير سواء أكنتم صحفيين أم كتبة في الدواوين./ صفحة 169/
قلت: أفقولى ((تظلمت من فلان))
خطأ؟قال: ليس خطأ، فالفعل مشترك. هو
((متعدياً)) كقولك ((تظلمته)) يعنى الاعتداء و غير متعد أو ان شئت متعدياً بالحرف كقولك ((تظلمت منه)) يعنى ((شكوت ظلمه)) و اليك قول صاحب القاموس المحيط ((الظلم بالضم وضع الشىء في غير موضعه، و المصدر الحقيقى الظلم بالفتح، ظلم يظلم ظلما بالفتح فهو ظالم و ظلوم، و ظلمه حقه و تظلمه اياه، و تظلم أحال الظلم على نفسه و منه شكاً من ظلمه، قلت: حسبى من ظلم و تظلم، والحاصل أن تعبيرنا صحيح، و قد تظلموننا اذ تأمرون بالاقلاع عن تعبير صحيح.قال: ان اقلاعك عن استعمال التظلم بمعنى الشكوى أهون على من جهل المعنى الاخر في قوله
((اذا ما كنتمو متظليمنا)) و مع هذا هبها احدى عثراتى و تالله ما أكثر عثرات الشيوخ.قلت: و تالله ما أبعد أثرها السىء، فهى تجر عثرات آخرين يسعون و راء الشيوخ باعتبارهم الهداة المرشدين.
هأنت ذا تعظ شيخك، فالعجب لزمان يهتدى فيه الشيوخ بهدى الشباب! اجهل على ما شاء لك الجهل، فلقد جهلنا عليكم و بكم، فحق علينا أن نجنى ثمار غرسنا.
قلت: يبدو أنه عود على بدء، فلقد انتهينا في حديثنا السالف الى علم الجهلاء أو جهل العلماء. و لقد رجعت الى أصحاب اللغة فوجدتهم يقولون. جهلة جهلا و جهالة ضد علمه، و جهل عليه أظهر الجهل، و ما عثرت على
((الجهالة)) تحمل معنى قد يتحقق فيمن يوصف بأنه عالم، فيصح أن أتحدث عن علم الجهلاء أو جهل العلماء.قال: لست أدرى ابحثت مستقصيا محصيا، أم نظرت في مرجع بعينه فحسبت أنك رجعت الى اصحاب اللغة و أحطت.
و انه لكاف شاف أن أرجع الى محفوظك أنت في الشعر العربى; انشدنى أى شعر يتضمن جهل أو ما اشتق منها.
قلت: أحلامكم لسقام الجهل شافية *** كما دماؤ كمو تشفى من الكلب
/ صفحة 170/
و لن يلبث الجهال أن يتهضموا *** أخا الحلم ما لم يستعن بجهول
ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أحلامنا تزن الجبال رزانة *** و يفوق جاهلنا فعال الجهل
أظن الجهل دل على قومى *** و قد يستجهل الرجل الحليم
قال: قدنى و كفى. فإن الجهل في كل ما أنشدت قد يتحقق في أعلم العلماء وافقه الفقهاء، ألا تراه يضاد الحلم، فهو سفه و حلم و عدوان، و ما شئت من هذه الالوان.
كن من علماء الذرة أو من أصحاب الخبر و السير أو من الادباء أو كن كل هذا، فأنت معه قد تكون من يتحدث اليه زهير بن أبى سلمى اذ يقول:
اذا أنت لم تقصر عن الجهل و الخنا *** أصبت حليماً أو أصابك جاهل
و الظاهر أن أصحاب اللغة لم يخدموا مادة
((جهل)) خدمتها المستحقة، و لعل معانيها كانت من ((المعروف)) الذي لايعرّف، كانت كذلك أيام صنفوا و ألفوا، و الا فإن الجهل في أكثر ما حفظنا من مأثور اللغة العربية انما هو السفه و العدوان و ما اليهما... و الجاهلية أتراها في لغة الإسلام تعنى جهل العلوم الانسانية التي كانت معروفة آنذاك؟لقد كان أحد أئمة الكفر على عهد الرسول عليه الصلاة و السلام مؤرخاً يحدث الناس عن الاكاسرة و القياصرة، بل كان مع هذا يسخر من النبى الامى و من القرآن في معرض الحديث عن عاد و ثمود، و ارم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، فتلك هي أساطير الاولين فيم يرى شيخ العرب المؤرخ الجاهل المنسوب بحق الى الجاهلية الجهلاء، ألاترى جهل العلماء؟ أو لاترى من حقك أن تتحدث عن علم الجهلاء أو جهل العلماء؟
لقد وصف أعرابى رجلا عالماً سفيهاً أو قل جاهلا فقال:
((هو ذو أدب وافر و عقل نافر)) .قلت: اذا كانت الفكرة تتداعى كما يقول أصحاب علم النفس فلقد حدثتنى
/ صفحة 171/
نفسى بما كان من شأن الجاهلية و الامة الاسلامية... و اذا كان مؤدى الجهل شيئاً آخر غير الذي علمونا و نحن تلاميذ، و اذا كانت معرفة الشيخ العربى القرشى لم تنف عنه الجهل و النسبة الى الجاهلية، فلم لا نكون الان نحن الامة الاسلامية في حال تشبه تلك التي كانت أيام نهاية الجاهلية و بداية الإسلام.
لقد كان الجهل أو السفه أو العدوان قاعدة الحياة العربية خاصة، و الحياة الانسانية عامة، فكانت الفرقة و الاختلاف، فلما جاء الإسلام، و نقض قاعدة الجاهلية استبدل بالفرقة و الاختلاف، الوحدة و الائتلاف، أفلسنا أمة واحدة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا؟ كذلك أمر الله
و كذلك كنا، بيد أن الايام لم تطل حتى تفرقت الكلمة، و أصبحنا أمماً أو شيعاً و مذاهب لايجمعها سبب، و هي - علم الله - ذات نسب واحد، أفليس عجيباً أننا جميعاً نقول لا اله الا الله محمد رسول الله و نحن مع هذا آحاد ود كل منها لو أكل سائرها؟ آنهاو الله لجاهلية ذقنا و بال أمرها، و اذا لم تقترب تلك الاحاد و نأتلف كما ألفها محمد بن عبدالله عليه صلوات الله و سلامه، فعلى آثار من ذهب العفاء.قال: أجل فإن التقريب بين المذاهب الاسلامية هو دلالة الوعى الاسلامى و لن يقف في سبيله الا جهل العلماء مجازاً أو شكلا، فإن العالم لحق في هذه الامة نبى أو كنبى
((علماء أمتى كأنبياء بني اسرائيل)) أفيتأتى أن يكون النبى داعية فرقة و انقسام؟انى لاذكر واقعة مر عليها نصف قرن أو يزيد كنت طالباً أزهرياً مالكى المذهب، و كان شيخنا رحمه الله يحرضنا على قتال الحنفية و كنت شاباً قوى البنية أحمل هراوة غليظة أهويت بها يوماً على رأس حنفى هو زميلى الان في المجمع اللغوى، فأحدثت به ما تسمونه
((عاهة مستديمة)) و لقد كان هو من فتيان الحنفية الاشداء على المالكية و الشافعية، فلما انجلت الوقعة عن اصابته، سر شيخنا - عفا الله عنه - سروراً عريضاً نقص من أطرافه أن صاحبنا لم يمت، فكان الشيخ/ صفحة 172/
يقول: ليتها كانت القاضية. نعم ان ضربتى لم تكن قاضية و الحمدلله، على أن جزانى عليها كان شافياً شهياً، فقد منحنى الشيخ رأس عجل أكلته وحدى و اخوانى ينظرون، و كل يمنى نفسه جائزة مثلها اذا قدمت يداه ضحية حنفية كما قدمت يداى. و لا أحب أن أظلم شيخى تغمده الله برحمته، فلقد كان - على بغضه الحنفية- حجة في فقه الماكية.
قلت: لقد ولى عهد المعارك المذهبية في الازهر، بل في الامة الاسلامية جمعاء فدعوة التقريب جاءت في حينها، و ما أظن بين شيوخ الإسلام في أيامنا من يسير سيرة شيخكم الذى كان يحرضكم على قتال الحنفية.
قال: ان لبابة الإسلام - اذا شاء الله أن تنكشف المحنة - لشيوخ أحلامهم تزن الجبال رزانة كما قال صاحبتك الذى أنشدتتنى شعره، فأولئك هم الذين يصلح بهم أمر هذه الامة.
قلت فما معيار رزانة الحلم، أو سلامة العقل؟
قال: الايمان بما دعا الله اليه من الالفة و الوحدة و الاخوة الاسلامية، ان الله يقول
((ان هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون)) .فكن أعلم الناس بالاثر و الخبر و الكلام و الفقه و الاصول و النحو و البلاغة و سائر ما اصطلحوا على أن يسموه علماً، و لا تؤمن بهذه الوحدة، فأنت - و هذا شأنك - جاهل ينتمى بحق إلى الجاهلية الجهلاء، و لو أنك - شكلا و مظهراً - في طليعة العلماء.
قلت: لقد جاء في القرآن الكريم:
((أتتخذنا هزوا؟ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين)) و ((خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين)) فما فضيلة العلم هنا؟ أهو من لون ما ورد في الشعر الذى أنشدنا، أم هو ما علمناه و نحن صغار؟قال: ليس الاستهزاء بالناس وليد عدم المعرفة دائماً، فقد تكون غير عالم
/ صفحة 173/
و مهذباً لا تسخر من الناس، و انما السخرية مصدرها ((السفه)) أو ((الجهالة))
بالمعنى الذى شرحناه، فسيدنا موسى عليه الصلاة و السلام ينفى عن نفسه أن يكون سفيهاً يسخر من أولئك الذين استفتوه فيما حل بهم و فيما عساهم يفعلون، و تكليف الله رسوله الاعراض عن الجاهلين، انما يقصد به الصد عن السفهاء، و الا فهل شأن الرسول ألا يعلم جاهلا يريد أن يعلم فيعرض عنه؟ كلا، بل يعرض عن السفهاء الذين كانوا يؤذونه و يؤذون المسلمين.قلت:
((و تلك الامثال نضربها للناس)) فهلا ضربتم لنا مثلا نفهم منه الجهل و الجهال بالمعنى العام الذى نستبينه اذا درسنا أدب القرآن و أدب اللغة العربية عامة؟قال: خذ المثل: هنا لك جماعة من الناس يدعون إلى التقريب بين المذاهب الاسلامية، أى أنهم يرغبون إلى الامة الاسلامية في أن تلم شعثها، و ترأب صدعها، فتعود سيرتها الاولى، تلك هي دعوة التقريب، و دعوة هذا شأنها لاغر و يعترض سبيلها جماعة من الناس، لعل منهم من تسمونه مثقفاً أو عالماً، و واقع الامر أن علمه علم شاس بن قيس و صاحبه.
قلت: و من شاس بن قيس و صاحبه، و ما شأنهما.
قال: لقد كان شاس بن قيس شيخاً يهودياً عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين، فمن ذات يوم على نفر من الاوس و الخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم و صالح ذات بينهم في الإسلام، بعد الذى كان بينهم في الجاهلية من العداوة، فأمر شاباً من اليهود كان معه فقال اعمد اليهم، و اجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث، و ما كان قبله، و أنشدهم بعض ما تقاولوا فيه من الاشعار - و كان بعاث يوماً اقتتلت فيه الاوس مع الخزرج، و كان الظفر فيه للاوس على الخزرج - ففعل و تكلم فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا و تفاخروا إلى أن تنادوا السلاح السلاح، فبلغ ذلك رسول الله
(صلّى الله عليه و سلّم) فخرج اليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال ((يا معشر المسلمين. أبدعوى الجاهلية - و أنا بين أظهركم بعد اذ أكرمكم الله بالاسلام، و قطع به عنكم أمر/ صفحة 174/
الجاهلية و ألف بينكم - ترجعون إلى ما كنم عليه كفاراً، الله الله))
فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان و كيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم و بكوا و عانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول (صلّى الله عليه و سلّم) سامعين مطيعين. فأنزل الله تعالى هذه الاية ((يأيها الذين آمنوا ان تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين و كيف تكفرون و أنتم تتلى عليكم آيات الله و فيكم رسوله و من يعتصم بالله فقدى هدى إلى صراط مستقيم)) .أفرأيت إلى جهل شاس و صاحبه على علمهما، و ما كانا يرويان عن
((بعاث)) و ما قيل في ((بعاث)) من شعر كاد يعيد الحرب بين الفريقين المؤمنين جذعة، لو لا أن تداركهما رسول الله (صلّى الله عليه و سلّم).فما أرى من يثير بواعث التفريق الا داعياً بدعوى الجاهلية، خارجاً على أمر الله و رسوله إلى ما آثره من عرض زائل، أو رأى حائل
((و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضى الله و رسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)) .