/ صفحة 248/

الديموقراطية الصحيحة

لحضرة الاستاذ الجليل محمد على علوبه

رئيس جماعة التقريب

تكاد كلمة الديمقراطية تكون غير معروفة في مصر حتى أواخر القرن الماضى و انما لهجت بها بعض الالسن و سطرها بعض الكتاب الممتازين منذ أوائل هذا القرن. ذلك بأن الاحتلال الاجنبى كان ضاغطا على البلاد، و على العقول حتى كانت نسبة الامية في تلك السنين السود أكثر من 90% بين الذكور، و تكاد تكون عامة بين الاناث، و المحتل بطبيعة الحال لايرى سلاحا يثبت استعماره و احتلاله أقوى من سلاح الابقاء على جهل الامم المستعبدة، و عدم التفكير في انهاضها أو مساعدتها على النهوض العلمى و الفكرى.

بدأ بعض المثقفين في مصر يلهجون بذكر الديمقراطية تارة في خطبهم، و طورا على صفحات الصحف، و كنت ألحظ في الشباب المثقف القيام ببعض المظاهرات التى يطالبون فيها بالدستور.

و اختلط الامر على كثير من أعيان البلاد و وجهائها، كما يمكن أن يختلط الامر الان على غير المثقفين ثقافة كاملة في معنى كلمة الديمقراطية كما يفهمها رجالها في الوقت الحاضر، و على الوضع الذى يجب أن تكون عليه.

فما هي الديمقراطية الحقة؟ هل هي الدستور؟ هل هي البرلمان؟ هل هي العدل الشامل؟ هل هي الاخلاق؟ هل هي مراقبة أعمال الحكومة؟ هل هي ايقاظ الضمير؟ هل هي الانسانية؟

/ صفحة 249/

كل هذه المعانى تمر بعقول الناس حين يسمعون لفظ الديمقراطية، و قد تختلط معانيها في أذهانهم، لهذا كان من الواجب أن نعرف كيف نشأت الديمقراطية و أين نشأت و كيف تطورت إلى معناها في زمننا الحاضر، و ما هو الوضع الذى يجب أن يفهم فيه معنى الديمقراطية الحقة.

* * *

كان الناس يعيشون في الازمنة الغابرة في ظلمات الجهل و الاستبداد المطلق، يحكمهم الحاكمون بالعسف و القهر، و كانت الرعية ترزح تحت أثقال المظالم و الجور، و في تلك الازمنة الغابرة هاجرت قبائل من آسيا الصغرى تلتمس العيش في بقاع غير موطنها، و استقر بها النوى في شبه الجزيرة المعروفة الان ببلاد اليونان، و هي بلاد يلامسها البحر من ثلاث جهات، و لا تتصل بأوروبا الا من جهة الشمال، و هي تشبه كف الإنسان بأصابعه المنبسطة فوق الماء و في وسط هذا الكف خليج يكاد يكون كالسوار في المعصم يتصل بالبحر أيضا من جهته القريبة.

و في تلك الاصقاع جبال و وهاد، و قد اتخذت كل قبيلة مكانا لها، و أصبح اتصال بعضها ببعض شاقا الا بواسطة البحر، و لم تكن طبيعة أرض هذه البلاد من الخصوبة بحيث تكفى مواردها الزراعية حاجة سكانها.

لهذا اضطرت الحاجة هؤلاء الناس إلى التفكير و اعمال الحيلة للحصول على العيش، فهداهم ذلك إلى الاهتمام بأمور الملاحة و التجارة و بعض الصناعات، و كلها أمور تدعو إلى بذل الجهد الجسمى و الفكرى.

و كان من نتائج هذا كله أن تكونت مدن مبعثرة في بلاد الاغريق مستقل بعضها عن بعض، و لما كان اللفظ الدال على المدينة بلغتهم هو ((پوليس)) فقد اعتادوا أن يسموا بعض المدن في البلاد التى أنشئوها بلفظ مركب أحد جزايه كلمة ((پوليس)) و الجزء الاخر إسم اله عندهم أو حيوان أو نحو ذلك، و هكذا سموا: مدينة الذئب، و مدينة التمساح، و مدينة الثعلب... الخ.

/ صفحة 250/

و من هذه المسميات في مصر مدين اسمها هليوبوليس، و معناها في اليونانية مدينة الشمس وهي التي نطلق عليها الآن عين شمس و من الغريب أن ترى هذا الاسم في اللغة العربية منطبقا على قرية عين شمس الاصلية و اسمها باللغة اليونانية المعربة منطبقا على هليوبوليس الجديدة المعروفة الان، و هي ليست سوى امتداد لعين شمس القديمة، و معنى الاسمين واحد، لكن اختلاف اللغة جعلهما مدينتين و قد انتشرت هذه التسمية اليونانية إلى أن وصلت إلى بلاد أمريكا، و فيها الان مدائن يونانية التسمية حديثة عهد الانشاء، ينتهى اسمها بكلمة ((پوليس)) أى مدينة. كما كانت في مصر أيام حكم الاغريق و البطالسة، مدائين ينتهى اسمها بكلمة ((پوليس)) ثم نسيت هذه الاسماء و بقى في مصر الان مدائن احتفظت بأسمائها الفرعونية القديمة أو القبطية، ثم انتشرت الاسماء باللغة العربية بعد فتوحات العرب.

و نعوذ بعد هذا الاستطراد إلى ما كنا عليه فنقول:

كانت كل مدينة من هذه المدائن منفصلة كما قلنا عن غيرها من المدائن للاسباب التى ذكرناها، و كان عدد سكان كل مدينة في ذلك الحين قليلا (من 500.1500 نسمة) فاضطر سكان كل مدينة أن يفكروا في أساليب ادارتها و حكمها، و هي أساليب تختلف باختلاف عقلية المواطنين في كل مدينة، و كانت الطريقة المثلى التى ارتأوها - و الإنسان مدنى بالطبع - هي أن يجتمع أهل المدينة كل سنة في صعيد واحد، و هو ميدان مدينتهم - يجتمع الراشدون منهم ليختاروا بطريقتهم البدائية من يوكل اليه الفصل في المنازعات و أمور الادارة و الامن و غير ذلك مما يريح أولئك الناس و هم مشغولون بأمور الملاحة أو الزراعة أو التجارة أو الصناعة، و يكون انتخاب من يقع عليه الاختيار عادة كل سنة، فاذا انقضى العام اجتمع الراشدون مرة ثانية ليعيدوا النظر في أعمال من قاموا بهذه الواجبات، و اختيار من يرون صلاحيته في السنة التالى، فاما اعادة الثقة بمن ولوا الحكم من قبل، أو استبدال غير هم بهم، و قد يعاقبون من لم يحسن أداء مهمته.

ان هذه الطريقة البدائية هي قيام الشعب كله باختيار حاكميه، و هي الرقابة

/ صفحة 251/

الفعالة، و هي سلطة الشعب المباشرة على حكامه و مراقبتهم مراقبة تامة، و بعبارة أخرى هي أن الامة مصدر السلطات دون احتياج إلى وسيط اسمه نائب أو برلمان فالبرلمان هو الشعب، و اختيار الحكام المباشر يصدر عن الشعب، و ذلك هو أصل الديمقراطية.

و كلمة ديمقواطية مكونة من لفظين ممتزجين ((ديموس)) و معناها ((أمة)) و ((كراتوس)) و معناها ((سلطة)) و هذا هو الذى نعبر عنه الان بكلمات: ((الامة مصدر السلطات)) .

* * *

ثم تزايد السكان و اتسعت المدائن، و اتصل بعضها ببعض، و كثرت الاعمال وارد هرت الصناعة و الزراعة و التجارة و الملاحة، فأصبح من العسير أن يجتمع الراشدون كلهم في سعيد واحد، و كان هذا كله سيبا في التكار طريقة انتخاب أخرى، هي أن يقوم الشعب بانتخاب و كلاء عنه، يمضون أوقاتهم في خدمته و التحدث عنه في مصالحه، و هؤلاء الوكلاء هم الذين نعبر عنهم الان بالنواب، لهم برلمانهم، و هم الذين يكون تحت مراقبتهم و برأيهم، اختيار رجال السلطة التنفيذية الذين يقومون بحكم البلاد من ادارة وأمن و قضاء و غير ذلك، و هؤلاء النواب هم الذين يراقبون سير الحكم، و يراقبون طريقة انفاق أموال الامة فيما يفيد الامة.

* * *

ان قيام هذا النوع من الحكم لم يمنع قيام أعمال أخرى في تلك البلاد - لم يمنع انهيار الديموقراطية و قيام الاستبداد و حكم الفرد أو الملوك، كما لم يمنع الانقلابات و الاضطرابات جيلا أو أجيالا، شأن البشر في أطماعهم و شرههم، و تطلعهم إلى المجد الكاذب أو الثراء أو القوة، أو غير ذلك مما يساور عقول البشر في كل وقت و حين.

انما الذى لاشك فيه، هو أن مدينة ((أثينا)) كانت في أوقات عدة مثال الديمقراطية، و كان فيها رجال عظماء أفوياء، أخص منهم بالذكر المشرع الكبير

/ صفحة 252/

في مدينة أثينا، و هو ((صولون)) ذلك الذى وضع نظاما أو دستورا لمدينة أثينا في القرن السابع و السادس قبل الميلاد. كما لا ننسى نظاما آخر وضعه ((ليكورجوس)) لمدينة اسبرطة في القرن التاسع قبل الميلاد، ذلك الذى جعل في اسبرطة نظاما من نوع آخر، يهدف إلى تكوين شعب حربى قوى يتولى تدريب أبناء اسبرطة على الكر و الفر و القتال، و يجعل منهم شعبا مهيب الجانب.

هذان هما انظامان الرئيسيان اللذان سادا في بلاد اليونان، و لهما غايتان مختلفتان، الاولى: غاية أثينا، أو هي غاية صولون في تكوين أمة ديمو قراطية، بأوسع معانى الديمقراطية و الاخرى: تهدف إلى تكوين شعب اسبرطة تكوينا قويا اشتراكيا، يجعل من اسبرطة مدينة شعب قوى مهيب.

* * *

و لقد كان لهؤلاء اليونان الاقدمين تكوين خاص، و عقلية خاصة، فهم نازحون من بلاد الى هذه البقعة المعروفة الان ببلاد اليونان، نزحوا يجاهدون في سبيل العيش، فكان عليهم أن يعملوا و يفكروا، وأتوا إلى هذه البلاد مع ما فيها من و عورة المسالك و قلة المياه، و صعوبة الحصول على العيش من الزراعة وحدها، ولكنهم وجدوا أنفسهم في أرض متصلة بالبحار من جهاتها الكثيرة و كان عليهم أن يعملوا في التجارة و الملاحة بعقولهم و جهودهم، فأصبحوا بحكم ظروف هذه البيئة مضطرين إلى العمل و التفكير، لا إلى الدعة و التواكل، حتى يعوضوا بجهودهم و تفكير هم ما ضنت به الطبيعة عليهم من خيرات تقوم بأودهم، و ترضى أطماعهم في الحياة.

بهذه العوامل المختلفة، و بفضل استعدادهم الفطرى تكونت في هذه البيئات عقول جبارة مفكرة، تختلف كثيرا عما كانت عليه الامم المحيطة بها سواء في أوروبا أو في آسيا أو في أفريقيا.

نظر هؤلاء الناس إلى الكون من جميع نواحيه، و ظهر من بينهم عقلاء و حكماء و فلاسفة و رجال حرب و كفاح و رجال أنظمة حكومية و ادارية،

/ صفحة 253/

و لا يمكننا أن نحصى عدد أولئك الذين امتازوا في التاريخ، و كانوا ائمة الامم المعاصرة لهم، و بقيت آثار كثير منهم تشغل التاريخ منذ تلك الايام الغابرة إلى أزماننا الحاضرة، و حسبنا أن نذكر منهم أبقراط و سقراط و أفلاطون و أرسطو أولئك و غيرهم كانوا هداة عصرهم و هداة الامم المحيطة بهم، و نهل العلماء و الفلاسفة إلى أيامنا هذه من ينبوع أفكارهم، و ما تركوا لنا من آثار: آثار في الطب، و في المنطق،و في الفلسفة، و في الحكمة، و في الفن الاغريقى المعروف، و في غير ذلك من مأثور الفكر الانسانى.

* * *

كان لهم في القوانين عقلية خاصة، فما كانوا يرون أن التشريعات سماوية رغم تعدد الالهة عندهم، كانوا يعبدون هذه الالهة منذ قرون عديدة قبل ظهور اليهودية و المسيحية، فقد كانوا مشركين كما كان غيرههم من الشعوب الاخرى. و قد كانت آلهتهم عديدة كما كان الهنود و المصريون كذلك، و ما كانوا يستمدون قوانينهم بوحى من أولئك الالهة، بل كانوا يضعون القوانين و يكلون أمرها إلى من يقوم بتنفيذها من الحكام أو الولاة أو الملوك، و كان القائم بتنفيذ هذه القوانين مكلفا بأن ينفذها بوحى من الامة، لان الامة هي التى اختارتها تحت رقابة الالهة، فالقوانين اذن في تلك العهود لم تكن في عرف اليونانيين وحياً أو أمراً من الالهة، و انما كان تنفيذها باعتبارها صادرة من الامة، و الالهة رقباء على تنفيذها، و بعبارة أخرى كانت للقوانين عندهم قدسيتها باعتبارها صادرة من الامة، و متى صدرت أصبح تنفيذها برقابة الالهة.

* * *

و كل هذا لم يمنع من انقلابات عدة، فقد كانت الدساتير و القوانين تهدر و كانت الفوضى تضطرم في تلك البلاد أحياناً، ثم يعود النظام أحيانا أخرى، و كم تعددت الدساتير في تلك البقاع تبعا لانقسام هذه البلاد إلى دويلات صغيرة حتى وصل الامر إلى أن أحصى عدد الدساتير المختلفة في تلك البلاد فكان يربى على مئة و خمسين دستورا في زمن ارسططاليس المعروف عندنا بأرسطو.

/ صفحة 254/

قام الحكماء و الفلاسفة بالعمل على تطهير النفوس، فكان أظهرهم سقراط ذلك الحكيم الكبير أستاذ أفلاطون، ذلك الفيلسوف الذى اكتفى بالنقد و الحوار الذى سجله أفلاطون في كتبه المعروفة.

كانت حياة أفلاطون في القرن الخامس و الرابع قبل الميلاد، و قد ابتكرطرقا عديدة عملية لخدمة بلاده و الانسانية، و وضع فيما وضع كتاب: ((الجمهورية)) و كتاب: ((القوانين)) و كان يهدف في تفكيره إلى جعل ادارة البلاد في أيدى الفلاسفة، لانهم في نظره أرفع شأنا و أوسع عقلا، و أقدر من غيرهم على حسن ادارة البلاد، و وضع في كتاب الجمهورية مشروعه المعروف، و هو أن يؤخذ الاطفال جميعا من والديهم و يربوا على نسق متجانس من التربية، و يدربوا على أن يكونوا أبناء الوطن لا أبناء آبائهم.

ثم كان أرسططاليس أو أرسطو، و هو الملقب بالمعلم الاول، و قد كان تلميذا لافلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد، كان هذا الفيلسوف الكبير يختلف عن أستاذه أفلاطون في أنه كان رجلا واقعياً، أما أفلاطون فقذ كان فيلسوفا نظرياً انسانياً الهياً.

نظر أرسطو و هو الفيلسوف الكبير الواقعى، صاحب مذهب المشائين، و أستاذ الاسكندر الاكبر و معلمه و مرشده - نظر هذا الفيلسوف إلى الدساتير الاغريقية قديمها و حديثها، و كانت كلها بين يديه، نظر اليها نظرة العالم المدقق، و الخبير العملى الذى يخضع للعقل و المنطق و الواقع معا، نظر اليها و كانت كثيرة، فاستخلص منها الوضع الواقعى كما ارتآه، و هو أن الدساتير مهما تختلف أوضاعها و طرائق التفكير فيها، ترجع في حقيقتها إلى أوضاع ثلاثة في ادارة حكم البلاد.

رأى بحكم الواقع الذى لا جدال فيه، أن البلاد اما أن يحكمها فرد أو فئة أو الجمهور كله أى الشعب، فتلك نظم ثلاثة تتفق و الواقع و لايمكن وجود نظام آخر غيرها، و في تلك الاحوال الثلاثة، قد يكون حكم الفرد صالحا أو غير صالح كما يكون حكم الفئة كذلك، كما يكون حكم الجمهور كذلك، فنستخلص من هذا كما يرى أرسطو أن حكم البلاد يكون على ستة أنظمة، نصفها صالح و الاخر فاسد.

/ صفحة 255/

و لنشرح كل نوع من هذه الانواع الستة، حتى يمكننا أن نحيط بعض الاحاطة بما رآه ارسطوا، و بما يمكن أن يستخلصه أي قارىء.

(1) حكم الفرد:

فالنوع الاول و هو حكم الفرد، و ينقسم كما قلنا إلى قسمين: اما حكم الفرد الصالح أو حكم الفرد الفاسد، فحكم الفرد الصالح يسميه أرسطو بلغته اليونانية ((الحكم الاوتوقراطى)) ذلك الحكم الذى يكون في يد رجل، و يمكننا أن نقول أن الرجل الواحد قد يكون ملكا أو امبراطوراً أو قيصرا أو شاها أو سلطانا أو ماشئت من الاسماء، انما المهم أن تكون البلاد تحت امرة رجل له سلطة مطلقة، و لايكون فاسدا - و يمكننا أن نتصور هذا الحكم بأن تخضع البلاد لرجل واحد صالح يكون له مستشارون يندبهم ليحيطوه علما بما يجرى في البلاد، و يمدوه بنصائحهم و صادق آرائهم في ادارة البلاد، و منع الظلم عن الرعية، و النهوض بالشعب إلى المستوى الذى يجب أن يكون عليه من عدل و تربية و تثقيف أملا في أن ترقى البلاد إلى المستوى اللائق بها بين اللامم في القوة و العظمة و الرفعة.

و يحضرنى في هذا المقام- اذا أردت أن أضرب مثلا لحكم الفرد الصالح - أمثلة عدة لملوك يمكن أن يطلق على كل واحد منهم كما يقال الان لقب المستبد الصالح، و انى لاختار أمثال عمر بن الخطاب أو غيره من ملوك الشرق و الغرب فسيرتهم جميعا معروفة في التاريخ و في الامم الكافة.

لكنى و قد طفت بلاد الهند علق بذهنى إسم امبراطور عظيم مسلم هو ((اكبر خان)) كان هذا الرجل الحاكم الاكبر و الامپراطور الاعظم للبلاد الهند في القرن السادس عشر، و كان نموذجا للحاكم الفرد الصالح ولا يعنينا من سيرته اتساع سلطانه انّما الذي يعنينا هنا الطريقة التي ادار بها امبراطوريته الواسعة و ملكه الفخم، فقد كان هذا الملك يحكم بلادا شاسعة مترامية الاطراف كثيرة السكان، و هي بلاد الهند كلها، و فيها قلة من المسلمين و كثرة ساحقة من الهنود.

/ صفحة 256/

و هؤلاء كانوا براهمة أو بوذيين و فيها مسيحيون و غير ذلك من المذاهب المختلفة التي يعرفها من درس حالة تلك البلاد، كيف أدار هذا الامبراطور ملكه؟ لم يدره بالنار و الحديد و لا بالظلم و الجور و العسف، و انما جمع حوله فئة من المستشارين صالحة، فكان له في قصره مكان خاص رأيته، و هو عبارة عن حجرة لها شرفة يجلس فيها الامبراطور وقت الحكم و يدعو في الحجرة كبار رجال دولته من جميع الاديان و المذاهب، فكان منهم الهنود و المسلمون و المسيحيون و غيرهم أولئك كانوا صفوة رجال الامبراطورية يجلسون و يعرض عليهم أمرا من الامور ليبت فيه، و لم يكن اذا غم عليه أمر يصدر رأيه فيه قبل أن يستشير أولئك الخبراء فيعرض عليهم الامر، ثم يتركهم ليتداولوا حتى اذا أجمعوا على حل لمشكلة من المشكلات أخذ به و توجه بأمره، أما اذا اختلفوا فكان عليه أن يبحث في أدلة كل فريق بحثا خاليا عن الغرض و مؤديا إلى نفع أمته و يختار الحل الذى يرتضيه ضميره، و هذه الخطة السليمة التى ارتضاها هذا الامبراطور لنفسه و لشعبه كانت هي الطريقة الوحيدة التى حببت جميع القلوب اليه، و أخضعت جميع الشعوب المتباينة لسلطانه عن رضا و اختيار، و ان أساليب هذا الملك الكبير في ادارة الحكم، و في تقسيم البلاد إلى مناطق أو ممالك لها استقلالها الذاتى أو شبه الذاتى و طريقة جباية الاموال، و وضع الانظمة للادارات و دور القضاء و الشرطة، و غير ذلك من أساليب الحكم الصالح كانت دستوراً قائماً حتى أخذت الحكومة البريطانية عند ما امتلكت هذه البلاد و ليس لها سوى عدد ضئيل من الانجليز الحاكمين، أخذت أو اضطرت إلى الاستعانة و الاخذ بتلك الوسائل الحكمية التى وضعها هذا الامبراطور لبلاد الهند.

أما النوع الثانى من حكم الفرد، أى حكم الفرد الفاسد، فهو الذى يسميه أرسطو بحكم الطغيان، أى حكم الملك الذى لايرعى في ادارة أمته الا و لا ذمة، يسعى في توطيد دعائم سلطانه على أساس من الفساد و الظلم و الجبروت، و يرهق شعبه بتلبية نزعاته الطائشة، و يستنزف أموال هذا الشعب بوسائل الضغط

/ صفحة 257/

و الجبروت، يستنزفها لمصلحته الخاصة، و لاهله و عشيرته، و يحتقر هذه الامة التى يحكمها، و يسومها سوء العذاب، و يسعى فيما يسعى اليه كل مستبد ظالم في ابتكار وسيلتين هما الوسيلتان الوحيدتان لارهاق كل شعب، و هما الجهل و التفرقة، فلا يفكر الا في استدامة جهل الامة و عدم يقظتها و وعيها القومى، حتى ترضى بوسائل الظلم أو تسكت عنه، و يضيف إلى ذلك اشاعة الخرافات بين أفراد هذا الشعب الجاهل حتى يستكين إلى هذه الخرافات و الاباطيل، و من ذلك أن يشيع في الامة تارة أنه حاكم بأمر الله، أو أنه ظل الله في أرضه، أو أنه مفوض من المولى جل شأنه في ادارة البلاد، أو أنه شريف حسيب نسيب، له الحق في أن يحكمها كما يشاء، أو أن ما يعمله من بشاعات انما هو الهام من الله أو ان الفرد يجب أن يخضع للقضاء و القدر، أو ان لرعيته ثواب الاخرة فترضى بعذاب الدنيا، و غير ذلك من الاساليب التى لاتخفى على من درس أحوال الحكام الفاسدين و سيرتهم.

و الطريقة الثانية التى يلجأ اليها الطاغية، هي كما قلنا وسيلة التفرقة بين أفراد الامة، بمعنى أنه يخلق فيها شيعا و أحزابا تتناحر و هي ترمى إلى مصالح ذاتية لهذه الشيع أو الافراد أو الاحزاب، لكنها في الحقيقة أمام الحاكم دمى يستعين بها على أغراضه الخاصة، و تأييد طغيانه بما يسديه إلى هؤلاء المتنافسين و المتزاحمين من بعض اللقيمات يلقيها اليهم، و هم عن الذل راضون.

لكن الطاغية يحتاج دائماً فوق اشاعة الجهل و التفرقة إلى بطانة خاصة هي بطانة السوء الاكبر، يحيطها بشىء من الامتياز، و بشىء من الحصانة و الصيانة و بشىء من نعيم هذه الدنيا كما يراه هو و تراه البطانة، و يختار هذه البطانة بعد تفكير و روية، فلا يجتذب اليه الا نفرا من الاذكياء ذوى الهمة و النشاط بشرط أن يثق بفساد ذممهم، و بأنهم خاضعون لان يبيعوا شرفهم و ينفذوا ما أمروا به من وسائل الغش و الخيانة و الفحش و الاختلاس و السرقات، فاذا اجتمعت لدى هؤلاء صفات يطمئن اليها الطاغية احتضنهم و وكل إلى كل فرد منهم ما نبغ فيه

/ صفحة 258/

من صفات الرذيلة و وسائلها و حبائلها فيصبح الطاغية مطمئناً إلى قوات متعددة، أولها بطانته الخاصة بأساليبها- و ثانيها: طلاب العيش يؤمرون فيأتمرون، و قد يكون من هؤلاء رجال لهم شىء من الضمير، لكنهم و قد غلبت عليهم المصلحة الخاصة أو الحاجة، وضعوا على ضمائرهم غشاوة يتناسون بها الفضيلة و حجتهم أمام أنفسهم أو أمام الناس أن لهم سلطانا سواء كانوا وزراء أو حكاما، و يكفى في نظرهم هذا السلطان لان يخفى ما يقترفون من آثام - و ثالث القوى: العمل على ابعاد الامة عن المثل عليا بالوسيلتين القويتين، و هما الجهل و التفرقة و انشاء الشيع و الاحزاب.

ولايمكن لامة من الامم ترزح تحت أثقال هذه العوامل الثلاثة الا أن تكون نهبا لكل طامع، و عرضة لان يلتهمها مغتصب أو مستعمر يرى الامور ممهدة أمامه بضعف شعب كان ضحية لطاغية، فلا يقوم في ادارة هذا الشعب الا بنفس الوسائل التى ابتدعها ذلك الطاغية، و هو الذى خلق في نفوس أمته أن النفاق فضيلة، و الخضوع مثوبة، و السرقة حذق، و الفحش تحرر من التقاليد البالية، و الخمر و الميسر متاع و ترفيه و براعة.

وياويل أمة استعان الطاغية في حكمها بالقوة المسلحة حتى اذا بدرت منها بوادر السخط استعان في قهرهاو اذلالها بقوته المسلحة، فيخضعها طوعاً أو كرهاً لجبروته و اذا آنس من شعبه أو من قوته المسلحة نزوعاً إلى الحرية و العدل و الكرامة، فكر في ايجاد حرس خاص له علّه يحفظه و يحميه من هذا الشذوذ أو نكران الجميل فاذا تفشى العلم و المعرفة في عقول الشعب و نمت بوادر الوعى و التمسك بالحرية و لو بسفك الدماء، و حصل التجاوب بين الشعب و قوته المسلحة، و قتئذ تدق ساعة الخلاص، و يهبط ذلك الطغيان من عليائه، و تصبح الامة و جيشها قوة واحدة مقدسة تقصى عنها الطغيان و أذنابه، و تبعده عن أرضها فيخرج ذميماً مدحوراً خائفاً و جلا تخط أنفاسه أمام عينيه في الجو.

أعطيت ملكاً فلم أحسن سياسته *** كذلك من لا يسوس الملك يخلعه

/ صفحة 259/

(2) حكم طبقة معينة:

أما النوع الثانى من الحكم كما ارتآه أرسطو، و كما حدث فعلا في زمنه و قبل زمنه، فهو حكم طبقة معينة أو فئة معينة، و هو كحكم الفرد المذكور آنفا يشمل نوعين: أحدهما صالح، و الاخر فاسد.

فالنوع الصالح من هذا الحكم هو ما يسميه أرسطوا بحكم ((الارستقراطية)) و معناها في اللغة اليونانية ((حكم الممتازين)) أو الاخيار، و قد كان أفلاطون يرمى إلى أن يعهد بالحكم إلى الفلاسفة، فاذا عهد اليهم بذلك و كان الحكم وقفاً على الفلاسفة مثلا و هم الرجال الاخيار أو الممتازون، كان هذا الحكم هو حكم الارستقراطية، و قد اتسعت فكرة الرجال الممتازين في اليونان و في غيرها، فاعتبروا من الممتازين طبقات أخرى كطبقة رجال الدين أى الكهنة، و مثلها مثلا في بلاد الهند طبقة البراهمة و هي الطبقة العليا في تلك البلاد تمتاز عن باقي الطبقات بامتيازات خاصة دقيقه، ويدخل في هذا النوع حكم كبار الرجال الذين امتازوا بفضلهم و نبلهم، و كانوا بما لديهم من رفعة الجاه و سعة الثراء يدافعون عن الوطن و يجندون الجنود و ينفقون من أموالهم ما يلزم للجيش في الدفاع عن الاوطان دون أن يكون لهم أرب في مصلحة ذاتية.

يضاف إلى ذلك ما فهمه الناس في بعض الاوقات من فكرة الانتساب إلى أصل مقدس مثلا فلطالما شاع في بلدان كثيرة فكرة اسناد الامر إلى أولئك الاشراف الذين ينحدرون من أصل مقدس كما يقولون مثلا في بلاد العرب في تلك الازمنة باسناد الحكم إلى من يسمونهم بالخلفاء لانحدارهم من سلالة أصل مقدس، و تلك كانت الفكرة التى اتخذها بعض العرب للمسلمين سندا للخلافة أى اسناد الحكم إلى تلك الطبقة الارستقراطية عندهم.

تلك إذن انواع كثيره من ارستقراطية تطوف بالعقل الإنساني، وتكوِّن ما يمكن التعبير عنه بسلطة الأخيار أو الممتازين، والغرض من هذا كله أن يسند

/ صفحة 260/

الحكم إلى رجال يؤتمنون على حسن ادارة البلاد بدقة و طهر و أمانةو تضحيات أملا في خدمة الامةو رفع شأنها.

أما النوع الثانى من حكم الطبقات و هو الحكم الفاسد الذى ارتآه ارسطو، فلا يسميه بالارستقراطية، و انما يطلق عليه إسم ((الاوليجاركية)) و معناها حكم الاقلية، أى حكم فريق من أولئك الذين أثروا دون أن يكون لهم نبل مشهود به، اذ المعروف في تلك البلاد القديمة أنهم كانوا يعتبرون طبقة الفلاسفة و الحكماء و الاشراف طبقة ممتازة لها احترامها و تبجيلها، و ما كان الناس في تلك العهود سواء أكانوا في بلاد اليونان أو غيرها ليحترموا طبقة الزراع و الصناع و التجار، فهى صناعات يدوية، و كان الناس في مصر من عهد قريب بمثل هذا الرأى يرون طبقة الفلاح و الصانع و التاجر طبقة ثانوية، و كانوا يقولون فى مصر ان أبناء أولئك الناس ليسوا من ذوى الاصول أى النسب و الحسب، و بلاد اليونان القديمة كغيرها كانت على هذه الوتيرة، لكن التجار و الصناع فيها قد أثروا و أصبح لهم نفوذ و خطر، نفوذ جعلهم ذوى سلطان مكنهم من الوثوب إلى الحكم، و ليست لهم عراقة الاصل، يصلون إلى الحكم للجاه لا لخدمة البلاد و لجمع الثروات لا للتضحيات في سبيل الوطن، فتنقلب بذلك حالة البلاد من حكم نبيل طاهر إلى حكم الجهالة و الدنس الذى لاغية له الا اشباع أطماع هؤلاء الدخلاء.

و قد يمكننا أن نضرب مثلا لهذه الحالة في بلادنا المصرية - و هي حالة حكم الاقلية، الذين لايرجى منهم خير للبلاد، و الذين يملكون نواصى الامة بالعسف و الجبروت لمصالحهم الخاصة - بهؤلاء المماليك الجراكسة النازحين إلى مصر، و الذين كانوا من الموالى و العبيد، أولئك الجهلاء المستبدين الذين لايعرف لهم أصل يوثق بفضله و نبله، و الذين هم في الغالب من العبيد العتقاء، و قد أصبحوا من الجند أو القادة بفضل انتسابهم إلى سادتهم من غير المصريين، هؤلاء المماليك الجراكسة و ثبوا إلى حكم البلاد المصرية، و التاريخ يشهد بأنهم فوق جهلهم و بغضهم و احتقارهم للامة التى آوتهم قد عاثوا في الارض

/ صفحة 261/

فساداً، وقاست الامة من جورهم و ظلمهم ما قاسته من الظلم و الفساد و الرشوة و امتهان الكرامة.

و من عادة هؤلاء الظالمين الذين يسعون في الارض فساداً أن يلجأوا إلى شىء يظنون أنهم يستطيعون أن يستروا به جورهم و عسفهم فيلجأون عادة إلى تقريب رجال الدين و اقامة المعابد أو المساجد تظاهراً بالتقوى و الصلاح، و يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، و ما ليس من أعمالهم.

كنت و أناصبى أسمع من كبار السن من ذوينا رواية لايتطرق اليها الشك، هي أن أحد هؤلاء الحكام الجراكسة و قد كان مديراً لاحدى المديريات، أمر بضرب رجل بالكرباج، و قام الحاكم الظالم هذا ليؤدى الصلاة مصرحا لاعوانه الذين أمروا بتنفيذ حكمه الا يكفوا عن الضرب إلى أن ينتهى من صلاته، و أخذ يعبد الله كما يدعى و يطيل في الصلاة و في تسبيح الله جل شأنه، و طلب غفرانه و رحمته، و الكرباج يهوى على المصرى و يمزق جسده، إلى أن انتهى حضرة الحاكم من تعبده و توسلاته، و كاد الرجل يموت من شدة الضرب و قسوته.

و أعراف أن المصرى ما كان يدعى في تلك الازمان الغابرة الا بأنه ((جنس فلاح)) امعانا في الاحتقار، ذلك أن أولئك الجراكسة أو تلك القلة كما يسميها أرسطو، كانت تحتقر الزراعة و التجارة و الصناعة، كما كان يحتقرها أولئك الاقدمون في البلاد الاخرى اكتفاء بما يعتزون به من جاه الحكم و كثرة المال الذى كانت تدره عليهم وظائفهم، و يسديه اليهم طغيانهم.

ألم يصل إلى علمك ما يعرفه الخلف عن السلف من أن الامير في الزمن السابق كان اذا رضى عن وجيه من وجهاء المصريين أهداه جارية بيضاء معتوقة يتزوج بها، و كان هذا شرفا عظيما للوجيه المصرى، و كيف لايكون له هذا الشرف و هو قد اتصل بالسلالة الجر كسية بزواجه من رقيقة معتوقة، ربما كانت من قبل في فراش ذلك الامير.

ذلك هو معنى حكم القلة أو الاقلية كما ارتآه اليونان، و كما طبق في بلادنا.

/ صفحة 262/

(3) حكم الشعب:

سبق لنا القول عن حكم الفرد بنوعيه صالحه و فاسده، و عن حكم فئة من فئات الامة بنوعيه صالحه و فاسده.

و الان نتكلم عما يسميه أرسطو بحكم الشعب، و ربما يدهشك اذا قيل لك أن حكم الشعب قد يكون أيضاً صالحاً و فاسداً كما ارتآه أرسطو.

(1) فحكم الشعب الصالح هو ما يسمى بالديمقراطية اذ أن الامة مصدر السلطات، و معنى هذا في نظر أرسطو و غيره أن تقوم الامة بانتخاب وكلائها عنها انتخاباً سليماً صالحاً، و أن يكون للحكومة وزراء يراقب نواب الامة أعمالهم و يسيرون على النهج المستقيم، و يكون لنواب الامة حق التشريع، و اقرار الضرائب، و مراقبة صرفها و محاسبة الوزراء على تصرفاتهم، و مسئوليتهم أمام النواب، و منحهم الثقة أو سحبها منهم لبقائهم أو بقاء بعضهم أو خروجهم من الوزارة، و بالجملة تنسيق الاعمال على الوضع الذى ترتضيه - و على ذلك فالديمقراطية معناها أن تحكم الدولة بواسطة الشعب و لمصلحة الشعب.

أما كيف يكون تنظيم البرلمان، و هل يكون من درجة أو درجتين، و كيف يكون عدد أعضائه بالنسبة لعدد المواطنين، و كم يكون عدد أعضاء الوزارة، و هل تكون الدولة ملكية أو جمهورية، فتلك كلها تفصيلات لا تدخل في جوهر الديمقراطية، انما المهم فيها و الاساس أن تكون الامة مصدر السلطات حقا و فعلا.

هذا هو مبدأ الديمقراطية و معناها كما يراها الناس جميعا.

(2) و النوع الثانى هو ما اذا فسدت الديمقراطية، و أصبحت شكلا لا موضوع له و هو ما يسميه أرسطو: ((بالديماجوجية)) و معناها في اليونانية أن تكون الامة مسوقة، و حقيقتها أن يقوم رجل يؤثر في عقول الشعب تأثيراً عميقا بنشاطه و ذكائه و ذلاقة لسانه، فيجمع حوله بعض المفتونين به، و تزداد شهرته بالوعود المعسولة، و الامال البراقة، و المظاهرات و الدعايات و التهريج،

/ صفحة 263/

و قد يسبغ على نفسه أو يسبغ عليه أنصاره و مريدون شيئا من القداسة و مخالفة المألوف من طبائع البشر فيستولى على نفوس الكثرة الساحقة من الطبقة الساذجة، و بذلك يتمكن من السيطرة على العقول و دفعها الى ما يريد، و هو لايضمر فى الواقع سوى مجد شخصه، و علو مكانته حتى ينكشف أمره بعد أن تدفع الامة ثمن ضلالاته.

و هذا النوع من الديماجوجية و هو ظهور زعيم تسيير وزراءه الامة كما يشاء و يهوى، لايحدث غالباً الا فى الامم التى لم يتم نضجها، فيسهل بذلك انقيادها، أما الام التى وصلت الى شىء من الرقى فانها تكشف أمر مثل هذا الزعيم بعد قليل من الزمن، و فى الامم التى ارتقت ارتقاء كاملا يصعب أن تظهر فيها هذه الديماجوجية.

* * *

هذا هو تقسيم نظام الحكم كما ارتآه ارسطو، مراعيا فى ذلك حالة الواقع فى الانظمة القديمة، و قد رأى بعض الفلاسفة و الحكماء أن الامم المنحطة ليس لهاالا حكم الفرد الصالح يهديها سبل الرشاد، و يسير بها فى سبيل الرقى و القوة، و أن الامم التى ارتقت نوعاً و لم تستكمل رقيها يجدر بها أن تحكمها طبقة الاستقراطية أى طبقة الرجال الممتازين، أما الامم الراقية فأحسن نظام لها يجب الاخذ به هو نظام الديمقراطية.

على أن الامم التى ارتقت ارتقاء كاملا، أو ارتقاء محدوداً، و شاع فيها الوعى القومى، لايمكن أن ترضى بغير الديمقرطية، و هى ان لم تعط لها، أخذتها أخذا.