/ صفحة 196/
الترجمة شروطها و مناهجها
لحضرة الكاتب الفاضل الاستاذ محمود محمد الخضيرى
المدير المساعد لمجلة الازهر
الترجمة الصحيحة هي نقل المعانى نقلا يؤديها من لغة الى لغة أخرى، بحيث لاتتغير المعانى بالنقل و لا يختلف التعبير عنها من حيث القيمة البيانية بالرغم من اختلاف اللغة.
و لا بد لتحقيق هذه الغاية على الوجه الاكمل من توافر شروط ثلاثة:
التمكن من اللغة المنقول منها و التمكن من اللغة المنقول اليها، و الخبرة بموضوع الكلام الذي يراد ترجمته ومعرفة ما يدور حوله من أمور.
و مثال ذلك: اذا كان الموضوع مما يتصل بعلوم القانون، و كان الاصل مؤلفاً باللغة الفرنسية و يراد ترجمته الى اللغة العربية، فانه من الواجب ألا يتصدى لترجمته الا من كان ذا خبرة كافية بعلوم القانون و متعوداً دراستها و النظر في المدون فيها من الكتب في اللغتين، و كان مع ذلك متمكناً من اللغتين الفرنسية و العربية.
و في هذا يقول الجاحظ: ان الترجمان لايقدر على أداء العلوم و المذاهب الا أن يكون في العلم بمعانيها، و استعمال تصاريف ألفاظها، و تأويلات مخارجها مثل مؤلف الكتاب و واضعه، و لابد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة، و ينبغى أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة و المنقول اليها حتى يكون فيها سواء و غاية اهـ باختصار عن الجزء الاول من كتاب الحيوان.
/ صفحة 197/
و اذا توافرت هذه الشروط في المترجم فإن عليه قبل الشروع في ترجمة أى كلام أن يتفهم عبارته، و يعرف مقصوده مستعيناً بمنهج تفسير النصوص.
و ينبغى أن يكون المترجم المتقن لعمله متعوداً على تفسير النصوص في اللغة التي ينقل منها و اللغة التي ينقل اليها، و تفسير النص هو في الحقيقة أولى مراحل الترجمة، لانه يمكننا من تحويل مضمون النص كما نتلقاه من عبارة صاحبه الى معان ترتسم في أذهاننا نتصوّرها تصوراً واضحاً، و كأنها من نتائج أفكارنا.
و أول ما يرمى اليه تفسير النص هو فحص عبارة المؤلف بجميع الوسائل التي نتسلمها من علوم اللغة و البيان، ثم البحث عن مقصوده، و اذا تبين مقصوده فلننظر كيف تؤديه عبارته، و ربما تكشفت لنا بواسطة هذا المنهج عيوب في تعبير المؤلف عن مقصوده مما يرجع الى السهو أو التقصير في اللغة، و ينبغى أن نكون من الحيطة و البصر بالامور بحيث نميز بين ما يجوز على المؤلف من سهو أو تقصير في اللغة و بين ما يعرض للكلام من سهو من تداولوه في النسخ و النقل، و ما أحدثوا فيه من مختلف التصرفات، و أعنى بذلك أنه لابد في بادىء الامر من
((تقويم النص)) أو ما يسمى بالفرنسية: Etablissement du Texte.و للترجمة في اللغة العربية تاريخ مجيد طويل، اذ ترجم اليها الشىء الكثير عن اليونانى و السريانى و الفارسى المتوسط، أى اللغة البهلوية، و يسميها العرب:
((اللسان الفارسى القديم)) و السنسكريتى أو لغة الهنود الدينية، و للنظر في هذا التاريخ تراجع كتب الفهرست لابن النديم، و عيون الانباء في طبقات الاطباء لابن أبى أصيبعة و أمثالهما، و من المؤلفات الحديثة كتب اشتاينشنيدار
M. Steinschneider و برگشتراسر Bergstraesserو غيرهما من العلماء الغربيين.و اشتهر عند مترجمى الاسلاميين في العصر العباسى طريقتان في الترجمة تنحصر أولاهما في استيعاب النص المطلوب ترجمته و فهمه خير فهم مستطاع، ثم التعبير عنه بالعربى، و هذه طريقة حنين بين اسحاق المتوفى سنة 264 هـ. الموافقة سنة 877 م، و هو أشهر مترجمى العرب، و الطريقة الثانية هي الترجمة الحرفية
/ صفحة 198/
أو نقل النص كلمة كلمة. و الترجمة حسب الطريقة الاولى تعطى كلاما أيسر فهما، و أوضح عبارة، و لهذا كانت ثمراتها سائغة، و فائدتها أقرب و أعم، و أما الترجمة على حسب الطريقة الثانية، فقد جاءت عبارتها غامضة و غير جميلة، و مع ذلك فانها أفادت العلم، و استطاع بواسطتها بعض العلماء استرداد
النص المنقول في حالة فقدان أصله، و ذلك بترجمة الترجمة متبعاً نفس الطريقة التي اتبعهاالمترجم العربى.و في شرح هاتين الطريقتين في الترجمة يقول الصلاح الصفدى: و للتراجمة في النقل طريقان: أحدهما طريق يوحنا بن البطريق و ابن ناعمة الحمصى و غيرهما، و هو أن ينظر الى كل كلمة مفردة من الكلمات اليونانية، و ما تدل عليه من المعنى فيأتى بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها و ينتقل الى الاخرى كذلك حتى يأتى على جملة ما يريد تعريبه، و هذه الطريقة رديئة لوجهين: أحدهما أنه لا يوجد في الكلمات العربية كلمات تقابل جميع كلمات اليونانية: و لهذا وقع في خلال هذا التعريب كثير من الالفاظ اليونانية على حالها و الثانى أن خواص التركيب و النسب الاسنادية لاتطابق نظيرها من لغة أخرى دائماً، و أيضاً يقع الخلل من جهة استعمال المجازات و هي كثيرة في جميع اللغات، الطريق الثانى: في التعريب طريق حنين بن اسحاق و غيره، و هو أن يأتى الجملة فيحصل معناها في ذهنه و يعبر عنها من اللغة الاخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الالفاظ أم خالفتها، و هذا الطريق أجود; و لهذا لم تحتج كتب حنين بن اسحاق الى تهذيب الا في العلوم الرياضية، لانه لم يكن قيما بها، بخلاف كتب الطب و المنطق، و الطبيعى و الالهى، فإن الذي عربه منها لم يحتج الى اصلاح، (عن الكشكول للبهاء العاملى. طبعة بولاق القاهرة سنة 1288، ج 2، ص 191.
والواقع أن حنين بن اسحاق كان نسيج وحده في اتقان الترجمة و استحق بنبوغه و اجتهاده أن يخلد اسمه في تاريخ العلوم في العصور الوسطى عند الاسلاميين في الشرق و المسيحيين في الغرب على حد سواء. و هو من مفاخر العرب أصله من قبائل عباد (بفتح العين و تخفيف الباء) بالحيرة أخذ العربية عن شيخه الخليل بن أحمد، و قيل
/ صفحة 199/
انه هو الذي أدخل كتاب العين بغداد. و معنى ذلك أنه كان يتقن اللغة العربية.
ثم انه تعلم اللغة اليونانية في الاسكندرية على بعض الروايات، و قيل انه تعلمها على اسحاق بن الخصى، و هو رومى الاصل من جهة والديه، و تأدب بآداب الروم و قراءة كتبهم بفضل جارية رومية كانت خازنة عند الرشيد. و بلغ من تذوق حنين للغة اليونانية أنه كان يردد شعر أو ميروس باليونانية و ينشده. ثم كان فوق ذلك فيلسوفاً و طبيباً ممتازا يعالج الخلفاء، و يخصونه بالثقة في وقت كثر فيه المشهورون من الاطباء، و اشتد فيمابينهم التنافس. ثم كان أيضا يحسن السريانية، اذ ترجم اليها بعض الكتب عن اليونانية، كما ترجم منها الى العربية. و حسبه فخراً أن وصفه الخليفة العباسى بهذه العبارة:
((لقد أحرز من طبائع الالفاظ و تحديد المعانى ما فاق به نظراءه)) ; (تراجع أخباره و ترجمته في كتاب طبقات الاطباء لابن أبى أصيبعة ج 1 ص 184-200).و كان من طرق الترجمة المألوفة عند الاسلاميين أن يتولى الرجل الذي يعرف اليونانية و السريانية ترجمة الكتاب من اليونانى الى السريانى، ثم يتولاه رجل آخر يعرف السريانى و العربى فينقله الى العربى. و أحيانا أخرى كثيرة كان يترجم النص رجل متمكن من اللغة المنقول منها، ولكنه غير متمكن من اللغة العربية فيتعهد ترجمته رجل آخر يحسن العربية بالتصحيح و التهذيب لكى يكسبها رونقاً عربياً خالياً من آثار اللغة الاجنبية.
و حصل ما يشبه هذا في العصور الوسطى الاروبية، لاسيما أثناء النهضة الخاصة بالترجمة في مدينة طليطلة الاسبانية. و كان لهذه النهضة أثر كبير في ازدهار العلوم و تقدمها في أوربا كان النص العربي يحول أولا الى اللغة العامية القشتالية ثم تترجم الترجمة القشتالية الى اللغة اللاتينية التي كانت لغة العلم و الدين في جميع أوربا المسيحية.
و لا شك أن هذه الترجمة على درجات أدت الى خلل في الاداء، فجاء المنقول غير مطابق في كثير من الاحيان للاصل، و لا يخلو من بعض الخروج عن مقصوده.
و في وقتنا الحاضر نلاحظ في بلادنا هذا العيب الناتج عن ترجمة الترجمة.
/ صفحة 200/
ذلك أننا نجد كتباً مترجمة الى لغتنا العربية لا عن لغة الاصل، بل عن ترجمة لها في لغة أخرى. و نحن نعرف كتباً أصلها مؤلف بالانجليزية، ولكنها منقولة الى لغتنا عن ترجمة فرنسية، و أخرى أصلها موضوع بالفرنسية ترجمت عن ترجمتها الانجيليزية، و أخرى أصلها ألمانى أو لاتينى أو يونانى أو غير ذلك، نقلت الينا عن ترجمتها الانجليزية أو الفرنسية أو التركية أو غيرها. و الواقع أنه ما دام الناقل لايعرف لغة الاصل، فلا سبيل له الى أن يعرف مقدار الصحة و الامانة في الترجمة التي اعتمد عليها معرفة صحيحة.
و من طرق الترجمة أيضاً طريقة التلخيص. و نحن نجد نماذج كثيرة لهذه الطريقة في تاريخ الترجمة عن اليونانى و السريانى عندالعرب. و اذا نظرنا في الاصول المترجمة على هذا النحو، وجدنا أنها في حاجة الى شرح و البسط، لا الى الاختصار، و اذن فإن الذي دعا المترجمين الى اختصارها هو تيسير الترجمة بالتخلص من بعض الصعوبات، كما دعاهم أيضاً الى سلوك هذه الطريقة حاجة المبتدئين في التعليم الى الاكتفاء بالمختصرات ليحفظوها عن ظهر قلب.
و من طرق الترجمة أيضاً، التزام بعض القيود اللغوية، مثل ترجمة الشعر شعراً مع التزام وزن الاصل، أو التزام الصناعات اللفظية الاخرى، و هذه الترجمة سقيمة لا تعطى شيئاً من النتائج الجيدة لما يثقلها من التكلف، و لان لكل لغة خواصها في دلالات ألفاظهاو أوضاعها، و اتصال كل كلمة بطائفة من الكلمات ذات معان معينة، مما يجعل محيط التعبير في أى لغة مختلفاً في حدود معانية عن محيط التعبير في غيرها من اللغات. و أقوى ما يكون هذا الاختلاف ظهوراً في الشعر.
و بالجملة، فإن الترجمة بطريقة استيعاب النص، و فهم معناه، ثم التعبير عنه باللغة المنقول اليها، و الترجمة الحرفية كلمة كلمة، هما الطريقتان الرئيسيتان، و ينبغى التوفيق بينهما لضمان الامانه في النقل من جهة، و الوضوح في التعبير من جهة أخرى.
و أكبر ما يعق في الترجمة من خطأ هو ما يسمى بالفرنسية
Non-sens و هو أن يخلو النقل من معنى من معانى الاصل، و يورد المترجم شيئا آخر في مكانه/ صفحة 201/
و هذا يأتى في الغالب من عدم فهم النص و الرغبة في التزام الترجمة الحرفية.
و الخطأ الثانى هو ما يسمى
Contre- Sens و هو ايراد عبارة في الترجمة يخالف معناها معنى العبارة الاصلية، و الخطأ الثالث الغموض و اللحن في اللغة المنقول اليها. و الخطأ الاخير العجز عن مسايرة المؤلف في اختيار الالفاظ و العبارات لاداء غايات بيانية معينة مما تشرحه علوم اللغة و فنونا الشعر والخطابة.و في الواقع انه لابد لاتقان الترجمة أن ينتبه المترجم الى القيمة العاطفية للفظ و العبارة في لغة المؤلف. اذ أن هذه القيمة تصاحب الالفاظ و العبارات لميزة في تكوينها و تاريخها. و في تأثير الوسط الذي وضعها فيه كبار الكتاب و الشعراء و الخطباء. و لهذه القيمة وزنها و حسابها يجوار مجرد الدلالة على الاشياء.
و من مشكلات الترجمة الى اللغة العربية عدم تيسر الالفاظ المطابقة لالفاظ في اللغات الاوربية تدل على معان استحدثهاالاوربيون في مدنيتهم الحديثة، و هذه الالفاظ العربية المطلوبة لا توجد في قواميس يعتمد عليها، كما أن المترجم لا يجدها بسهولة.
و هذا واجب يقع عبؤه على المتخصصين في شتى العلوم و الفنون على شرط أن يحسنوااللغة العربية، و اللغات التي ترد فيها مصطلحات هذه العلوم، أو أن يستعينوا بالمختصصين من أهل اللغة.
و هناك مشكلات أخرى يعالجها علماءالمجمع اللغوى و لا يتسع المجال لتفصيل الكلام فيها.
و بالجملة، فإن للاديب المنشىء أن يختار من الالفاظ ما يراه مناسباً لاداء معانيه أو أن يختار من المعانى ما يناسب خزانته من الالفاظ. أما المترجم فليس له الحق في مثل هذا الاختيار، لانه أمين على معانى غيره، و ترجمان لشعوره و ذوقه و عليه أن يؤديها في أوفق الالفاظ، و اذا لم يؤد هذه الامانة على أتم وجه سمى خائنا، و صدق عليه المثل الايطالى القديم الذي معناه:
((الترجمان خائن)) .و قانا الله شر الخيانة؟