/ صفحة 202/
برامجنا التعليمية و خطط الاستعمار
للكاتب الفاضل الاستاذ جميل الرافعى
على أثر احتلال الجيش البريطانى لفلسطين الشهيدة، و انتعاش الروح الاستعمارية التبشيرية في العالم و لا سيما عند هيئات التبشير في أوربا و أمريكا، صحت عزيمة القوم على أن يعقد في فلسطين للمرء الاولى مؤتمر تبشيرى يضم ممثلين لكثير من الدول الغربية، و لا سيما التي تتخذ من التبشير أخطر الوسائل الاستعمارية. وتمّ عقد هذا المؤتمر في جبل الزيتون يومئذ وحضره جماعات من المبشرين ورؤسائهم من كل بقاع أوربا و أمريكا و دام هذا المؤتمر زهاء سبعة أيام متوالية.
و يرجع ما دار في هذا المؤتمر الى ما يأتى:(1)
بدأ كل زعيم لمبشرى دولة من الدول يدلى ببيانات خطيرة بالغة الخطورة عن الجهود التي قامت بها طوائف المبشرين في خلال مائة عام حتى سنة 1928 فدلّت الاحصاءات التي تقدم بها اولئك الزعماء على مجهودات كياد المرء يظن أنها فوق مقدور الناس، فقد انتشرت تلك الجماعات في جميع الممالك الاسلامية في مختلف قارات الارض، و انساب أفرادها يجوبون القرى والدساكر بعد أن تركزوا في البلدان و العواصم، و تغلغلوا في المدارس و المستشفيات و ذهبوا
ــــــــــ
(1) تنشر رسالة الإسلام هذا المقال، الذي يفصح عن نيات المبشرين الذين لا هم لهم إلا محاربة الإسلام، وهي في الوقت نفسه تفرق بين هؤلاء وأهل العلم والبحث المنصفين من المستشرقين، كما ثعرف لبعض المعاهد الغربية في الشرق فضلها وخدمتها وحيادها فيما تعالج من بحوث، أو تنظم من دراسات.
/ صفحة 203/
في افتنانهم لمقاومة الاسلام كل مذهب، و توسلوا الى ذلك بجميع وسائل الدعاية و التبشير في المجتمعات و الكنائس و الاندية.... حتى تهجموا على الجوامع و على الازهر نفسه في توزيع الرسائل المشككة في الاسلام و العقيدة المحمدية و غشوا المجتمعات التي يختلف اليها شباب المسلمين، فكانوا يبذرون البذور المؤدية الى زعزعة العقائد.
تحمل المبشرون في كثير من المجاهل التي ارتادوها ضروباً من المتاعب المادية و الادبية بالرغم مما نشرته عليهم دولهم التي تتحكم في العالم الاسلامى من أنواع الحمايات و أمدتهم به من الاموال، فسهلت لهم بقوتها كل السبل لبناء المحطات و المخيمات و الانتقال و الاقامة حتى بين الوحوش في بعض جهات أفريقيا النائية، و التعرض لاخطار لا حصر لها، منها أن بعض الزنوج الذين كان المبشرون يبذلون في سبيل تنصيرهم كل جهد، كانوا يأكلون أولئك المغامرين في سبيل نشر المسيحية و ضرب الاسلام بها، أو سبقه الى تلك الاماكن السحيقة.
وصف المبشرون تلك الاهوال التي أحاطت بهم في كثير من مختلف بقاع الدنيا، و لم ينسوا الاشارة الى اهمال الطائفة المتعلمة بين المسلمين، و لا سيما الذين كان الاسلام يفرض عليهم الدفاع عن هذا الدين الذي تشرفوا بالانتساب اليه، و فهموا أسرار هدايته للعالمين، و كان كل خطيب من أولئك الخطباء ينتهى ببيان مقنع مدعم بالارقام يقرر فيه افلاس التبشير المسيحى في العالم الاسلامى خلال الاعوام المائة السالفة، فتجمعت هذه النتائج في اليوم السابع لدى سكرتيرية المؤتمر مجمعة كلها على معنى واحد لا يخرج عن حقيقة الفشل الذريع للتبشير، بينما ينتشر الاسلام في أفريقيا، و يتدفق رغم هذه السدود على الدنيا، و في الوقت نفسه يغزو الاسلام المسيحية في أكبر عواصمها من القارتين الاوربية و الامريكية، برغم اهمال المسلمين جماعات و حكومات، و أن من هذه الجماعات و الحكومات من تشترك بتصرفاتها في تعويق انتشار الاسلام مع روح التبشير الاستعمارى.
/ صفحة 204/
و ماكاد المؤتمر يصل الى هذه النتيجة و يعلنها و يقرر على ضوئها مصير هذه الجهود التبشيرية، حتى وقف الرئيس القس زويمر - و هو الذي كان رئيس المبشرين في القطر المصرى و وزع في الازهر يومئذ رسالة يخطىء فيها المسلمين لا تجاههم في صلواتهم الى الكعبة المعظمة، و يصححه بضرورة الاتجاه الى بيت المقدس -
وقف القس زويمر فقال ما خلاصته -
أيها الاخوان الابطال، و الزملاء الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية و استعمارها لبلاد الاسلام، فأحاطتهم عناية الرب بالتوفيق الجليل المقدس. لقد أديتم الرسالة التي نيطت بكم أحسن الاداء، و وقفتم لها أسمى توفيق. و ان كان يخيل الىّ أنه مع اتمامكم العمل على أكمل الوجوه لم يفطن بعضكم الى الغاية الاساسية منه.
انى أقركم على أن الذين أدخلوامن المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين، لقد كانوا كما قلتم أحد ثلاثة: اما صغير لم يكن له من أهله من يعرفه ما هو الاسلام، أو رجل مستخف بالاديان لا يبغى غير الحصول على قوته، و قد اشتد به الفقر و عزت عليه لقمة العيش، أو آخر يبغى الوصول الى غاية من الغايات الشخصية، ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست هي ادخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم و تكريماً، و انما مهمتكم أن تخرجوا المسلم
من الاسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، و بالتالى لا صلة تربطه بالاخلاق التي تعتمد عليها الامم في حياتها، و بذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعمارى في الممالك الاسلامية، و هذا ما قمتم به في خلال الاعوام المائة السالفة خير قيام، و هذا ما أهنئكم عليه، و تهنئكم دول المسيحية و المسيحيون جميعاً من أجله كل التهنئة، لقد قبضنا أيها الاخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر الى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الاسلامية المستقلة، أو التي تخضع لنفوذ المسيحية أو التي يحكمها المسيحيون حكماً مباشراً، و نشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير المسيحى في الكنائس والجمعيات و في المدارس المسيحية الكثيرة/ صفحة 205/
التي تهيمن عليها الدول الاوروبية و الامريكة، و في مراكز كثيرة ولدى شخصيات لاتجوز الاشارة اليها، الامر الذي يرجع الفضل فيه اليكم أولا، و الى ضروب كثيرة من التعاون بارعة باهرة النتائج، و هي من أخطر ما عرف البشر في حياة الانسانية كله، انكم أعددتم بوسائلكم جميع العقول في الممالك الاسلامية الى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد.
انكم أعددتم نشئاً لايعرف الصلة بالله و لا يريد أن يعرفها، و أخرجتم المسلم من الاسلام و لم تدخلوه في المسيحية، و بالتالى جاء النشء الاسلامى طبقاً لما أراده له الاستعمار المسيحى لايهتم بالعظائم، و يحب الراحة و الكسل، و لا يصرف همه في دنياه الا الى الشهوات، فاذا تعلم فللشهوات، واذا جمع المال فللشهوات، و ان تبوأ أسمى المراكز ففى سبيل الشهوات يجود بكل شىء.
ان مهمتكم تمت على أكمل الوجوه و انتهيتم الى خير النتائج، و باركتكم المسيحية، و رضى عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الرب
)) .و بذلك انتهى المؤتمر الى قرار الاستمرار في خطته بالوسائل القديمة و بوسائل جديدة، و نشأت الحالة التي صار اليها أبناء الامم الاسلامية نتيجة برامج المبشرين، و هذا هو السر الحقيقى في أن العلم في بلاد المسلمين أخفق و أصبحت معظم طبقات المتعلمين حرباً على الاسلام نفسه.
و انك اذا تأملت عند وقوع الكوارث الكبرى في العالم الاسلامى رأيت أنها وقعت بأيدى المسلمين، و من ورائهم الاستعمار المسيحى يوجههم الوجهة التي يريدها، و الامثلة على هذا كثيرة تفوق الحصر، و آخرها نكبة فلسطين الكبرى، و هي المأساة التي لم يرو التاريخ لها مثيلا، فإن الذين مثلوا أدوارها نخبة من أرقى المتعلمين في الممالك العربية السبع.
فقد انتهوا فيها بارشاد المستعمرين و تهديدهم الى ما يريد الاستعمار المسيحى
/ صفحة 206/
بالاسلام، و هو وضع خنجر في قلب فلسطين، أو في الواقع في قلب العالمين الاسلامى و العربى، و قطع الصلة بين العرب في مشرقهم و مغربهم، و طبع وصمة عار على جبين المسلمين، و قتل عزة النفس الاسلامية فيهم.
و لو أن تلك الفئة من الرجال المتعلمين و هم من خيرة الاسر العربية الاسلامية في الشرق الاوسط نشئوا في غير هذه الوسط الاستعمارى التبشيرى، و تعلموا في مدارس عمادها الثقة بالله و بالامة و الوطن و الحقيقة المجردة، لما أصيبت فلسطين بمثل نكبتها، و لما شرد زهاء مليون من المسلمين الامنين الى جميع الاقطار العربية و أصبحوا لسوء حظهم في حالة تتفتت الاكباد لمجرد ذكرها، أو قراءة و صفها على القرطاس.
و من العجيب جداً أن التبشير المسيحى أدخل في روع الناس أن الحياة الاسلامية لا تسمح للمرء مهما أوتى من الذكاء أن يتقدم، فهى رجعية بكل معانى هذه الكلمة، و أن الرقى و التقدم و مسايرة هذه النهضات الحديثة لا يكون الا عن طريق التقدم الاوربى.
و قد أدخل في روع الناس منذ ثلاثة أرباع القرن أن الرقى منوط بالمدنية الاوربية، و اذا قلت لمن أصيبوا بهذه الكارثة: ان الاوربيين أنفسهم يرون أن الاعمال العظيمة من مظاهر الايمان بالله، صموا آذانهم عن هذا كله.
و انى أذكر كلمة بسمارك العظيم اذ يتحدث عن علاقة الجندى بالله، و هو يجاهد و يجالد و يموت و ان لم يكن قائده يراه، و يقرر أن هذا شعور و وجدان.
يقول بسمارك:
((انظروا الىّ تجدونى قد ملكت من موارد الرزق مالا مطمح بعده، فلماذا أحمل نفسى هذه الهموم والالام؟ لا يحملنى على شىء من ذلك الا اعتقادى أنى في جميع أعمالى أتجه لوجه الله)) .
((انى لاعجب كيف يعيش قوم، أو كيف يؤدون ما عليهم من واجبات اذا لم يكن لهم دين سماوى، و اله يحب الخير، و يدعو اليه)) .
/ صفحة 207/
((لو لم أكن مسيحياً مخلصاً لما كان لكم وزير كبير مثلى يدبر أسرار الاتحاد الالمانى)) .
((انزعوا ثقتى بالله تنزعوا محبتى لوطنى))
.هذا ما يقوله بسمارك داهية أوربا، فالنكبة الان لم تعد قاصرة على برامجنا التي أعدها التبشير الاستعمارى المسيحى بل معظهما انتقل الى أيدى المسلمين الذين تعلموا في نطاق هذا البرنامج، تحيط بهم جميع المظاهر الاوربية الخلابة، و الدسائس السياسية و مدارس التبشير من كل جنس و كل مذهب مسيحى.
فاذا لم تحل هذه المسألة على الطريقة السلمية و تغير برامج التعليم و التربية، و يمنع الناس بالوسائل المعقولة من أن يرسلوا أولادهم لغير مدارس الدولة ذات البرنامج السليم من شوائب الاستعمار، فإن الموقف سيزداد سوءاً بالرغم من جميع الحركات العظيمة التي يتمخض عنها الوعى القومى في هذا الشرق.
ألا إنهالحقيقة أعلنها على رءوس الاشهاد، و ان تكن مرة المذاق: هي أنه لا مناص من تغيير نظم التعليم و التربية في كل مكان قامت فيه على الاسس التي وضعها الاستعمار من قريب أو بعيد.
يجب أن تستبدل هذه النظم حيثما كانت، و أن يحل محلها في جرأة و سرعة برنامج ينطوى على الايمان القوى والعلم الصحيح و التربية الكاملة، و رعاية ديننا و تقاليدنا و تاريخنا، حتى نستطيع أن نعد للعالم الاسلامى ناشئة في استطاعتها أن تتحمل أعباء النهوض من كبوة الاجيال المستضعفة، و فساد الاستعمار الماكر الخبيث، و تدهور الاخلاق الى ما تدهورت اليه من الحضيض.
و الى أن نرى هذا التفكير السليم يعقبة العمل السريع سنظل في اشفاق على جميع النهضات التي تقوم في مصر أو في غيرها من بلاد العالم الاسلامى.
و لله الامر من قبل و من بعد.