/ صفحة 264/

البسملة فى فاتحة الكتاب و غيرها

و هل تقرأ فى الصلاة؟

لحضرة صاحب السماحة العلامة الاكبر السيد شرف الدين الموسوى

لبنان(1)

اختلفت آراء أهل الرأى من المسلمين فى ذلك، فذهب مالك و الاوزاعى الى أنها ليست من القرآن، و منعا من قراءتها فى الفرائض بقول مطلق سواء أكانت فى افتتاح سورة الحمد أم فى افتتاح السورة بعدها، و سواء أقرئت جهراً أم اخفاتاً، نعم أجازا قراءتها فى النافلة.(2)

أما أبو حنيفة و الثورى و أتباعهما فقرءوها فى افتتاح أم القرآن لكن أوجبوا اخفاتها حتى فى الجهريات، و هذا يشعر بموافقتهما لمالك و الاوزاعى، و ربما كان دالا عليه، اذ لا تعرف وجهاً لاخفاتها فى الجهريات سوى أنها ليست من أم الكتاب.

لكن الشافعى قرأها فى الجهريات جهراً، و فى الاخفاتيات اخفاناً، وعدهاآية من فاتحة الكتاب، و هذا قول أحمد بن حنبل و أبى ثور و أبى عبيد، و اختلف المنقول عن الشافعى فى أنها آية من كل سورة عدا براءة، أم أنها ليست بآية من غير أم الكتاب فنقل عنه القولان جميعاً، لكن المحققين من أصحابه قد اتفقوا

ــــــــــ

(1) من بحوثه الفقهية الجليلة التى أهداها الى (دارالتقريب).

(2) نقل ابن رشد هذا كله عن مالك فى صفحة 96 من الجزء الاول من كتابه بداية المجتهد، و قال الرازى حول البسملة فى تفسيره الكبير صفحة 100 من جزئه الاول ما هذا نصه: قال مالك و الاوزاعى إنها ليست من القرآن الا فى سورة النمل و لا تقرأ فى الصلاة لا سراً و لا جهراً الا فى قيام شهر رمضان.

/ صفحة 265/

على أن البسملة قرآن من سائر السور(1)، و تأولوا القولين المنقولين عن امامهم الشافعى(2).

أما نحن - معشر الامامية - فقد أجمعنا - تبعاً لائمة الهدى من أهل بيت النبوة - على أنها آية تامة من السبع المثانى، و من كل سورة من القرآن العظيم ما خلا براءة، و أن من تركها فى الصلاة عمداً بطلت صلاته، سواء أكانت فرضاً أم كانت تفلاً، و أنه يجب الجهر بها فيما يجهر فيه بالقراءة، و أنه يستحب الجهر بها فيما يخافت فيه(3)، و أنها بعض آية من سورة النمل، و نصوص ائمتنا فى هذا كله متضافرة متواترة تواتراً معنوياً، و أساليبها ظاهرة فى الانكار على مخالفيهم فيها كقول الامام أبى عبدالله الصادق (عليه السلام)(4): ما لهم؟! عمدوا الى أعظم آية فى كتاب الله عزوجل، فزعموا أنها بدعة اذا أظهرواها، و هى بسم الله الرحمن الرحيم. اهـ.

و حجتنا من طريق الجمهور صحاحهم و هى كثيرة.

أحدها ما هو ثابت عن ابن جريح عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فى قوله تعالى: ((و لقد آتيناك سبعاً من المثانى)) قال: فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله رب العالمين; و قرأ السورة. قال ابن جريح: فقلت لابى: لقد أخبرك سعيد عن ابن عباس أنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم آيه؟ قال: نعم و هذا

ــــــــــ

(1) نقل اتفاقهم هذا و تأولهم لقولى امامهم جماعة من الاعلام أحدهم الرازى حول البسملة من تفسيره الكبير صفحة 104 من جزئه الاول.

(2) و ذلك أنهم قالوا لم يختلف النقل عنه فى أصل المسألة، و انما اختلف النقل عنه فى أنها آية تامة من سائر السور أو أنها بعض آية من كل سورة.

(3) ان للامام الرازى حول البسملة من تفسيره الكبير عدة حجج على الجهر بها، و قد نقل فى الثالثة منها أن علياً رضى الله عنه كان مذهبه الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى جميع الصلوات، و قال: إنّ هذه الحجة قوية فى نفسى راسخة فى عقلى لا تزول البتة.

(4) نقله عنه الامام الطبرسى حول البسملة من الجزء الاول من مجمع اليبان.

/ صفحة 266/

الحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك، و أورده الذهبى فى تلخصيه و صرحاً بصحة اسناده(1).

ثانيها ما صح عن ابن عباس أيضا. قال: ان النبى صلى الله عليه و سلم كان اذا جاءه جبرائيل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة(2).

ثالثها ما صح عن ابن عباس أيضاً. قال: كان النبى صلى الله عليه و سلم لايعلم ختم السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم.(3)

رابعها ما صح عنه أيضاً. قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فاذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم علموا أن السورة قد انقضت.(4)

خامسها ما صح عن أم سلمة قالت: كان النبى صلى الله عليه و سلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله رب ا لعالمين

الى آخرها يقطعها حرفاً حرفاً(5)

و عن أم سلمة ايضاً من طريق آخر قالت: كان النبى صلى الله عليه و سلم قرأ فى الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم و عدها آية، الحمدلله رب العامين آيتين،

ــــــــــ

(1) فراجع تفسير سورة الفاتحة من كتاب التفسير من المستدرك للحاكم، و من تلخيصه للذهبى صفحة 257 من جزئهما الثانى تجد الحديث منصوصاً على صحته من الحاكم و الذهبى كليهما.

(2) أخرجه الحاكم فى كتاب الصلاة من مستدركه صفحة 231 من جزئه الاول، فقال: هذا حديث صحيح الاسناد و لم يخرجاه.

(3) أخرجه الحاكم فى كتاب الصلاة من مستدركه، و أورده الذهبى فى التلخيص مصرحين بصحته على شرط الشيخين، فراجع صفحة 231 من الجزء الاول من المستدرك و تلخيصه المطبوعين معاً.

(4) أخرجه الحاكم فى صفحة 232 من الجزء الاول من المستدرك، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و صححه الذهبى على شرطهما أيضاً اذ أورده فى التلخيص.

(5) أخرجه الحاكم فى المستدرك و أورده الذهبى فى تلخيصه مصرحين بصحته على شرط الشيخين فراجع من المستدرك و تلخيصه صفحة 232 من جزئهما الاول.

/ صفحة 267/

الرحمن الرحيم ثلاث آيات، مالك يوم الدين أربع، اياك نعبد و اياك نستعين، فجمع خمس أصابعه الحديث(2).

سادسها ما صح عن نعيم المجمر. قال: كنت و راء أبى هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ و لا الضالين قال آمين فقال الناس آمين(2) فلما سلم قال: و الذى نفسى بيده انى لاشبهكم

صلاة برسول الله صلى الله عليه و سلم.(3)

و عن أبى هريرة أيضاً قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجهر فى الصلاة - ببسم الله الرحمن الرحيم(4).

سابعها ما صح عن أنس بن مالك. قال صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة فقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم لام القرآن و لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التى بعدها حتى قضى تلك القراءة فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين و الانصار من كل مكان: يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التى بعد أم القرآن الحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك و صححه على شرط مسلم(5) و أخرجه غير واحد من أصحاب المسانيد كالامام

ــــــــــ

(1) أخرجه الحاكم عن أم سلمة بعد حديثها السابق شاهداً له.

(2) ليس من مذهبنا قول آمين عند انتهاء الفاتحة من الصلاة لا للمنفرد و لا للمأموم و لا للامام لكونه ليس منها و لا من القرآن فى شىء اجماعاً و قولا واحداً، و لم يرو فيه أثر من طريقنا و لم ينقل عن أحد من أئمتنا بخلاف الجمهور فانه من شعارهم و قد رووا فيه أخباراً صحاحاً على شرطهم و حديث أبى هريرة هذا من جملتها فهو من السنن أثناء الصلاة عندهم.

(3) أخرجه الحاكم فى المستدرك بعد حديثى أم سلمة بلا فصل و أورده الذهبى ثمة فى تلخيصه مصرحين بصحته على شرط الشيخين.

(4) أخرجه الحاكم بعد الحديث المتقدم شاهداً له و أخرجه البيهقى فى السنن الكبير كما فى ص 105 من الجزء الاول من تفسير الرازى.

(5) و أورده الذهبى فى تلخيص المستدرك و صححه على شرط مسلم و جعله الحاكم و الذهبى علة و نقيضا لحديث قتادة عن أنس. اذ قال: صليت خلف النبى صلى الله عليه و سلم و أبى بكر و عمر و عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم و هذا باطل كما سنوضحة فى الاصل قريباً ان شاء الله تعالى و قد أخرج الحاكم هذا الحديث و ما بعده تزييفاً له و شواهد لبطلانه.

/ صفحة 268/

الشافعى فى مسنده(1) و علق عليه تعليقة يجدر بنا ايرادها. اذ قال(2) ان معاوية كان سلطاناً عظيم القوة شديد الشوكة فلولا أن الجهر بالتسمية كان الامر المقرر عند كل الصحابة من المهاجرين و الانصار لما قدروا على اظهار الانكار عليه بسبب ترك التسمية اهـ.

و لنا تعليقة على هذا الحديث ألفت اليها كل بحاثة فأقول: ان من أمعن فى هذا الحديث و جده من الادلة على مذهبنا فى البسملة و فى عدم جواز التبعيض فى السورة التى تقرأ فى الصلاة بعد أم القرآن اذ لا وجه لانكارهم عليه الا بناء على مذهبنا فى المسألتين.

ثامنها: ما صح عن أنس أيضاً من طريق آخر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يجهر - فى الصلاة - ببسم الله الرحمن الرحيم(3)

تاسعها: ما صح عن محمد بن السرى العسقلانى. قال صليت خلف المعتمر ابن سليمان ما لا أحصى صلاة الصبح و المغرب فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب و بعدها – للسورة- و سمعت المعتمر يقول: ما آلو أن اقتدى بصلاة أبى و قال أبى، ما آلو أن اقتدى بصلاة أنس بن مالك و قال أنس: ما آلو ان اقتدى بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم(4) قلت: آنست من هذا الحديث

ــــــــــ

(1) راجع من مسنده صفحة 13.

(2) فيما نقله عنه الرازى فى الحجة الرابعة من حججه على الجهر بالبسملة صفحة 105 من الجزء الاول من تفسيره الكبير.

(3) أخرجه الحاكم و أورده الذهبى فى باب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من كتابيهما و قالا: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات و جعلاه علة و نقيضاً لحديث قتادة عن أنس.

(4) أخرجه الحاكم فى المستدرك و أورده الذهبى فى التلخيص و نصا على أن رواته عن آخرهم ثقات و جعلاه علة و نقيضاً لحديث قتادة عن أنس، الباطل.

/ صفحة 269/

و غيره أنهم كانوا يقرءون بعد أم القرآن سورة تامه من بسملتها حتى منتهاها كما هو مذهبنا و يدل عليه كثير من الاخبار(1).

و عن قتادة قال: سئل أنس بن مالك كيف كان قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ قال: كانت مداثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد الرحمن و يمد الرحيم.

و عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال صليت خلف النبى صلى الله عليه و سلم و خلف أبى بكر و خلف عمر و خلف عثمان و خلف على فكلهم كانوا يجهرون بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم.

أخرج هذه الاحاديث كلها و ما قبلها أمام المحدثين أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابورى فى مستدركه. ثم قال بعد الاخير منها ما هذا نصه. انما ذكرت هذا الحديث شاهداً لما تقدمه ففى هذه الاخبار التى ذكرناها معارضة لحديث قتادة الذى يرويه أئمتنا عنه - و لفظه عن أنس قال. صليت خلف النبى صلى الله عليه و سلم و أبى بكر و عمر و عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم - (ثم قال الحاكم): و قد بقى فى الباب عن أميرالمؤمنين عثمان و على و طلحة ابن عبيدالله و جابر بن عبدالله و عبدالله بن عمر و الحكم بن عمير الثمالى و النعمان ابن بشير و سمرة بن جندب و بريدة الاسلمى و عائشة بنت الصديق رضى الله عنهم(2) كلها مخرجة عندى فى الباب تركتها ايثاراً للتخفيف و اختصرت... الخ.

قلت: و ذكر الرازى فى تفسيره الكبير(3) أن البيهقى روى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى سننه عن عمر بن الخطاب و ابن عباس و ابن عمر و ابن الزبير، ثم قال الرازى ما هذا لفظه: و أما أن على بن أبى طالب رضى الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر و من اقتدى فى دينه بعلى بن أبى طالب فقد اهتدى.

ــــــــــ

(1) فعن ابن عمر أنه كان لايدع بسم الله الرحمن الرحيم لام القرآن و للسورة التى بعدها أخرجه الامام الشافعى فى صفحة 13 من مسنده.

(2) فراجعه فى صفحة 234 الجزء الاول من المستدرك.

(3) أثناء الحجة الخامسة من حججه على الجهر بالبسملة صفحة 105 من جزئه الاول.

/ صفحة 270/

(قال): و الدليل عليه قول رسول الله صلى الله عليه و سلم ((اللهم أدر الحق مع على حيث دار)) .

و حسبنا حجة - على أن البسملة آية قرآنية فى مفتتح السور كلها ما خلا براءة - أن الصحابة كافة

فالتابعين أجمعين فسائر تابعيهم و تابعى التابعين فى كل خلف من هذه الامة منذ دوّن القرآن الى يومنا هذا مجمعون اجماعاً عمليا على كتابة البسملة فى مفتتح كل سورة خلا براءة.

كتبوها كما كتبوا غيرها من سائر الايات بدون ميزة مع أنهم كافة متصافقون على أن لا يكتبوا شيئاً من غير القرآن الا بميزة بينة حرصاً منهم على أن لايختلط فيه شىء من غيره، ألا تراهم كيف ميزوا عنه أسماء سوره و رموز أجزائه و أحزابه و أرباعه و أخماسه و أعشاره فوضعوها خارجة عن السور على وجه يعلم منه خروجها عن القرآن احتفاظاً به و احتياطاً عليه، و لعلك تعلم أن الامة قلّ ما اجتمعت بقضها و قضيضها على أمر كاجتماعها على ذلك و هذا بمجرده دليل على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية مستقلة فى مفتتح كل سورة رسمها السلف و الخلف فى مفتتحها و الحمدلله على الاعتدال.

و أيضاً فإن من المأثور المشهور عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، قوله: كل أمر ذى بال لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع(1) و كل أمر ذى بال لايبدأ فيه ببسم الله فهو أبتراً أو أجذم(2) و من المعلوم أن القرآن أفضل ما أوحاه الله تعالى الى أنبيائه و رسله و أن كل سورة منه ذات بال و عظمة تحدّى الله بها البشر فعجزوا عن أن يأتوا بمثلها، فهل يمكن أن يكون القرآن أقطع؟! تعالى الله و تعالى فرقانه الحكيم و تعالت سوره عن ذلك علواً كبيراً.

و الصلاة هى الفلاح و هى خير العمل كما ينادى به فى أعلى المنائر و المنابر

ــــــــــ

(1) أخرجه بهذا اللفظ الشيخ عبدالقادر الزهاوى فى أربعينة بسنده الى أبى هريرة و رواه السيوطى فى حرف الكاف من جامعة الصغير صفحة 91 من جزئه الثانى، و أورده المتقى الهندى فى صفحة 193 من الجزء الاول من كنزالعمال و هو الحديث 2497.

(2) أرسله الامام الرازى بهذا اللفظ حول البسملة من الجزء الاول من تفسيره.

/ صفحة 271/

و يعرفه البادى و الحاضر لا يوازنها و لا يكايلها شىء بعد الايمان بالله تعالى و كتبه و رسله و اليوم الاخر فهل يجوز أن يشرعها الله تعالى بتراء جذماء ان هذا لا يجرأ على القول به برّ و لا فاجر، لكن الائمة البررة مالكاً و الاوزاعى و أبا حنيفة رضى الله عنهم ذهلوا عن هذه اللوازم، و كل مجتهد فى الاستنباط من الادلة الشرعية معذور و مأجور ان أصاب و ان أخطأ.

حجة مخالفينا فى المسألة:

احتجوا بأمور: أحدها أنها لو كانت آية من الفاتحة للزم التكرار فيها بالرحمن الرحيم، و لو كانت جزءاً من كل سووة للزم تكرارها فى القرآن مائة و ثلاث عشرة مرة.

و الجواب أن الحال قد تقتضى ذلك اهتماما ببعض الشئون العظمى و تأكيداً لها و عناية بها، و فى الذكر الحكيم من هذا شىء كثير و حسبك سورة الرحمن و سورتا المرسلات و الكافرون، و أى شأن من أهم مهمات الدنيا و الاخرة يستوجب التأكيد الشديد و يستحق أعظم العنايات كاسم الله الرحمن الرحيم و هل بعثت الانبياء و هبطت الملائكة و نزلت الكتب السماوية الا باسم الله الرحمن الرحيم و الهداية اليه عزوجل، و هل قامت السموات و الارض و من فيهن الا باسم الله الرحمن الرحيم(1) ((يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء و الارض لا اله الا هو فأنىّ تؤفكون)) .

ثانيها ما جاء عن أبى هريرة مرفوعاً اذ قال: يقول الله تعالى قسمت الصلاة بينى و بين عبدى نصفين فاذا قال العبد: الحمدلله رب العالمين، يقول الله تعالى: حمدنى عبدى. و اذا قال: الرحمن الرحيم، يقول الله تعالى: أثنى على عبدى،

ــــــــــ

(1) فالمؤمن يفتتح أعماله كلها باسم الله الرحمن الرحيم فاذا أكل أو شرب أو قام أو قعد أو دخل أو خرج أو أخذ أو أعطى أو قرأ أو كتب أو أملى أو خطب أو ذبح أو نحر قال: بسم الله الرحمن الرحيم. و القابلة اذا أخذت الولد حين ولادته تقول: باسم الله و اذا مات قال بسم الله و اذا أدخل القبر قيل بسم الله و اذا قام من قبره قال بسم الله و اذا حضر الموقف قال بسم الله و هل منجى يومئذ أو ملجأ الا الله؟ ثبتنا الله بالقول الثابت فى الحياة الدنيا و الاخرة

/ صفحة 272/

و اذا قال: مالك يوم الدين، يقول الله تعالى: مجدنى عبدى، و اذا قال: اياك نعبد و اياك نستعين، يقول الله تعالى: هذا بينى و بين عبدى. الخبر، و وجه الاستدلال به أنه لم يذكر فى آيات الفاتحة بسم الله الرحن الرحيم و لو كانت آية لذكرها.

و الجواب أن هذا معارض بخبر ابن عباس مرفوعا، و فيه قسمت الصلاة بينى و بين عبدى، فاذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: دعانى عبدى. الحديث(1)، و هو طويل، و شاهدنا فيه أنه قد اشتمل على البسملة، فنقض حديث أبى هريرة على أن أباهريرة روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى الصلاة، و كان هو يجهر بها و يقول: انى لاشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه و سلم و قد مر عليك حديثاه فى ذلك(2).

ثالثها ما جاء عن عائشة: أن النبى صلى الله عليه و سلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير و القراءة بالحمدلله رب العالمين، و لا حجة لهم به لانها جعلت الحمدلله رب العالمين اسماً لهذه السورة كما تقول: قرأت قل هو الله أحد، و قرأ فلان: انا فتحنا لك فتحاً مبينا، و ما أشبه ذلك، فيكون معنى الحديث أنه صلى الله عليه و سلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير و بقراءة هذه السورة التى أولها بسم الله الرحمن الرحيم.(3)

رابعها خبر ابن مغفل اذ قال: سمعنى أبى و أنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقال: يا بنى اياك و الحدث فانى صليت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبى بكر و عمر و عثمان فلم أسمع رجلا منهم يقرؤها(4)

ــــــــــ

(1) نقله المتقى الهندى حول البسملة صفحة 320 من الجزء الاول من الكنز، عن شعب الايمان للبيهقى.

(2) فراجع الحديث السادس و الذى بعده من حججنا

(3) هذا ملخص ما قاله الامام الشافعى فى الجواب عن احتجاجهم بهذا الحديث.

(4) حديث ابن مغفل هذا أورده الامام الرازى فى حجج مخالفيه فى المسألة صفحة 106 من الجزء الاول من تفسيره. ثم قال: أن أنساً و ابن مغفل خصصا عدم ذكر بسم الله الرحمن الرحيم بالخلفاء الثلاثة و لم يذكرا علياً و ذلك يدل على أن علياً كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.

/ صفحة 273/

و الجواب أن أئمة الجرح و التعديل لايعرفون ابن مغفل، و لا أثر لحديثه عندهم، و قد أورده ابن رشد حول البسملة من كتابه: بداية المجتهد(1)، فأسقطة بما نقله عن أبى عمر بن عبدالبر من النص على أن ابن مغفل رجل مهجور.

خامسها خبر شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك(2) قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبى بكر و عمر و عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، و نحوه حديث حميد الطويل عن أنس أيضاً(3) قال: قمت وراء أبى بكر و عمر و عثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.

و الجواب أنك سمعت فى حججنا ما صح عن أنس مما يناقض هذين الخبرين فأمعن فيما أسلفناه، و قد أورد الامام الرازى خبر أنس هذا فى حجج مخالفيه، ثم قال: و الجواب عنه من وجوه:

الاول: قال الشيخ أبو حامد الاسفراينى: روى عن أنس فى هذا الباب ست روايات، أما الحنيفة فقد رووا عنه ثلاث روايات:

احداها: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم و خلف أبى بكر و عمر و عثمان فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمدلله رب العالمين.

و ثانيتها قوله: أنهم ما كانوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم.

و ثالثتها قوله: لم أسمع أحداً منهم قال بسم الله الرحمن الرحيم.

فهذه الروايات الثلاث توافق قول الحنفية.

قال: و ثلاث أخرى تناقضه.

احداها: حديثه فى أن معاوية لما ترك بسم الله الرحمن الرحيم فى الصلاة أنكر عليه المهاجرون و الانصار، و هذا يدل أن الجهر بالبسملة كان كالامر المتواتر عندهم، المسلم فيما بينهم.

ــــــــــ

(1) صفحة 97 من جزئه الاول.

(2) أخرجهم مسلم من طريقين عن شعبة عن أنس فى باب حجة من قال: لا يجهر بالبسمة من صحيحه.

(3) فيما أخرجه مالك فى العمل فى القراءة من موطئه.

/ صفحة 274/

قال و ثانيتها: روى أبو قلابة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبا بكر و عمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم(1)

قال و ثالثتها: أنه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم و الاسرار به فقال لا أدرى هذه المسألة - قال: فثبت أن الرواية عن أنس فى هذه المسألة قد عظم فيها الخبط و الاضطراب فبقيت متعارضة فوجب الرجوع الى غيرها من سائر الادلة - قال: الامام الرازى: و أيضاً ففيها تهمة أخرى و هى أن علياً (عليه السلام) كان يبالغ فى الجهر بالتسمية فلما وصلت الدولة الى بنى أمية بالغوا فى المنع من الجهر بها سعياً فى ابطال آثار على (عليه السلام)(2) - قال: فعل أنساً خاف منهم فلهذا السبب اضطربت أقواله، قال: و نحن مهما شككنا فى شىء فلا نشك فى أنه اذا وقع التعارض بين قول أمثال أنس و ابن المغفل و بين قول على ابن ابيطالب (عليه السلام) الذى بقى عليه طول عمره فإن الاخذ بقول على أولى (قال) فهذا جواب قاطع فى المسألة الى أن قال: و من اتخذ علياً اماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى فى دينه و نفسه الى آخر كلامه(3) قلت: فالحمد لله الذى هدانا لهذا و ما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.

ــــــــــ

(1) و قد أوردنا فى حججنا رواية حميد الطويل عن أنس قال: صليت خلف النبى صلى الله عليه و سلم و أبى بكر و عمر و عثمان و على فكلهم كانوا يجهرون بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم.

(2) هذه سيرتهم مع أميرالمؤمنين و بنيه فى كثير من شرائع الله تعالى حتى التبس الحق بالباطل، و لا حول و لا قوة الا بالله العلى العظيم.

(3) فراجعه فى صفحة 156 و آخره فى صفحة 107 من الجزء الاول من تفسيره الكبير.